إبراهيم عيسى

إبراهيم عيسى
الميلاد9 نوفمبر 1965م (1385هـ)، قويسنا، المنوفية، مصر
البلدمصر
المهنةإعلامي وصحفي وروائي وكاتب سيناريو، يقدم برنامج «حديث القاهرة» على قناة القاهرة والناس
الانتماءالعلمانية الإعلامية ومدرسة التشكيك في السنة تحت شعار «تجديد الخطاب الديني»
أبرز الأعمال
القائمة…[إظهار][إخفاء]
  • برنامج «حديث القاهرة»
  • برنامج «مختلف عليه»
  • رواية «مولانا» (2012)
  • رواية «رحلة الدم» (2016)
  • أفلام «مولانا» و«الضيف» و«صاحب المقام» و«الملحد»
التصنيفأهل الضلال

زنديقُ الشاشة المصرية، وأوسعُ من فتح للعوام بابَ إنكار السنة في زماننا، وأجرأُ من احترف ردَّ الثوابت على الهواء: إبراهيم عيسى، وُلد في قويسنا من أعمال المنوفية بمصر يوم 9 من نوفمبر 1965 م (1385 هـ).

هو من طينة صحفيي الإثارة لا من طينة أهل الفكر: عدّته لسانٌ عامي ساخر، وعنوانٌ صادم، وبديهةٌ حاضرة، وجرأةٌ لا يضبطها علم. أمسك جمهوره بأن قدّم له الاستهزاء بالدين في قالب «التنوير»، فصار المتحدثَ الرسمي باسم التبرم بالتدين عند شريحة من شباب المدن. ومشروعه الذي ثبت عليه أكثر من ثلاثين سنة: نزع القداسة عن السنة النبوية وأحكام الشريعة، وردُّ الدين إلى ذوق صحفي علماني، تحت لافتة «تجديد الخطاب الديني» و«الدولة المدنية».

وموضعه من عصره أنه نقل مقالة إنكار السنة من كتب النخبة المعزولة إلى شاشة يومية تدخل بيوت الملايين، وفتح للعوام بابًا كان محصورًا في أروقة المستشرقين وتلامذتهم: أن يسمع المسلم قبل نومه أن معراج نبيه خرافة، وأن صحابته لصوص وقتلة، وأن شريعته وهمٌ لا وجود له. وقد امتاز عن أضرابه بميزة واحدة: حمايةُ دولةٍ تمنع الكلام في السياسة وتفسح له في الدين ما شاء.

قلتُ: وحكمُه عندنا مأخوذ من فمه ومنبره قبل كل ناقل: زنديق إعلامي بمجموع مقالاته ومنشوراته، أنكر المعراج وعذاب القبر، ونفى أن يكون في الإسلام شريعة أو خلافة، وطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، وسمّى نفسه معتزليًا، ثم فتح منبره لترويج أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نصرانيًا، وأن جبريل هو الله، وأن القرآن صياغة بشرية، وأن النبوة لا خصوصية لها على ماني وزرادشت، وكذّب أمية النبي، وأقيمت عليه الحجة معلنةً فأصرّ وما رجع. وستأتيك الليلة التي قال فيها كلمته الكبرى بلفظها، فقف عندها طويلًا.

محتويات
  1. 1 النشأة والتكوين: صحفي بلا ساعة علم واحدة
  2. 2 ليلة «هتصدق إن مفيش معراج؟»
  3. 3 «الدستور» الأولى: صناعة الاسم بالمعارضة (1995-2003)
  4. 4 باب أمن الدولة: ممنوع في السياسة، مأذون في الدين (2003-2010)
  5. 5 راكب الثورة ثم مبرر المذبحة (2011-2013)
  6. 6 صوت السلطان وفقيه استوديوهاته (2014-2016)
  7. 7 العودة على شرط الدين: من «الضيف» إلى ليلة المعراج (2018-2022)
  8. 8 آخر العهد به: خصم المقاومة ومحامي «التنوير» (2023-2026)
  9. 9 ما له من سابقة: الشجاعة التي بيعت في سوقها
  10. 10 الأصل الجامع: دين بلا وحي ثانٍ ولا أمة
  11. 11 قوله ونقيضه: التواريخ وحدها تحاكمه
  12. 12 «سقطة القناع: من نقض الفروع إلى نسف أصل النبوة»
  13. 13 الخلاصة النهائية
  14. 14 سجل المصادر

النشأة والتكوين: صحفي بلا ساعة علم واحدة

وُلد إبراهيم عيسى سنة 1965 في قويسنا بالمنوفية، في دلتا مصر التي كانت تموج يومئذ بين مدّ عبد الناصر وهزيمة 1967 القادمة. والتحق بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، وبدأ العمل في مجلة «روز اليوسف» وهو طالب في السنة الأولى، فتشرّب صنعة الصحافة المصرية بمدرستها اليسارية الساخرة قبل أن يستوي عوده، وتخرج سنة 1987 وله اثنتان وعشرون سنة.

ثم استقال من «روز اليوسف» سنة 1990 على خلفية موقفه من غزو العراق للكويت، والأمة يومئذ منقسمة على نفسها والجيوش الأجنبية تنزل أرض الجزيرة. وأصدر في أول طريقه روايات وكتبًا صغيرة، حتى أخرج سنة 1994، وله تسع وعشرون سنة، كتابًا سماه «فصل الخطاب في ارتداء الحجاب» ينتهي فيه إلى التشكيك في فرضية الحجاب. فتأمل: أول راية رفعها في حياته كانت في وجه فريضة نص عليها القرآن: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور]، وأطبقت عليها المذاهب الأربعة، رفعها شابٌّ صنعتُه المانشيت، لم يجلس إلى عالم، ولم يقرأ بابًا من أبواب الفقه على أهله، ولم يحمل من علوم الوحي إلا ما يحمله محرر صفحة المنوعات.

وهذا هو المفتاح الأول لفهم الرجل كله: تكوينه إعلامي خالص، والدين عنده من أول يوم موضوعُ تحريرٍ يُصنع منه عنوان، لا علمٌ يُتلقى بشرطه. فإذا رأيته بعد ثلاثين سنة يصحح ويضعف ويؤرخ للصحابة ويفتي في أعظم الغيب، فاعلم أنك أمام محرر صحفي جلس مجلس المحدّثين بلا أدواتهم، وأمام جمهور لا يملك أن يميز بين الصنعتين.

ليلة «هتصدق إن مفيش معراج؟»

في مساء الجمعة 18 من فبراير 2022، وقبل ذكرى الإسراء والمعراج بأيام، جلس إبراهيم عيسى، وله ست وخمسون سنة، في استوديو برنامجه «حديث القاهرة» على قناة «القاهرة والناس»، وقال للمصريين في حلقة مسجلة محفوظة: «القصص اللي بيحكيها لك الشيوخ 99% منها كاذبة»، وضرب لذلك مثلًا بقصة «عدلت فأمنت فنمت يا عمر» فأعلن أنها كاذبة، ثم بلغ الذروة فقال بلفظه: «إيه رأيك إن مفيش معراج، هتصدق إن مفيش؟ وكل قصة إنه طلع السما وشاف الناس اللي في السما وشاف الناس في النار، كل دي قصة وهمية كاملة»، وزعم أن كتب السيرة والحديث تروّج ما يثبتها وتكتم ما ينفيها.

رجلٌ لا يحسن قراءة حديث بإسناده، ينفي في جملة واحدة معجزةً ثبتت في الصحيحين من حديث أنس وغيره، وتلقتها الأمة قرنًا بعد قرن بالقبول، ونزل في شأنها قرآن يُتلى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى﴾ [النجم]. ثم لم تكن زلة مجلس؛ فقد سبق أن أنكر المعراج في ديسمبر 2020 فمرّت بلا ضجة كما وثّق راصدوه، فلما أعادها سنة 2022 قامت عليه عاصفة لم تقم على إعلامي مصري في باب الدين قبله، وسيأتيك خبرها في سنتها.

فمن أين جاء صحفيٌّ بهذه الجرأة على مقام النبوة؟ ولماذا يقولها آمنًا مطمئنًا في بلد يُسجن فيه المغرد بكلمة؟ الجواب في الطريق الذي قطعه إلى ذلك المقعد، فارجع معي إلى حيث بدأ.

«الدستور» الأولى: صناعة الاسم بالمعارضة (1995-2003)

في ديسمبر 1995، وله ثلاثون سنة، تولى إبراهيم عيسى رئاسة تحرير جريدة «الدستور» المصرية الوليدة، فصنع منها في ثلاث سنين أجرأ منبر معارض لنظام حسني مبارك: فضائح فساد، وسخرية من الحاشية، وعناوين لم تعتدها الصحافة المصرية. وكان هذا زمن الصدام الدامي بين الدولة والجماعات المسلحة في التسعينيات؛ فلما نشرت الجريدة سنة 1998 بيانًا منسوبًا إلى الجماعة الإسلامية أُغلقت بقرار من الدولة، وطُورد اسم عيسى من الصحف.

وفي سنة 1999 صادرت الحكومة روايته «مقتل الرجل الكبير» التي تخيّل فيها اغتيال رئيس مستبد شبيه بمبارك، ولم تجرؤ دار نشر على طبعها، وأصدر كتابه «أفكار مهددة بالقتل». ثم تنقّل رئيسًا لتحرير «صوت الأمة» وغيرها، وكتب في هذه الفترة مقاله المشهور في الطعن في أبي هريرة رضي الله عنه؛ ونشر في 11 من ديسمبر 2001 مقالًابعنوان «أبو هريرة الإمام الغامض» يرميه فيه بالخيانة والسرقة من أموال المسلمين، وأبو هريرة صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحافظُ الأمة، روى عنه ثمانمئة فأكثر من الصحابة والتابعين، وعدالته ثابتة بتعديل الله لأصحاب نبيه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح]، والثابت في سيرته أن عمر استعمله على البحرين ثم استعفى وردّ ما عنده، فرميُه بالسرقة بعد أربعة عشر قرنًا قذفٌ بلا إسناد، لا يملك صاحبه فيه إلا سوء الظن بخير القرون.

وفي سنة 2001 دخل التلفزيون من باب برنامج «على القهوة» على قناة دريم، فذاق حلاوة الشاشة سنتين حتى أوقف البرنامج سنة 2003 بضغط السلطة التي ضاقت بلسانه السياسي. وهنا وقعت الواقعة التي ستطبع بقية عمره.

باب أمن الدولة: ممنوع في السياسة، مأذون في الدين (2003-2010)

لما أُغلق باب السياسة في وجهه، انفتح له باب آخر لم يكن يخطر على بال: برامج «التاريخ الإسلامي». فقدّم «الفهرس»، و«الرائعان» عن أبي بكر وعمر، و«الرائعتان» عن عائشة وفاطمة، و«الله أعلم»، و«الطريق إلى كربلاء» على قناة شبابيك البحرينية. واعترف هو نفسه بحقيقة هذا التحول اعترافًا يغني عن كل تحليل، إذ قال ما نصه إن برامج التاريخ الإسلامي كانت «مجرد حيلة لكي يظل حضوري على الشاشة» بعد أن أُغلق باب برامج التاريخ الحالي.

وهذا الإقرار وحده يعدل نصف الترجمة، فلا تمر عليه مرًّا. دخل الرجل الكلامَ في الدين لأن الدين كان المساحة الوحيدة المسموح له بالكلام فيها؛ لا عن غيرة، ولا عن بحث، ولا عن شبهة عرضت له فطلب لها جوابًا. وقد لخص ملف استقصائي مطول نشرته الجزيرة نت في 12 من يونيو 2022 رسالة الأجهزة الأمنية له في تلك المرحلة بأنها: يُمنع من تجاوز الخطوط الحمراء السياسية، «أما في الدين فليتحدث بما شاء»، وفسّر الكاتب مسلكه بعدها بأنه دأب على نقد البخاري وابن تيمية وأبي هريرة لأن «كل هؤلاء مجرد تاريخ ولن يستطيع أحدهم وقف برنامجه». فالبخاري لا يملك جهاز أمن، وأبو هريرة لا يرفع قضية. وهكذا صارت السنة النبوية عنده هي «المعارضة الآمنة»: يشبع بها غريزة الهدم التي منعته الدولة من تصريفها في وجهها، ويقبض ثمنها شهرةً ومالًا وبقاءً على الشاشة.

وفي سنة 2005 أصدر كتابه «دم الحسين» يسرد فيه الفتنة سردًا قصصيًا انتقائيًا أخذ عليه راصدوه اعتماد مرويات تُغلّط الصحابة وتضخم مثالبهم حتى رماه بعضهم بالتشيع المستتر، وهي تهمة لم تثبت، والثابت أقبح منها: أنه يحتطب في التاريخ من كل رواية تسوّد وجه القوم بلا تمييز بين ثابت ومكذوب.

ثم عادت «الدستور» سنة 2005 وعاد لرئاسة تحريرها وله أربعون سنة، في السنة التي فُتح فيها باب التعديلات الدستورية وأول انتخابات رئاسية تعددية شكلية في مصر، فجعل صحة الرئيس الشائخ وملف توريث الحكم لولده مادته اليومية. وعادت معها معاركه مع النظام: حُكم عليه سنة 2006 في قضية سب ثم خُفف الحكم استئنافًا، وفي 2008 حُبس شهرين بتهمة نشر شائعات عن صحة مبارك، ثم أصدر مبارك عفوًا رئاسيًا عنه في 6 من أكتوبر 2008، ونال في السنة نفسها جائزة جبران تويني من الاتحاد العالمي للصحف، وسيأتي وزن هذا الباب كله في موضعه. وفي 5 من أكتوبر 2010 أقاله مالك الجريدة الجديد السيد البدوي على خلفية إصراره على نشر مقال لمحمد البرادعي، قبل الثورة بثلاثة أشهر، فخرج من «الدستور» مظلومًا في ظاهر الخبر، محملًا برصيد «الشهيد الصحفي» الذي سينفقه كله فيما بعد في سوق أخرى.

راكب الثورة ثم مبرر المذبحة (2011-2013)

قامت ثورة يناير 2011 فكان عيسى في قلب موجتها: شارك في إنشاء قناة «التحرير» في فبراير 2011، وقدم «في الميدان»، وأطلق جريدة «التحرير»، وقدّم صالونًا حواريًا على الجزيرة مباشر مصر، ثم «هنا القاهرة» و«إبراهيم والناس» سنة 2012. وكان في هذه الفترة يعتاش على لقب «صوت الثورة الجريء»، ثم انصرف بكليته إلى حرب محمد مرسي والإخوان، فجعل برامجه ومقالاته مطرقة يومية عليهم حتى 30 يونيو 2013.

فلما وقع الانقلاب العسكري في 3 من يوليو 2013 انحاز إليه انحيازًا كاملًا. وجاء يوم 14 من أغسطس 2013، يوم فُضّ اعتصام رابعة والنهضة بالنار، ووثقت منظمات حقوقية دولية مقتل ما يزيد على 1000 معتصم في رابعة وحدها في ذلك اليوم، فقال عيسى: «مشهد الجثث مروع والحادث يئن له أي إنسان. لكن الإخوان هم من حرضوا على قتل هؤلاء البسطاء». فتأمل هذا الميزان: القتيل إخواني، والقاتل بريء، والمحرّض هو الضحية نفسها. ونسب إليه في هذه الحقبة مقالًا بعنوان «طاعة السيسي من الشريعة الإسلامية» يوظف فيه نصوص السمع والطاعة لتسويغ الانقلاب، فانظر إلى الرجل الذي سينكر بعد سنة واحدة وجود شيء اسمه «الشريعة الإسلامية» أصلًا، كيف استلّها هنا سيفًا لطاعة الحاكم العسكري. وقد وصفه محمد البرادعي، رفيق مرحلته الثورية، بأنه أكثر شخص شعر منه بالخيانة عقب انقلاب 2013.

وكم في هذا الموضع من عبرة: صحفيٌّ حُبس شهرين من أجل مقال، فلما رأى الدم بالعين لم يجد له إلا أن يحمّله على المقتول. ومن يومئذ صار الاحتجاج بضميره الصحفي نكتةً ثقيلة على كل من عرف القصة.

صوت السلطان وفقيه استوديوهاته (2014-2016)

اختاره عبد الفتاح السيسي مع لميس الحديدي لإجراء أول لقاء تلفزيوني معه قبيل ترشحه للرئاسة سنة 2014، فكان ذلك إعلان اعتماده صوتًا للعهد الجديد. وفي رمضان تلك السنة، في يوليو 2014، قال في برنامجه على قناة ON بلفظه: «لا يوجد في الإسلام شيء يسمى بعذاب القبر، أو ثعبان أقرع أو بشعر»، وقال: «لو في عذاب قبر ليه ربنا مقلناش عليه»، وزعم أن ابن حزم أنكره. وعذابُ القبر ثابت بالقرآن: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر]، وبالسنة المتواترة، حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ منه في كل صلاة كما في الصحيحين، وأجمع عليه أهل السنة قاطبة؛ ونسبتُه الإنكارَ إلى ابن حزم غلطٌ مركب يكشف أنه ينقل عن مقالات لا عن كتب.

ثم قدّم برنامج «25/30» على قناة ON المملوكة يومئذ لرجل الأعمال نجيب ساويرس، فقال في حلقة 29 من أكتوبر 2014 كلامه الجامع الذي لا يحتاج معه شاهد آخر على مذهبه: «التاريخ الإسلامي الذي يُدرس للطلبة في المدارس ويجسد تاريخ الصحابة مزور وكذوب»، و«مفيش كتاب كده ربنا سبحانه وتعالى سماه الشريعة الإسلامية»، و«مفيش حاجة اسمها الخلافة في الإسلام»، ووصف الأحزاب الدينية بأنها «خنجر في ظهر مصر»، وقال إن إسلام برهامي والشحات «جعل من بعض الشباب ملحدًا بالدين». وأما الشريعة فقد سمّاها الله في كتابه الذي يزعم عيسى التمسك به وحده: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية]، وقال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة]؛ فالرجل ينكر لفظًا قرآنيًا صريحًا وهو يرفع شعار «القرآن وحده». وأما الخلافة فقد أجمع الصحابة على نصب الخليفة يوم السقيفة قبل دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنكار أصلها إنكار لأول إجماع في الإسلام. وأما رمي تاريخ الصحابة كله بالتزوير فهو الجرأة التي بنى عليها روايته الكبرى بعد سنتين.

وفي هذه الأثناء وقعت واقعة تكشف الرجل أكثر من عقيدته: شهد في إعادة محاكمة مبارك، الرجل الذي بنى مجده كله على معارضته واتهامه بقتل المتظاهرين، فإذا به يقول كما وثق ملف الجزيرة إن مبارك «بطل ولم يأمر بقتل أحد»، وينكر أنه رأى الشرطة تقتل متظاهرًا واحدًا سنة 2011. فضع الشهادتين إحداهما بإزاء الأخرى، وقل بربك: أيّ الرجلين نصدّق؟

وفي سنة 2016 أصدر روايته «رحلة الدم» (القتلة الأوائل) في نحو 700 صفحة عن مقتل عثمان رضي الله عنه، وهي أخطر ما كتب على الإطلاق؛ فقد وثّق نقادها، ومنهم مراجعة مفصلة نشرتها مدونات الجزيرة في سبتمبر 2018، أنه صوّر فيها عمرو بن العاص سارقًا يبني القصور من خزائن مصر، وصوّر عثمان ذا النورين في مشاهد جنسية صريحة مع زوجه نائلة، ورماه بأخذ حلي بيت المال لامرأته، وزعم أنه دُفن في مقابر اليهود، وجعل طلحة وعائشة أم المؤمنين ممولَين لقتلة عثمان، وأنطق معاذ بن جبل في وجه عمر بقوله «لن أطيعك في شيء»؛ كل ذلك بلا توثيق لحادثة واحدة في هامش، معتمدًا فيما اعتمد على كتاب «سقيفة حبي» لجورج كدر في الجنس عند العرب وعلى مرويات شيعية ساقطة.

قلتُ: هذا ليس أدبًا ولا تاريخًا، هذا قذفٌ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصهاره وأمهات المؤمنين في قالب رواية، يحتمي بكلمة «فن» من المساءلة، والله يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة]. ومن جعل تعديل الله وراء ظهره وصدّق جورج كدر، فقد أخبرك عن قبلته.

وفي السنة نفسها تحولت روايته «مولانا» (الصادرة سنة 2012) إلى فيلم سينمائي يبشر بشيخ «عقلاني» يقول للناس «فيه مئات أحاديث ضعيفة نحتاج نعمّل فيها العقل»، ويصوّر المتدينين غوغاء يحرقون بيوت الصوفية. غير أن لسانه الذي أُطلق في الدين امتد في خريف 2016 إلى ما لا يُحتمل: حلقات تنقد قوانين الحكومة والبرلمان، فتوقف برنامجه «مع إبراهيم عيسى» على قناة «القاهرة والناس» في 1 من يناير 2017، وأقر هو في بيانه أن «ضغوطًا» كانت وراء التوقف. جريءٌ في صناعة الإثارة إلى آخر مدى، محسوبُ الخطو أمام ولي نعمته إلى آخر مدى؛ فلما اختلط الحسابان لحظةً واحدة أُسكت في أربع وعشرين ساعة، وذاق طباخ السم ملعقة من قِدره.

العودة على شرط الدين: من «الضيف» إلى ليلة المعراج (2018-2022)

عاد إلى الشاشة وقد فهم الدرس: السياسة لأهلها، والدين مباح. فتفرغ لمشروعه الأصلي بغزارة لم يعرفها من قبل: رواية «الملحد» عن التطرف الذي يفضي إلى الإلحاد، ثم فيلم «الضيف» سنة 2019 الذي جعل بطله «مفكرًا تنويريًا» يقرر أن الحجاب بدعة ما ظهرت إلا في السبعينيات، ويجيب عن سؤال دعوة زوجته النصرانية إلى الإسلام بقوله: «ما هو ربنا هاديها، أهديها أنا ليه؟»، وجعل السلفي في الفيلم إرهابيًا يتهيأ للقتل، فرد عليه أهل الإسلام وفضحوه. ثم فيلم «صاحب المقام» سنة 2020 الذي قلب فيه البندقية إلى الكتف الأخرى: رجل أعمال يهدم ضريح «سيدي هلال» فتنزل به الكوارث حتى يتوب إلى الأولياء وخدمة المقامات!

واحفظ هذه المفارقة فهي من أدل ما في السيرة: الرجل الذي ينكر المعراج الثابت بالقرآن والتواتر لأنه «غير معقول»، يكتب فيلمًا كاملًا يروّج أن هدم ضريح يجلب اللعنات وأن بركة الميت تدبر أمر الحي. فليس عنده ميزان عقل ولا نقل؛ ينكر الغيب الذي جاء به الوحي، ويثبت الخرافة التي يحاربها الوحي، ما دامت الأولى تُغضب أهل السنة والثانية تُرضي سوق السينما ومزاج الدولة في «التدين الآمن».

وواظب في برنامجه «مختلف عليه» وبودكاسته «جدليات» على حلقات تنفي فرضية الحجاب وتعيد إنتاج كتابه القديم بلغة الاستوديو. وإذا سُئل في حواراته عن دينه أجاب بلفظه: «أنا مسلم معتزلي العقيدة حنفي الفقه.. علاقتي بربنا وصلاتي وصيامي وزكاتي وحجي هذا أمر يخصني مع ربنا ولا شأن لأحد به»، وقال لسائليه: «إنتو مالكو»، وصرّح: «أنا ضد وجود دار الإفتاء من الأساس.. أنا مؤمن مش ملحد، وياريت أكون مفتي».

وفي ديسمبر 2020 أنكر المعراج على الهواء فمرت بلا عاصفة، حتى جاءت ليلة 18 من فبراير 2022 التي مضى خبرها في صدر هذه الترجمة، فانفجر ما كان مكتومًا: بلاغات للنائب العام تتهمه بازدراء الأديان وإنكار معلوم من الدين بالضرورة، وقرار من النيابة العامة بالتحقيق، وتفريغ للحلقة في نقابة الإعلاميين والمجلس الأعلى للإعلام، وانسحاب مضطر من مهرجان أسوان في 23 من فبراير. وتكلمت المؤسسة الدينية كلها: أصدرت دار الإفتاء بيانًا بأن رحلة الإسراء والمعراج «حدثت قطعًا ولا يجوز إنكارها»، وأكد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن المعجزة ثابتة بالقرآن والسنة والإجماع، وقال المشرف على الفتوى بالأزهر عباس شومان: «من الغريب والعجيب، وبعد مرور هذه القرون على إجماع علماء الأمة على حدثي الإسراء والمعراج، يظهر علينا بين الحين والحين من يشكك في هذين الحدثين أو أحدهما»، ورد شيخ الأزهر أحمد الطيب والمفتي مقررين ثبوت المعجزة.

فماذا صنع صاحبنا أمام هذا الإجماع؟ خرج يوم 24 من فبراير يقول: «لم أنكر المعراج وحدث سوء فهم»، ويقول: «أنا مقولتش حاجة عن الإسراء والمعراج غلط». والتسجيل محفوظ بلفظه: «كل دي قصة وهمية كاملة». فجمع إلى الجرأة على الوحي الجبنَ عن تحمل قولته، وإلى إنكار المعجزة إنكارَ الإنكار، وهذا الصنيع لا يصدر ممن يثق بأن الحق معه. ولم يُعلن عن مآل التحقيق معه شيء إلى يوم كتابة هذه الترجمة، وبقي على شاشته كأن شيئًا لم يكن؛ وهذا وحده جوابُ من يسأل: من يحميه؟

ولم ينتظر طويلًا؛ ففي رمضان 2022 نفسه عُرض مسلسله «فاتن أمل حربي» ببطولة نيللي كريم، يحرّض على قوانين الأحوال الشخصية المستمدة من الشريعة في قالب مأساة أم مطلقة، فأصدر مركز الأزهر العالمي للفتوى في 16 من أبريل 2022 بيانًا شديد اللهجة يحذر مما تضمنه العمل من الاستهزاء بآيات القرآن وهدم مكانة السنة وتشويه صورة عالم الدين، فرد عيسى واصفًا موقف منتقديه بأنه «تشبث بالرجعية». وفي الشهر نفسه شهدت عليه الصحفية ياسمين الجيوشي علنًا بمنع رواتب موظفيه وفصل الحوامل تعسفيًا في مؤسساته، بعد أن كان بلال فضل قد وثّق من قبل شكاوى صحفيي «الدستور» من استغلاله لهم منذ 2006 وتهديدهم بالفصل؛ وهي شهادات زملاء تُذكر بنسبتها. نصيرُ الغلابة على الشاشة كل مساء، وخصمُ رواتبهم في مؤسساته بشهادة من عملوا معه.

آخر العهد به: خصم المقاومة ومحامي «التنوير» (2023-2026)

جاء طوفان الأقصى في 7 من أكتوبر 2023، ثم انهمرت الإبادة على غزة شهورًا وسنوات، والعالم كله يرى المجازر مصورة. فأين وقف إبراهيم عيسى؟ وقف حيث يقف دائمًا: على المنصة الآمنة، يرمي الغريق. قال إن قادة حماس «عملاء لإيران أشعلوا الحرب وقادوا الفلسطينيين لمذبحة ودمّروا غزة» كما نقلت عنه صحيفة الوفد، وقرر أن حماس «سحقت غزة وجلبت الدمار للمقاومة الفلسطينية»، وبلغ به الأمر أن قدّم «الخطر على مصر من غزة لا من إسرائيل».

وظل إلى مايو 2026 يقرر أن «نتائج 7 أكتوبر كانت كارثية على غزة والفلسطينيين» وأنها «خدمت اليمين الإسرائيلي». وهو في ذلك كله يقول إنه لا يبرئ إسرائيل ويصف احتلالها لغزة بأنه احتلال لا يماري فيه إلا مكابر؛ فسجّل له هذا الحرف، ثم انظر أين صرف جهده: لم يخصص لسانه المدرب للجلاد، بل جعل عموده الثابت شيطنة المقاومة وتحميل الضحية دم نفسها، على السنّة التي جربها في رابعة قبل عشر سنين سواء بسواء.

وفي أغسطس 2024 خرج فيلمه «الملحد» فواجهته دعاوى قضائية وتأجل عرضه، فقال: «الفن أقوى من الموت»، وقال لشبكة CNN إن الفيلم «هو الدولة المدنية التي ندافع عنها»، وصرح بأن منعه «استفز التيار الإسلامي». وفي سنة 2025 تفرغ لشتم الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع بمقاطع متداولة يقول في أحدها: «خد رعاياك يا أعمى البصيرة وحلّ عن مصر»؛ فالرجل لا يطيق أن يرى إسلاميًا يحكم ولو تلبس بكل ثياب الواقعية؛ فقضيته الحقيقية هي الإسلام إذا اقترب من أي سلطة، والتطرفُ عنوانٌ يتستر به. وفي ديسمبر 2025 كان لا يزال يعيد أسطوانته: «الإسلام في جوهره بريء من التعصب والتطرف»، بمعناه الخاص: بريء من الشريعة والسنة وكل ما يخالف ذوقه.

وهو اليوم في الستين من عمره، يقدم برنامج مختلف عليه على قناة الحرة الممولة أمريكيًا، و«حديث القاهرة» على قناة «القاهرة والناس» المملوكة لرجل الإعلانات طارق نور، ويكتب في جريدته «المقال»، وتُبث حلقاته في المنصات، وقد نقلت صحف مصرية عن إقراره الضريبي لسنة 2015 وحدها نحو 16 مليون جنيه من قناة واحدة والإذاعة، وتناقلت تقديرات لثروته بمليار جنيه واتهامات بالتهرب الضريبي لم تُحسم قضائيًا، فتُذكر كلها بنسبتها إلى ناشريها. أربعون سنة وهو يهدم بلا كلل، وما زال كل مساء يجلس المجلس نفسه: يسخر من حديث، ويلمز فقيهًا، ويعيد إنتاج شبهة قديمة بلهجة عامية ساخرة يظنها جمهوره كشفًا جديدًا. نسأل الله أن يقطع عن المسلمين شره، وأن يهدي من اغتر بلسانه.

ما له من سابقة: الشجاعة التي بيعت في سوقها

ليس من العدل أن يُطوى ما كان له في باب الصحافة السياسية. فقد عارض مبارك في أوج سطوته حين كانت المعارضة تكلف صاحبها، وحُكم عليه وحُبس شهرين سنة 2008 من أجل النشر، ونال جائزة جبران تويني من الاتحاد العالمي للصحف في السنة نفسها، وأقيل من «الدستور» سنة 2010 وهو ثابت على خطه المعارض. وهو فوق ذلك صانع صحف ماهر، وروائي متقن الحبكة تبلغ رواياته القوائم والشاشات، وقد صدق في جزئيات متناثرة.

لكن زِن هذا كله بميزانه. شجاعته أمام مبارك كانت رأس ماله، فلما جاء امتحانها الحقيقي يوم سالت الدماء سنة 2013 باعها في أول مزاد، وصار يشهد للرجل الذي عارضه بأنه «بطل لم يأمر بقتل أحد»؛ فأثبت أن الأمر ما كان شجاعة مبدأ، وإنما مغامرة صحفي يزايد على سلطة يعرف حدود بطشها. وجائزة حرية الصحافة انقلبت حجة عليه: نالها من كان يقول إن الكلمة أمانة، ثم أفتى بأن إسكات خصومه وقتلهم وسجنهم استقرار.

الأصل الجامع: دين بلا وحي ثانٍ ولا أمة

من تتبع مقالات الرجل من سنة 1994 إلى اليوم رأى خيطًا واحدًا ينظمها لا يند عنه شيء: إسقاط المصدر الثاني للوحي، ثم فتح الباب لهدم المصدر الأول وأصل النبوة نفسها. كتاب الحجاب سنة 1994 أنكر فريضة ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع. مقال أبي هريرة سنة 2001 طعن في أوعية نقل السنة. إنكار عذاب القبر سنة 2014 رد للمتواتر منها. إنكار الشريعة والخلافة في السنة نفسها هدم لثمرتها. «رحلة الدم» سنة 2016 إسقاط لعدالة حملتها الأولين. إنكار المعراج سنة 2020 ثم 2022 رد لأصح ما فيها وأعظمه. ثم بلغ في «مختلف عليه» أصل الرسالة، فنشر مزاعم تنصّر النبي صلى الله عليه وسلم، وخلط جبريل بالله، وبشرية ألفاظ القرآن واقتباس قصصه من مرويات الكنيسة، وتسوية النبوة المحمدية بماني وزرادشت، وتكذيب أمية الرسول. هذه ليست زلات متفرقة يجمعها سوء حظ؛ هذا منهج مستقر مطرد أكثر من ثلاثين سنة: بدأ بإسقاط السنة، وانتهى إلى تمكين الطعن في الرسول والقرآن، وكل ما لم يوافق ذوقه أو ذوق ضيوفه فهو عنده اختلاق «الشيوخ» أو صناعة التاريخ. وهو يصرح بغايته من غير مواربة: دولة «مدنية» بمعناها العلماني الصريح، يقول عن فيلمه «الملحد» إنه «هو الدولة المدنية التي ندافع عنها»، ويقول كما تقدم: «أنا ضد وجود دار الإفتاء من الأساس.. وياريت أكون مفتي»، ويعرّف عقيدته لمن سأله: «أنا مسلم معتزلي العقيدة حنفي الفقه».

فاضبط بهذا الإقرار مذهبه من فمه: معتزليٌّ في زمن لا اعتزال فيه إلا رفض السنة، يتدين بدين فردي «يخصه مع ربنا» وينفي عن الدين كل سلطان على الحياة، ثم يجلس كل مساء يزاول الإفتاء الذي «يتمناه» وهو ينكر على أهله وجودهم. وهذا هو المنهج المستخرج من فعله: ليس عنده «تجديد خطاب»، عنده إحلال: يُخرج البخاري ويُدخل ذوقه، يُسقط الإجماع ويقيم مقامه «العقل» الذي هو رأيه هو، ويحارب «وصاية» الأزهر ليمارس هو الوصاية من الاستوديو بحماية سلطة تسجن معارضيها. فأي الرجلين أهون: صاحب هوى يعرف أنه صاحب هوى، أم صاحب هوى يسميه تنويرًا ويأخذ عليه أجرًا من المال العام والخاص؟

قوله ونقيضه: التواريخ وحدها تحاكمه

هذه مواضع من سجله يوضع فيها التاريخان متجاورين، وقد مضى خبر كل واحدة في سنتها:

  • قال سنين طوالًا إن مبارك نظام قتل وفساد وحُبس في عهده، ثم شهد بعد سقوطه أنه «بطل ولم يأمر بقتل أحد»؛ وبين القولين تغير شيء واحد: صاحب السلطة الذي يُرضى عنه.
  • بنى اسمه على قدسية حرية الرأي وسُجن لأجلها، ثم بارك بعد 2013 أوسع موجة إسكات وسجن للصحفيين والمخالفين في تاريخ مصر الحديث ما دام المسجون خصمه؛ فحريته حرية اتجاه واحد.
  • أنكر في أكتوبر 2014 وجود «الشريعة الإسلامية» أصلًا، ونسب إليه خصومه قبل ذلك بعام مقالًا يجعل «طاعة السيسي من الشريعة الإسلامية»؛ فالشريعة معدومة إذا حكمت، موجودة إذا خدمت.
  • أنكر المعراج وعذاب القبر لأن «العقل» لا يقبلهما، وكتب سنة 2020 فيلمًا يقرر أن هدم ضريح يجلب الكوارث وأن صاحبه يتصرف من قبره؛ فعقلانيته تنكر ما أثبته الوحي وتثبت ما أنكره.
  • يعلن أن غايته الدفاع عن الإسلام وتجديد خطابه، ثم ينشر في «مختلف عليه» من يجعل النبي نصرانيًا والقرآن صناعة بشرية والنبوة المحمدية كتجربتي ماني وزرادشت؛ فتجديده يبدأ بحذف السنة وينتهي بحذف النبوة والوحي.
  • يندد بثراء «شيوخ الفضائيات» وتجار الدين، وقد نقلت الصحف عن إقراره الضريبي لسنة واحدة 16 مليون جنيه من الكلام في الدين وغيره، وموظفوه يشكونه علنًا؛ فالتجارة بالدين حرام على الشيوخ حلال على «التنويريين».
  • رفع شعار الانحياز للضعفاء عمره كله، فلما صار الضعفاء معتصمي رابعة حمّلهم دمهم، ولما صاروا أهل غزة تحت الإبادة حمّل المقاومة دمهم؛ فهو مع الضعيف ما لم يغضب القوي.

فأي شهادة بعد هذا؟ الرجل لم يثبت على شيء قط إلا على شيء واحد: الطعن في الدين وأهله؛ فهو الخط الوحيد الذي لم ينقلب عنه منذ 1994، لأنه الخط الوحيد الذي لم يكلفه شيئًا وأكسبه كل شيء.

«سقطة القناع: من نقض الفروع إلى نسف أصل النبوة»

بلغ إبراهيم عيسى في منبره «مختلف عليه» غاية الانتكاس؛ إذ جاوز الطعن في الصحاح والسنن إلى استهداف أصل الوحي وعصمة الرسالة، حين أفرد شاشته لخليله فراس السواح، مروّجاً لطوامه ومقاطع حلقاته بعناوين براقة فيها إساءة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم؛ ليثبّت في أذهان الناس أخطر أبواب الزندقة:

  1. إبطال النبوة وجعلها انشقاقاً نصرانياً: بزعمه أن النبي ﷺ نشأ مسيحياً في بيئة شامية، وصاغ دعوة بشرية مستعارة، نافياً حقيقة الاصطفاء الإلهي والوحي المكي.
  2. العبث بالتوحيد والملائكة: بترويجه أن «جبريل هو الله» أو مجرد «حضور إلهي»، في تخليط عقدي يناقض صريح التنزيل ولغة العرب.
  3. القول ببشرية القرآن: بادعاء أن النبي ﷺ لم يتلقَّ ألفاظاً إلهية بل صاغ تجربة نفسية، مختلساً قصص القرآن -كأصحاب الكهف- من مرويات الكنيسة السريانية.
  4. تسوية النبوة بديانات المجوس والوثنية: بمضاهاة تجربة الوحي بضلالات «ماني» و«زرادشت»، ونعت أميّة النبي ﷺ بأنها «أكذوبة مضحكة» في تكذيب وقح لنص القرآن.

ولا يرفع عن إبراهيم عيسى تبعة هذا الهدم تعليقٌ بارد هنا أو استدراك هناك؛ فالمنبر الإعلامي صناعة وعي، واختيار هذه الأباطيل وبثها واجتزاؤها للجمهور هو عين الترويج والتمكين للطعن في دين الله.

وهكذا اكتملت دورة مشروعه الخبيث: تدرج من إسقاط نقلة الحديث، إلى إنكار المعجزات والشريعة، حتى انتهى بفتح منبره لمن يزعم أن القرآن صناعة بشر وأن الرسول منتحل.. وهدم الأصول غاية كل زندقة!

الخلاصة النهائية

قلتُ: إبراهيم عيسى زنديقٌ إعلاميٌّ هدّام، جعل نقض ثوابت الإسلام صنعته ومكسبه أكثر من ثلاثين سنة؛ وهو في باب الدنيا صحفي ذكي واسع الحيلة من أمهر من عرفت الشاشة المصرية صناعةً للإثارة: ماهرٌ في السوق التي يفهمها، دخيلٌ على العلم الذي يهدمه. مقولاته ومنشوراته الكبرى كفر بواح لا يحتمل التأويل: السخرية من ثوابت الدين، وإنكار المعراج الثابت بالقرآن والسنة المتواترة والإجماع، وإنكار عذاب القبر، ونفي وجود الشريعة والخلافة، ورد السنة جملة بدعوى أنها اختلاق متأخر، والطعن في عدالة الصحابة وقذف عثمان وأمهات المؤمنين في رواياته، ثم ترويج أن النبي صلى الله عليه وسلم نشأ نصرانيًا وانشق عن النصرانية، وأن جبريل هو الله، وأن القرآن صياغة بشرية مقتبسة من مرويات الكنيسة، وأن النبوة المحمدية لا خصوصية لها على ماني وزرادشت، وأن أمية الرسول «أكذوبة مضحكة». وقد بيّنت له المؤسسات والعلماء وجه الحق ببيانات معلنة سنة 2022 وقبلها وبعدها، فما رجع عن حرف واحد، بل راوغ ثم عاد أشد ما كان. فلا يحل لمسلم أن يأخذ عن هذا الرجل دينًا ولا تاريخًا ولا موقفًا، ولا أن يقدَّم للناس على أنه «مفكر إسلامي» أو «مجدد»، فتقديمه كذلك تلبيس على الأمة.

وانظر خاتمة المطاف بعين العبرة: بدأ شابًا يصادر النظام روايته ويغلق جريدته، فانتهى شيخًا تصادر الدولة لأجله حرية غيره وتفتح له هو كل شاشة؛ وبدأ يكتب أن الكلمة أمانة، وانتهى يجلس في الاستوديو ليقول إن معراج النبي صلى الله عليه وسلم «قصة وهمية كاملة» والقدس تحاصر وغزة تباد على بعد ساعات من مقعده. ملأ الدنيا كلامًا أربعين سنة، وليس في رصيده يوم واحد وقف فيه مع الوحي أو مع الأمة يوم كان الوقوف يكلف. وسيطوى هذا الضجيج كله كما يطوى أرشيف الصحف القديمة، ويبقى عند الله سؤال واحد عن كل حلقة أضلت شابًا وكل رواية شككت فتاة في دينها. وأنت يا من تابعته فأعجبك لسانه: احفظ عنه قاعدته هو، أن نصف الحقيقة كذب؛ ثم اعلم أنه ما أعطاك قط إلا نصفها.

نسأل الله العظيم أن يرد إبراهيم عيسى إلى دينه ردًا جميلًا قبل لقائه، وأن يحبب إليه السنة التي أفنى عمره في الصد عنها، وأن يمحو بعفوه ما بث من الشبهات، وأن يعصم شباب المسلمين من فتنة اللسان المأجور، وأن يجعل لأهل غزة ولدماء المسلمين في كل أرض من يشهد لها لا عليها. اللهم من اغتر بهذا الرجل فافتح عينه على تناقضه، ومن تصدى لبيان باطله فسدد قلمه وارفع ذكره، وثبتنا على الوحيين حتى نلقاك غير مبدلين.

سجل المصادر

  • ترجمة إبراهيم عيسى في ويكيبيديا العربية: الميلاد والدراسة والمحطات الصحفية والمحاكمات والعفو والجائزة.
  • ملف الجزيرة نت: «يفتي ويفسّر ويؤرّخ.. القصة الكاملة لظاهرة إبراهيم عيسى» (12 يونيو 2022): برامجه الدينية واعترافه بأنها «حيلة»، ورسالة أمن الدولة، وشهادته لمبارك، وشهادات بلال فضل وياسمين الجيوشي والبرادعي.
  • فيتو: تصريحاته عن «عدلت فأمنت» والمعراج (فبراير 2022) ومصراوي: أول تعليق من القاهرة والناس (19 فبراير 2022) والقدس العربي: «قصة المعراج وهمية اختلقها الشيوخ»: نص إنكار المعراج.
  • مصراوي: «العلماء ينتفضون.. الأزهر والإفتاء يفندان الشبهات» (20 فبراير 2022) وسبوتنيك: بيان دار الإفتاء (19 فبراير 2022): ردود المؤسسات ونصوصها.
  • مصراوي: أحمد كريمة «لم أهدر دم إبراهيم عيسى» (21 فبراير 2022) والإمارات اليوم: «مرتد ويستتاب» (7 أبريل 2022).
  • عربي بوست: «لم أنكر المعراج وحدث سوء فهم» (24 فبراير 2022) والعربية: انسحابه من مهرجان أسوان (23 فبراير 2022) والنهار: «أنا مقولتش حاجة عن الإسراء والمعراج غلط».
  • اليوم السابع: تصريحات 25/30 «مفيش حاجة اسمها شريعة إسلامية» (29 أكتوبر 2014).
  • البورصة: إنكار عذاب القبر (27 يوليو 2014) والوطن: رد ياسر برهامي «بدعة وضلالة».
  • مدونات الجزيرة: «رحلة الدم.. كيف تدفعك رواية واحدة لبغض جميع الصحابة؟» (23 سبتمبر 2018): توثيق مضامين الرواية ومصادرها.
  • مركز خطوة للتوثيق والدراسات: «مولانا، الضيف، صاحب المقام: الدين في أفلام إبراهيم عيسى».
  • العربية: بيان الأزهر ضد «فاتن أمل حربي» (16 أبريل 2022) وفي الفن: رد عيسى «تشبث بالرجعية».
  • فرانس 24: توقف برنامجه «بسبب الضغوط» (2 يناير 2017) واليوم السابع: بيانه (1 يناير 2017).
  • عربي21: «في ذكرى مجزرة رابعة.. القاتل إبراهيم عيسى»: أقواله في رابعة والإخوان ومقال الطاعة (مصدر خصم يُنقل بنسبته).
  • الوفد: «قادة حماس عملاء لإيران» والفجر: «حماس سحقت غزة» وصدى البلد: «إسرائيل احتلت غزة» ومسبار: تفنيد «الخطر من غزة لا من إسرائيل» (1 يوليو 2025) ومصراوي: «7 أكتوبر خدمت اليمين الإسرائيلي» (21 مايو 2026).
  • العربية: منع «الملحد» ورده (13 أغسطس 2024) وCNN عربية: «الفيلم هو الدولة المدنية» (14 أغسطس 2024) وإعلام دوت كوم: «استفز التيار الإسلامي».
  • في الفن: «أنا مسلم معتزلي العقيدة حنفي الفقه.. إنتو مالكو» وصفحات ناقلة لقوله «أنا ضد وجود دار الإفتاء من الأساس».
  • رأي اليوم: صحف مصرية عن ثروته وضرائبه (تُنقل بنسبتها).
  • بوابة الفتح: «السجل الأسود لإبراهيم عيسى»: مقال أبي هريرة 2001 (مصدر ناقد يُنقل بنسبته).
  • الشروق: عودة «حديث القاهرة» (22 سبتمبر 2023) وبث حلقاته على المنصات إلى يونيو 2025.
  • تفريغ حلقة الرد على مقاطع فراس السواح المنشورة عبر «مختلف عليه»: توثيق مزاعم نصرانية النبي صلى الله عليه وسلم، وخلط جبريل بالله، وبشرية ألفاظ القرآن، ورد قصة أصحاب الكهف إلى مرويات سريانية، وتسوية النبوة بماني وزرادشت، وإنكار أمية النبي.

كُتبت هذه الترجمة يوم الأحد 16 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 30 من أغسطس 2026 م، بناءً على ما وقفنا عليه من كلامه المذاع والمنشور وردود العلماء عليه ومصادره المتاحة إلى هذا التاريخ، وصاحبها ما زال يذيع كل مساء؛ فما جدّ بعد ذلك من قول أو رجوع فله حكمه، ونسأل الله أن يكون أول تعديل لهذه السيرة خبرَ توبته وعودته إلى الحق، ومن وقف على ما يزيد المادة أو يصححها فليتحفنا به مشكورًا.

اقترح سيرة أو تعديلًا

إرسال رسالة

شارك هذه السيرة

نُشرت هذه السيرة في ، وآخر تحديث لها في . طول السيرة نحو 4951 كلمة.