محمد الفايد
![]() | |
| الاسم الكامل | محمد فايد بلمحجوب |
|---|---|
| الميلاد | أولاد سعيد، سطات؛ سنة 1955 م |
| البلد | المغرب |
| المهنة | أستاذ جامعي سابق ومهندس دولة في تكنولوجيا الأغذية وخبير تغذية |
| التخصص | أحياء الأغذية الدقيقة وتكنولوجيا الألبان |
| الانتماء | العلموية وإنكار السنة والطعن في الغيب والصحابة |
| أبرز الأعمال | القائمة…[إظهار][إخفاء]
|
| التصنيف | أهل الضلال |
الزنديقُ المتستر، الذي جعل إنكار السنة النبوية قنطرةً إلى الإلحاد، والطاعنُ في خير القرون باسم العلم، هادمُ الغيب بمعول المختبر؛ محمد فايد بلمحجوب، المولود بالمغرب سنة 1955. رجلٌ أُوتي شهادةً في صناعة الألبان؛ فجعلها صكًّا يفتي به في السرطان، ثم اتخذها صكًّا يفتي به في الجنة والنار، حتى سكر بالغرور فجعلها معولًا ينقض به الوحيين، لينتهي به الطريق إلى الانسلاخ الصريح من الملة.
هو من طينة المتسوّرين على الوحي؛ فُتح له ثقبٌ ضئيل في المعرفة المادية، فظنه محيطًا يُغرق فيه الشريعة. أدواته في الهدم ثلاث: لسانٌ متلون يتسلق به على بساطة العوام، وغرورُ جاهلٍ لا يعرف للشك طريقًا، ولقبٌ أكاديمي جعله صنمًا تُسقط به الحجج. وليس في يده مما يبيعه للناس دليلٌ واحد من جنس البرهان التجريبي الذي يطالب به الأمة صباح مساء؛ وإنما هي الجرأة على الله، والافتراء على العلم والدين معًا.
وكان بلاؤه الأكبر أنه استغل عوز الأبدان وعوز العقول؛ فأهلك الحرث والنسل في كليهما: اقتحم فراغ الطبيب فتاجر بآلام الفقراء الذين لا يملكون ثمن الكشف، ثم اقتحم محراب العالم فعبث بعقائد العوام الذين لا يملكون آلة الفهم. فصار مرجعَ المريض العاجز، وكبيرِ السن، وربّةِ البيت؛ يسقيهم الوهم في أبدانهم، ثم يدسّ السم في أديانهم. ولو وقف في الأسواق بهيئته الحقيقية متطببًا أو عشّابًا ما التفت إليه مارّة؛ ولكنه خرج عليهم بمسوح «الدكتور»، فمشى الباطلُ في الناس يختال على قدمي شهادةٍ دنيوية عمياء.
وليعلم القارئ أن الرجل ليس مجتهدًا أخطأ، ولا عالمًا زلّ؛ بل هو رأسٌ في الضلال، وصاحبُ مشروعٍ شيطاني مستقرّ في نقض أصول الملة. اتخذ إلهه هواه فنصّب المختبر حاكمًا على الله؛ أنكر من الغيب ما لا تمسه يده، وطعن في خير القرون مفضّلًا نفسه عليهم، وحمل على السنة المطهرة بمعول الزنادقة، وشرّع أبواب الجنة لمن مات جاحدًا كافرًا. أُقيمت عليه حجةُ العلماء فاستكبر، ودُعي إلى التوبة الصريحة فمضى في غيّه، وتُرك سنين يُبيَّن له فما ازداد إلا عتوًّا ومروقًا. فلا يحلّ لمسلمٍ أن يأخذ عنه دينه، ولا أن يبني على ترهاته عقيدة، ولا أن يُقدَّم في المجالس إلا للتحذير منه ومن فتنته.
وأشدُّ ما يكشف عوار هذه السيرة مفارقةٌ تفضح صاحبها: أنه بنى مجده، وجمع جمهوره، وتضخّم ماليًّا وإعلاميًّا وهو يصرخ محذّرًا من الغرب وماسونيته ومؤامراته على أنسال المسلمين؛ فلما سقط القناع وشاخ الرجل، انسلخ من ذلك كله، وصار يسبّح بحمد العلمانية جاعلًا إياها سرّ التقدم، وراميًا أمة محمد ﷺ بالإرهاب والفساد. رجلٌ واحد قطع المسافة من أقصى المزايدة بالدين إلى أقصى الانسلاخ منه على مرأى من الملايين؛ فاصطفّ معه خصومُ الأمس من أعداء الملة، وتبرأ منه أنصارُ الأمس، وبقي هو ثابتًا على منبره يهدم بيمينه ما بناه بشماله.
محتويات
- 1 سلّمٌ محكمٌ في فنٍّ واحد
- 2 صعودٌ على منبر الدين
- 3 جرأةٌ على الدماء: عطّارٌ يفتي في السرطان
- 4 حصادُ الهشيم: جنايتُه في بيوت الناس
- 5 انقلابُ الصّفَّيْن: حين صدق العلمانيون وكذب العطّار
- 6 إبطالُ الوحي بجرّة لسان: صانعُ المصباح وإلغاء العلماء
- 7 إقامةُ الحجة: سقوط النقاب الأخير
- 8 هدمُ الغيب بابًا بابًا: حين يصير المختبرُ إلهًا
- 9 هدمُ الحصن: الحربُ على الفقه والفقهاء
- 10 المروقُ من الملة: من سبِّ الصحابة إلى موالاة الصهاينة
- 11 فضيحةُ الجهل المركّب: متسوّرٌ لا يُحسن أبجديات العلم
- 12 خاتمةُ السوء: اعترافٌ بالخيبة وإفلاسٌ على الهواء
- 13 الأصل الجامع: حين يُنصَّب المختبر إلهًا
- 14 حصادُ التناقض: حين ينقضُ الرجل غزلَه
- 15 الخلاصة النهائية
- 16 سجل المصادر
سلّمٌ محكمٌ في فنٍّ واحد
وُلد سنة 1955 بأولاد سعيد من أعمال سطات. ثم هو بعد ذلك مقطوعُ الجذور، مجهولُ المنبت؛ لم أقف له على خبرٍ يُعتمد في بيته الأول، ولا في نشأته، ولا في صباه قبل الجامعة. طُويت صحيفةُ بداياته طيًّا مريبًا فلا يُعرف من ربّاه ولا ما وجّهه. وإنك لتعجب من دعيٍّ اقتحم الشاشات 40 سنة، يتصدر المجالس، ويملأ الدنيا ضجيجًا، ثم تعود إلى أصله فلا تجد شيئًا!
وأول ما يُعرف من خبره ورقاتٌ دنيوية في تخصص ماديّ ضيق، اتخذها سُلّمًا للغرور؛ فمن دبلوم تقني في أحياء الأغذية الدقيقة سنة 1977، إلى درجة مهندس في تكنولوجيا الغذاء، ثم دكتوراه فرنسية سنة 1990 لا تخرج عن "تدقيق صناعة السمن المغربي"، مع جوائزَ مهنية وبيئية في بابها. فاعرض هذا السجلّ كله على ميزان العقل والدين؛ ثم اطلب فيه يومًا واحدًا جلس فيه إلى عالم، أو شهادةً واحدة في الطب، أو في الشريعة، أو في العقيدة. غايةُ ما في يده أن رجلًا حقّق في الجراثيم والألبان تحقيقًا محبوسًا في مختبره؛ غير أنه سكر بلقب "الدكتور"، فخرج بالورقة التي كُتب في أعلاها "صناعة السمن" يفتي في دماء مرضى السرطان، ثم تجاوزها ليفتي في النوازل، ثم انتهى بها إلى تقييم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورفع نفسه فوقهم!
صعودٌ على منبر الدين
بدأ ينسج خيوط فتنته أواخر الثمانينيات، غير أن رايته لم ترتفع إلا ببرنامج «نخل ورمان» على القناة السادسة المغربية. وفي اسم هذه القناة وحدها ما يكشف أبشع مفارقاته؛ فهي قناة القرآن الكريم والمنبر الديني للمملكة. فالرجل لم يدخل بيوت الناس من باب المختبر الذي يقدّسه اليوم، بل تسلّل إليها متدثرًا بعباءة الدين. لقد أطعمه الدينُ وكساه ثلاثين سنة، وجعل منه نجمًا تهوي إليه الأفئدة، فلما شبع واستطال، كان الدينُ أولَ ما نهش.
وكان رأس ماله في هذا الصعود: المكرُ الخطابي؛ يخاطب العوام بلهجتهم الدارجة ليستولي على عقولهم، ويرصّع بضاعته بآيات الوحي ليُضفي عليها هيبة السماء، فدخل قلوب العجائز والبسطاء من بابٍ لا يُردّ طارقه. ثم مدّ شِباكه إلى الأمازيغية بروافدها، وإلى لغات الأعاجم، ليحصد ملايين المتابعين. حاضرٌ في صنعة التهييج والاستعراض، مفلسٌ من أي برهانٍ علمي؛ وهذا الحشد المليوني ليس شهادةً بصدقه، بل هو «عَدّادُ الكارثة» ومقياسٌ لحجم الوباء الذي سيبثه يوم يقرر تحويل بوصلته من أطباق الطعام إلى أصول الاعتقاد.
وفي هذا الطور، تلبّس للناس بمسوح الغيرة على الدين والفطرة؛ فاعتلى منصات التوجيه متقمصًا دور «المفكر» وحارس العقيدة. راح يخطب في العوام محذّرًا من الغرب وماسونيته، ويستدرّ عاطفتهم بكشف مؤامرات التحسين الوراثي، ويخوّف الأمهات من ألعاب أطفال وأدوات مدرسية زعم أنها تروّج للشذوذ وتهدم الأخلاق. فاقرأ هذا المشهد وتأمل مفارقةً تكشف لك حقيقة الرجل: المتباكي على أنسال المسلمين بالأمس، هو بعينه الذي سيخرج بعد سنوات ليسبّح بحمد العلمانية ويجعلها سرّ التقدم، وهو بعينه الذي سيرمي أمة محمد ﷺ بالإرهاب والفساد، متمنياً زوالها واختفاءها. بنى صرح مجده الزائف على تخويف الناس من الغرب؛ فلما استتبّ له الأمر وشاخ، خلع السِّتر واصطفّ في خندق أعداء أمته. ولم يقف عند تخويف العوام، بل ضمّ إلى ذلك تجارةً أشدّ رواجًا: الإعجاز العلمي، والرقية، وما سُمّي الطب النبوي؛ فصيّر الدين العظيم بضاعةً رخيصةً، تُباع مع العشبة ووصفة العطّار في كيس واحد.
جرأةٌ على الدماء: عطّارٌ يفتي في السرطان
ثم جاوز العبثَ بعقائد الناس إلى العبث بدمائهم وأبدانهم؛ فتصدّر للفتيا الطبية بجرأة القاطع الذي لا يداخله شك ولا يراجعه أحد. فنصب نفسه طبيبًا يعالج السرطان بأدوية تزيد الخلايا السرطانية تغوّلًا. ولم يقف عند هذا الحد؛ بل رجم بالغيب فوصف نوى المشمش ومشتقاته للسرطان بلا تجربة تسنده، وفي نازلة (كوفيد-19) والوباءُ يحصد الأرواح ومختبرات الأرض تقف حائرة، خرج يبيع للناس وهم القرنفل مدعيًا الجواب اليقين. ثم بلغ الغاية في مصادمة الوحي والطب معًا؛ فأفتى جازمًا بوجوب صيام رمضان على مرضى السكري والقلب والسرطان والحوامل، ضاربًا بتحذير الأطباء عرض الحائط، وناقضًا رخصة الله التي أنزلها رحمةً بعباده.
ولما حرّض العامة على ترك الأطباء وهجر المستشفيات، انتفض لأجله أهل الاختصاص؛ فرفع عليه أحد الأطباء شكوى رسمية لدى السلطات، وتداعى آخرون بحملات توقيع لمتابعته بتهمة انتحال صفة مهنة ينظمها القانون وتهديد أرواح العباد، حتى اضطرت وزارة الصحة المغربية للخروج علنًا لدحض ضلالاته. وهذا لعمري أخطر ما في سيرته عند من يزن بميزان الدم؛ فكلامه في العقيدة يهلك دينَ من صدّقه، وفتواه في الصيام تهلك بدنه؛ فجمع للمفتونين به هلاك الأبدان وهلاك الأديان في مجلس واحد.
وقف هنا عند مفارقةٍ تفضح مشروعه من قواعده: رجلٌ نصب نفسه جلّادًا للأمة يقرّعها لتركها العلم التجريبي والبحث المحكم، وفي رصيده الأكاديمي ست وثمانون ورقة محكّمة؛ ففتّش في ورقاته كلها، فلن تجد فيها ورقةً واحدة تسند نوى المشمش، ولا عشبة كوفيد، ولا صيام مريض القلب! المختبرُ الذي يحاجّ به الأمة صباح مساء، لم يدخله قط بشيء مما يبيعه لها. جادٌّ مدقّقٌ في شؤون الألبان حيث لا يسمعه أحد، مرسلٌ يبيع الأوهام بلا دليل حيث يسمعه الملايين. ولما ضُيِّق عليه الخناق وطالبه أهل العلم بالبرهان الذي يطالب به الأمة، لم يخرج لهم ورقةً من مختبره، بل سفّه منتقديه وواجههم بالمحاكم والدعاوى القضائية. رجلٌ يطالب أمته بالمختبر، ويواجه خصومه بالمحكمة!».
حصادُ الهشيم: جنايتُه في بيوت الناس
ولم يقف حصاد هذا الرجل عند شاشات الهواتف وضجيج المنصات؛ بل امتدت جنايتُه لتُقرأ في أنَّات المرضى وحيرة الأسر داخل البيوت.
عجوزٌ مريضة بالسكري، ألقى عليها بفتواه فاستعبد عقلها، فصارت تضرب بتحذيرات أطبائها عرض الحائط، وتُصرّ على صيام رمضان لتموت جوعًا وعطشًا لأن «الفايد» أفتى بذلك! فتحول بيتُها إلى ثكنة طوارئ؛ أبناؤها يتناوبون حراستها في نهار الصيام، يتصلون بها خمس مرات في اليوم يسألون بقلبٍ واجف: «أأخذتِ دواءك؟». وتصف ابنتُها الرعب الذي يغشاهم كلما اقترب شهر الصيام.
ورجلٌ آخر نخر تضخّمُ البروستات جسده، فظل حولًا كاملًا يُماطل ابنته التي تعرض أن تدفع من قوت يومها ثمن الكشف الطبي؛ مفضّلًا أن يتجرع أوهام العشّابين ووصفات اليوتيوب التي يبثها الفايد، حتى تضاعف عليه الألم وبلغ مبلغه، فلما أُسعف أخيرًا إلى طبيبٍ مختص شُخِّص وعُولج فعُوفي.
قف عند هذا المشهد وقفة واعتبِر: بيتٌ كامل يُستنفر حراسةً على أمّه، وأبناءٌ يسهرون رعبًا على أبيهم؛ خوفًا أن ترديهم فتوى أطلقها رجلٌ مترفٌ يجلس خلف شاشته، لم يرَ هؤلاء المرضى، ولم يفحصهم، ولا يملك علمًا يفحصهم به، ولن يمشي في جنازة أحدهم لو مات!
وقد قالت ابنةُ العجوز كلمةً هي أعدلُ شاهدٍ على مكر هذا المشروع، أنقلها حجةً عليه لا له. قالت إن أمها بفضل توجيهاته تركت المعلبات وأقبلت على الزراعات العضوية: «لا ننكر له هذا، لكن المشكلة أنه يتطاول على تخصصات غيره». وهذه بعينها هي المكيدة: جعل من «نصيحة المعدة» و«جودة الطعام» طُعمًا ابتلع به العوام؛ نافعٌ في بابٍ ضيّقٍ سُمّي له باسمه لندخله منه، مهلكٌ في بابٍ واسع اقتحمه بغير إذنٍ ليفسد فيه. وتلك سُنّة الباطل: يصدقك في قشرةٍ ليُهلكك في اللب.
ثم تدرّج الوباء إلى ما هو أفدح من الدم؛ إلى حيث تُذبح الأديان. امرأةٌ مغربيةٌ مطلَّقة في الثامنة والأربعين، كانت متمسكةً بحجابها محافظةً على صلاتها. جلست في مطبخها تعدّ طعامها، وأدمنت سماع مقاطعه ومقالاتِ مهندس الضلالة الآخر «محمد شحرور»؛ فانسلّ الشك إلى قلبها انسلّالًا خفيًّا. تقول هي واصفةً غفلتها: «دخل الشك إلى قلبي دون أن أشعر». النتيجة؟ حجابٌ يُخلع بعد ستر، وصلواتٌ تُترك حولين كاملين، وانغماسٌ في حياةٍ ماديةٍ بحتة تصفها هي بأنها «ظلمةٌ في القلب»، بينما بقي ولداها على دينهما ينظران إلى سقوط أمّهما. ثم أدركتها رحمة الله فأفاقت، وكتبت تستنصح في طريق العودة.
فيا من يغترّ بكثرة المتابعين، احسب معي هذا الخراب: سنتان من عمر امرأة مسلمة، وحجابٌ نُزع، وفرضٌ ضُيِّع، ودينٌ كاد يُسلب؛ هذا هو الثمن الحقيقي لمقاطع تُبثّ بالمجان وتُسمع في البيوت!
وبهذه الثمرة الخبيثة يُوزن الرجل وتُعرف حقيقته؛ فإن أثر الداعية في أتباعه أصدقُ عليه من ألف ثناءٍ في حياته. وأثرُ هذا المهندس: أنه أخرج من دين الله من كان فيه، ولم يُعلم أنه أدخل في الدين أحدًا قط.
ونسأل الله العافية والسلامة؛ فما أهون أن يزلّ القلب وصاحبه آمنٌ لا يشعر، وما أثقل خطوات العودة من الظلمات.
انقلابُ الصّفَّيْن: حين صدق العلمانيون وكذب العطّار
ومن عجائب المقادير التي تفضح أهل الباطل، أن أول من صرخ محذّرًا من فتنته لم يكن أهل الديانة؛ بل خصومُهم. ففي أبريل 2020، وقد أطبق الوباء على الدنيا وأُغلقت البلاد، كتب العلمانيون في المغرب يصفون حقيقته بما لم يجرؤ المتدينون يومئذٍ على قوله. صرخوا بأنه التحق بجماعات بيع الأوهام، متحوّلًا من مختصٍّ محترم إلى تاجر دينٍ وبائع خرافة؛ وسأل بعضهم علنًا: ألا يشكّل هذا الرجل خطرًا على سلامة الناس؟ وكتب آخرون تحت عنوانٍ قاطع: «الفايد الذي يضرّ ولا يفيد».
فقف عند هذا التاريخ واحفظ مواقع الصفوف جيدًا؛ فإن هؤلاء الخصوم الذين عرّوه بالأمس، سيصطفون بعد ثلاث سنين كتيبةً تدافع عنه وتذبّ عن حياضه! لا لأنهم تابوا، بل لأنه هو الذي عبر الخندق إليهم، وسلّمهم سلاحه، ووقف في صفّهم يطعن في أمة محمد ﷺ.
إبطالُ الوحي بجرّة لسان: صانعُ المصباح وإلغاء العلماء
ثم جاءت مطلع سنة 2023 بالشرارة التي أحرقت ما بقي من ستره؛ فخرج بكلمةٍ شاعت عنه بالدارجة المغربية قائلًا: «الله ميقدرش يدخل صانع المصباح النار». قرّر بها أن الكفار والملاحدة يدخلون الجنة بإنجازهم المادي، وأن إدخال «توماس أديسون» النار سيكون ظلمًا في حقه!
ولما طُولب بالدليل، رجم محكمَ القرآن؛ فاحتج بقوله تعالى: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا﴾، ووقف عندها، باترًا قيدها الملاصق لها في السياق نفسه: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. فتأمل جرأة الدعيّ: رجلٌ يعيب على فقهاء الأمة أنهم لا يحسنون النظر، ثم يقف على آيةٍ واحدة فيبترها بترًا لا يفعله صبيٌّ في الكُتّاب ليمرر باطله.
وهذه مقالةُ كفرٍ بواحٍ لا تحتمل تأويلًا ولا ترقيعًا. فقد قطع الله في كتابه أن من ابتغى غير الإسلام دينًا فلن يُقبل منه، وأن أعمال الكفار يوم القيامة هباءٌ منثور. والذي يشهد لمعيَّنٍ مات على الكفر بالجنة، ثم يجعل ذلك مقتضى العدل زاعمًا أن خلافه ظلم؛ فقد ردّ نص القرآن، وحاكم الله إلى عقله المريض، وجعل نفسه أرحمَ من أرحم الراحمين وأعدلَ من أحكم الحاكمين.
ولم تكن فلتةَ لسانٍ في مجلس؛ بل دافع عنها، وأسّس عليها طامّةً هي أدهى منها وأمرّ، فقال جملته الجامعة: «العلماء فقط هم علماء الكون، ولا وجود لعلماء في الإسلام.
وهذا هو الأصل الخبيث الذي بُنيت عليه سيرتُه كلها. فمن قرّر أنه لا وجود لعلماء في الإسلام، فقد ألغى بوقاحةٍ مالكًا والشافعي وأحمد وأبا حنيفة، وأسقط البخاري ومسلمًا وابن تيمية وابن القيم، ومحا كل إسنادٍ وكل إجازةٍ وكل ميزان. ولينظر العاقل إلى غاية هذا الطريق: هدمُ المراجع والأئمة كلهم؛ ليخلو المسرحُ لمرجعٍ واحدٍ يقف أمام الكاميرا ليُعبد من دونهم: هو نفسه.
إقامةُ الحجة: سقوط النقاب الأخير
فلما استطال وبلغ هذا المبلغ من العبث بالملة، خرجت فيه «رابطة علماء المغرب العربي» ببيانٍ علمي محرَّر، حصرت فيه ضلالاته في ثلاث طوامّ: شهادتُه لغير المسلم بدخول الجنة، وتشكيكُه في الإسراء والمعراج، وتخوّضُه بغير تثبّتٍ في قواطع العقيدة والشريعة. ثم ختمت الرابطة بيانها بحكمٍ فاصل: «وجوب توبة الدكتور الفايد عفا الله عنه، وعودته إلى الحق»، مستنفرةً أهل العلم لبيان عواره.
قلتُ: وهنا سقط عنه آخرُ نقاب، وانقطع كلُّ عذر. فالرجل الذي تُصدر فيه هيئةٌ علمية بيانًا رسميًا باسمه، بثلاث تهمٍ عقديّةٍ محرّرة، وتدعوه صراحةً إلى التوبة؛ ليس مخطئًا سبقه لسانه، ولا جاهلًا لم تبلغه الحجة. وكان يومئذٍ في الثامنة والستين من عمره: لا هو بالصبيِّ الذي يُعذر بحداثة سنّه وطيشه، ولا هو بالمغمور الذي يُعذر بقلة الناصحين؛ وإنما هو أستاذٌ جامعيٌّ وشيخٌ هرم، عمرُه في الشهرة أطولُ من أعمار أكثر متابعيه، دُعي إلى الباب فأبى إلا أن يكسره».
هدمُ الغيب بابًا بابًا: حين يصير المختبرُ إلهًا
ولم يقف طغيان الرجل عند توزيع الجنة والنار، بل حمل معوله ومضى يهدم الغيب بابًا بابًا. فبدأ بمعجزة الإسراء والمعراج، فأنكرها وجعلها من أساطير الخيال؛ رادًّا بذلك نصًّا قرآنيًّا قاطعًا افتتح الله به سورةً كاملة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾، ومكذّبًا بما تواترت به الصحاح وأجمعت عليه الأمة سلفًا وخلفًا. لقد ردّ الخبر الذي كان تصديقُه مفرقَ الطرق بين المؤمن والمرتاب يوم قيل أول مرة، والذي سُمّي به أبو بكر «صدّيقًا»؛ فأبى هذا العطّار إلا أن يقف في صفّ المرتابين.
ثم تجرّأ على وعْد الله لعباده، فأنكر الحور العين. ويا ليته صاغ إنكاره بشبهة متأولٍ يتخفى خلف لغة العلم؛ وإنما رده بوقاحة المستهزئ وسخرية روّاد الأسواق، مُطلقًا عبارته الساقطة التي شاعت عنه بالدارجة: «مكاين لا حور عين ولا ستي سطاش». فتأمل هذه الجرأة: يُساق وعدُ الله في كتابه مساق النكتة السمجة لتُضحك العوام في المجالس! وهذا استهزاءٌ صريح بآيات الله، وليس خطأً في التأويل؛ وبين البابين خندقٌ من النار.
ولم يكتفِ بهدم مبشرات الغيب حتى هدم نذره؛ فأنكر عذاب القبر الثابت بمحكم التنزيل في قوله تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وبمتواتر السنة. رجلٌ ينكر بلسانه ما يستعيذ منه المسلمون في أدبار صلواتهم خمس مرات في اليوم! ثم ألحق بذلك إنكار المسيح الدجال، ضاربًا بتحذيرات النبي ﷺ المتواترة عرض الحائط. وهذا الإنكار ليس مسألةً فرعية؛ بل هو طامّةٌ تكشف أصله الخبيث: فمن ردّ ما تواتر عن النبي ﷺ بحجة أن عينه لم تره، فقد فتح بابًا لنسف الدين كله؛ فما الذي يبقى من الشريعة إذا صار شرطُ التصديق أن تراه العين؟
وليست هذه الطوامّ أربعَ زلاتٍ متفرقة اتفق له أن أخطأ فيها. يجمعها خيطٌ شيطانيٌّ واحد لا يخفى: أن كلًا منها لا يُدرك بالحسّ، ولا يُقاس في قوارير المختبر. وهذا هو الصنم الذي نحته بيده وعكف عليه: جعل التجربة المادية إلهًا يُحاكم إليه الوحي، فما دخل تحت التجربة قبِلَه، وما غاب عن عينه ردّه. ومن حاكم الغيب إلى المختبر فقد نصّب الحسّ حَكَمًا على الله، ونقض أول حرفٍ وصف الله به المتقين في فاتحة كتابه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، وانسلخ من حقيقة الإيمان انسلاخًا.
هدمُ الحصن: الحربُ على الفقه والفقهاء
ولما فرغ من هدم أصول العقيدة، وجّه معوله إلى سور الشريعة وحصنها؛ فاستقر خطابه على أصلٍ خبيثٍ يردده حتى صار لازمةً له: أن الفقه والفقهاء هم سبب تخلف الأمة. راح يخطب في العوام مقررًا أن "أكبر خطأ سقطت فيه الأمّة هو تركها للعلوم الحقة"، وأن الفقهاء قاصرون عن فهم حركة العالم. ثم تجرأ فاستخف بالتراث الإسلامي واصفًا إياه بأنه "منظومة جامدة تعيش على تأطير يرجع إلى ثلاثة عشر قرنًا"، وأن البلدان الإسلامية تبقى "بدون وجود" لأنها "مؤطرة بالموتى". وبلغ به الإسفاف أن سمّى فقه الأمة كله: "فقه الحيض والنفاس"، زاعمًا أن المسلمين عاشوا في ظلامٍ دامس من عصر الصحابة، حتى أشرق عليهم خطابه التنويري فأخرجهم إلى النور! وتمادى في غيّه فرمى علماء الشريعة بالتشيع، وسخر من السمت الإسلامي واللحية.
وهذا الأصل ساقطٌ متهافت، يكشف جهلًا مركبًا بالتاريخ وفلسفة العلوم معًا؛ وبيان تهافته يسير: فالأولى: أن الأمة لم تتخلف بفتوى من فقهائها، بل بقرارٍ من أنظمتها التي جمّدت العقول، ولم تنفق على مختبر، ولم ترعَ باحثًا؛ فمن أراد أن يحاكم أسباب التخلف فليطلبها في قصور السلاطين حيث القرار والمال، لا في محاريب المساجد وحلقات الفقه. والثانية: أن العلم الطبيعي الذي يقدّسه علمٌ وصفيٌّ بحت؛ يخبرك كيف تعمل المادة، ولا يخبرك كيف ينبغي أن تعيش. فلا المختبر يُخرج لنا حكمًا في العدل والظلم، ولا المجهر يُرسي لنا قواعد الأسرة وصون الأعراض؛ وتأطير الحضارات يحتاج إلى رؤيةٍ كونيةٍ ربانية، لا إلى نتيجة تحليلٍ مخبري. والثالثة: أن الفقهاء لم يعادوا العلم يومًا؛ بل مسلكهم منذ أربعة عشر قرنًا أن يستفتوا أهل الاختصاص في النوازل والوقائع، ثم ينزّلوا على كلامهم حكم السماء.
ثم قف هنا واسأله بسلاحه الذي يشهره في وجه الأمة: أين التجربة المختبرية التي أثبتت لك أن الفقه هو سبب التخلف؟ أين البحث المحكّم، والعينة المدروسة، والمجلة العلمية التي نشرت هذا الاستنتاج؟ فإن جاز لك أن تطلق هذه الأحكام الكبرى بلا دليلٍ تجريبي، فقد نقضت ميزانك بيدك، وسقط صنمك الذي تعبده بأول جملةٍ نطقت بها.
ومن أعجب تناقضات هذا العطّار، أنه يحتقر الفقه ويسميه "فقه حيض ونفاس"، ويزعم أنه لا يحتاج إلى فقيهٍ يفتيه؛ ثم يتقمص هو دور المفتي الأوحد في النوازل، حتى أفتى في "قصر الصلاة"، وهي مسألةٌ من صميم ذلك الفقه الذي يزدريه! فجمع على نفسه فضيحتين: جريءٌ متسورٌ على الفتيا فيما لم يدرسه، ضنينٌ متكتمٌ على الدليل فيما يفتي به.
أما بغضه للإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، فبابٌ يكشف عوار مشروعه من جذوره. فقد شنّ عليه هجومًا شرسًا لا يُفهم، حتى رماه بسوء الخلق وبالتشيع؛ وليس بين الرجلين مسألةٌ علميةٌ ولا احتكاك. وإنما السرّ الأكبر: أن الألباني رحمه الله اعتزّ بعلمه، ورفض استضافة الملك الحسن الثاني، مفضلًا استقلاله عن السلاطين. فتأمل هذه المفارقة التي تفصم الظهر: رجلٌ يصدّع رؤوسنا بضرورة التحرر من الكهنوت ومقاومة الجمود، ثم يمتلئ غيظًا وحنقًا على عالمٍ شجاعٍ أبى أن ينحني لملك! وتلك لعمر الله هي حريته التي يبشر بها: حريةٌ مطلقةٌ من قيود الشرع، وعبوديةٌ تامةٌ لأعتاب السلاطين.»
وأعجبُ العجب في هذا الملف المقلوب، أن تسمع هذا الضجيج التنويري فتظن صاحبه قد شقّ الذرة أو رفع أساطيل الأمة في الفضاء؛ فإذا فتّشت في حصاده لم تجد إلا خبيرَ أغذيةٍ عالةً على أجهزة الغرب ومختبراته. أين اختراعاتك يا بطل العلم التجريبي؟ وأين كشوفاتك التي زاحمتَ بها الأمم؟ أفرغْتَ جهدك في نقد من حفظوا علينا ديننا، وأفرغْتَ يديك من كل إنجازٍ ينفع دنيانا. يفرّ من فشله العلمي في ميدانه، ليحاكم فقهاء الشريعة على ما ليس من شأنهم؛ يريد من أصحاب السنن أن يبنوا له المصانع، بينما يجلس هو أمام الكاميرا ينظّر عليهم في أسباب التخلف!
المروقُ من الملة: من سبِّ الصحابة إلى موالاة الصهاينة
ولم يقف سقوطه عند حدود الغيب، بل هوى في دركات الزندقة هوِيًّا لا قاع له. وجّه معوله المسموم إلى أصحاب رسول الله ﷺ، فطعن فيهم سنين عددًا، وناصر كل زنديق يطعن فيهم. وبلغ به العمى أن قرّر أن الأمة عاشت في ظلام منذ عصرهم؛ فجعل الجيل الذي زكّاه الوحي أولَ الظلام، وجعل نفسه -وهو مهندس الألبان- أولَ النور! ثم تضخّم ورَمُه الخبيث حتى نطق بالمهلكة: فصرّح بأنه أحسن من الصحابة، ولم يتورع عن الطعن في المقام الأعلى، مقام النبوة المحمدية.
قلتُ: وهنا تُرفع الأقلام وتُطوى الصحف؛ فالطعن في الصحابة عند أئمة السلف براءةٌ من الدين وعلامةُ زندقة، لأنهم الباب إلى الوحي، ومن جرح الناقل فقد أبطل المنقول. وأما تفضيل نفسه العارية عليهم فحمقٌ يأنف منه المجانين؛ وأما الطعن في مقام النبوة فمروقٌ صريح وكفرٌ بواح، لا يبقي لصاحبه من الإسلام شعرة.
ثم جاءت الطامّة الكبرى في يناير 2024، لتُسقط عنه ورقة التوت الأخيرة. أعلنها صريحةً مدوية: انحيازٌ تام للكفار، وتصريحٌ بإلحاده وموالاته للصهيونية، وتقريرٌ بأن العلمانية سر التقدم، ورميٌ لأمة الإسلام بالإرهاب والفساد، ودعوةٌ وقحة إلى إبادة المسلمين واختفائهم من الوجود.
فضع هذين المشهدين متجاورين وانظر: أمةٌ تُنتهك أعراضها وتُذبح أطفالها على الهواء مباشرة في غزة، والدنيا كلها تنظر رعبًا؛ ورجلٌ محسوبٌ عليها يخرج في تلك الأيام بعينها ليعلن أن أمته أمة إرهاب تستحق الإبادة، وأن الحق مع سفّاكي دمائها! ما هذا بزلة لسان، ولا بشطحة مفكر؛ هذا خندقٌ حفره بيده، واختار الاصطفاف فيه مع شياطين الإنس، ورمى الأمة بقوس أعدائها مستريحًا».
فضيحةُ الجهل المركّب: متسوّرٌ لا يُحسن أبجديات العلم
ولم يكن طعنُه في التراث صادرًا عن سعة اطلاعٍ أو قراءة، بل عن جهلٍ مركّبٍ يندى له جبين المبتدئين. فقد افتُضح في مجالس العلم بزلاتٍ لا يُعذر فيها صبيٌّ في الكُتّاب؛ إذ زعم في إحدى شطحاته أن الإمام أحمد بن حنبل كان مع شيخ الإسلام ابن تيمية في السجن! فقف متعجبًا من هذا العمى التاريخي الفاضح: مات ابن حنبل سنة 241 هـ، ومات ابن تيمية سنة 728 هـ؛ فاحسب المسافة تجدها أربعمائة وسبعًا وثمانين سنة تفصل بين الرجلين! دعيٌّ يزعم أن فقهاء الأمة قاصرون عن فهم حركة العالم، وهو نفسه لا يعرف من تاريخ أمته أوّله من آخره بفارق خمسة قرون.
ثم توالت سقطاته لتكشف خواء جرابه؛ فخلط في الأئمة الأربعة ومواضعهم ومذاهبهم خلطَ من لم يقرأ في الفقه سطرًا. ولما أعوزته الحجة لجأ إلى الكذب البواح؛ فافترى على الدكتور راغب السرجاني في مسألة كروية الأرض، ونسب إليه ما لم يقله قط، حتى ضُبط متلبسًا بكذبته ونُقض قوله بموقف السرجاني الحقيقي الموثق. وتطاول على علم التفسير وهو يجهل أدواته، فابتدع ضلالةً سمّاها «القرآن الكوني»، جاعلًا مشاهدات الكون قرآنًا يُقدَّم على الوحي المتلوّ؛ وتلك بدعةٌ إلحادية تفضي بصاحبها إلى الاستغناء عن كلام الخالق بمشاهدة المخلوق.
ولأنه يعيش على تهييج الرعاع، خوّف العوام بأكذوبة «أكل الحشرات»، فاهتزّ لها جمهوره الساذج وملأ الدنيا صراخًا. ثم مضت السنون، وانقشعت الزوبعة، ولم يقع مما حذّر منه شيء، فابتلع لسانه ولم يُسمع منه بعدها حرف. وهذه هي سجيّة الدجاجلة: مسموعُ الكلمة يوم يُلقيها بالباطل ليحصد المشاهدات، مُرسَلٌ من كل التزامٍ يوم تسقط دعواه تحت أقدام الواقع.
خاتمةُ السوء: اعترافٌ بالخيبة وإفلاسٌ على الهواء
ثم أدركته الشيخوخةُ والإفلاس معًا، فتكشّفت للناس أخلاقُه بعد أن تكشّفت عقيدتُه. تخبّط تخبّطَ الممسوس، فسلّط لسانه السفيه على النساء انتقاصًا وإهانة، وتنكّر للجمهور الذي حمله على الأكتاف ثلاثين سنة فركل السُلّم الذي صعد عليه، وبلغ به الخذلان أن أساء إلى مسقط رأسه وأهل بلدته بأولاد سعيد. ثم تراه نمرًا على المستضعفين، نعامةً عند السلاطين؛ إذ نصّب نفسه محاميًا للطغاة، فحمّل الشعوب المقهورة وزر جلّاديها قائلًا: "المشكلة فيكم وليست في الحكومة"، وابتلع لسانه فلم يُعرف له بعد ذلك في ظالمٍ من ظلمة الأرض حرفٌ واحد. تلك هي حريته المزعومة: شجاعٌ في سبّ الصحابة والأمة، أخرسٌ عن قول كلمةِ حقٍّ عند سلطانٍ جائر.
ولأن سنة الله غلابة؛ فقد كانت النهايةُ أذلّ مما تخيله خصومُه: أرغمه الله أن يعترف بالفشل على الهواء، وأن يعلن إفلاس مشروعه بلسانه. بعد سنواتٍ من الهجوم المسعور على الشريعة وأهلها، وبعد أن خرج يَعِد الأمة بإخراجها من الظلام، انتهى به المآل إلى أن يقول بفمه أمام الشاشات: "لم أصنع شيئًا".
وهو اليوم شيخٌ في الحادية والسبعين يتآكله النسيان، لا يزال ينشر مقاطعه في قناةٍ تحوي مليوني مشترك؛ فصارت قناتُه بئرًا مسمومة، تُتداول فيها نصائحه القديمة في التغذية مختلطةً بضلالاته الأخيرة في الاعتقاد؛ فيُسقى العوامُ من عسله القديم، ليُمَرَّر لهم به سمُّه الجديد، ولا يميّز بينهما إلا من عرف حقيقة هذا العطّار.
ومن أعجب وقاحاته في أيامنا هذه -بعد أن افتُضح أمرُه، ونبذ السنّة، وكفّر ولعن- أنه يخرج في مقاطعه الحديثة شاهرًا «المصحف الشريف» بيده! يرفعه أمام الكاميرات كأنه يعظّمه، وهو في الحقيقة يتخذه «فخًّا» يصطاد به من بقي من العوام، و«درعًا» يستر به زندقته. وما درى المغترون به أن هذا الماكر إنما يُنجز لأعداء الملة اليوم ما حلموا به؛ فلقد أنفق القوم قرونًا وأموالًا طائلة لشن الحروب وهدم حصن الإسلام من خارجه فاندحروا، حتى طفحت في عصرنا هذه الطينةُ التي تتبرع باختراق الحصن وهدمه من داخله، بمعولِ رجلٍ محسوبٍ على أهله، يطعن في أصول الدين وهو يبتسم، ويهدم الشريعة وهو يرفع كتاب الله بيمينه.
الأصل الجامع: حين يُنصَّب المختبر إلهًا
«وكل ما تقدم من طوامّه ليس زلاتٍ متفرقة؛ بل هو ثمرةٌ خبيثة لجذرٍ واحد يسمّى: «العلموية». مذهبٌ مادي غربي يلبس ثوب العلم، يجعل التجربة الحسية إلهًا يُحاكم إليه الوحي، ويعدّ ما سواها خرافة.
ومن أقرّ بهذا الأصل الفاسد، انسحب الفساد على دينه كله. فمن حصر المعرفة في المختبر، لزمه تحقير الفقه، وإلغاء علماء الإسلام، وردُّ مبشرات الغيب ونذره كالإسراء وعذاب القبر. ولزمه ربط النجاة بالمنجز المادي فأدخل صانع المصباح الجنة، وانتهى به المطاف إلى الإيمان بالعلمانية، والطعن في الصحابة جاعلًا خير القرون مطلعًا للظلام. لم تكن سقطات عابرة، بل انزلاقًا حتميًّا لمنهجٍ أعمى.
وهنا كشفُ التلبيس، وهو أنفع ما يُقرأ في سيرته: إن الرجل لم يبدأ زنديقًا؛ بل بدأ بغيرةٍ مغرورةٍ على تأخر الأمة. ولما بحث عن كبش فداء، استضعف الفقهاء فحمّلهم وزر التخلف؛ فجرّه الطعن في الفقيه إلى الطعن في أدواته، ثم في ثوابته، ثم في الغيب كله. وسّع الثغرة القليلة حتى ابتلعته، وأفاق ذات يومٍ ليجد نفسه جنديًا في الصف الذي أفنى شبابه يحذّر الناس منه!
فيا من يقرأ هذا ويظن أن طريق الانتكاس طويل: قف واعتبِر! ما بين الغيرة الصادقة على الأمة وبين الطعن في نبيها إلا خطواتٌ معدودة، متى أفلت صاحبها يد الوحي، واغترّ بعقله. نسأل الله العافية، فما نأمن على أنفسنا ما وقع فيه».
حصادُ التناقض: حين ينقضُ الرجل غزلَه
ولو لم يكن للرجل من سقطةٍ إلا تناقضه الفاضح لكفاه؛ ففي هذه المقابلات وحدها ما يُغني العاقل عن كل حجة، ويسقط مشروع الرجل بلسانه.
قف متعجبًا من دعيٍّ بنى مجده الجماهيري وهو يصرخ محذّرًا الأمة من الغرب وماسونيته ومؤامراته على الفطرة وأنسال المسلمين؛ ثم لما شاخ، خلع القناع ليسبّح بحمد العلمانية جاعلًا إياها سرّ التقدم، وراميًا أمة الإسلام بالإرهاب والفساد، متمنيًا زوالها واختفاءها! وسخر من الفقه والفقهاء نابزًا إياه بأنه "فقه حيض ونفاس"، زاعمًا استغناءه عن كل مفتٍ؛ ثم ما لبث أن تقمّص جُبّة المفتي ليتسور على الشريعة، فأفتى في الحيض وقصر الصلاة، وفي صيام الحوامل والمرضى، وبلغت به الجرأة أن يفتي في دخول الكفار الجنة!
وصدّع رؤوسنا بأن الأمة تخلفت بهجرها للعلم التجريبي والبحث المحكَّم؛ ثم فتّش في بضاعته التي يبيعها للناس فلن تجد ورقةً محكّمةً واحدة تسند كلامه في الطب، ولا نوى المشمش، ولا عشبة كوفيد! جادٌّ في مطالبة الأمة بدليل المختبر، فإذا طالبه العقلاء بالدليل على أوهامه الطبية؛ واجههم بالمحاكم ورفع الدعاوى القضائية. رجلٌ يطالب أمته بالمختبر، ويواجه خصومه بالمحكمة!
زعم أنه جاء ليحرر العقول من الكهنوت وسلطان رجال الدين، ثم امتلأ قلبُه حقدًا وبغضًا للإمام الألباني لسببٍ واحد: أن الألباني اعتزّ بعلمه ورفض أن ينحني ويجلس إلى ملك. وتتويجًا لهذه الخطة: رماه العلمانيون والتنويريون سنة 2020 بأنه تاجر دين وبائع خرافة وتهديدٌ لسلامة الناس، فلما جاءت سنة 2023 صاروا هم أنفسهم حرسَه وجنوده المدافعين عنه! انقلب الصفّان حوله وهو واقفٌ أمام كاميرته، لا لأنهم تابوا، بل لأنه هو الذي خلع دينه وعبر الخندق إليهم.
الخلاصة النهائية
قلتُ: فالحاصل في أمر محمد الفايد أنه ليس مجتهدًا أخطأ ولا عالمًا زلّ، بل هو هادمٌ لأصول الملة، وصاحبُ مشروعٍ مستقرٍ في الزندقة. لقد نصّب المختبر وثنًا يُحاكم إليه الوحي، فردّ من الغيب ما لم تمسّه يده؛ فأنكر الإسراء، والحور، وعذاب القبر، والمسيح الدجال. ثم أسقط شرط الإيمان من النجاة وشهد لمن مات على الكفر بالجنة، في مقالة كفرٍ بواحٍ يردّها محكم التنزيل. وبلغت به الغواية أن ألغى علماء الأمة بجرة لسان، وطعن في الصحابة مفضّلًا نفسه عليهم، ثم تناول مقام النبوة، وحمل على السنة بمعول الخوارج. ولما أُقيمت عليه الحجة ببيانٍ من هيئةٍ علمية دُعي فيه إلى التوبة، ولما حُرّر له محل النزاع، استكبر ومضى، حتى توّج ضلاله في يناير 2024 بإعلان الإلحاد، والموالاة للصهيونية، والانحياز لقتلة المسلمين والأمةُ يومئذ تُذبح في غزة.
وعليه؛ فلا يحل لمسلم أن يأخذ عن هذا الرجل دينه، ولا أن يجلس إليه متعلمًا، ولا أن ينشر له مقطعًا في اعتقاد أو حديث، ولا أن يُقدَّم في المجالس على أنه مفكر أو مصلح. وكما حَرُم على المسلم أن يُسلمه عقيدته، يحرم على المريض أن يترك طبيبه لقوله، أو يعرّض حياته للهلاك بفتواه؛ فتقديمُه للشباب بلقب «الدكتور» خارج باب الأغذية تلبيسٌ وخداع يجب كشفه.
وارجع البصر كرّةً أخيرة واعتبِر: تذكّر ذلك الرجل الذي كان يقف في الندوات قبل عشرين سنة، يخطب محذّرًا أمهات المسلمين من لعبةٍ تدس الفساد لأطفالهم، ومن ماسونية تتربّص بهم؛ فكان العوام يصفقون له قائلين: هذا عالمٌ يدافع عن ديننا. ثم انظر إليه اليوم وقد جاوز السبعين، يقف ليقول إن العلمانية سر التقدم، وإن أمته أمة إرهاب خيرٌ لها أن تختفي! صعد الرجل على منبر «قناة القرآن الكريم» ليعرفه الناس، ثم نزل عنه ليهدم بيده ما رُفع عليه. وكم في هذا من عبرة. فما أُتي الرجل من قلة ذكاء، ولا من ضيق شهرة، ولا من عوز مال؛ وإنما أُتي من أنه لم يعرف حدَّه. أُعطي مفتاحًا لبابٍ واحد فظنّه مفتاحًا للدار كلها، وصُفِّق له في موضع فحسب التصفيق شهادةً في كل موضع، فتكلم فيما لا يعلم، فلما رُدّ عليه استكبر، فلما استكبر تدرّج، فلما تدرّج انتهى إلى ما ترى. ثم مات مشروعه بين يديه وهو ينظر، فأعلن إفلاسه بلسانه. وسيقف يومًا وحده، لا ورقةٌ تشفع، ولا مليونا مشترك يدفعون عنه شيئًا.
نسأل الله أن يهدي محمد الفايد قبل أن يلقاه، وأن يردّه إلى الحق ردًّا جميلًا، وأن يرزقه توبةً نصوحًا يمحو بها ما أصّل قبل أن يُغلق الباب. اللهم أطفئ ما أوقده من الشك في القلوب، ورُدّ إلى دينهم من خلعوا لباسه على كلمته، واحفظ على المسلمين أبدانهم من فتواه وقلوبهم من مقالته، ولا تجعل لعبدٍ نعمةً يهدم بها دينك.
سجل المصادر
من كلامه ومادته:
- برنامج «نخل ورمان» على القناة السادسة المغربية، من إعداد وتقديم لطيفة الصمدي: ومنه خطابه في التغذية وطريقته في مخاطبة العامة.
- قناته على اليوتيوب ومقاطعه المتداولة، وقد جاوز مشتركوها المليونين.
- مادة «محمد الفايد (خبير تغذية)» في ويكيبيديا العربية: منها الميلاد والشهادات والجوائز بسنواتها.
المرجع الأوسع في مقالاته وسقطاته:
- سلسلة «فضائح وأكاذيب محمد الفايد»، قناة شؤون إسلامية، سبع وعشرون حلقة من 6 فبراير 2023 إلى 23 يوليو 2026. ومنها أُخذ أكثر ما في هذه السيرة من مقالاته في الصحابة والسنة والغيب والعلمانية، وإعلانه في يناير 2024، وفضيحة ابن حنبل وابن تيمية، وكذبه على راغب السرجاني، واعترافه بالفشل.
- مقالات موقع شؤون إسلامية: مقال 5 فبراير 2023 في مقالة أديسون، ومقال د. سامي عامري في 13 فبراير 2023، ورسالة المرأة التي خلعت حجابها وتركت الصلاة سنتين بسببه وبسبب شحرور.
المؤسسات والصحافة:
- بيان رابطة علماء المغرب العربي ومقرها جنيف، بتهمه الثلاث ودعوته إلى التوبة.
- كريمة وعلي، «محمد الفايد.. حين يرهن المغاربة صحتهم لأوهام خبير»، رصيف22، 23 مارس 2023: ومنه شكوى الطبيب، وحملات التوقيع، والدعاوى القضائية على منتقديه، وشهادتا سهام وخديجة.
- حميد عنتار، مرايانا، 24 أبريل 2020؛ وعبد الحق غريب وسعيد الكحل، أنفاس بريس، أبريل 2020.
- ردّ وزارة الصحة المغربية على نصائحه، وتحذيرات أطباء الجهاز الهضمي من بول الإبل.
كُتبت هذه الترجمة يوم السبت 15 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 29 من أغسطس 2026 م، بناءً على ما وقفتُ عليه من مقالاته ومن كلام من ردّ عليه إلى هذا اليوم. فما جدّ بعده من قول أو رجوع فله حكمه، ونسأل الله أن يكون أول تعديل لهذه السيرة خبرَ توبته وعودته إلى الحق.






