محمد صالح المنجد

محمد صالح المنجد
الاسم الكاملمحمد بن صالح المنجِّد
الميلادحلب، سوريا؛ 30 ذو الحجة 1380 هـ / 13 يونيو 1961 م
البلدفلسطين
الإقامةالخبر، السعودية (قبل الاعتقال)
المهنةداعية ومربٍّ وفقيه ومفتٍ وإمام وخطيب
التخصصالفقه والفتوى والتربية وأعمال القلوب والدعوة الرقمية وبناء المشاريع العلمية
شيوخه
القائمة…[إظهار][إخفاء]
  • عبد العزيز بن عبد الله بن باز
  • محمد بن صالح العثيمين
  • عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
  • سعيد آل عبد الله
  • عبد الرحمن بن ناصر البراك
  • محمد ولد سيدي الحبيب الشنقيطي
  • صالح بن فوزان الفوزان
  • عبد الله بن محمد الغنيمان
  • عبد المحسن الزامل
  • عبد الرحمن بن صالح المحمود
  • محمد ناصر الدين الألباني
أبرز الأعمال
القائمة…[إظهار][إخفاء]
  • موقع «الإسلام سؤال وجواب»
  • مجموعة زاد
  • أكاديمية زاد
  • قناة زاد
  • «ظاهرة ضعف الإيمان»
  • «وسائل الثبات على دين الله»
  • «محرمات استهان بها كثير من الناس»
  • «تفسير الزهراوين»
  • «منهج السلف»
التصنيفدعاة وعلماء

الشيخُ الداعيةُ المربّي، الفقيهُ المفتي، صاحبُ أقدمِ بيوتِ الفتوى على الشبكة، محمدُ صالحٍ المنجِّد. وُلد في الثلاثين من ذي الحجة سنة 1380 هـ، الموافق الثالثَ عشرَ من يونيو سنة 1961 م، بمدينة حلب من بلاد الشام، لأبوين فلسطينيَّين، ثم حملته أسرتُه صغيرًا إلى جزيرة العرب، فنشأ بالرياض وتعلّم بها، وتخرّج في الإدارة الصناعية بالظهران، واستقرّ بالخُبر إمامًا وخطيبًا نحو ثلاثين سنة، ثم سيق منها إلى السجن في سبتمبر سنة 2017، وهو فيه إلى يوم كتابة هذه الترجمة.

أما المشروع الذي جعله محور عمره فواحد لا يتغير: أن يجد المسلمُ جوابَ مسألته، أينما كان، وبأي لسانٍ نطق، مؤصَّلًا بالدليل، مأخوذًا من كلام أهل العلم، مصوغًا بعبارةٍ يفهمها ولا يتعثّر فيها. وقد كتب في رؤية مؤسسته سطرًا واحدًا يلخّص العمر كله: «موسوعة معرفية عن الإسلام». ولم يكن ذلك شعارًا يُعلَّق؛ فقد أخرجه إلى الأرض موقعًا يعمل في ست عشرة لغة، وقناةً فضائية، وأكاديمية مجانية، ومكتبةً تزيد على مئة كتاب.

ومنبرُه الذي عُرف به في بلده منبرُ جامع عمر بن عبد العزيز بحي العقربية من مدينة الخبر؛ منه خطب أكثر من ثمانمئة خطبة جمعة، أقدمُها محفوظٌ من سنة 1410 هـ، وفيه شرح تفسير ابن كثير ثلاث عشرة سنة متصلة. ثم اتسعت الدائرة حتى صار المسلم في جاكرتا وكانو وبرمنجهام يقرأ جوابه بلغته، وحتى بلغت زيارات موقعه في شهر أكتوبر سنة 2023 تسعة عشر مليون زيارة.

وآخرُ خطبة جمعة له محفوظةٌ على موقعه الرسمي أُلقيت يوم الجمعة العشرين من شوال سنة 1438، الموافق الرابعَ عشرَ من يوليو سنة 2017، وعنوانها: «الجزاء من جنس العمل»، ومما تلاه فيها من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ومَن خذل مسلمًا في موطنٍ يحبّ فيه نصرتَه، خذله اللهُ في موطنٍ يحبّ نصرتَه فيه». وبعد ستةٍ وستين يومًا من تلك الخطبة اقتيد إلى السجن.

وفي سيرته لحظةٌ واحدةٌ تُفسّر ما بعدها كلَّه: ليلةٌ في رمضان سنة 1417، بعد درس صلاة التراويح، جلس إليه فيها رجلٌ يحمل جهازًا لم يكن أكثرُ الناس يومئذ قد رأى مثله، فسأل الشيخُ سؤالًا واحدًا لم يخطر لأحدٍ من أقرانه أن يسأله. وسيأتي خبرُ تلك الليلة في موضعه. وأما اليوم فالرجل في محبسه منذ تسع سنين إلا أسابيع، لا يُعرف موضعُه على وجه اليقين، ولا وصل إليه محامٍ، ولا صدر في حقه حكمٌ علنيٌّ منشور؛ وموقعُه ينشر الأجوبة كل يوم، وأكاديميتُه تفتح بابَ التسجيل لدورةٍ جديدة، وكتابُه الأخير للأطفال صدر قبل أسبوعين من كتابة هذه الترجمة.

محتويات
  1. 1 وُلد في حلب
  2. 2 خمس عشرة سنة في مجلس ابن باز
  3. 3 «مَن له خبرةٌ بهذه الشبكة؟»
  4. 4 إمامٌ دون الثلاثين
  5. 5 أربعةُ آلافِ ساعةٍ وخمسُمئة
  6. 6 موسوعةٌ معرفيةٌ عن الإسلام
  7. 7 أربعون فائدة، وسبعون مسألة
  8. 8 القدس، والشام، والدم المسلم
  9. 9 حجبٌ في شهر رمضان
  10. 10 السابع والعشرون من ذي الحجة
  11. 11 بين استراحةٍ ونقض
  12. 12 دورةٌ جديدةٌ تبدأ هذا الأسبوع
  13. 13 شمائل تُستخرج من العمل
  14. 14 تزكيتان تُقرآن بميزان قائلَيهما
  15. 15 الخلاصة النهائية
  16. 16 سجل المصادر

وُلد في حلب

في حلب، سنة 1961، وُلد محمد لأبوين فلسطينيَّين. هذا أول ما ينبغي أن يُثبَت في ترجمته، وأكثرُ ما يُغفَل عنه؛ فإن أهل الشبكة يعرفونه شيخًا سعوديَّ المنبر، ولا يعرفون أن أباه وأمه خرجا من فلسطين، وأن ابنهما لم يرث عنهما أرضًا ولا جاهًا ولا نسبًا يفتح له بابًا.

وحلبُ يومئذٍ من أكبر مدن الشام، وفيها من اللاجئين الفلسطينيين جماعاتٌ استقرت بها بعد نكبة سنة 1948، يعيشون على الطرف من المدينة، بأوراقٍ لا تجعلهم أهلًا لها ولا تعيدهم إلى بلدهم. وفي السنة التي وُلد فيها كانت سوريا تخرج من وحدتها مع مصر بانقلابٍ في سبتمبر سنة 1961، وتدخل في سلسلةٍ من الانقلابات لا تكاد تنقطع. فالطفل الذي فتح عينيه في تلك السنة فتحهما على بلدٍ مضطربٍ وبيتٍ لا وطن له.

ثم انتقلت الأسرة إلى المملكة العربية السعودية وهو صغير، فاستقرت بالرياض. وفي الرياض أنهى المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية.

وكانت الرياض في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين مدينةً تتحول تحت قدميه تحولًا لا يُصدَّق: بلدةٌ طينيةٌ تتحول إلى عاصمةٍ إسمنتية، وطفرةُ النفط بعد سنة 1973 تقلب عمرانها وأسواقها وأسعارها في سنوات، والمدارسُ النظامية تنتشر، وحلقُ المساجد باقيةٌ على حالها الأول، والصحوةُ الإسلامية تتخلق في المدارس والمراكز الصيفية وحِلَق التحفيظ. فنشأ في هذا الازدواج كلِّه: بيتٌ لاجئٌ محافظ، ومدينةٌ تتضخّم بالمال والبناء، وشيوخٌ يجلسون بعد الفجر في المساجد كأن شيئًا لم يتغيّر.

وليس في ترجمته ما يذكر أنه دخل معهدًا علميًّا ولا كليةً شرعية. تعلّم في مدارس التعليم العام، ثم انتقل إلى المنطقة الشرقية، إلى الظهران، فالتحق بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وتخرج فيها بدرجة البكالوريوس في الإدارة الصناعية.

ولهذا التخصص في سيرته شأنٌ أكبر مما يظنه من قرأ اسمه عابرًا، وأكثرُ من ترجم له مرّ بهذا الخبر مرورًا. فجامعةُ البترول والمعادن يومئذٍ أشدُّ جامعات الخليج انضباطًا وأقربُها إلى النموذج الأمريكي في التدريس والامتحان والجدولة. والإدارةُ الصناعية علمٌ موضوعه أن تجعل العمل نظامًا يجري بنفسه: تُقسّم العملية إلى خطوات، وتُسنِد كل خطوةٍ إلى صاحبها، وتقيس المخرَج بالرقم، وتبني ما يستمر بعد ذهاب الرجل. وسترى هذا كله في مشروعه بعد عشرين سنة: موقعٌ له فريقٌ علمي، وأكاديميةٌ لها خطةٌ دراسية ومستويات وامتحانات، وكتبٌ عناوينها أرقام: «أربعون فائدة»، «سبعون مسألة»، «33 سببًا»، «173 عملًا صالحًا».

وفي الجهة الأخرى من هذه الشهادة ما يُفهم به مسار حياته كله. فالرجل الذي صار بعد عشرين سنةً أوسعَ المفتين انتشارًا على وجه الأرض دخل من غير الأبواب التي يدخل منها المشايخ عادةً: لا شهادةَ شرعيةً جامعية، ولا رسالةَ ماجستيرٍ ولا دكتوراه، ولا كرسيَّ تدريسٍ في كلية. دخل من باب المسجد وحده، ومن ملازمة الشيوخ في مجالسهم، ومن التزكية العملية التي تُعطى بالعمل لا بالورق. ولهذا لم يتلقّب في يومٍ بلقبٍ أكاديمي، ولم يُعرَف عنه أنه ادّعى رتبةً لم ينلها.

فأما هو فلم يتخذ من شهادته وظيفة؛ سلك بها طريقًا آخر، ولذلك الطريق قصةٌ ورجلٌ.

وبقي في الخبر بعد تخرّجه، فكانت مدينتَه التي عاش فيها بقية عمره حرًّا، وفيها مسجدُه ومنبرُه وطلابُه ومقرُّ مشروعه. لم يهاجر إلى الرياض حيث مراكز القرار، ولا إلى القاهرة أو بيروت حيث أضواء الإعلام العربي. رجلٌ من الشرقية، بجوازٍ ليس سعوديًّا، بشهادةٍ ليست شرعية، بنى من غرفةٍ في الخبر ما وصل إلى ست عشرة لغة.

وليس في المصادر التي وقفتُ عليها تفصيلٌ عن أبيه ولا عن معيشة البيت ولا عن إخوته، ولم أجد له ترجمةً تذكر شيئًا من ذلك، لا في موقعه الرسمي ولا في غيره. وهذا من الشحّ في المادة، لا من قلة الفضل. على أن في نسبه بحثًا آخر: فبعض المواقع التعريفية تذكر أن «المنجِّد» من أسر دمشق العريقة، وهو خبرٌ لم أقف له على تحقيقٍ يصل الأسرة الدمشقية بأسرته هو، والمثبَت في تراجمه أنه وُلد بحلب لأبوين فلسطينيَّين.

خمس عشرة سنة في مجلس ابن باز

لم يمنعه التخصص الدنيوي من مزاحمة أهل العلم في مجالسهم، وسلك في الطلب مسلك أهل زمانه: ملازمةً، وقراءةً، وسماعًا، وسؤالًا.

وشيوخه بأسمائهم: العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، والعلامة محمد بن صالح العثيمين، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، رحمهم الله؛ وهؤلاء الثلاثة أكثرُ من حضر مجالسهم وانتفع بهم. وأخذ تصحيح قراءة القرآن على الشيخ سعيد آل عبد الله. وقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، وهو أكثرُ من استفاد منه بالقراءة عليه، وعلى الشيخ محمد ولد سيدي الحبيب الشنقيطي. واستفاد من الشيخ صالح بن فوزان الفوزان، والشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، والشيخ عبد المحسن الزامل، والشيخ عبد الرحمن بن صالح المحمود. وتذكر ترجمته في الموسوعة العربية وفي التقارير الصحفية أنه أخذ عن المحدّث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، ولم أجد ذكرًا للألباني في التعريف الرسمي المنشور على موقعه هو، فهذا خيطٌ يُثبَت وتُذكر درجتُه.

فانظر في هذه القائمة نظرةً واحدة تعرف بها الرجل: ابن باز في الفتوى وأصول الفقه وجمع كلام أهل العلم، وابن عثيمين في التحرير والتعليل، وابن جبرين في سعة النقل، والبراك في العقيدة والقراءة المتأنية، والفوزان في التقرير الحازم، والغنيمان في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، والشنقيطي في علوم الآلة على طريقة أهل شنقيط. هذه سلسلةٌ لا يجتمع مثلها إلا لمن لازم وصبر ورحل في طلبها بين الرياض والدمام ومكة.

وتأمّل في ترتيبها ترتيبًا آخر: طالبُ إدارةٍ صناعيةٍ في نهاره، ملازمُ شيوخٍ في ليله وإجازاته. يقرأ القرآن على شيخٍ حتى يصحّح قراءته، ويلازم واحدًا منهم خمس عشرة سنة. هذا هو الطريق الذي سلكه أهل العلم قبل الجامعات: الملازمة والقراءة والسؤال والصبر على المدة. وهو الطريق الذي يظنّه شبابُ اليوم قد انقطع، وقد سلكه رجلٌ من أبناء جيلهم القريب فبلغ به ما بلغ.

وليس في هذه القائمة اسمُ حزبٍ ولا جماعةٍ ولا تنظيم. ولم يُعرف عنه في ثلاثين سنةً انتماءٌ إلى جماعةٍ بعينها، ولا ولاءٌ لتيارٍ يُنافح عنه، ولا دخولٌ في تصنيفات المتصدرين لأهل السنة بعضِهم على بعض. وكان بابُه الذي يعود إليه دائمًا بابَ اللجنة الدائمة للإفتاء وهيئة كبار العلماء والمجامع الفقهية، حتى نصّ على ذلك في منهج مؤسسته المعلن. رجلٌ ربط نفسه بالمؤسسة العلمية الكبرى ولم يبنِ لنفسه مذهبًا يُنسب إليه.

على أن المفصل الأكبر في تكوينه واحد: علاقتُه بالشيخ عبد العزيز بن باز. امتدت هذه العلاقة خمس عشرة سنة كاملة، حتى صار ابن باز أكثرَ من يرجع إليه في الأجوبة. وكان ابن باز هو الذي اكتشف الطاقة في هذا الشاب فدفعه إلى الميدان دفعًا: وجّهه أن يعمل إمامًا وخطيبًا في المنطقة الشرقية وهو دون الثلاثين، وكتب بيده إلى مركز الدعوة والإرشاد بالدمام باعتماد التعاون معه في المحاضرات والخطب والدروس العلمية.

وأنت خبيرٌ بأن هذه التزكية لا تُنال بالكلام. الرجلُ الذي كان يُرجَع إليه في نوازل العالم الإسلامي كلها لا يكتب في شابٍّ خطابًا رسميًّا إلى مركز دعوةٍ حكومي إلا وقد استوثق من دينه وأهليته وصدقه. وبأمر ابن باز صار محمدُ صالحٍ المنجّد خطيبًا وإمامًا ومحاضرًا. فلولا تلك الكلمة لبقي موظفًا في شركةٍ صناعية، ولضاع على الأمة أحد أوسع مشروعاتها الدعوية في المئة سنة الأخيرة.

وقد بقيت محبةُ الشيخ في قلبه حتى آخر يوم. ففي خطبةٍ ألقاها ينعى فيها ابنَ باز رحمه الله، حكى عن نفسه هذه الواقعة بلفظه: «وقلتُ له قبل موته بأيام: أريدك يا شيخ أن تسامحني وتحلّلني، فلا يخلو الأمر من خطأ في حقك أو تقصير أو إخلال في فهم كلامك والنقل عنك، فقال لي: مسامَحٌ، مسامَحٌ، سامحك الله». ومات ابن باز في محرم سنة 1420، الموافق مايو سنة 1999.

وفي تلك الخطبة نفسها ما يكشف ميزان الرجل في مقام لا يملك فيه غيرُه نفسَه. فإن الناعي إذا أحبّ غلا، وهو قال في شيخه: «نحن لا نبرّئه فهو بشر، ولا نرفعه إلى رتبة الأنبياء فليس بمعصوم، الحقُّ ما وافق الكتاب والسنة». ثم قال: «لسنا نزعم أنه أعلم من الشافعي أو أحمد أو ابن تيمية، كلا والله، ولكن أهميته في عصره لا تقل عن أهميتهم في عصورهم». وقال في الشيخ لما تولى المناصب: «قليلون أولئك الذين تولوا المناصب فلم يتغيروا، قليلون أولئك الذين تولوا المناصب فلم يظلموا ولم يتجبروا».

ومن وزن شيخَه بهذا الميزان وهو في مقام البكاء عليه، فقد وزن نفسه من قبل. وهذه أول علامةٍ على أن الرجل تربّى قبل أن يتصدّر.

وقد أثمر هذا التكوين درسًا لا خطبةً وحدها: فقد شرح في جامعه صحيح البخاري، وسنن الترمذي، وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، ومنهج السالكين للشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وبلوغ المرام، والأربعين النووية، والشمائل المحمدية للترمذي. وتفسير ابن كثير خاصةً انتظم في تدريسه مدةً تزيد على ثلاث عشرة سنة، ثم تطوّر الدرسُ إلى إملاء تفسيرٍ على الطلبة، جامعًا للفوائد واللطائف من أكثر من ثلاثين كتابًا من كتب التفسير المتقدمة والمعاصرة. وسيأتي خبر ما صار إليه هذا الإملاء بعد عشرين سنة، وصاحبه في محبسه.

«مَن له خبرةٌ بهذه الشبكة؟»

في رمضان من سنة 1417 هـ، الموافقة سنة 1996 م، وبعد أن فرغ من درس صلاة التراويح في مسجده، جلس إليه أخٌ معه حاسوبٌ محمول، ففتحه أمامه وشرح له ما هذه «الشبكة» التي يسمونها الإنترنت. وكانت يومئذٍ غير معروفة في العالم العربي ولا في المملكة، ولم تكن خدمتها قد فُتحت للأفراد رسميًّا في السعودية بعد.

فماذا صنع الشيخ؟ سأل سؤالًا واحدًا نقله بلفظه بعد عشرين سنة: «بالتالي سألته: مَن له خبرةٌ في هذه الشبكة؟».

هذه هي اللحظة. رجلٌ عمرُه خمسٌ وثلاثون سنة، يرى أداةً لم يرها من قبل، فيكون أولُ ما يخطر له أن يبحث عمن يُحسنها ليعمل بها. وأكثرُ أقرانه يومئذ إنما كانت أسئلتهم تدور على حكم اقتناء الجهاز والاشتراك في الشبكة وما فيها من الشر. وهو نفسه سيلقي بعد ذلك محاضرةً مطولةً بعنوان «الإنترنت ما لها وما عليها» يعدّد فيها أضرارها العقدية ومواقع المبطلين عليها، فيجمع بين البصر بالخطر والإقدام على الميدان. فلله درُّه حين سأل السؤال الذي لم يخطر لأحد. ومن ذلك السؤال خرج موقع «الإسلام سؤال وجواب»، أولُ بيتٍ للفتوى بُني على شبكة الإنترنت، أو من أوائلها إن تحفّظنا في اللفظ. حكى هو قصة النشأة في لقاءٍ مصوَّرٍ نُشر على موقعه الرسمي في 23 محرم 1437، الموافق الخامسَ من نوفمبر 2015، تحت عنوان: «موقع الإسلام سؤال وجواب»، وقد قاربت مشاهداتُه على الموقع مئة ألف.

ولنعد الآن إلى الوراء قليلًا، إلى المنبر الذي كان يقف عليه قبل أن تُفتح له هذه الشاشة.

إمامٌ دون الثلاثين

عُيّن إمامًا وخطيبًا لجامع عمر بن عبد العزيز بحي العقربية في مدينة الخبر، بتوجيهٍ من ابن باز كما تقدّم، وله يومئذٍ دون الثلاثين سنة. وأقدم خطبةٍ محفوظةٍ له على موقعه الرسمي مؤرخةٌ بالرابع عشر من صفر سنة 1410 هـ، الموافق منتصفَ سبتمبر سنة 1989 م، وعنوانها «المساجد آداب وأحكام». ثم تتوالى الخطب على موقعه اثنتين وثمانين صفحة، بمعدل عشر خطبٍ في الصفحة، فتزيد على ثمانمئة خطبة جمعة، آخرُها في شوال سنة 1438. ثمانٍ وعشرون سنةً من الجُمَع، لم ينقطع فيها إلا حين انقطع بالسجن.

وموضوعاتُ خطبه الأولى تُريك الرجل قبل أن تصنعه الشهرة: «كيف يكون الزواج إسلاميًّا؟» في ذي الحجة 1410، و«التفاخر بالأنساب» في ربيع الأول 1411، و«أين الحياء؟» في محرم 1412، و«الطفل الإسلامي والطفل الغربي» في صفر 1412. رجلٌ يعالج البيت والولد والعرض واللسان، لا يشتغل بمعارك التصنيف.

ثم لما دخلت سنة 1411 في آخرها، ألقى خطبتين متتاليتين عنوانهما «فوائد الابتلاء»: الأولى في 23 من ذي الحجة سنة 1411، الموافق الخامسَ من يوليو سنة 1991، والثانية في غرة محرم سنة 1412، الموافق الثانيَ عشرَ من يوليو سنة 1991. وفي عناصر الخطبة الأولى مبحثٌ عنوانه: «الرد على شبهة: لماذا الله يبتلي المؤمنين وهم ينصرون دينه؟». وافتتح الثانية بقوله: «يسأل كثير من الناس فيقولون: هؤلاء الدعاة إلى الله، والعاملون لدين الله، الذين يريدون تمكين الدين في الأرض، يحصل لهم من أنواع البطش والتنكيل، ويحصل لهم من الأذى أمورٌ كثيرة، فما هي الحكمة يا ترى من وراء ذلك؟».

له يومئذٍ ثلاثون سنة، ويجيب عن سؤالٍ في مصائر غيره. وبعد ستٍّ وعشرين سنةً صار هو الجواب.

أربعةُ آلافِ ساعةٍ وخمسُمئة

ثم اتسع الميدان اتساعًا يصعب على قارئ اليوم أن يتصوره. فمن الجُمَع إلى المحاضرات: نحو خمسمئة محاضرةٍ منشورةٍ على موقعه، منها سلسلةٌ تربويةٌ كان يلقيها كل يوم أربعاء، ودروسٌ شهريةٌ في الرياض وجدة. ومن المحاضرات إلى السلاسل العلمية المطوّلة: شرحُ «منهج السالكين» في 212 حلقة، و«منتقى المسائل الفقهية» منه في 455 حلقة، وشرحُ «بلوغ المرام» في 77 حلقة، وشرحُ «الأربعين النووية» في 43 حلقة.

ومن السلاسل إلى الإذاعة: ثمانيةُ برامج في إذاعة القرآن الكريم وغيرها، منها «سبيل الرشاد» في 65 حلقة، و«فائدة اليوم» في 59 حلقة، و«على مائدة الإفطار» في 31 حلقة، و«مواقف إيمانية» في 30 حلقة، و«آيات للصائمين» في 30 حلقة، و«الحلول الشرعية للمشكلات الاجتماعية» في 24 حلقة. وله برنامجه الأسبوعي «بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه» يوم السبت، وبرنامج «خطوات على طريق الإصلاح» يوم الأربعاء ويعاد يوم الإثنين.

ومن الإذاعة إلى الفضائيات: برنامجه الأسبوعي «الراصد» على قناة المجد، وهو رصدٌ لظاهرةٍ اجتماعيةٍ أو سلوكية تُناقَش في كل حلقةٍ قضيةٌ منها، وتُبيَّن أسبابُها ونتائجُها؛ ومنه نسخٌ محفوظةٌ في أرشيف الإنترنت من سنة 2008. ثم برامجُ في قنواتٍ محليةٍ وخليجيةٍ وعربية، حتى صارت برامجه تُبثّ متزامنةً على أكثر من عشر قنوات فضائية في بعض الأحيان، وخصوصًا في رمضان.

فبلغ مجموعُ ما سُجّل له من الدروس والمحاضرات والبرامج أكثرَ من أربعة آلاف وخمسمئة ساعةٍ صوتية على مدى ثلاثٍ وعشرين سنة، وله أكثر من ثلاثة آلاف مادةٍ منشورة، معظمها على الشبكة.

وأنت يا من ترى مقطعًا ينتشر في ليلةٍ فتحسب صاحبه قد بلغ، اقسم أربعة آلاف وخمسمئة ساعةٍ على ثلاثٍ وعشرين سنة، ثم انظر كم يبقى لصاحبها من ليله ونهاره. إنها مثابرةُ رجلٍ لا يعرف الانقطاع، لا ضربةُ حظٍّ ولا موجةُ انتشار.

موسوعةٌ معرفيةٌ عن الإسلام

هذا هو المشروع المركزي، وهذا اسمه بلفظ صاحبه: «موسوعة معرفية عن الإسلام». وتحت هذه الجملة القصيرة بناءٌ كامل.

أولًا: الموقع. «الإسلام سؤال وجواب»، بدأ سنة 1996، ويحمل في ذيل صفحاته اليوم: «جميع الحقوق محفوظة لموقع الإسلام سؤال وجواب 1997-2025». موقعٌ علميٌّ دعويٌّ تربوي، يجيب عن أسئلة المسلمين وغير المسلمين. وأهدافه المعلنة خمسة: نشر الإسلام والدعوة إليه، ونشر العلم الشرعي ورفع الجهل، وتلبية حاجة الناس بالفتوى المؤصَّلة، والذبّ عن الإسلام بالرد على الشبهات، وتوجيه الناس في قضايا حياتهم بالاستشارات العلمية والتربوية والاجتماعية.

ومنهجه معلنٌ لا يحتاج إلى استنباط: عقيدةُ أهل السنة والجماعة واتّباع السلف الصالح، والأجوبةُ مبنيةٌ على الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة، مأخوذةٌ من كلام العلماء من أصحاب المذاهب الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين، مع الاستعانة بفتاوى اللجنة الدائمة وقرارات هيئة كبار العلماء والمجامع الفقهية. ثم يزيد سطرًا يكشف طبع الرجل كله: «ويتجنّب الموقع الدخول في القضايا التي لا فائدة فيها من المهاترات والسباب والشتائم والجدل العقيم».

وقد صار هذا الموقع بعد عقدين المرجعَ الأول لملايين المسلمين، ينشر بست عشرة لغة: العربية والإنجليزية والفرنسية والتركية والروسية والأردية والفارسية والصينية والأويغورية والإسبانية والطاجيكية والإندونيسية والهندية والبنغالية والألمانية والبرتغالية. وبلغت زياراته في أكتوبر سنة 2023 تسعةَ عشرَ مليون زيارة، وترتيبُه العالمي بحسب الزيارات 4302 من مواقع العالم كلها.

ثانيًا: مجموعة مواقع الإسلام. يشرف الشيخ على تسعة مواقع إسلامية تُعرف بمجموعة مواقع الإسلام (islam.ws)، تضم ثمانية مواقع متخصصة إلى جانب الموقع الأم.

ثالثًا: مجموعة زاد. وهي الوجه المؤسسي الأكمل لمشروعه، ومن ثمارها: موقعُ الإمام ابن باز لجمع تراث شيخه وفتاواه، وتطبيقُ «موسوعة الفتاوى البازية» وهو أكبر تطبيقٍ يجمع فتاوى ابن باز، وموقعُ الشيخ عبد العزيز الراجحي، وموقعُ الشيخ خالد السبت، وقناةُ زاد الفضائية التي بدأ بثها في مطلع يوليو سنة 2015، وأكاديميةُ زاد العلمية وهي أول أكاديميةٍ عبر الإنترنت متخصصةٍ في العلوم الشرعية، ومنصةُ «زادي» للمساقات التعليمية، ومشروعُ «عالم زيدو» للطفل المسلم، وتطبيقُ «مصحف زاد»، وتطبيقُ «فقه المهن» يقدّم لكل صاحب مهنةٍ ما يخصه من الأحكام: للطبيب والتاجر والحلّاق والمزارع والجزّار، وتطبيقُ «الحفّاظ الصغار»، وتطبيقُ «طهور إن شاء الله» أُعدّ ليكون أنيسًا للمريض فيه أحكامُه ورقيتُه ودعواتُه وسجلٌّ لقياس السكر والضغط، وتطبيقُ «تجارب خيرية» شبكةً تفاعليةً للعاملين في القطاعات الخيرية والدعوية.

وأكاديميةُ زاد وحدَها كافيةٌ لتعريف الرجل: برنامجٌ مدته سنتان، على أربعة مستويات، كل مستوًى اثنا عشر أسبوعًا، بمعدل خمس عشرة ساعةً في الأسبوع، في سبعة مجالات: العقيدة والتفسير والحديث والفقه والسيرة النبوية واللغة العربية والتربية الإسلامية. يُشترط في الطالب أن يبلغ السادسة عشرة، وليس فيه رسوم ولا أجرة: مجانًا، لكل من في الأرض، عبر الشبكة وعبر القناة معًا. ويدرّس فيه أساتذةٌ جامعيون متخصصون، منهم الدكتور سليمان العيوني، والدكتور عبد الله الدميجي، والدكتور خالد الجريسي، والدكتور عيسى المسلمي، والدكتور منصور الغامدي، والدكتور عبد العزيز الجهني، والدكتور عاصم الحكيم.

رابعًا: ما صنعه هذا كله بشكل الفتوى نفسها. كانت الفتوى قبل ذلك مجلسًا: تسأل الشيخ فيجيبك، فإن مات الشيخ ذهب الجواب معه إلا ما قيّده تلميذ. فنقلها هذا الرجل إلى صورةٍ أخرى: جوابٌ محرَّرٌ مكتوب، مرقَّمٌ يُحال إليه، مبوَّبٌ في شجرة تصنيفات، مترجَمٌ إلى ست عشرة لغة، محفوظٌ لا يبلى، يُقرأ في أي ساعةٍ من ليلٍ أو نهار، ويصل إلى من لا يجد في بلده عالمًا يسأله. ولهذا صارت أجوبتُه مادةً تُدرَس في البحوث الأكاديمية الغربية التي تتناول الفتوى الرقمية وسلطة العلماء على الشبكة، ومصدرًا يرجع إليه الصحفي والباحث والمستشرق إذا أراد أن يعرف ماذا يقول أهل السنة في مسألة.

وأنشأ هذا كله في زمنٍ لم تكن فيه الأدواتُ جاهزة: لا برامجَ نشرٍ عربيةً ناضجة، ولا خدمةَ إنترنتٍ للأفراد في بلده، ولا فريقَ عملٍ متخصصًا يُستأجَر، ولا سابقةً يُحتذى بها. كان عليه أن يخترع الشكل قبل أن يملأه.

قلتُ: والذي يفرّق بين هذا الرجل وبين مئةٍ من الدعاة النافعين أنه لم يبنِ حول نفسه، بل بنى ما يستغني عن نفسه. الداعيةُ يترك أشرطة، وصاحبُ المؤسسة يترك مؤسسة. وستقرأ في آخر هذه الترجمة كم كان هذا الفرق حاسمًا.

أربعون فائدة، وسبعون مسألة

له من الكتب والرسائل ما يزيد على مئة، أُحصي منها في القوائم المنشورة ثلاثةٌ ومئة، وعلى موقعه الرسمي 101 كتابًا بالعربية و44 بالإنجليزية.

واقرأ العناوين وحدها تعرف الرجل: «ظاهرة ضعف الإيمان»، و«وسائل الثبات على دين الله»، و«محرمات استهان بها كثير من الناس»، و«الأساليب النبوية في معالجة الأخطاء»، و«أربعون نصيحة لإصلاح البيوت»، و«أخطار تهدد البيوت»، و«أدرك أهلك قبل أن يحترقوا»، و«علاج الهموم»، و«أريد أن أتوب ولكن!»، و«شكاوى وحلول»، و«صراع مع الشهوات»، و«العادة السيئة»، و«الكوابح: نفسك كيف تضبطها؟»، و«مراعاة المشاعر»، و«تطييب الخواطر»، و«اترك أثرًا قبل الرحيل»، و«كونوا على الخير أعوانًا»، و«كيف تقرأ كتابًا»، و«مشروعك الذي يلائمك».

ثم أرقامٌ لا تكاد تنتهي: «سبعون مسألة في الصيام»، و«33 سببًا للخشوع في الصلاة»، و«173 عملًا صالحًا في رمضان»، و«48 فائدة في قيام الليل والتراويح»، و«55 فائدة في يوم عرفة»، و«67 مسألة في الأضحية»، و«35 فائدة في سجود السهو»، و«46 فائدة في الكسوف والخسوف»، و«22 فائدة في الزلازل وأحكامها»، و«38 فائدة في التعامل مع الأوبئة»، و«41 فائدة في أحكام الشتاء والمسح على الخفين»، و«43 فائدة في أحكام المولود»، و«48 فائدة في تربية الأولاد»، و«أربعون فائدة في صلة الرحم»، و«أربعون فائدة في بر الوالدين».

وله في النوازل المستحدثة: «حُمّى الألعاب الإلكترونية»، و«صناعة الترفيه»، و«الأزمة المالية»، و«المجمعات التجارية: آداب وأحكام»، و«مختصر في زكاة العقار»، و«رسالة إلى الطبيب المسلم»، و«المفيد في التعامل مع المسلم الجديد»، و«الفقه والاعتبار في فاجعة السيل الجرار».

وله في العقيدة والمنهج: «سلسلة العقيدة الصحيحة»، و«ثلاثون فائدة في أسماء وصفات الله تعالى»، و«منهج السلف»، و«بدعة إعادة فهم النص» وقدّم له الشيخ صالح الفوزان عضوُ هيئة كبار العلماء.

وله في التفسير والحديث والسيرة: «تفسير الزهراوين» في سورتي البقرة وآل عمران، و«تفسير سورة النساء»، و«شرح الأربعين النووية»، و«الأربعون القلبية»، و«الأربعون في الاستعاذات النبوية»، و«شرح الشمائل المحمدية»، و«أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم»، و«قصص الصحابة في عهد النبوة»، و«كيف عاملهم».

وهذا الأخير كان أكثر كتابٍ مبيعًا في معرض الرياض الدولي للكتاب سنة 1435 هـ، وموضوعه أن يجمع كيف عامل النبي صلى الله عليه وسلم أصنافَ الناس. رجلٌ يكتب في المعاملة فيتصدّر سوق الكتاب في عاصمةٍ يزدحم معرضُها بكل صنف.

وسلسلتاه «أعمال القلوب» و«مفسدات القلوب»، وكلٌّ منهما عشرةُ كتيبات، هما مفتاحُ صنعته: تشخيصٌ لمرض القلب، ثم دواءٌ مرقَّمٌ يُحفظ ويُطبّق. وهذه هي الإدارة الصناعية وقد دخلت باب الرقائق: لا يقول لك «أخلِص»، بل يعدّ لك ما يُعينك على الإخلاص بندًا بندًا.

فأيُّ رجلٍ هذا الذي يعالج أمراض القلوب بجدول أعمال؟

القدس، والشام، والدم المسلم

مِن أعدلِ ما يُوزن به الرجل موقفُه من دم إخوانه وأرضهم، لا ما يقوله عن نفسه. وهذه ثلاثةُ مواضعَ مؤرَّخةٌ من كلامه.

القدس. في 23 من ذي الحجة سنة 1420، الموافق التاسعَ والعشرين من مارس سنة 2000، نُشر على موقعه جوابٌ منسوبٌ إليه بعينه، رقمه 7726، وعنوانه: «أهمية القدس بالنسبة للمسلمين وهل لليهود حقٌّ فيها». والسائل نفسُه يقول في سؤاله: «يبدو لي أن اليهود لهم حصةٌ أكثر مما لنا في هذه المدينة». فبسط الجواب فضائل بيت المقدس، ثم قال بلفظه: «ليس لليهود حصةٌ في القدس»، وعلّل بأن الأرض «ليست لمن يعمرها أولًا، ولكن لمن يقيم فيها حكم الله». ثم ختم: «فيتقرر بهذا أنه لا حقّ لليهود بأرض فلسطين، لا حقًّا شرعيًّا دينيًّا ولا حقًّا بأقدمية السكنى ومُلْك الأرض، وأنهم مغتصبون معتدون، ونسأل الله أن يكون خلاصُ بيت المقدس منهم عاجلًا غير آجل».

قيل هذا قبل ستة أشهرٍ من انتفاضة الأقصى، وقبل عشرين سنةً من موجة التطبيع التي جرت في المنطقة. ومَن أراد أن يعرف موقعه من هذه القضية فلينظر في تاريخ الفتوى قبل أن ينظر في نصّها. وعلى موقعه في هذا الباب أجوبةٌ متكاثرة: في الردّ على من زعم أن الإسراء لم يكن إلى المسجد الأقصى الذي بفلسطين، وفي أن المسجد الأقصى ليس هو الهيكل ولم يُبنَ على أنقاضه، وفي حكم السفر إلى القدس للصلاة فيه وهو في قبضة اليهود.

الشام. وهو ابنُها بالمولد. لما اشتعلت الشام سنة 2011 وما بعدها، أخرج كتابه «طوبى للشام»، ونُشر على موقعه في 19 من محرم سنة 1434، الموافق الثالثَ من ديسمبر سنة 2012. وكتب في صدره بلفظه إنه «فصلٌ من فصول كتابٍ كبيرٍ عن الشام، أرجو أن يفيد في أحداث الساعة الراهنة، التي أدمعت العين، وأدمت القلب، وأزعجت النفس. تلك الأحداث التي جرّت على الشام وأهله ما جرّته من صنوف البلاء، وأعقبت ما أعقبته من الهموم والكروب بشتى أنواعها». ثم ختم بقوله: «وأيقن أن النصر قادم، وأن مع العسر يسرًا، وأن الله مُعِزٌّ جندَه، ومُذِلٌّ عدوَّه، ومُتِمٌّ نورَه لا محالة».

المولودُ في الشام يكتب في الشام بعد إحدى وخمسين سنة من مولده فيها، وهو يعلم أنه لا يملك لها شيئًا سوى أن يذكّر أهلها بوعد الله. وكم في هذا من عبرةٍ لمن يظن أن كتابة سبعٍ وستين صفحةً لا تساوي شيئًا؛ فإن الرجل لم يملك يومئذ غيرها، فبذل ما ملك.

الدم المسلم. وبعد ذلك بأسابيع، في 19 من صفر سنة 1434، الموافق مطلعَ يناير سنة 2013، نشر مقالًا على موقعه عنوانه: «صور من الغلو المعاصر في الدماء والأموال». وافتتحه بقوله: «الناظر بعين الشرع في حال عددٍ من الأماكن التي وقع فيها القتال من جهاتٍ تدّعي الإسلام والجهاد، يجد أنواعًا من الانحرافات والمخالفات الشرعية والظلم والعدوان». ثم عدّد: التكفير بالمعصية واستباحة دماء المسلمين، واستحلال الدم بلا قضاء ولا محاكمة، والحكم على ديار الإسلام بالكفر وإيجاب الجهاد فيها، وسيادةَ السفهاء وحُدَثاء الأسنان ونبذَ العلماء ورميَهم بالخيانة. واحتج بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الخوارج، وبقول أبي عبيد القاسم بن سلّام، وبقول أبي زرعة الرازي، وبقول ابن مفلح والشيخ ابن عثيمين في أن إقامة حدّ الردة إلى الإمام أو نائبه لا إلى آحاد الناس.

هذا مقالٌ منشورٌ باسمه على موقعه، بتاريخه، في ذروة الحرب السورية، وفي السنة التي كانت الجماعات المسلحة تتكاثر فيها على أرض بلده الأول. وسيأتي بعد خمس سنواتٍ ما يجعل قارئ هذا المقال يعيد قراءته مرتين.

حجبٌ في شهر رمضان

في أغسطس سنة 2010 صدر أمرٌ ملكيٌّ في المملكة العربية السعودية يقصر الإفتاء على أعضاء هيئة كبار العلماء ومن يأذن له وليُّ الأمر. وكانت قيودٌ من هذا الجنس قائمةً منذ سنة 2005، لكنها لم تكن تُنفَّذ.

وفي مطلع سبتمبر من السنة نفسها، أوردت وسائل إعلامٍ خليجية، منها قناة العربية وصحيفة الأنباء الكويتية، أن هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية حجبت موقع «الإسلام سؤال وجواب» تنفيذًا لذلك الأمر، بسبب إصدار الموقع فتاوى مستقلة.

وانظر في اليوم الذي وقع فيه: الثاني من سبتمبر سنة 2010 يوافق الثالث والعشرين من رمضان سنة 1431، في العشر الأواخر، وهي أكثرُ أيام السنة سؤالًا واستفتاءً وإقبالًا على مواقع العلم. حُجب الموقعُ في الليالي التي كان يعمل فيها أكثرَ ما يعمل.

فماذا صنع صاحبه؟ لم يخرج ببيان، ولم يفتح معركةً في الصحف، ولم يشتكِ على منبره. مضى على عمله، وبقي الموقع يعمل من خارج المملكة ويقرؤه الناس من كل مكان، ثم رُفع الحجب بعد ذلك، والموقع يعمل من داخلها وخارجها إلى اليوم. وقد كان الرجل قادرًا يومئذٍ على أن يجعل من الحادثة قضيةَ رأيٍ عام؛ وله من الجمهور ما يكفي لذلك. فاختار أن يبقى في بابه.

في رمضان سنة 1431 حُجب موقعه في البلد الذي يخطب فيه الجمعة. وفي ذي الحجة سنة 1438 حُبس هو في البلد نفسه.

السابع والعشرون من ذي الحجة

في الخامس من يونيو سنة 2017 فرضت السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصارًا على قطر. وفي الثامن من سبتمبر غرّد الشيخ سلمان العودة بكلمةٍ يدعو فيها أن يؤلّف الله بين القلوب لما فيه خير الشعوب، فاعتُقل في اليوم التالي. وتوالت الاعتقالات على الدعاة والأكاديميين والاقتصاديين والكتّاب والإعلاميين والشعراء.

وفي هذه الأثناء كان الشيخ محمد صالح المنجّد على عادته لا يبرح دائرته. ففي 12 من شوال 1438، الموافق السادسَ من يوليو 2017، ألقى محاضرة «كيف نخاطب الجيل الجديد؟»، وفي عناصرها: «مخاطبة الجيل الجديد المتلوث بالإلحاد بحجج القرآن»، و«تحصين الجيل الجديد من الانتحار»، و«الستر على العصاة في عالم الإنترنت». ثم محاضرة «تحصين النفوس كي لا تهتزّ» في 19 من شوال. ثم خطبة الجمعة «الجزاء من جنس العمل» في 20 من شوال. ثم محاضرة «كيف يحرّرنا القرآن من فتنة الدنيا؟» في 26 من شوال، الموافق العشرين من يوليو 2017. وهذه آخرُ مادةٍ سُجّلت له وهو طليق.

ثم كان يوم الاثنين الثامن عشر من سبتمبر سنة 2017، الموافق السابعَ والعشرين من ذي الحجة سنة 1438، فاعتقلته قوةٌ من أمن الدولة. وله يومئذٍ ستٌّ وخمسون سنةً بحساب الميلاد. وأمّا بحساب الهجرة فقد وُلد في الثلاثين من ذي الحجة واعتُقل في السابع والعشرين منه، فبينه وبين تمام سنته الثامنة والخمسين ثلاثةُ أيام. واعتُقل معه في الحملة نفسها مناور النوب، ونايف الصحفي، ومحمد البراك عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى، ومحمد صالح المقبل رئيس جمعية تحفيظ القرآن بالمذنب، وقبلهم سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري.

ولم يكن المنجّد معارضًا سياسيًّا، ولا صاحب تنظيم، ولا محرّضًا على خروج. صعد بالدرس والفتوى والبناء المؤسسي، وسقط بقرارٍ أمنيٍّ أراد أن يجمع الفضاء الديني كله في يدٍ واحدة، وألا يبقى في البلاد صوتٌ شرعيٌّ مستقلٌّ يثق به ملايين الناس. وقد أطلق ناشطون سعوديون قبل ذلك حملاتٍ عبر «تويتر» يطالبون فيها بمنحه الجنسية السعودية. فتأمّل: رجلٌ أنفق ثلاثين سنةً في مساجد المملكة ومنابرها وقنواتها، والناس يستجدون له جوازَ سفرٍ لم يُعطَه، ثم أُعطي بدله زنزانة.

بين استراحةٍ ونقض

وفي سنة 2022 حدث ما هو أقسى من الاعتقال نفسه.

فبعد نحو خمس سنواتٍ من الحبس، نُقل الشيخ إلى استراحةٍ تمهيدًا للإفراج عنه. الأبوابُ تُفتح، والأهلُ ينتظرون، والخبر يتسرّب إلى المهتمين. ثم نقضت المحكمة العليا في الرياض قرارَ الإفراج، وأمرت بإعادة محاكمته من جديد.

كان على بعد خطوةٍ من بيته فأُعيد إلى أول الطريق.

ثم تكررت في ديسمبر سنة 2024 أنباءٌ عن الإفراج عنه، تناقلها بعض المغرّدين نقلًا عن ناقلين، وهي رواياتٌ لم تثبت؛ فقد أصدرت منظمة «سند» الحقوقية بيانًا في الرابع عشر من أغسطس سنة 2025 تعلن فيه أنه أكمل ثماني سنواتٍ في السجن، وتجاوز الرابعةَ والستين من عمره، وتدعو إلى الإفراج الفوري غير المشروط عنه، وتذكر أنه حُرم من التمثيل القانوني، وأنه يعاني إهمالًا طبيًّا مع أمراضٍ مزمنةٍ منها السكري، وأنها فقدت الاتصال به منذ مدة. وسبق لها بيانٌ نحوُه في الرابع من أبريل سنة 2024.

وفي أكتوبر سنة 2025 انطلقت حملةٌ واسعةٌ على منصات التواصل بوسم «أنقذوا الشيخ المنجد»، بعد تسرّب أخبارٍ عن تدهورٍ حادٍّ في صحته: نحولٌ في الجسم، وضعفٌ في الصوت، مع أمراض القلب وارتفاع الضغط وسواها مما يحتاج إلى متابعةٍ دائمة. وشارك فيها آلافٌ من السعوديين والعرب، وعلماءُ وحقوقيون من بلدانٍ شتى، وطالبوا بالسماح لأطباءَ مستقلين بالكشف عليه.

هذا آخرُ ما وقفتُ عليه من خبره. رجلٌ في الخامسة والستين، مريضٌ، لا يُعرف موضعه على وجه اليقين، ولا يصل إليه محامٍ، ولا خرج في حقه حكمٌ علنيٌّ منشور، وقد أوشك أن يُتمّ تسع سنين.

وهو الذي كتب للناس كتابًا سمّاه «علاج الهموم»، وكتابًا سمّاه «تطييب الخواطر»، وكتابًا سمّاه «شكاوى وحلول». فمن يطيّب خاطرَه اليوم؟

دورةٌ جديدةٌ تبدأ هذا الأسبوع

وهنا تبدأ الحكاية الأخرى، وهي أعجب ما في هذه السيرة. فإن الرجل قد غاب، وأما الذي بناه فلم يغب. في السابع والعشرين من يناير سنة 2022، وصاحبُه في محبسه منذ أربع سنوات، صدر «تفسير الزهراوين» في سورتي البقرة وآل عمران. وكُتب في تعريفه: «لكلِّ كتابٍ قصة، وقصةُ كتابنا هذا تعود لأكثر من خمسة عشر عامًا؛ حيث بدأ الشيخ محمد صالح المنجّد دروسَ التفسير بجامع عمر بن عبد العزيز بالخُبَر، شارحًا تفسيرَ الحافظ ابن كثير... وانتظم في تدريسه لمدةٍ تزيد عن ثلاث عشرة سنة، ثم تطوّر هذا الدرسُ إلى إملاء تفسيرٍ على الطلبة». ثم قيل: إن الفريق العلمي بمجموعة زاد عكف على مراجعته وإعادة صياغته وتخريج آياته وأحاديثه، وإن هذا الجزء «باكورةُ إخراج هذا المشروع الكبير إلى النور: تفسير المنجّد».

وفي الثاني من ديسمبر سنة 2024 صدر كتابه «منهج السلف»، دراسةً في تأصيل المنهج السلفي وخصائصه والشبهات المثارة حوله، وخُتم بتقرير أن النجاة من الفتن لا تكون إلا بالتمسك بمنهج السلف علمًا وعملًا.

وفي الخامس عشر من أغسطس سنة 2026، أي قبل أسبوعين من كتابة هذه الترجمة، صدر أحدثُ كتبه: «الأربعون الوِلدانية من أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم»، أربعون حديثًا صحيحًا اختيرت لجلالة معانيها وقلة ألفاظها لتناسب الناشئة، مع شرحٍ ميسّرٍ ورسومٍ توضيحيةٍ تناسب الأطفال. رجلٌ في زنزانةٍ يصدر له كتابُ أطفالٍ مصوّر. وأكاديمية زاد لم تتوقف؛ صفحتُها اليوم تعلن أن الدورة التالية تبدأ في السابع والعشرين من أغسطس سنة 2026، وأن الدراسة سنتان، مجانًا، لكل من في الأرض. وقناة زاد تبثّ. وموقعه الرسمي يحمل في ذيله سنة 2026، وقناته على اليوتيوب تجاوزت ستمئة وثمانية آلاف متابع.

وأما موقع «الإسلام سؤال وجواب» فإن آخر أجوبته المنشورة إلى ساعة كتابة هذه السطور مؤرَّخةٌ بالثامن والعشرين من أغسطس سنة 2026، وهو اليوم نفسه. سؤالٌ عن دلالة قوله تعالى ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾، وسؤالٌ عن ربط الدعاء بالإعجاب والاشتراك في مواقع التواصل، وسؤالٌ عن تداول الذهب إلكترونيًّا. مسائلُ لم تكن موجودةً في الدنيا يوم دخل السجن، والموقعُ يجيب عنها اليوم بمنهجه الذي وضعه هو.

وما زال مكتوبًا في صفحة التعريف بالموقع، بصيغة الحاضر التي لم تتغيّر منذ تسع سنين: «ويقوم بالإشراف على هذه الإجابات الشيخ محمد صالح المنجّد حفظه الله».

شمائل تُستخرج من العمل

الرجلُ محبوسٌ منذ تسع سنين، ومن حوله يخافون الكلام. لكن الأعمال تشهد بما لا تشهد به الحكايات.

كان دقيقَ التقسيم في تحرير المسألة، رفيقَ العبارة في مخاطبة الشاب الحائر. ولو نظرت في عنوانٍ من عناوينه مثل «أريد أن أتوب ولكن!» لعرفت أن صاحبه يعرف أين يقف الناس لا أين يجب أن يقفوا.

وكان واسعَ الباب في الفتوى، ضيّقَ الباب في الخصومة. ومنهج مؤسسته الذي كتبه هو ينصّ على تجنّب «المهاترات والسباب والشتائم والجدل العقيم»؛ فلم يُعرف له كتابٌ في الردّ على معيَّن، ولا حسابٌ يشتغل بالتصنيف، مع أنه عاش ثلاثين سنةً في زمنٍ صار فيه هذا الباب أقصرَ طرق الشهرة.

وكان صاحبَ منبرٍ في مسجد حيّ، وصاحبَ خطابٍ في ست عشرة لغة. لم ينتقل إلى الرياض ولا إلى عاصمةٍ إعلامية؛ بقي في الخبر، في جامع العقربية، يخطب الجمعة ثمانيًا وعشرين سنة، والعالم يقرأ له.

وكان قليلَ الظهور في المعارك السياسية، كثيرَ الحضور في بيوت الناس. وهذا الذي أنقذ مشروعه من أن يكون رأيًا في نازلةٍ يزول بزوالها، وهو نفسُه الذي لم ينقذه من السجن.

وتواضعُه لشيوخه ثابتٌ بلفظه لا بشهادة غيره: طلب من ابن باز أن يحلّه ويسامحه قبل موته بأيام، وسمّى تقصيره باسمه: «خطأ في حقك أو تقصير أو إخلال في فهم كلامك والنقل عنك». ورجلٌ يخاف على نفسه من سوء فهم كلام شيخه، أحرى أن يخاف على نفسه من سوء الفتيا على الناس.

وكان عمليَّ النفَس في خطابه، قريبَ المأخذ في عبارته. اقرأ عناوين خطبه الأخيرة تجد الرجل يخاطب الحائر لا المتحمّس: «القلق في طلب الرزق»، و«كيف تزيد يقينك بالله؟ نافعٌ في الوسوسة»، و«يُستجاب الدعاء في هذه الأحوال»، و«هل يحبك الله تعالى؟». وقد ألقى ثلاثًا منها في سنة 1438، وهي السنة التي انتهى فيها إلى السجن. رجلٌ يعالج القلق والوسوسة في الناس، وقد أقبل عليه من البلاء ما هو أشدّ.

وكان يقظًا لأدوات زمانه قبل أن يستيقظ لها غيرُه. فمن ألّف «حُمّى الألعاب الإلكترونية» و«صناعة الترفيه» و«الستر على العصاة في عالم الإنترنت»، وأنشأ تطبيقًا لفقه المهن وآخرَ للمريض وثالثًا للطفل، فهو رجلٌ يرى الأداة قبل أن يراها الناس. ولو أنه عاش عصرَ الشريط لصنع أشرطة، ولو أُتيح له عصرُ ما بعد الشبكة لصنع ما لا نعلمه؛ ولكنه أُتيحت له الشبكة، فبنى فيها بيتًا.

تزكيتان تُقرآن بميزان قائلَيهما

لم يجمع الشيخ في حياته ملفًّا من الثناء ينشره على مواقعه، ولا وقفتُ له على صفحةٍ يعرض فيها ما قيل فيه. وأنفعُ ما يُذكر في هذا الباب تزكيتان اثنتان، قيمتُهما في قائلَيهما لا في ألفاظهما.

الأولى: خطابُ ابن باز إلى مركز الدعوة والإرشاد بالدمام. كتب الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بيده إلى المركز باعتماد التعاون مع الشيخ المنجّد في المحاضرات والخطب والدروس العلمية، ووجّهه أن يعمل إمامًا وخطيبًا في المنطقة الشرقية.

وزنِ الآن الرجلَ الذي كتب هذا الخطاب. هو نفسُه الذي وصفه المنجّد بأنه كان «ورعًا في الفتوى، كثيرًا ما يقول: ننظر فيها، تحتاج إلى تأمل، اكتبها للجنة ونبحثها مع الإخوان»، وقال عنه إنه سمعه بأذنه يقول على الملأ في درسه بالحرم المكي: «المسألة مشتبهةٌ عليَّ»، فلا يجيب. فرجلٌ يتوقف في مسألةٍ يتسرّع فيها صغارُ الطلبة، ثم يكتب خطابًا رسميًّا يوصي فيه بشابٍّ دون الثلاثين ليتصدّر للخطابة والتدريس: هذا خطابٌ يساوي عند العارف عشرَ إجازاتٍ مكتوبة.

الثانية: تقديمُ الشيخ صالح الفوزان لكتاب «بدعة إعادة فهم النص». والفوزان عضوُ هيئة كبار العلماء وعضوُ اللجنة الدائمة للإفتاء (في هذا الوقت)، ومن أشدّ أهل العلم المعاصرين في باب التقرير والمنع. وكتابُ المنجّد الذي قدّم له موضوعُه نقضُ دعوى إعادة قراءة النصوص الشرعية على مقاس العصر، وبيانُ أن ما فهمه الصحابة ومن سار على نهجهم هو الذي يلزم كل مسلمٍ في كل زمان. فأن يقدّم مثلُ الفوزان لكتابٍ في هذا الباب بعينه شهادةٌ في موضع الحاجة: أن الرجل مأمونٌ في الأصول، لا في الفروع وحدها.

وأما التزكيةُ الثالثة فليست بلسان عالم، وهي أثقلُ من كلتيهما في ميزان الأثر: أن مسلمًا في أوروبا أو في شرق آسيا، لا يعرف العربية ولا يعرف اسم الرجل، يبحث عن حكم مسألةٍ في دينه فيقع على جوابٍ حرّره هو وأشرف عليه، فيعمل به ويربّي عليه ولده. وكم من شابٍّ استقام على أمرٍ لم يعرف قطّ من كتب له سببَه!

الخلاصة النهائية

قلتُ: هذا رجلٌ من الطبقة التي يُقاس بها زمانُها. فقيهٌ متمكّنٌ في مسائل العبادات والنوازل، مربٍّ بصيرٌ بأدواء القلوب؛ بانٍ للمؤسسة بعقل المهندس، واعظٌ للناس بلسانٍ شفيق. هذه أربعُ كفّاتٍ يوزن بها، وليست فيه واحدةٌ منها دعوى. فأما رتبتُه في العلم فرتبةُ الفقيه المتمكّن، المشتغل بالتصنيف والتدريس ثلاثين سنة، الآخذ عن أعلى طبقةٍ في المدرسة السلفية النجدية المعاصرة: ابنِ باز خمس عشرة سنة، وابنِ عثيمين، وابنِ جبرين، والبراك، والفوزان، والغنيمان. ووقف عند حدٍّ عرفه لنفسه ورضيه: ناقلٌ أمينٌ عن الأئمة، محرِّرٌ لكلامهم، موصِّلٌ له إلى من لا يبلغه. فكان الجسرَ الذي عبر عليه فقهُ هؤلاء الأئمة إلى عقل المسلم المعاصر ولسانه وشاشته. وهذا الوصفُ أدقُّ في حقّه من كل لقبٍ ضخم؛ فإن الجسر لا يُذكر مع الضفتين، والناسُ لا يعبرون بغيره.

ويُتابَع فيه بعينه: في تحرير مسائل العبادات والنوازل على منهج أهل السنة، وفي تقرير العقيدة السلفية إثباتًا للأسماء والصفات بلا تأويلٍ ولا تعطيل، وفي علاج أمراض القلوب بطريقته العملية المرقَّمة التي أفادت من العامة أكثرَ مما أفادت مجلداتٌ من الرقائق، وفي تحذيره من «إعادة فهم النص» ذلك الباب الذي دخل منه أهلُ التحريف المعاصرون على الشريعة، وفي رفضه استحلال دماء المسلمين وتكفير المجتمعات وسيادة السفهاء على العلماء، وفي تقريره أن لا حقّ لليهود في القدس وأنهم مغتصبون معتدون.

ويُنتفع بكتبه انتفاعًا عامًّا، وأنفعُها لعوامّ المسلمين: «ظاهرة ضعف الإيمان»، و«وسائل الثبات على دين الله»، و«محرمات استهان بها كثير من الناس»، و«أربعون نصيحة لإصلاح البيوت»، و«الأساليب النبوية في معالجة الأخطاء»، و«علاج الهموم»، و«كيف عاملهم». ولطالب العلم: سلسلتاه في أعمال القلوب ومفسداتها، و«بدعة إعادة فهم النص»، و«منهج السلف»، و«تفسير الزهراوين».

وأما موقعه فأثرُه أوسع من أن يُحصر في حكم. ثلاثون سنةً من الفتوى المؤصَّلة، بستّ عشرة لغة، لمسلمي المشرق والمغرب ومسلمي الأقليات الذين لا يجدون في بلادهم عالمًا يسألونه، ولغير المسلمين الذين يريدون أن يعرفوا ماذا يقول الإسلام. ولا أعلم في هذا العصر مشروعًا فرديًّا واحدًا بلغ ما بلغه هذا الموقع في تعليم عوامّ المسلمين دينَهم وردِّ الشبهات عنهم. وأعظمُ ما يُحمد به أنه بناه مؤسسةً لا شخصًا، ففيه اليوم فريقٌ علميٌّ يعمل وصاحبُه محبوس، وهذا هو الفرق بين من يجمع الناس حوله ومن يقيم لهم بناءً يقفون تحته إذا غاب.

وأما محنته فإني أقولها بلفظها: رجلٌ نفع الأمةَ بما لم ينفع به كثيرٌ من أهل عصره، سُجن تسع سنينَ إلا أسابيع، بلا حكمٍ علنيٍّ ولا محامٍ ولا لائحةٍ منشورةٍ يقرؤها الناس، ثم نُقل إلى استراحةٍ ليخرج فرُدّ إلى محبسه بنقض القرار، ثم تركته الأمراضُ نحيلًا ضعيفَ الصوت. وليس هذا في شريعة الله ولا في عرف العدل. وسجنُ العالم النافع لأجل أن يخلوَ الميدان جنايةٌ على أمةٍ كاملة قبل أن يكون جنايةً على رجلٍ واحد.

ثم انظر في هذا الترتيب، فإنه هو موضع العبرة كلها: في يوليو سنة 1991 وقف على منبره يسأل نيابةً عن الناس: ولمَ يُبتلى الدعاة إلى الله بالبطش والتنكيل وهم ينصرون دينه؟ فأجاب يومئذٍ بجواب العالم عن غيره. وفي سبتمبر سنة 2018 دخل قاعة المحاكمة على كرسيٍّ متحرك. وفي يوليو سنة 2017، قبل اعتقاله بستةٍ وستين يومًا، كانت آخرُ كلمةٍ يخطب بها الناسَ من منبره: «من خذل مسلمًا في موطنٍ يحبّ فيه نصرتَه، خذله اللهُ في موطنٍ يحبّ نصرتَه فيه».

وفي الثامن والعشرين من أغسطس سنة 2026، وهو اليوم، نشر موقعُه جوابًا جديدًا لسائلٍ لا يعرف أين صاحبُ الموقع، ولا يعرف أنه لم ينطق بكلمةٍ في العلن منذ تسع سنين. وفي اليوم الذي قبله فُتح باب التسجيل لدورةٍ جديدةٍ في أكاديميته، مجانًا، لكل من أراد أن يتعلم دينه من أي بقعةٍ في الأرض.

هكذا يُهزم السجن. ليس بأن يخرج المسجون، بل بألا يتوقف الذي بناه.

اللهم يا من لا تخفى عليه خافية، ويا من يسمع صوت المحبوس من وراء الجدران، فُكَّ أسرَ عبدك محمد بن صالح المنجّد، وعافِ بدنَه مما نزل به، ورُدّ إليه صوتَه الذي أنفقه في تعليم عبادك ثلاثين سنة. اللهم إنه سأل ليلةً واحدةً: مَن له خبرةٌ بهذه الشبكة؟ فسخّرت له من فتح بها أبوابًا لم تُفتح لأحدٍ قبله، فاجعل كل سؤالٍ أُجيب عنه في موقعه، بكل لسانٍ نطق به، في ميزان حسناته يوم يلقاك؛ واجعل كل طالبٍ جلس إلى دروسه في بيته وهو لا يعرف اسمه شفيعًا له بين يديك. اللهم من عالج به أمراض القلوب فاشفِ قلبَه، ومن ثبّت به المسلمين على دينك فثبّته، ومن كتب لأبناء المسلمين أربعين حديثًا وهو في قيده فاجعل لأهله من الصبر ما تقرّ به عيونهم يوم مقدمه. اللهم اجعل ما بقي من عمره في عافيةٍ وحريةٍ وعمل، وارزقه ساعةَ خروجٍ يفرح بها كلُّ من انتفع بعلمه في مشارق الأرض ومغاربها، إنك سميع الدعاء.


سجل المصادر

من كلامه ومن مؤسساته:

  • الموقع الرسمي للشيخ (almunajjid.com): أرشيف الخطب في 82 صفحة، أقدمُها 14 صفر 1410 وأحدثُها 20 شوال 1438؛ وأرشيف المحاضرات في 50 صفحة؛ والسلاسل العلمية بأعداد حلقاتها؛ والبرامج الإذاعية والتلفزيونية؛ والكتب في 11 صفحة. ومنه أُخذت التواريخُ والعناوينُ والأرقام كلها في هذه الترجمة.
  • خطبة «الجزاء من جنس العمل»، 20 شوال 1438، وهي آخرُ خطبةٍ محفوظةٍ له.
  • خطبتا «فوائد الابتلاء» 1 و2، 23 ذو الحجة 1411 و1 محرم 1412.
  • محاضرات «كيف نخاطب الجيل الجديد؟» و«تحصين النفوس كي لا تهتز» و«كيف يحررنا القرآن من فتنة الدنيا؟»، شوال 1438.
  • محاضرة «الإنترنت ما لها وما عليها»، منشورةٌ على موقعه، في تاريخ الشبكة وفوائدها وأضرارها.
  • الحلقة المرئية «موقع الإسلام سؤال وجواب»، منشورة 23 محرم 1437، وفيها يحكي قصة النشأة بلفظه.
  • كتاب «طوبى للشام»، منشور 19 محرم 1434، ومنه نصُّ المقدمة.
  • مقال «صور من الغلو المعاصر في الدماء والأموال»، 19 صفر 1434.
  • كتب «تفسير الزهراوين» و«منهج السلف» و«الأربعون الوِلدانية»، ومنها تواريخُ الصدور ونصوصُ التعريف بها.
  • موقع «الإسلام سؤال وجواب» (islamqa.info): صفحة «حول الموقع» وصفحة «التعريف بالمشرف العام»، والفتوى رقم 7726 في القدس بتاريخ 23 ذو الحجة 1420، وصفحة «جديد الإجابات» بتاريخ 28 أغسطس 2026.
  • خطبة الشيخ في نعي الإمام ابن باز، منشورة على موقع «مسيرة» التابع لموقع الشيخ ابن باز، ومنها نُقلت أقوالُه بلفظه.
  • موقع أكاديمية زاد (zad-academy.com): الخطة الدراسية وشروط القبول وأسماء هيئة التدريس وموعد الدورة التالية.

التعريفية والمؤسسية:

  • الموسوعة الحرة بالعربية والإنجليزية: مادة «محمد صالح المنجد»، ومادة «قائمة مؤلفات محمد صالح المنجد» وفيها 103 عناوين، ومادة «الإسلام سؤال وجواب»، ومادة «أكاديمية زاد».
  • بيانات ترتيب الموقع وعدد زياراته ولغاته.

الصحفية والحقوقية:

  • «عربي21»، 26 سبتمبر 2017: أسماء المعتقلين في الحملة.
  • «Islam21c»، سبتمبر 2018: خبر الاعتقال ووصف الموقع وأسماء من اعتُقل معه.
  • «ذوينا»، 26 يوليو 2022: نقضُ المحكمة العليا قرارَ الإفراج بعد نقله إلى استراحة.
  • منظمة «سند» الحقوقية، بيانا 4 أبريل 2024 و14 أغسطس 2025: مدة الاحتجاز والحالة الصحية وانقطاع الاتصال.
  • «القسط» (ALQST): توثيق حملة اعتقالات سبتمبر 2017 وسياقها.
  • تقارير سبتمبر 2010 عن حجب الموقع (قناة العربية، وصحيفة الأنباء الكويتية)، ومكتبة الكونغرس في توثيق الأمر الملكي الصادر في أغسطس 2010 بقصر الإفتاء على هيئة كبار العلماء.
  • أرشيف الإنترنت: نسخةٌ من برنامج «الراصد» على قناة المجد، محفوظة سنة 2008.

كُتبت هذه الترجمة يوم الجمعة 15 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 28 من أغسطس 2026 م، مما وقفنا عليه من خطبه ودروسه وكتبه ومواقع مؤسساته والتقارير الحقوقية الصادرة في شأنه إلى هذا اليوم. وسيرةُ أمثاله أوسعُ من أن يحيط بها كاتب، فما لم يُذكر هنا فمن قصور الجمع لا من قلة الفضل. ونسأل الله أن يكون أولُ تعديلٍ يلحق هذه الترجمة خبرَ خروجه من محبسه سالمًا معافى، ومن كان عنده مزيدُ خبرٍ فليُلحقه مشكورًا.

اقترح سيرة أو تعديلًا

إرسال رسالة

شارك هذه السيرة

نُشرت هذه السيرة في ، وآخر تعديل لهذه الصفحة في . طول السيرة نحو 6866 كلمة.