أبو إسحاق الحويني

أبو إسحاق الحويني
الاسم الكاملحجازي بن محمد بن يوسف بن شريف الحويني
الكنيةأبو إسحاق
النسبالحويني المصري
الميلادقرية حوين، مركز الرياض، محافظة كفر الشيخ، مصر؛ 1 ذو القعدة 1375 هـ / يونيو 1956 م
الوفاة17 رمضان 1446 هـ / 17 مارس 2025 م - الدوحة، قطر
البلدمصر
الإقامة الأخيرةالدوحة، قطر
المهنةمحدِّث ومخرِّج وناقد أسانيد وخطيب وداعية
التخصصالحديث وعلومه، والتخريج، ونقد الأسانيد والعلل
شيوخه
القائمة…[إظهار][إخفاء]
أبرز الأعمال
القائمة…[إظهار][إخفاء]
  • «غوث المكدود بتخريج منتقى ابن الجارود»
  • «بذل الإحسان بتقريب سنن النسائي»
  • «تسلية الكظيم بتخريج أحاديث وآثار تفسير القرآن العظيم»
  • «النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة»
التصنيفدعاة وعلماء

الشيخُ العلامة المحدِّثُ المخرِّج، الناقدُ للأسانيد البصيرُ بعللها، الخطيبُ الأديبُ الذي أنزل صنعةَ أهل الحديث إلى بيوت العامة: أبو إسحاق حجازيُّ بنُ محمد بن يوسف بن شريف الحوينيُّ المصري.

وُلد بقرية حوين من مركز الرياض بمحافظة كفر الشيخ، غرَّةَ ذي القعدة سنة 1375 هـ، الموافقة شهرَ يونيو من سنة 1956 م، وسُمِّي «حجازيًّا» لأن أباه كان قد قدِم من الحج.

وليس «إسحاقُ» ولدًا له؛ إنما تكنَّى به تيمُّنًا بكنية سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وكنيةِ الإمام أبي إسحاق الشاطبي رحمه الله. وتوفي بالدوحة مساءَ الاثنين 17 من رمضان سنة 1446 هـ، الموافق 17 من مارس سنة 2025 م، عن ثمانٍ وستين سنة.

ومشروعه واحدٌ لا ثاني له، أنفق فيه أربعين سنة: أن يُخرج علمَ الإسناد من حواشي المخطوطات إلى ألسنة الناس، حتى يعرف العامِّيُّ أن للحديث سندًا يُنظر فيه. حمل هذا الهمَّ عن الشيخ محمد ناصر الألباني فنقله إلى مصر، تخريجًا وتحقيقًا وشرحًا وخطابةً، حتى استقرَّ في بلدٍ يعدُّ الأزهرَ مرجعَه أن يُقال عن رجلٍ واحد: هذا محدِّثُ مصر. وهو لم يتخرج في كليةٍ شرعيةٍ قط، ولا حمل إجازةً في فنٍّ من فنون الشريعة.

ولم يكن منبره كرسيًّا في جامعةٍ ولا مشيخةً في مؤسسة، وإنما مسجدُ قريةٍ ثم شاشةُ فضائية. فمن مسجد ابن تيمية بكفر الشيخ إلى قناتَي الناس والندى، بلغ صوتُه ما لم تبلغه كتبُه؛ وفي العقد الأول من هذا القرن صار أشهرَ من يتكلم في السنة بالعربية، يحفظ عنه الشبابُ ألفاظه وأمثاله وأبياته كما تُحفظ الأغاني، ويجتمع على درسٍ في التصحيح والتضعيف ما لم يكن يُظنُّ أن يجتمع عليه عشرة.

ولم يكن في بيته ولا في قريته ولا في مدارسه من يدلُّه على هذا الطريق؛ فما سمع بعلم الحديث إلا في آخر الثانوية، ولا جلس قبلها في حلقةٍ ولا معهد. ثم سمع وهو دون العشرين كلمةً واحدةً من خطيبٍ ملأ مصرَ صوتُه، أراد بها زجرَه فبنى عليها عمره كلَّه، وخرج من مجلسه مستحييًا لا حاقدًا. وسيأتي خبرُ تلك الكلمة في موضعه، فإنها مفتاحُ هذه السيرة، وإليها يرجع أكثرُ ما فيها من فضل.

وشهد له شيخُه الألباني بما لم يبذله لكثيرٍ من أقرانه، ووصفه عالمٌ من كبار علماء نجد في مجلسٍ حافلٍ بلقبٍ استحيا منه صاحبُه وهو يسمعه. كانت خاتمته بعيدةً عن حوين وعن كفر الشيخ وعن القاهرة: قبرٌ في قطر، وجنازةٌ في مسجدٍ ليس في بلاده، وساقٌ واحدةٌ فقد أختها قبل ثلاثة عشر عامًا.

محتويات
  1. 1 نصفُ جنيهٍ لأسبوعٍ كامل
  2. 2 صبيٌّ يكتب الشعر ثم يختار الإسبانية
  3. 3 خمسةَ عشرَ قرشًا حالت بينه وبين كتاب
  4. 4 الجمعةُ التي خرج منها مستحييًا
  5. 5 سنتان مع كتابٍ واحد وثلاثُ ساعاتِ نوم
  6. 6 الشيوخ الذين صنعوه
  7. 7 رحلتان إلى الشام ومئتا سؤالٍ في العلل
  8. 8 ستون كتابًا أكثرُها خدمةٌ لكتب غيره
  9. 9 حين نزل علمُ العلل إلى الفضائيات
  10. 10 «صحَّ لك ما لم يصحَّ لغيرك»
  11. 11 سنةُ 2011: انقباضٌ ثم انسحاب
  12. 12 فلسطين: البابُ الذي لم يتلوَّن فيه
  13. 13 ساقٌ في مايو 2012
  14. 14 اثنا عشرَ ولدًا وليس فيهم إسحاق
  15. 15 الخلاصة النهائية
  16. 16 سجل المصادر

نصفُ جنيهٍ لأسبوعٍ كامل

من حوين كان المبتدأ، قريةٍ من مركز الرياض بمحافظة كفر الشيخ، في قلب الدلتا حيث القطنُ والأرزُ والفقرُ المستور. وإليها نسبتُه التي غلبت على اسمه حتى ما يكاد أحدٌ يعرفه بـ«حجازي». فانظر كيف بدأ اسمُ الرجل من سفرٍ إلى بيت الله، ثم انتهى أمرُه إلى خدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نشأ في أسرةٍ ريفيةٍ بسيطة. وكان أبوه متزوجًا بثلاث نسوة، وأمُّه آخرُهنَّ، وهو الأوسطُ الثالثُ بين خمسة إخوةٍ ذكور. وكان الأبُ متدينًا على حال عامة القرويين في ذلك الزمان: دينٌ فطريٌّ لا يُبنى على كتاب، وورعٌ عمليٌّ لا يُسأل عنه مفتٍ.

ويُروى عن هذا الأب خبرٌ يُغني عن صفحاتٍ في وصف البيت الذي خرج منه الرجل. كانت سرقةُ محصول القطن مشهورةً في تلك السنين بريف مصر، فمرَّ الأبُ مرةً بجانب حقله فرأى رجلًا يأخذ من قطنه؛ فاختبأ حتى لا يراه السارقُ فيفتضح، ولم يُروِّعه ولم يصح فيه، حتى أخذ ما أراد وانصرف. ومن بيتٍ هذا سترُه، يرى صاحبُه مالَه يُسرق فيُخفي نفسه لئلا يخجل السارق، خرج ولدٌ أنفق عمره في كشف الأحاديث الباطلة وبيان عللها، فاشتدَّ على الحديث الضعيف ولم يشتدَّ على الرجل الضعيف.

ولأمِّه حظُّها من هذه السيرة أيضًا. فقد كان الإخوةُ يستأجرون شقةً بمدينة كفر الشيخ أيام الثانوية لبُعد المسافة، يذهبون إليها في أول الأسبوع ومعهم ما زوَّدتهم به من طعام القرية، ومع أبي إسحاق نصفُ جنيهٍ من أخيه الأكبر. نصفُ جنيهٍ لأسبوعٍ كامل. ومن ههنا يُفهم بعدُ لماذا وقف فتًى أمام كتابٍ ثمنه خمسةَ عشرَ قرشًا فتركه ومضى.

صبيٌّ يكتب الشعر ثم يختار الإسبانية

أُدخل المدرسةَ الابتدائية الحكومية غيرَ الأزهرية بقريةٍ مجاورة تُسمى الوزارية، تبعد عن حوين نحوَ كيلومترين، فمضى فيها ستَّ سنين. ثم انتقل إلى الإعدادية بمدينة كفر الشيخ في مدرسة الشهيد حمدي إبراهيم، ثم إلى الثانوية بالقسم العلمي في مدرسة الشهيد عبد المنعم رياض.

وفي السنة الأولى من الإعدادية بدأ يكتب الشعر. صبيٌّ في نحو الثانية عشرة، في مدرسةٍ حكوميةٍ بمدينةٍ إقليمية، يفتح على نفسه بابَ العربية من أوسع أبوابها. ومن هنا تلك الجزالةُ التي عُرف بها بعدُ في خطبه ودروسه، ومن هنا إقبالُه على أشعار العرب وأمثالهم وأخبارهم، حتى صارت خطبتُه تُسمع كما تُسمع القصيدة، وحتى صارت عناوينُ كتبه قطعًا من الأدب.

ولم تكن في تلك المراحل كلها عنايةٌ منه ولا ممن حوله بالعلم الشرعي؛ فالرجل الذي انتهى إليه في مصر علمُ التخريج لم يبدأ من حلقةٍ ولا كُتَّابٍ ولا بيتِ علم: بدأ من الصفر، وبدأ متأخرًا.

ثم وقع بعد الثانوية الجدالُ المعتاد في بيوت المصريين: أيَّ كليةٍ يدخل؟ فتردَّد بين كليات، ثم استقرَّ على كلية الألسن بجامعة عين شمس، قسمِ اللغة الإسبانية. وعلَّل اختيارَه الإسبانيةَ بأنها لغةٌ يبدأ فيها الطلابُ كلُّهم من نقطةٍ واحدة، فيستوي بهم ثم يتقدَّمهم؛ وهو تعليلٌ يكشف عن نفسٍ طموحةٍ ذكية. وقد كان: فلم يخرج عن الثلاثة الأوائل في السنوات الثلاث الأُوَل، ونزل عنهم في الرابعة، وتخرَّج بتقديرٍ عامٍّ امتياز. وكان يريد أن يصير عضوًا في مجمع اللغة الإسبانية، وسافر بالفعل إلى إسبانيا بمنحةٍ من الكلية، ثم رجع لأنه لم يستطب البلد هناك. ولو مضى في ذلك الطريق لكان اليوم اسمًا في قائمة أساتذة اللغات لا يعرفه إلا طلابُه.

خمسةَ عشرَ قرشًا حالت بينه وبين كتاب

في أواخر العام الأخير من الثانوية، سنة 1395 هـ الموافقة 1974 و1975 م، سافر إلى القاهرة ليذاكر عند أخيه، وكان يحضر صلاة الجمعة للشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله في مسجد «عين الحياة». وكشكٌ يومئذٍ صوتُ مصر كلِّها: خطيبٌ يملأ المسجد وما حوله من الشوارع، وأشرطتُه تُنسخ وتُهرَّب وتُسمع في كل بيت.

وبعد صلاةٍ من تلك الصلوات وجد على الرصيف كتابًا يُباع للشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله: «صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنك تراها». فتصفَّحه، ثم رأى ثمنه خمسةَ عشرَ قرشًا فتركه ومضى. ثم وقع على المختصر منه فاشتراه فقرأه، فإذا كثيرٌ مما يصنعه الناس في صلاتهم مما ورثوه عن آبائهم، وهو منهم، مخالفٌ للسنة الصحيحة.

فصمَّم على شراء الأصل. فلما اشتراه ووقف على مقدمته انفتح له بابٌ لم يُغلق بعد ذلك أبدًا؛ فتلك المقدمة هي التي بسط فيها الألباني الكلامَ على وجوب اتباع السنة ونبذِ ما خالفها، ونقل فيها تبرُّؤَ الأئمة المتبوعين ممن يخالف السنة لأجل أقوالهم، أحياءً وأمواتًا. يقول أبو إسحاق: إنها هي التي أوقفته على الطريق ودلَّته على منهج السلف.

ثم لفتته حواشي الكتاب وهو يومئذٍ لا يفهم منها شيئًا. ولك أن تعرف مبلغَ جهله بهذا الفن حينها من إقراره على نفسه أنه ظلَّ زمانًا يحسب البخاريَّ صحابيًّا، لكثرة ما كان يسمع الناس يترضَّون عنه. ومع ذلك أحسَّ ضخامةَ الصنعة في الكتاب، فعقد يومَها على أمرٍ واحد: أن يتعلم هذا العلم.

ثم دخل الجامعة يبحث عن كتبٍ في هذا الباب، فكان أولَ ما وقع عليه «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة» للإمام الشوكاني رحمه الله، فهاله أن أحاديثَ يتداولها الناس في حياتهم ومجالسهم ومنابرهم لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكان أثرُ ذلك عليه عجيبًا: أفسد عليه استمتاعَه بخطب كشكٍ نفسِه، فصار لا يمرُّ به حديثٌ في الخطبة إلا وقف عنده يسأل: أثابتٌ هو؟

الجمعةُ التي خرج منها مستحييًا

وفي جمعةٍ من تلك الجُمَع ذكر الشيخُ كشك حديثًا تشكَّك فيه الفتى، فبحث عنه فوجد ابنَ القيم رحمه الله قد ضعَّفه. فذهب إلى الشيخ بعد الصلاة يخبره، فردَّ عليه الشيخُ وقال إن ابن القيم أخطأ، ثم قال له كلمةً واحدة: «يا بنيَّ! تعلَّمْ قبل أن تُعلِّم».

قال أبو إسحاق واصفًا خروجه من ذلك المجلس: «فمشيتُ من أمامه مُستخزيًا، كأنما ديكٌ نقرني! وخرجتُ من عنده ولديَّ من الرغبة في دراسة علم الحديث ما يجلُّ عن تسطيره بناني».

هذه هي الكلمة التي صنعت الرجل. قالها خطيبٌ لشابٍّ وهو يظنُّ أنه يزجره ويردُّه إلى حدِّه، فإذا هي تفعل فيه ما لا تفعله عشرُ سنينَ من التحصيل. لم يخرج الفتى غاضبًا ولا واجدًا على شيخه أنه ردَّ عليه الحق، بل خرج عاقدًا على أن يستحقَّ الكلام قبل أن يتكلم. فأيُّ درسٍ في أدب الطلب أبلغُ من هذا؟ وليس بين من يصير عالمًا ومن يبقى متكلمًا في العلم فرقٌ في الذكاء ولا في الحفظ، وإنما هو كلمةٌ من هذا الجنس: أتُقبل أم تُردُّ؟

سنتان مع كتابٍ واحد وثلاثُ ساعاتِ نوم

ثم انطلق يسأل كلَّ من يلقاه: من يعلِّمني هذا العلم أو يدلُّني عليه؟ حتى دُلَّ على الشيخ محمد نجيب المطيعي رحمه الله. ووقع في أثناء ذلك على المئة الأولى من «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة» للألباني، فرأى الشيخ يقصد إلى ما انتشر بين الناس مما لا يصح. ولاحظ بذكاء الطالب المبتدئ أن الأحكام ليست على درجةٍ واحدة: مرةً «منكر»، ومرةً «ضعيف»، ومرةً «باطل»؛ فأخذ ينقِّب عن معاني هذه الاصطلاحات ليفرِّق بينها. وسأل المطيعيَّ فدلَّه على كتابه «تحت راية السنة: تبسيط علوم الحديث»، فأخذه فعرف من حواشيه أسماءَ كتب السنة وأمهاتِها التي يُنقل منها، وعرف معاني المصطلحات. يقول عن كتاب الألباني: «مكثتُ مع الكتاب نحو سنتين، كانت من أفيد السنين في التحصيل».

سنتان مع كتابٍ واحد: لا مع مكتبةٍ ولا مع شيخٍ ولا في معهد؛ يقلِّبه ويلاحق حواشيه ويطلب مصادره. وهكذا يُبنى الرجال في الفنون التي لا تُدرَّس في المدارس.

ولم يكن الطريق سهلًا ولا مفروشًا. كان في مراحل طلبه المتقدمة، وهو طالبٌ في الألسن، يعمل نهاره في محلِّ بقالةٍ بمدينة نصر بالقاهرة ليعول نفسه، ويطلب العلم ليله، حتى نزلت ساعاتُ نومه إلى ثلاث ساعاتٍ في اليوم؛ ولضيق ذات يده كان لا يستطيع أن يشتري ما يريد من كتب العلم. فقابِلْ هذه الصورة بصورة المنبر بعد ثلاثين سنة: متفوقٌ في كلية الألسن، يبيع في بقالةٍ بالنهار، ويقرأ بالليل في كتب الرجال من جنس «التاريخ الكبير» و«الجرح والتعديل»، وينام ثلاث ساعات، ولا يجد ثمن كتاب. والناس ينظرون إليه وقد صوَّرته الكاميرات، ولا ينظرون إليه وهو خلف طاولة البقالة يحسب قروشه ليشتري جزءًا حديثيًّا؛ والذي صنعه هو هذا لا ذاك.

الشيوخ الذين صنعوه

وأولُ من أخذ عنه خالُه الشيخ عبد الحي زيان رحمه الله، وعليه قرأ القرآن. ثم الأستاذ عبد الفتاح الجزار رحمه الله، وعليه أخذ اللغة العربية. ولم يكن ممن ينسى معلِّمه إذا ارتفع: كان بعد أن ملأ الفضائيات إذا رأى الجزارَ في المسجد سارع إليه وتركَ مكانه فقدَّمه ليلقيَ كلمةً على الناس، يُجِلُّه ويُثني عليه. وأن يقدِّم المشهورُ بين يديه معلِّمَ العربية الذي علَّمه صبيًّا في مدرسةٍ ريفية من أصعب ما تجود به نفس.

وأوسعُ شيوخه أثرًا في تكوينه المنهجي الشيخ محمد نجيب المطيعي رحمه الله. عليه أخذ أصولَ الفقه وأصولَ علم الحديث، ودرس عليه ما تيسَّر من «صحيح البخاري»، و«المجموع» للنووي، و«الأشباه والنظائر» للسيوطي، و«إحياء علوم الدين» للغزالي. فانظر إلى هذه القائمة وتأمَّلها: صحيحٌ، وفقهٌ شافعيٌّ موسَّع، وقواعدُ فقهية، وكتابُ سلوك. هذا رجلٌ لم يُبنَ على كتابٍ واحدٍ ولا على مدرسةٍ ضيقة، وإن غلبت عليه بعدُ صنعةُ الحديث.

وجلس في الجامع الأزهر إلى جماعةٍ من أساتذة العلوم الشرعية، منهم الدكتور موسى شاهين لاشين رحمه الله، وكان يومئذٍ رئيسًا لقسم الحديث بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر. وهذه لفتةٌ تُقيَّد: الرجلُ الذي يُقال إنه من خارج المؤسسة الأزهرية قد جلس إلى رئيس قسم الحديث فيها.

والتقى بجماعةٍ من أكابر علماء أهل السنة في زمانه، فحضر مجالسهم وتأثر بهم في العقيدة والفقه وأصوله: الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، حضر دروسه بالجامع الكبير وبالمسجد الذي كان بجوار بيته بجدة؛ والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، حضر دروسه بالمسجد الحرام؛ والشيخ عبد الله بن قاعود رحمه الله، حضر عنده وهو يشرح «البرهان في أصول الفقه» للإمام الجويني، وكان القارئ عليه في ذلك الوقت الشيخ صالح آل الشيخ.

وأما الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله فبينه وبينه خبرٌ يستحق أن يُروى. اجتمعا في جمعٍ كبير، فألقى ابنُ جبرين محاضرةً ثم تلاه أبو إسحاق فألقى بعده محاضرة، فأثنى عليه ابنُ جبرين ثناءً عاطرًا حتى استحيا أبو إسحاق من الحاضرين وهو يسمعه، إذ وصفه بأنه «محدِّثُ مصر». وليست هذه مجاملةَ مجلس؛ فالألقابُ عند أهل هذه الصنعة أثقلُ من أن تُبذل، وأن يصف عالمٌ من كبار علماء نجد رجلًا مصريًّا لم يتخرج في كليةٍ شرعية بأنه محدِّث مصر: حكمٌ لا ثناء.

رحلتان إلى الشام ومئتا سؤالٍ في العلل

وأقربُ شيوخه إلى قلبه المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله؛ تتلمذ له وتأثر بكتبه قبل أن يلقاه، ثم رحل إليه رحلتين مشهورتين: الأولى في شهر الله المحرم سنة 1407 هـ، والثانية في شهر ذي الحجة سنة 1410 هـ.

وفي هاتين الرحلتين عشراتُ المسائل عرضها على الشيخ في علوم الحديث وغيرها، وقد ذكر أنه عرض عليه ما يقارب مئتي سؤالٍ في العلل وحدها. والعللُ أدقُّ ما في صنعة الحديث وأعزُّها أهلًا، وقد قال الأئمة قديمًا إنه علمٌ إلهاميٌّ لا يُدرَك بالقياس. فطالبٌ يُعدُّ لشيخه مئتي مسألةٍ في العلل ثم يسافر بها إليه ليس طالبًا يجمع فوائد، بل رجلٌ يبني صنعة.

وكانت له معه أيضًا سؤالاتٌ في سائر علوم الشريعة، وأسئلةٌ في حكم البرلمانات المعاصرة والأحزاب. وهذه الأخيرة تكشف عن رجلٍ لم يكن غافلًا عن السياسة ولا جاهلًا بمسائلها، وإن كان قد اختار بعدُ ألَّا يدخلها.

ستون كتابًا أكثرُها خدمةٌ لكتب غيره

حُبِّب إليه التصنيفُ والتحقيق وتحريرُ المسائل وتتبُّعُ أقوال الأئمة منذ بدايته في طلب الحديث. وقد عُدَّ له ما يزيد على ستين بين مؤلَّفٍ وتحقيقٍ وتخريج، منها ما طُبع ومنها ما بقي مخطوطًا أو مشروعًا لم يتم. وأكثرُ صنعته أن يخدم كتابًا لغيره لا أن يضع كتابًا لنفسه؛ وهذا بابٌ لا يدخله إلا من عرف قدر ما تركه الأولون.

فمن تخريجاته وتحقيقاته لكتب الأئمة:

  • «غوث المكدود بتخريج منتقى ابن الجارود»، وهو أشهرُ ما أُخرج له وأثبتُ ما استقر عليه اسمه.
  • «بذل الإحسان بتقريب سنن النسائي».
  • «تسلية الكظيم بتخريج أحاديث وآثار تفسير القرآن العظيم».
  • «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير، و«فضائل القرآن» له.
  • «الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج» للسيوطي.
  • «كتاب الصمت وآداب اللسان» لابن أبي الدنيا.
  • «كتاب الزهد» لأسد بن موسى.
  • «كتاب الأمراض والكفارات والطب والرقيات» لضياء الدين المقدسي.
  • «الأربعون في ردع المجرم عن سبِّ المسلم» للحافظ ابن حجر، و«الأربعون الصغرى» للبيهقي.
  • «البعث» لعبد الله بن أبي داود.
  • «فضائل فاطمة رضي الله عنها» لابن شاهين.
  • «مسند سعد بن أبي وقاص» للبزار.
  • «الأحاديث القدسية الأربعينية» لملا علي القاري.
  • «جزءٌ في تصحيح حديث القُلَّتين والكلام على أسانيده» للحافظ العلائي.
  • «ما رواه أبو الزبير عن غير جابر»، ولم يتبيَّن لي تمامُ اسم مؤلفه فتركتُ نسبته.
  • مجلسان من أمالي نظام الملك أبي علي الحسن بن علي، ومجلسان من إملاء أبي عبد الرحمن النسائي.

ومن مؤلفاته ورسائله:

  • «جُنَّة المرتاب بنقد المغني عن الحفظ والكتاب»، نقدٌ منه لكتاب أبي حفص الموصلي الحنفي.
  • «النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة».
  • «الانشراح في آداب النكاح».
  • «صحيح القصص النبوي».
  • «كشف المخبوء بثبوت حديث التسمية عند الوضوء».
  • «نهي الصحبة عن النزول بالركبة».
  • «تنبيه الهاجد إلى ما وقع من النظر في كتب الأماجد».
  • «الظلُّ الوريف في حكم العمل بالحديث الضعيف».
  • «القول الرجيح في صلاة التسبيح».
  • «المقالات الحسان عن ليلة النصف من شعبان».
  • «كشف الخفاء عما ورد في فضل عاشوراء».
  • «نبع الأماني في ترجمة الألباني».
  • «طليعة سمط اللآلئ في الرد على محمد الغزالي».
  • فتاواه المسماة «إقامة الدلائل على عموم المسائل»، وفتاواه الحديثية المسماة «إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث».

وله مشروعاتٌ كبارٌ لم يتمَّ أكثرُها، وهي التي تكشف عن حجم ما كان في نفسه: «مسند أبي عوانة»، و«مسند أبي هريرة»، و«تعلَّة المفئود بشرح المنتقى لابن الجارود»، و«جنة المستغيث بشرح علل الحديث لابن أبي حاتم»، و«درة التاج على صحيح مسلم»، و«سدُّ الحاجة بتقريب سنن ابن ماجه»، و«فكُّ العاني بشرح تعليل الطبراني»، و«العباب بتخريج قول الترمذي: وفي الباب»، و«فكُّ الوثاق بشرح كتاب الرقاق»، و«كنز البخيل بما ورد عن السلف من تأويل آي التنزيل»، و«نوح الهديل بشرح ما في سنن أبي داود من التذييل»، و«كسوة العاري ببيان علة الحذف عند البخاري»، و«مجمَّة الفؤاد فيما اتفق عليه الشيخان في المتن والإسناد»، و«الهدية بشرح صحيح الأحاديث القدسية»، و«مسامرة الفاذِّ بمعنى الحديث الشاذ»، و«الفجر السافر على أوهام أحمد شاكر»، وغيرها.

ومن أثر نشأته الأدبية أن جاءت عناوينه قطعًا من الأدب: «غوث المكدود»، و«بذل الإحسان»، و«تسلية الكظيم»، و«جُنَّة المرتاب»، و«نوح الهديل»، و«فكُّ العاني». وتأمَّل عناوين المشروعات وحدها: شرحُ علل ابن أبي حاتم، وتخريجُ قول الترمذي «وفي الباب»، وبيانُ علة الحذف عند البخاري، ومعنى الحديث الشاذ. هذه ليست موضوعاتِ واعظٍ ولا خطيب، بل موضوعاتُ رجلٍ يسكن الطبقة العليا من صنعة الحديث. ومن أراد أن يعرف أين كان يضع نفسه فليقرأ قائمة ما لم يُتمَّه قبل قائمة ما أتمَّه. وا أسفاه على صفحاتٍ كانت في صدره فذهبت معه.

حين نزل علمُ العلل إلى الفضائيات

ولو وقف أمرُه عند التخريج لبقي اسمًا يعرفه المشتغلون بالفن وحدهم، ولمات ولم يعرفه إلا الآلاف. لكنه فتح لنفسه بابًا آخر: المنبر. خطب في مسجد ابن تيمية بكفر الشيخ، وذُكر أنه كان يخطب فيه خطبتين في الشهر. ثم دخل الفضائيات الدينية المصرية في العقد الأول من هذا القرن، فكان له برنامج «فضفضة» على قناة الناس، وبرنامج «أصداف اللؤلؤ» على قناة الندى، وتولى رئاسة اللجنة العلمية لقناة الندى.

وهنا وقع الذي لم يكن في حسبان أحد: صار علمُ الحديث مادةً جماهيرية. رجلٌ يجلس أمام الكاميرا فيتكلم في الحديث الضعيف والموضوع وفي السند والعلة، بلغةٍ فيها شعرٌ ومَثَلٌ وطُرفة، فيتابعه الملايين؛ ومقاطعُه إلى اليوم تُقتطع وتُنشر ويُعاد رفعها، ويسمعها من لم يُدركه. وكان أثرُ ذلك في وعي العامة عظيمًا: صار الرجلُ في المقهى يسأل عن الحديث «أصحيحٌ هو؟» بعد أن كان يسأل «من قاله؟». وهذه في تاريخ الوعي الديني المصري نقلةٌ لا يُستهان بها، ولا يُعرف لها في القرن الماضي إلا رجالٌ معدودون كان هو منهم.

«صحَّ لك ما لم يصحَّ لغيرك»

وأصدقُ الثناء عليه وأثقلُه ما جاء من شيخه الألباني، وهو أعرفُ الناس بمقدار الرجال في هذا الفن، وأشدُّهم على المتساهلين في التصحيح والتضعيف، وأقلُّهم مجاملةً لأحد. قال له: «صحَّ لك ما لم يصحَّ لغيرك». وأثنى عليه في مواضع من كتبه ووصفه بـ«صديقنا الفاضل»؛ فقال في «السلسلة الصحيحة»: «ونبَّه على ذلك صديقنا الفاضل أبو إسحاق الحويني في كتابه القيِّم: غوث المكدود في تخريج منتقى ابن الجارود، وقد أهدى إليَّ الجزء الأول منه، جزاه الله خيرًا». وذكر في موضعٍ آخر منها أنه من إخوانه الأقوياء في هذا العلم.

فههنا ثلاثةُ أشياء لا شيءٌ واحد: ثناءٌ على الرتبة، وثناءٌ على الكتاب، واعترافٌ بالاستفادة؛ وأثقلها الثالث. فإن المحدِّث إذا أقرَّ أن رجلًا نبَّهه على ما فاته فقد أعطاه من الشهادة ما لا تعطيه صفحاتُ المدح.

وسُئل الشيخ عبد العزيز الراجحي: على مَن أطلب العلم في مصر؟ فقال: «أبو إسحاق الحويني، الشيخ أبو إسحاق محدِّث، من علماء الحديث».

وقال الشيخ مشهور حسن آل سلمان، وهو من أخصِّ تلاميذ الألباني وأعرفهم بمجالسه: «أشهد الله أن أبا إسحاق من علماء الحديث، ومن أهل الحديث الراسخين فيه، ولم أرَ شيخنا الألباني فرِحًا بأحدٍ كما رأيته فرِحًا بقدوم الشيخ أبي إسحاق، ومجالسُه مع الشيخ الألباني محفوظة، تُنبِئ عن علمٍ غزير، بل عن تدقيقٍ قلَّ أن يصل إليه أحد». وهذه تُقرأ بميزانها؛ فليست ثناءً مرسلًا بل وصفًا لواقعةٍ رآها بعينه: فرحُ الألباني بقدومه. والألباني لم يكن ممن يفرح بالضيوف، وإنما كان يفرح بمن يجد عنده ما يستفيده.

وقال الشيخ أحمد النقيب واصفًا حاله: «الشيخ أبو إسحاق في جملة واحدة: يعيش بالدين، وللدين، وفي الدين، وليس له همٌّ إلا الدين». وقال رفيقُ دربه في الدعوة الشيخ محمد حسين يعقوب: «ما أحرقَ أهلَ البدع إذا سمعوا اسمك، وما أشدَّ ألمَ أهل السنة إذا غاب رسمك، أنا والحويني أمةٌ واحدة».

سنةُ 2011: انقباضٌ ثم انسحاب

ثم كانت سنة 2011 م وثورةُ يناير، فانقسم الناسُ وانقسم معهم أهلُ الدعوة: فمنهم من صعد المنابر السياسية، ومنهم من دخل الأحزاب، ومنهم من صار فقيهَ سلطان. واختار أبو إسحاق طريقًا رابعًا: الانسحاب. ونُقل عنه في تصريحٍ نشرته وسائل الإعلام سنة 2016 م أنه «انقبض» من ثورة يناير بعد نحو ثلاثة أشهر من قيامها، وأنه اعتزل حتى لا يقال عنه «خائن وعميل» لمجرد اجتهادٍ سياسي.

ثم كان انقلابُ يوليو سنة 2013 م وما تلاه. وذكر مقالٌ تأبينيٌّ نُشر بعد وفاته أنه رفض تأييد الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، وأن الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله نصحه بألَّا يعود إلى مصر.

قلتُ: وموقفه هذا يحتمل وجهين، والعدلُ أن يُذكرا معًا. أما الوجه الذي يُحمد عليه: فأنه لم يصنع ما صنعه غيرُه ممن انتسب إلى السنة في تلك السنين: لم يُفتِ بتحليل دم، ولم يُخوِّن مصلحًا، ولم يرمِ المطالبين بالعدل بالخارجية، ولم يصعد منبرًا ليبارك ما جرى، ولم يقبض ثمنًا. وذلك في ذلك الوقت وفي ذلك المكان ليس بالأمر اليسير؛ فقد سقط في تلك الفتنة رجالٌ كان يُظنُّ بهم غيرُ ذلك، وصار منهم من يُنكر على الناس الشعرة ويسكت عن الدم. وأما الوجه الآخر فأن الاعتزال في زمن المحنة له ثمنُه أيضًا، لأن سكوت المعروف بالعلم يُحسب في ميزان الناس ولو لم يقصده صاحبه. غير أن مآلَ أمره يشهد له: فقد قضى آخر عمره خارج بلده، ولو أراد السلامة بالمداهنة لكانت أبوابُها مفتوحةً أمامه، ولكان في القاهرة معظَّمًا مصدَّرًا. فمن اختار الغربة على المنبر المضمون فقد دفع ثمن اختياره، وإن خُولف في تقدير المقام.

فلسطين: البابُ الذي لم يتلوَّن فيه

وموقفه من فلسطين من أثبت ما في سيرته وأوضحه، لم يُعرف فيه تلوُّنٌ ولا مداراة. كان يتكلم في نصرة أهلها عبر منبره في مسجد شيخ الإسلام ابن تيمية، وفي الفضائيات قبل وجود مواقع التواصل الاجتماعي، وكان يحضُّ على واجب المسلمين تجاههم، وله في ذلك مقاطعُ متداولة. وفي شهر نوفمبر من سنة 2023 م، وقد اشتعلت حرب غزة، نُشر له من الدوحة كلامٌ يوضح فيه موقفه من حركة حماس وحكمَ تعاملها مع إيران، يدفع عنها ما رُميت به من الانحراف ويؤكد موقفه من القضية. ولما مات نعته حركةُ حماس وأشادت بمواقفه في الدفاع عن فلسطين والقدس والأقصى وبكلماته في نصرة غزة ضد العدوان والاحتلال؛ ومن نُعي بهذا اللفظ من أهل الأرض المحتلة فقد شهد له من لا يشهد له أهلُ الاستوديوهات.

ورجلٌ في آخر عمره قد بُترت ساقُه وأنهكه المرض ونزح عن بلده، ثم لا يشغله وجعُه عن وجع إخوانه فيتكلم في نصرتهم: هذا أصدقُ من كلامٍ يُلقى من مقعدٍ وثيرٍ في بلدٍ آمن.

ساقٌ في مايو 2012

وأما محنتُه الكبرى فلم تكن سجنًا ولا منفًى ولا محاكمة، وإنما كانت في بدنه. ابتُلي بداء السكري فتقدَّم به وطالت معاناته، وذُكر أنه سافر للعلاج إلى ألمانيا وأقام هناك في برنامجٍ طبيٍّ نحوَ ثلاثة أشهر. ثم كانت المضاعفات، فبُترت قدمُه في مايو سنة 2012 م. ثم أصابته وعكةٌ أخرى سنة 2015 م بعد فشلٍ كلوي. ثم تعرَّض لجلطةٍ في المخ وهو بقطر.

ساقٌ مبتورة، وكُلًى معتلة، وجلطةٌ في الدماغ، وغربةٌ عن الأهل والوطن؛ ومع ذلك ما زال يُملي ويُدرِّس ويتكلم ويُسأل فيجيب، ويتابع ما يجري لإخوانه فيتكلم فيه. ولو أن رجلًا اعتذر بأقلَّ من هذا وانقطع لعُذر؛ لكنَّ الذي كان ينام ثلاث ساعاتٍ وهو صحيحٌ فقير ما كان لينقطع وهو مريضٌ مشهور. وقد كانت وفاته آخرَ الأمر بنزفٍ في المخ، على ما ذُكر في ترجمته المنشورة.

اثنا عشرَ ولدًا وليس فيهم إسحاق

تزوَّج مرتين، ورُزق اثني عشر ولدًا، ذُكر من أسمائهم حاتم وهيثم وسفيان وهنَّاد وهمَّام وخالد. وليس فيهم إسحاق. فقد حمل كنيةً استعارها من صحابيٍّ ومن إمام، وعُرف بها في الآفاق أربعين سنة حتى صارت هي اسمَه، وبقي «حجازي» اسمًا لا يكاد يعرفه أحد.

وانتهى به الأمرُ إلى الدوحة: بعيدًا عن حوين التي وُلد فيها، وعن كفر الشيخ التي خطب في مسجدها، وعن القاهرة التي اشترى من رصيفها أولَ كتاب. توفي بها مساء يوم الاثنين، 17 من رمضان سنة 1446 هـ، الموافق 17 من مارس سنة 2025 م، إثر وعكةٍ صحيةٍ استدعت نقله إلى المستشفى، فمات متأثرًا بحالته الحرجة، عن ثمانٍ وستين سنة. وصُلِّي عليه عصر اليوم التالي في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب بالدوحة، وأمَّ المصلين عليه الشيخ أحمد عيسى المعصراوي شيخُ عموم المقارئ المصرية، ثم ووري جثمانه في مقابر مسيمير بقطر، وحضر جنازته حشودٌ غفيرة، ونُعي في المشرق والمغرب.

فصلَّى عليه شيخُ القرَّاء في مصر، ودُفن في أرضٍ ليست أرضه، وشيَّعه من لم يكونوا من أهله ولا من قريته. ومات في السابع عشر من رمضان، وهو اليوم الذي فرَّق الله فيه بين الحق والباطل في بدر. ولستُ أبني على هذا التزامن حكمًا، فليس في الشرع ما يجعل يومَ الوفاة شهادةً لصاحبه؛ ولكنها من لطائف التأريخ التي لا يملك المؤرخ إلا أن يُثبتها ثم يمضي.

الخلاصة النهائية

قلتُ: فالحاصل أن أبا إسحاق حجازي بن محمد الحويني محدِّثٌ من أهل هذه الصنعة حقًّا لا دعوى، ومخرِّجٌ مدقِّق، وناقدٌ للأسانيد له في العلل يدٌ لا تُنكر، وخطيبٌ أديبٌ أنزل علمًا كان محبوسًا في الحواشي إلى ملايين البيوت. كانت رتبتُه في باب علم الحديث بلغ فيه بمصر في زمانه ما لم يبلغه إلا آحاد، حتى سمَّاه ابنُ جبرين محدِّثَ مصر، وشهد له الألباني بأنه من إخوانه الأقوياء في هذا العلم، وأنه صحَّ له ما لم يصحَّ لغيره.

فيُؤخذ عنه التخريجُ والحكمُ على الأسانيد، فإنه فيه من أهل النظر لا من أهل النقل؛ وتُقرأ كتبه، وأنفعُها «غوث المكدود» و«بذل الإحسان» و«تسلية الكظيم» و«النافلة»، ويُنتفع بما حقَّقه من أجزاء الأئمة. ويُؤخذ عنه تمييزُ ما يدور على ألسنة الناس من الأحاديث، فهو مشروعُ عمره وثمرتُه الباقية. ويُقتدى به في أول سيرته قبل آخرها: فتًى ترك منحةً إلى أوروبا، وباع في بقالةٍ ليطلب العلم، ونام ثلاث ساعات، ومكث مع كتابٍ واحدٍ سنتين، وقَبِل من شيخٍ ردَّه كلمةً واحدةً فبنى عليها عمره؛ فلله درُّه من فتًى عرف أين الكنز وهو لا يملك ثمن كتاب. ويُقتدى به في إجلاله معلِّمَه الأول بعد أن صار أشهرَ منه، فإنها من أصعب ما تجود به نفسُ المشهور.

وأبقى ما في هذه السيرة صورتان لرجلٍ واحدٍ في طرفَي العمر. فتًى في العشرين واقفٌ على رصيفٍ بالقاهرة أمام كتابٍ ثمنه خمسةَ عشرَ قرشًا لا يقدر عليه، ثم يسمع في المسجد كلمةً تُخجله فيمشي من أمام قائلها مستخزيًا لا حاقدًا؛ وشيخٌ في الثامنة والستين، مبتورُ الساق، غريبٌ عن بلده، يُصلَّى عليه في مسجدٍ ليس في بلاده ويُدفن في مقبرةٍ ليس فيها أهله. وبين الصورتين أربعون سنة، وستون كتابًا بين مطبوعٍ ومسوَّدة، وجيلٌ كامل تعلَّم أن يسأل عن الحديث: أثابتٌ هو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فمن أراد أن يعرف كيف تُصنع الرجال فلينظر في الصورة الأولى، ومن أراد أن يعرف كم ثمنُها فلينظر في الثانية. وأعجبُ منهما معًا أن أصلهما كلمةُ زجرٍ لم يُرد بها قائلُها شيئًا مما صار إليه أمرُها.

رحمه الله رحمةً واسعة، وغفر له زلَله، وجزاه عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم خيرَ ما جزى خادمًا لها. اللهم اكتب له بكل حديثٍ ميَّز صحيحه من سقيمه أجرًا، وبكل باطلٍ نفاه عن رسولك صلى الله عليه وسلم رفعةً؛ واجعل ساقَه التي فقدها وما قاسى في مرضه طهورًا له وحطًّا لخطاياه؛ وآنِس غربتَه في قبره كما آنسته بكتابك وحديث نبيك في حياته؛ وأتمِمْ على أيدي من بعده ما تركه في مسوَّداته؛ وافتَحْ لمن تعلَّم على يديه بمثل ما فُتح له؛ واجزِ عنه ذلك الخطيبَ الذي قال له «تعلَّمْ قبل أن تُعلِّم» خيرًا، فما أنفعَ كلمةً واحدةً صادقةً تُقال في موضعها.

سجل المصادر

  • مادةٌ من موقع مداد، وهي عمدة هذه الترجمة، وفيها: النسب والكنية والمولد، وأخبارُ الأب والأم والإخوة، ومراحلُ الدراسة النظامية بأسماء مدارسها، وقصةُ كتاب «صفة الصلاة» على الرصيف، وخبرُ مجلس الشيخ كشك بلفظه، وأسماءُ الشيوخ وما أُخذ عن كل واحد منهم، ورحلتا الألباني بتاريخيهما، وقوائمُ المؤلفات والتحقيقات والمشروعات، ونصوصُ ثناء العلماء، وخبرُ الوفاة.
  • كلامُ الشيخ عن نفسه فيما نُقل في تلك المادة، ومنه قوله في مكثه سنتين مع كتاب الألباني، ووصفُه خروجَه من مجلس الشيخ كشك، وإقرارُه بجهله بالفن في أول أمره.
  • «السلسلة الصحيحة» للألباني، فيما نُقل عنه من ثنائه على «غوث المكدود» ووصفِه صاحبَه بصديقنا الفاضل، ومن عدِّه إياه من إخوانه الأقوياء في علم الحديث.
  • ترجمتُه المنشورة في الموسوعات: تاريخُ الميلاد بالتقويمين، وسببُ التسمية، وسببُ الوفاة، وعددُ أولاده وأسماءُ بعضهم، وخطابتُه بمسجد ابن تيمية بكفر الشيخ، وبرنامجاه «فضفضة» على قناة الناس و«أصداف اللؤلؤ» على قناة الندى، ورئاستُه اللجنة العلمية لقناة الندى، وعددُ مؤلفاته.
  • تقاريرُ إخبارية في وفاته وجنازته: تاريخُ الوفاة ومكانُها، والصلاةُ عليه في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب بالدوحة وإمامةُ الشيخ أحمد عيسى المعصراوي، والدفنُ بمقابر مسيمير، وحضورُ الحشود.
  • تقاريرُ صحفية في مرضه: سفرُه للعلاج إلى ألمانيا ومدةُ برنامجه العلاجي، وبترُ قدمه في مايو 2012، والفشلُ الكلوي سنة 2015، والجلطةُ الدماغية في قطر.
  • موادُّ إعلامية في مواقفه السياسية: تصريحُه المنشور سنة 2016 عن انقباضه من ثورة يناير واعتزاله، ومقالٌ تأبينيٌّ نُشر بعد وفاته ذكر رفضه تأييد انقلاب 2013 ونصيحةَ القرضاوي له بعدم العودة إلى مصر.
  • موادُّ في موقفه من فلسطين: كلامُه المنشور من الدوحة في نوفمبر 2023 عن حماس وحكم تعاملها مع إيران، ونعيُ حركة حماس له وإشادتُها بمواقفه في نصرة القدس والأقصى وغزة.

كُتبت هذه السيرة يوم الخميس 13 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 27 من أغسطس 2026 م، مما وقفنا عليه من أخباره وكلامه عن نفسه ومصنَّفاته وكلام أهل العلم فيه إلى هذا التاريخ، لم نزد على ما في المادة حرفًا ولم نُسقط منها خبرًا. وسيرةُ رجلٍ خدم السنة أربعين سنة وترك ستين كتابًا بين مطبوعٍ ومسوَّدة أوسعُ من أن يحيط بها جامعٌ في مجلس؛ فما لم يُذكر ههنا فمن قصور الجمع لا من قلة الفضل، ومن كان عنده مزيدُ خبرٍ عن مجالسه أو مسوَّداته أو أسانيده فليُلحقه مشكورًا مأجورًا.

اقترح سيرة أو تعديلًا

إرسال رسالة

شارك هذه السيرة

نُشرت هذه السيرة في ، وآخر تعديل لهذه الصفحة في . طول السيرة نحو 4577 كلمة.