عبد الفتاح السيسي
| عبد الفتاح السيسي | |
|---|---|
![]() | |
| الاسم الكامل | عبد الفتاح بن سعيد خليل السيسي |
| الميلاد | 19 نوفمبر 1954م - حارة اليهود، حي الجمالية، القاهرة، مصر |
| البلد | مصر |
| المهنة | عسكري وسياسي، رئيس جمهورية مصر العربية، ووزير دفاع وقائد عام سابق للقوات المسلحة |
| التخصص | القيادة العسكرية والمخابرات الحربية والسياسة |
| التصنيف | سياسيون |
المتغلبُ على حكم الكنانة بالقوة والقهر، والجنرالُ الذي دخل القصر وزيرًا وخرج منه حاكمًا بأمره، عبد الفتاح بن سعيد خليل السيسي، وُلد بالقاهرة سنة 1954. الرجل الذي غيّر وجه مصر الحديث، وأنهى أول تجربة يختار فيها الشعب حاكمه، وأسس حكمه على أثقل فاتورة دماء عرفتها مصر في تاريخها المعاصر.
هو العسكري القادم من صفوف المخابرات، الذي لبس ثوب التدين ليخدع رؤساءه، ثم خلع الثوب ذاته ليلبس بزة عسكرية قمعت الإسلاميين، وسجنت العلماء، وأممت المنابر، وجعلت مقدرات البلاد رهينة للديون والتحالفات الخارجية.
وهو في ميزان السياسة الشرعية: متغلبٌ بالسيف، نال السلطة بالانقلاب والمكر، وحكم بالاستبداد المطلق، واستبدل الشورى والعدل بحكم الفرد والبطش، وجعل مسالمة المحتل الصهيوني ومحاربة التيارات الإسلامية أصلًا لمشروعه الإقليمي.
محتويات
نشأة في الظل.. من الحارة إلى الثكنة
وُلد عبد الفتاح السيسي في 19 من نوفمبر 1954 في حارة اليهود بحي الجمالية العريق بقلب القاهرة القديمة، لأسرة تعمل في التجارة. لم تكن طفولته تنبئ بظهور زعيم جماهيري، بل عُرف بالهدوء والظل والمراقبة.
تخرج في الكلية الحربية سنة 1977، وبدأ مسيرته ضابطًا في سلاح المشاة. وتدرج في المناصب العسكرية في هدوء تام، مبتعدًا عن الأضواء التي تحرق العسكريين عادة. تلقى دورات عسكرية متقدمة في بريطانيا سنة 1992، ثم في كلية الحرب العليا بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 2006.
كان اختياره للعمل في المخابرات الحربية وتدرجه فيها حتى صار مديرًا لها في عهد المشير حسين طنطاوي، هو المفتاح الذي أطلعه على مفاصل الدولة العميقة، وجعله خبيرًا في تفكيك الخصوم، ومراقبة التيارات، ومعرفة كيف تُدار مصر من غرف العمليات المغلقة.
خديعة القصر.. الجنرال المتدين
عقب ثورة يناير 2011، كان السيسي هو أصغر أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة سنًّا. ولما تولى الدكتور محمد مرسي رئاسة الجمهورية، وبدأ في الإطاحة بالحرس القديم المتمثل في المشير طنطاوي والفريق سامي عنان في أغسطس 2012، وقع اختياره على اللواء عبد الفتاح السيسي ليكون وزيرًا للدفاع وقائدًا عامًا للقوات المسلحة.
كيف صعد السيسي إلى هذا المنصب؟
تشير الوقائع الموثقة إلى أنه بنى صورة "الجنرال المتدين" ببراعة. كان يُرى باكيًا في الصلاة، ومحافظًا على السمت الإسلامي في بيته، ومبديًا طاعة وسمعًا للرئيس المدني.
قلتُ: وتلك خديعة سياسية دفع ثمنها من انخدع بها. فالسياسة لا تُدار بالنيات، والعسكري الذي يتربى في محاضن المخابرات لا يكون ولاؤه إلا لمؤسسته ومشروعه. وقد أثبتت الأيام أن دموع المحراب لم تمنع صاحبها من دماء الميادين.
يوم الدم.. صبيحة الرابع عشر من أغسطس
في 3 من يوليو 2013، أعلن السيسي عزل الرئيس محمد مرسي وتعطيل الدستور، محاطًا برموز دينية وسياسية (شيخ الأزهر أحمد الطيب، وبابا الكنيسة تواضروس، وممثلين عن المعارضة المدنية وحزب النور). لكن المشهد الكاشف الحقيقي لم يكن مشهد البيان، بل كان مشهد الدم الذي تلاه بشهر ونيف.
في صبيحة 14 من أغسطس 2013، أعطى السيسي بصفته الحاكم الفعلي للبلاد، الأمر بفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة المؤيدين للرئيس المعزول. وفي غضون ساعات، تحولت شوارع القاهرة إلى ساحة حرب. استُخدم الرصاص الحي والقناصة والجرافات ضد آلاف المعتصمين من الرجال والنساء والأطفال.
أسفر ذلك اليوم عن مقتل المئات (وتشير تقارير حقوقية مستقلة إلى تجاوز العدد الألف قتيل في رابعة وحدها)، وإحراق الجثث، واعتقال الآلاف. كان مشهد الجرافات وهي تزيح خيام المعتصمين مختلطة بالدماء والأشلاء، والمستشفى الميداني المحترق، هو شهادة الميلاد الحقيقية لمشروع السيسي.
قلتُ: وتلك دماء لا يغسلها ماء البحر. فإن زوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق. وهذا المشهد لم يكن خطأً أمنيًّا ولا تجاوزًا ميدانيًّا، بل كان عقيدة ردع مقصودة؛ أراد بها الجنرال أن يكسر إرادة التيار الإسلامي والشعبي إلى الأبد، وأن يوصل رسالة قاطعة: لا مكان لمعارضة في الشارع بعد اليوم. ومن استحل دماء المسلمين ليثبت ملكه، فقد هدم دينه وإن بنى دولته.
المشروع المركزي.. عسكرة الدولة وتأميم المنابر
مشروع السيسي الذي حكم به منذ توليه الرئاسة رسميًّا سنة 2014 لا يقوم على مجرد البقاء في السلطة، بل على إعادة هندسة مصر جذريًّا في ثلاثة مسارات:
المسار الأول: الهيمنة الاقتصادية العسكرية
أطلق السيسي مشاريع بنية تحتية عملاقة (تفريعة قناة السويس، العاصمة الإدارية الجديدة، شبكات الطرق). لكنه أسند تنفيذها وإدارتها بالكامل إلى "الهيئة الهندسية للقوات المسلحة" والشركات التابعة للجيش، مما أدى إلى خنق القطاع الخاص.
وموّل هذه المشاريع بقروض خارجية هائلة، قفزت بالدين الخارجي لمصر من نحو 43 مليار دولار سنة 2013 إلى أكثر من 160 مليار دولار في سنوات قليلة، مما رهن قرار مصر الاقتصادي والسياسي للمقرضين الدوليين، وأغرق الطبقات الفقيرة والمتوسطة في غلاء طاحن جراء تعويم العملة.
المسار الثاني: القمع الشامل
لم يكتف السيسي بإسقاط حكم الإخوان، بل فتح السجون لكل معارض. سُجن الآلاف من العلماء والدعاة وشباب الحركات المدنية والنشطاء والصحفيين. واستُخدم سلاح الحبس الاحتياطي الممتد لسنوات، والتدوير في القضايا، والإخفاء القسري، والمحاكمات العسكرية الاستثنائية، لتجفيف أي نبع للرفض المجتمعي. وتوفي العشرات في السجون نتيجة الإهمال الطبي، وعلى رأسهم الرئيس المعزول نفسه سنة 2019.
المسار الثالث: تفريغ الدين من مضمونه
وهو الأخطر في ميزان هذا النموذج. رفع السيسي شعار "تجديد الخطاب الديني". ولم يكن مراده تنقية التراث من البدع، بل كان مراده تطويع الإسلام لسلطة الدولة المادية، وتجريده من أي قدرة على توجيه السياسة أو التشريع أو منازعة السلطان.
قال بنصه في إحدى خطبه في يناير 2015 أمام علماء الأزهر: "يعني هل يُعقل أن الفكر الذي نقدسه يعادي الدنيا كلها؟". وصارت خطاباته المتكررة تلمح وتصرح بأن التراث الإسلامي عبء، وأن المفاهيم المستقرة تحتاج إلى نسف. وفي عهده مُنعت مئات الكتب الإسلامية، وصودرت منابر الخطابة من الدعاة المستقلين لتُحصر في موظفي الأوقاف بخطبة مكتوبة توزعها السلطة الأمنية، واحتُفي بالإعلاميين العلمانيين الذين يطعنون في ثوابت الدين وفي صحيح البخاري.
قلتُ: هذا هو الاستبداد المركب؛ استبداد يصادر رغيف الفقير، وحرية المعارض، ودين المسلم في آن واحد. ومن جعل الدين تهمة يحتاج المسلمون للاعتذار عنها أمام العالم، فقد شارك في نقض عرى الإسلام عروة عروة.
سيناء وفلسطين.. العقيدة الأمنية الجديدة
من أظهر التحولات في عهد السيسي تغيّر العقيدة الأمنية تجاه المحتل الصهيوني. تحولت العلاقة من "سلام بارد" في عهد حسني مبارك، إلى تحالف استراتيجي وتنسيق أمني غير مسبوق.
في سيناء، وتحت غطاء "محاربة الإرهاب"، هُجّر عشرات الآلاف من سكان مدينة رفح المصرية، ودُمرت آلاف المنازل والمزارع، وأُغرقت الأنفاق التي كانت شريان الحياة لقطاع غزة. وصرح السيسي مرارًا بحرصه على "أمن المواطن الإسرائيلي".
وعندما اندلعت حرب الإبادة الصهيونية على غزة سنة 2023 وما بعدها، تجلى الموقف في إغلاق معبر رفح فعليًّا (أو تقييد فتحه بشروط المحتل)، والمشاركة في حصار القطاع، والاكتفاء بالتصريحات الدبلوماسية الرافضة للتهجير القسري إلى سيناء (وهو رفض نابع من مخاوف أمنية مصرية لا من نصرة للمقاومة)، في حين استمر تصدير البضائع ومسارات التجارة مع الاحتلال.
قلتُ: وحصار المسلم للمسلم إرضاءً لعدو كافر خيانة للملة والتاريخ. والأمن القومي الذي يُبنى على تجويع الجار المسلم وتأمين المحتل الغاصب، هو أمن مزيف لا يحمي شرعًا ولا يحفظ أمة.
علماء السلطان وقوى الدعم
لم يقم هذا الانقلاب وحده، بل استند إلى ركائز شرعية وسياسية مكّنته:
أما الركائز الشرعية، فتصدرها المفتي السابق علي جمعة، الذي حرّض علنًا على قتل المعتصمين، ووصفهم بالخوارج، وأصدر فتاواه العسكرية الشهيرة "طوبى لمن قتلهم وقتلوه". ومعه حزب النور الذي شارك في مشهد الانقلاب مبررًا ذلك بـ "تقليل المفاسد وحقن الدماء"، فكانت النتيجة أن الدماء سُفكت، والمفاسد عمّت، ولم يَسلم الحزب نفسه من التهميش والاحتقار لاحقًا.
وأما الركائز السياسية، فقد تلقى السيسي دعمًا ماليًّا وسياسيًّا هائلًا من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت (في سنواته الأولى)، قُدر بعشرات المليارات من الدولارات، لمنع أي فرصة لنجاح الربيع العربي. كما حظي بغطاء غربي كامل؛ إذ فضّلت عواصم الغرب "الجنرال القوي" الذي يضمن أمن إسرائيل ويحكم قبضته على الهجرة، على الديمقراطية التي قد تأتي بالإسلاميين.
التحولات والتراجعات
لم تُسجل للسيسي مراجعات فكرية أو سياسية، بل اتسمت مسيرته بالإصرار وتصعيد القمع كلما زادت الأزمات. تناقضاته كانت دائمًا في التصريحات مقارنة بالأفعال.
يطالب بالحرية الدينية ثم يسجن الخطباء. ويبكي عند ذكر الفقراء ثم يرفع الدعم عن سلعهم الأساسية طالبًا منهم الصبر والجوع من أجل بناء الدولة. ويدعو إلى التكاتف الوطني ثم يصنف نصف شعبه إرهابيين أو ممولين أو أهل شر. ويقسم في بداية عهده أنه لن يستمر في السلطة إلا بإرادة الشعب ولمدد محددة، ثم يعدّل الدستور سنة 2019 ليضمن بقاءه في السلطة حتى سنة 2030، فاتحًا الباب لحكم مدى الحياة.
الخلاصة النهائية
قلتُ: فالذي يتقرر من سيرة عبد الفتاح السيسي ومشروعه أنه حاكم متغلب، قهر الأمة بالسيف، واستباح الدماء المعصومة في الميادين، وملأ السجون بالمصلحين والعلماء والمعارضين. وهو مسؤول شرعًا وتاريخًا عن كل قطرة دم سُفكت لتثبيت ملكه، وعن كل مظلوم غُيب في زنازينه. ومشروعه في "تجديد الدين" ليس إلا هدمًا لمرجعية الشريعة وإخضاعًا للإسلام لسلطان الدولة العلمانية الخشنة. ولا يحمل حكمه أي صفة للشرعية الدينية التي تقتضي العدل والشورى وحفظ كليات الدين والدنيا؛ بل هو سلطة أمر واقع.
وهكذا انتهت اللحظة التي ظن فيها المصريون أنهم ملكوا حريتهم، ليعودوا إلى قبضة أشد قسوة وأكثر إحكامًا مما ثاروا عليه. وفي سجل التاريخ: تنام الدول على الظلم أحيانًا، لكنها لا تُبنى عليه أبدًا.
مضى بظلمه، والمظلومون أحياء، وحسابه على رب لا تخفى عليه خافية، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
ونسأل الله المنتقم الجبار أن يفرّج كرب المظلومين في سجون مصر، وأن يعجّل بخلاص الأمة من كل طاغية أراق دماءها وبدد ثرواتها وسلّم مقدراتها لأعدائها، وأن يهيئ للكنانة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعته، ويُذل فيه أهل معصيته، ويُحكم فيه بكتابه.
اقترح سيرة أو تعديلًا
أرسل إلينا اقتراح سيرة جديدة، أو تصحيحًا وإضافة موثقة إلى هذه السيرة.
