فوزي البدوي
| فوزي البدوي | |
|---|---|
![]() | |
| الميلاد | 1956 م، تونس |
| البلد | تونس |
| الإقامة | تونس |
| المهنة | أستاذ الدراسات اليهودية والعبرية ومقارنة الأديان بجامعة منوبة، وعضو المجمع التونسي «بيت الحكمة»، ومدير مجلة معهد الآداب العربية (IBLA) |
| الانتماء | المدرسة الحداثية العلمانية في قراءة التراث |
| أبرز الأعمال |
|
| التصنيف | أهل الضلال |
المتصدّرُ لنزع الوحي عن القرآن وردِّ الإسلام إلى نسبٍ يهودي، صاحبُ أنعم عبارة وأخبث مقالة في جيله، الأكاديميُّ التونسي فوزي البدوي، وُلد بتونس سنة 1956. أستاذ الدراسات اليهودية والعبرية ومقارنة الأديان بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة، وعضو المجمع التونسي للآداب والعلوم والفنون (بيت الحكمة)، ومدير مجلة معهد الآداب العربية (IBLA). وهو اليوم في أوج حضوره، يتنقل بين الشاشات والمنصات الكبرى، هادئَ النبرة، باردَ العرض، بليغَ التمهيد، قاتلَ الخاتمة. أحد أبرز الوجوه في المدرسة الحداثية العلمانية التي أخذت على عاتقها إعادة قراءة التراث الإسلامي قراءة تفضي إلى نقض أصوله.
درس الأديان ليمحو قدسيتها، واتخذ من «الدراسات اليهودية» معولًا يهدم به أصول الإسلام، فخرج على الناس بثوب الباحث المحايد ليقرر أن القرآن منتج تاريخي بشري نشأ من «رصيد سامي مشترك»، وأن النبوة استراتيجية سياسية بحث بها صاحبها (صلى الله عليه وسلم) عن مشروعية، وأن على المسلمين أن يتخلوا عن التحريف والنسخ وخاتمية دينهم ليولد «مسلم جديد» لا يؤمن إلا بما تجيزه له مناهج الغرب.
خاصمه أهلُ العلم الذين كشفوا عواره، وقدّمته المنصات الممولة نجمًا «تنويريًا»، واغتر به جمهور رأى فيه خبيرًا باليهود مناهضًا للصهيونية، ولم يعلم أن الرجل يوصي في محاضراته بإنتاج الجامعة العبرية في القدس ويصفه بأفضل ما يُنتج في الدراسات الإسلامية، وسيأتيك خبر هذا القناع وسقوطه. وسترى في هذه الترجمة الرجلَ من فمه هو، بنصوصه الموثقة، ثم الحكم عليه بميزان لا يظلم.
محتويات
النشأة والتكوين: نافذة «الاستهواد»
جاء فوزي البدوي من بيئة أكاديمية تونسية تشبعت منذ عقود بالمناهج العلمانية الفرنسية في قراءة التراث. وجامعة منوبة التي ينتمي إليها من أبرز المحاضن التي أفرزت تيارًا يقرأ الإسلام قراءة تاريخية علمانية، تُنزل النص من السماء إلى الأرض ليُعامل وثيقةً بشرية قابلة للتفكيك.
تخصص في الدراسات اليهودية ومقارنة الأديان، وقدم أطروحته للدكتوراه بعنوان «الجدل الإسلامي اليهودي باللغتين العربية والعبرية إلى حدود القرن 10 هـ / 16 م». وهو في بابه الضيق هذا متمكنٌ حقًا: يقرأ العبرية، ويعرف أدبيات القوم، ويحفظ خريطة الاستشراق ورجاله. وهذا التمكن بعينه هو الذي يقطع عذره؛ فليس انحرافه انحراف جاهل بالحق غرّته ترجمات، بل انحراف عارفٍ يعلم أن أطروحة جايغر التي يبني عليها كتبت في القرن التاسع عشر، ويعلم ما وُجّه إليها، ثم يقدمها لجمهوره «علامة فارقة» ويكتم عنه ما سواها. فمكمن الخطر في الرجل ليس تخصصه، بل أنه جعل نافذة «الاستهواد» التي أطل منها على اليهودية نافذةً يُسائل منها القرآن والنبوة نفسها: لا ليدافع عن الإسلام، بل ليثبت أنه نشأ في أحضان اليهودية واقتبس منها.
المشهد الكاشف: حين قاس النبيَّ على داعش
في ندوة عن الأقليات الدينية في ديار الإسلام، استرسل البدوي بحديثه الهادئ البارد الذي لا يتناسب مع فداحة ما يقرر، حتى بلغ بني قريظة، فقال بملء فيه، موثقًا بالصوت والصورة: «ما تفعله داعش بالأقليات الدينية... هذا أمر طبيعي لأنه الرسول فعل نفس الشيء، الرسول ذبح 900 شخص في المدينة... فلا تلومنّ الدواعش على أن يفعلوا مثله». وكررها في لقاء آخر بلفظ أصرح: «فما يفعله الداعشيون اليوم هو أمر طبيعي، إذا كان نبيهم فعل هذا فلا تلومنّ الدواعش على أن يفعلوا مثله». فتأمل قوله «نبيهم»: نسب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلى جماعة متطرفة، ورفع اللوم عنها بدعوى الاقتداء، وقدّم الإسلام دينًا يفرّخ الإرهاب بطبعه؛ وهي عين الرواية الصهيونية واليمينية المتطرفة، تخرج هذه المرة من فم أستاذ في جامعة عربية.
ولم تكن فلتة لسان؛ فقد قال في محاضرة أخرى عن الوحي والتاريخ: «لا يهمني إن كان محمد وُجد حقيقة». رجلٌ صنعته كله دعوى البحث في سيرة النبي ونشأة دينه، ثم لا يهمه أوُجد النبي أم لم يوجد.
ولفهم كيف يبلغ أكاديمي يحمل اسمًا إسلاميًا هذه الجرأة، لا بد من الرجوع إلى الآلة التي صنعت عقله؛ فلسنا أمام زلة، بل أمام أصل فاسد استقر في القلب ففاض على اللسان.
آلة الهدم المستوردة
لا ينطلق البدوي من فراغ، بل من ثلاث مدارس غربية استورد أدواتها وأسقطها على القرآن إسقاطًا:
مدرسة تاريخ الأديان، وهي مدرسة لائكية تدرس الدين «ظاهرة ثقافية» ولا تشترط في دارسها الإيمان، بل يقرر البدوي بلسانه أن عالم الأديان الحديث «لا يؤمن بالمقدس في المعنى التقليدي»، فجعل الكفرَ بالوحي شرطَ العلمية، وحوّل التسليم بالغيب نقصًا معرفيًا. وبها صار الإسلام عنده استجابة لظروف بيئية لا رسالة خاتمة.
منهج بولتمان في نزع الأسطرة، وُضع أصلًا لمعالجة خرافات دخلت على أناجيل محرفة، فنقله البدوي إلى القرآن المحفوظ، داعيًا إلى تفريغ غيبياته ومعجزاته من «غلافها الأسطوري»، وأفرد له بحثًا في مجلة «تفاهم» سنة 2016.
المدرسة المراجعية وأطروحة جايغر: اعتمد كليًّا على أطروحة المستشرق اليهودي أبراهام جايغر «ما الذي اقتبسه محمد من اليهودية؟» المنشورة في القرن التاسع عشر، وقدّمها لجمهوره «علامة فارقة»، بل بلغ به التدليس أن برّأ صاحبها فزعم أن جايغر «لم يشكك في الأصل الإلهي للقرآن»؛ وكيف يستقيم هذا وعنوان كتابه نفسه دعوى اقتباس؟ ومن هذه المدرسة أخذ فرضية كرون وكوك أن الإسلام «لم ينشأ في البيئة المكية وإنما نشأ لاحقًا في بلاد الشام»، فقدّم تخمينات تنقيحية متهافتة بوصفها علمًا «يجب مواجهته».
سجل المقالات: من فمه يُدان
هذا سجل أخطر مقالاته، كلها بنصها الموثق:
أولًا: نزع الوحي عن القرآن
يقرر أن على المسلم أن يغادر عقيدته في الوحي بلفظ صريح: «يجب أن تغادر... منطقة القول أو تفهم الوحي بالمعنى التقليدي أن النبي هو متلقٍّ سلبي لشيء يأتيه من السماء فيبلغه كما هو... يجب أن تغير زاوية النظر». ويرد قصص القرآن إلى الموضوعات المكذوبة: «جزء كبير مما هو موجود في القرآن نستطيع أن نعثر عليه في أدب المنحولات»، ثم يسخر ممن يؤمن بنزوله: «سنقول إن هذا وحي نزل من السماء، فكيف يأتيه هذا الباطل؟». ويصفه بأنه «نص بشري له تاريخ وله تطور» و«ذو بنية ميثولوجية». فهذا رجل يصف كتاب الله بالباطل والأسطورة، ويطالبك أن تسمي هذا بحثًا علميًا.
قلتُ: وهذا تكذيب صريح لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾، وقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾. ومن زعم أن القرآن مقتبس من كتب مكذوبة فقد جعل كلام الله عيالًا على كذب البشر، وهذا كفر لا يحتمل تأويلًا.
ثانيًا: النبوة استراتيجيا بشرية
يقولها بأوضح لفظ: «المشكلة الأساسية للنبي هي كيف يستطيع أن يجد له مكانًا ضمن سلالة الأنبياء... كيف يستطيع أن يجد حلًّا ومشروعية لنبوته، هذه المشروعية تطلبت وقتًا طويلًا لإيجادها». ويسمي مراحل السيرة «الاستراتيجيا النبوية»، ويصف بناء العقيدة بأنه «عملية عبقرية معقدة» كانت خطوتها الأولى «أن يقول المسلمون بالتحريف». ثم يبلغ الغاية في ندوة الأقليات فيقول إن النبي لما أدرك أن اليهود لن يؤمنوا به صارت «مشكلة سياسية، مشكلة عسكرية ويجب أن تُحل... فبدأ بتصفيتهم عسكريًا». فانظر كيف قدم الاصطفاءَ الإلهي طموحًا شخصيًا، والوحيَ حيلةً، وأحكامَ الله في الخونة تصفياتٍ سياسية. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.
ثالثًا: اتهام القرآن باختراع التحريف
يقرر أن اتهام اليهود بتحريف التوراة لم يكن خبرًا من الله بل «ضرورة لاهوتية» اخترعها النبي لينسف الأساس الذي رُفض به، ثم يطالب صراحة: «يجب أن نتخلى عن فكرة التحريف وفكرة النسخ؛ التوراة ليست محرفة والإسلام لا ينسخ اليهودية... هل نحن مستعدون لدفع هذا الثمن؟»، ويزيد: «يجب أن تخرج من قاموس المسلمين كلمة التحريف». فهو هنا لا يخالف مذهبًا فقهيًا، بل يتهم القرآن نفسه بالافتراء على اليهود، ويقرر نجاتهم على دينهم، ويلغي خاتمية الإسلام؛ وكل واحدة من هذه ردةٌ عن معلوم من الدين بالضرورة، فكيف بها مجتمعات؟
رابعًا: الإسلام هرطقة نصرانية في ثوب جديد
«هناك فرضية قوية تقول إن هذا الإسلام ناشئ من حركة... ما يسمى بالحركة المسيهودية... لكي يستطيع هذا الدين الناشئ أن يتحول من الفرقة إلى دين مكتمل الأركان». ويؤصلها بقانون وضعي: «في تاريخ الأديان لا يوجد دين ينبثق من لا شيء... هناك دومًا شيء ينشأ من رصيد مشترك»، ويصف نشأة الإسلام بأنها «ولادة قيصرية من رحم الديانات القديمة»، وبأن القرآن «توليفة» بمنطق الجدل الهيغلي. حتى قانون لافوازييه في المادة «كل شيء يتحول ولا شيء يُفقد» أسقطه على الوحي؛ وهذه مصادرة على المطلوب: افترض أن لا وحي، ثم «استنتج» أن لا وحي.
خامسًا: إنكار الغيب والسخرية من الأنبياء وأئمة العلم
يقول: «أعيش في عصر الكهرباء... لا أستطيع أن أقبل بفكرة المعجزة... الجن والملائكة»، ويوظف قول طه حسين لنفي الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ويتبنى دعوى أن «التوراة الحقيقية دُفنت في بحيرة طبرية» بلا إسناد ولا تحقيق. فأما الصحابة فيطعن في أبي هريرة وابن عباس بنسبة الخرافات والإسرائيليات إليهما، وأما عامة المسلمين فيقول عنهم بنصه: «وكثير من المسلمين من الأغبياء مع الأسف يقبلون بهذه الأفكار»، وأما أهل الحديث فعقيدتهم عنده «نصّانية وتعطيل للعمل العقلي»، وابن حزم وكتب الملل والنحل سفهٌ قديم. رجلٌ وسعت أخلاقُه الأكاديمية كلَّ أحد إلا نبيَّه وصحابةَ نبيه وعلماءَ أمته وعوامَّها.
سادسًا: تسوية الأديان والتبشير بمسلم جديد
«لا وجود لأفضلية لدين على دين... كل الديانات على نفس الدرجة من المساواة»، والإسلام والمسيحية «إصدارات أخرى زي الويندوز»، والغاية المعلنة: «نخرج بإيمان جديد... سيولد مسلم جديد»؛ مسلم مفرغ من كل يقين، يقبل نتائج النقد التاريخي ولو هدمت إيمانه، ويعدّ تمسك أمته بقطعياتها «خوفًا مرضيًا من التاريخ».
سقوط القناع: خصم الصهيونية الذي يوصي بجامعة القدس العبرية
أخبث ما في الحالة البدوية تغليفُها؛ فالرجل يقدَّم للجمهور خبيرًا بالشأن اليهودي، مناهضًا للتطبيع، رافضًا لمشروع «الديانة الإبراهيمية»، فيدخل بيوت المسلمين آمنًا، ويبتلع المعجبُ بمواقفه السياسية سمَّ عقيدته وهو لا يشعر.
فإذا فتحت محاضراته الأكاديمية وجدت الوجه الآخر موثقًا بالصوت: يقرر أن «أفضل ما يُنتج في الدراسات الإسلامية على مستوى التجديدات المنهجية هو موجود في مثلث... جامعة برنستون... وأكسفورد... والجامعة العبرية في القدس»، ثم يوجب: «على المسلمين وعلى الجامعات العربية أن تتابعه، أن تهتم به». ويثني على مترجمي القرآن إلى العبرية ودارسي «الإسلام المبكر» في إسرائيل ويسميهم «كبار المتخصصين». ويلزم العربَ بالاعتراف بالمحرقة النازية ويصف إنكارها بأنه «خطير جدًا». فهذا مناهض التطبيع الذي يوجّه طلاب الأمة إلى مصنع الرواية في قلب القدس المحتلة ليتلقوا منه «أفضل» ما قيل في دينهم.
ويكمل الصورةَ مشروعُه السياسي المعلن في جلساته الخاصة: الثناء على نموذج العلمنة القسرية عند مصطفى كمال وبورقيبة، والجزم بأن عودة المجتمعات إلى الدين «مسألة ظرفية عرضية» سيعيدها المعلمنون «إلى حجمها الطبيعي»، ووصف التعليم الديني بأنه «نمط متخلف» يجب أن تهدمه سلطة مركزية قوية بالفرض، والتبشير بأنه «سيأتي عشرات من علي عبد الرازق وعشرات من طه حسين... لتغيير المؤسسة الدينية من الداخل». فأين الباحث المحايد؟ هذا مشروع سياسي كامل لعلمنة أمة، يلبس روب الأستاذية.
ويلاحظ الفاحص لمواده تبدلَ خطابه بحسب جمهوره: يتلطف ويغلف على المنابر العامة، ويصرح بالنتائج الكفرية في المحاضرات والندوات المتخصصة. والمتلون أخطر من المجاهر.
تناقضاته: المعول يرتد على صاحبه
المشاريع الباطلة تحمل بذور فنائها، وتناقضات الرجل موثقة المواضع توثيقَ مقالاته، وأقتصر على أقتلها:
ينكر بني قريظة ثم يبني عليها
قرر بلفظه: «لم يثبت تاريخيًا أن الرسول قتل 700 أو 900 من يهود يثرب... هذا الحدث خاطئ تاريخيًا»، ثم هو نفسه الذي قال: «الرسول ذبح 900 شخص في المدينة... فلا تلومنّ الدواعش». فالحادثة عنده غير ثابتة حين يدفع عن اليهود، ثابتة قطعًا حين يطعن في النبي صلى الله عليه وسلم. فإن كانت لم تثبت سقط طعنه، وإن ثبتت سقط إنكاره؛ وفي الحالين سقط هو.
يطعن في المصادر كلها ثم يؤرخ بها لنفسية النبي صلى الله عليه وسلم
يقرر أن المصادر الإسلامية «متأخرة لا يمكن الوثوق بها» وأنها «لا تعكس ما وقع وإنما ما أراد المسلمون أن يعتقدوا أنه وقع»، ثم يرسم منها خريطة مفصلة لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم و«استراتيجيته» وخطواته. فمن أين جاء بتفاصيل سرديته إن كانت المصادر ساقطة؟ إن أسقطتَها أسقطتَ روايتك البديلة معها.
يقر بحفظ القرآن ثم يخضعه لمنهج المحرَّف
قال في بودكاست فنجان إن القرآن وُعد بالحفظ فلا يعامل كغيره وسمى ذلك «المنطقة المحرمة»، ثم أفنى محاضراته في الدعوة إلى اقتحامها ومعاملة القرآن نصًا بشريًا له تطور. فأي القولين دينه؟
«نحترم التصور التقليدي»... «ويجب أن تغادره»
في نفَس واحد. فاحترامه لفظة تخدير تسبق المشرط.
يعد بمسلم جديد «يبقى مؤمنًا» ويقر أن منهجه يهدم كل شيء. بشّر بأن نقده يلد «إيمانًا جديدًا»، ثم صرح: «كل نقد تاريخي... يؤدي إلى انهيار كل المنظومة التي بناها العرب حول الدين». فأي إيمان يبقى بعد انهيار المنظومة كلها؟ هو نفسه أجاب: إيمان «لا يهمه إن كان محمد وُجد حقيقة».
قلتُ: من جمع هذه المواضع علم أن الرجل ليس باحثًا يتبع الدليل حيث قاده، بل صاحب قضية يقلب الأدلة حيث قادته قضيته؛ يوثق ما يطعن به وينكر ما يشهد عليه، والحادثة الواحدة تثبت وتسقط في اللسان الواحد بحسب موقعها من الهدم. وهذا ليس علمًا، بل خصومة لابسة معطف العلم.
آلة الانتشار
لم يكن ليبلغ خطره هذا لو بقي حبيس قاعات منوبة، لكن آلة انتشار ضخمة فُتحت له: «بودكاست فنجان» (منصة ثمانية)، وبرنامج «المقابلة» على الجزيرة (يناير 2025) وبودكاست أثير الجزيرة، وبرنامج المديفر (روتانا خليجية)، وقنوات فرانس 24 وRT وTRT، ومنصات «مؤمنون بلا حدود»، وبرنامج «مختلف عليه» مع إبراهيم عيسى.
منابرُ تصنع من أستاذ الجدل اليهودي «مرجعية» في القرآن والنبوة والشريعة، وتقدم للشباب استهلاكًا متأخرًا لنفايات الاستشراق القديم بوصفه فتوحات علمية، مستغلةً جهل الجمهور بتعقيدات حقلٍ تجاوزت أوساطه الغربية نفسها كثيرًا مما يقدمه؛ فقد كشف الناقدون أن دعوى «المسيهودية» فشلت في أن تجد انتشارًا جادًا في الأكاديميا الغربية ذاتها، وأن الرجل يمارس انتقائية مخلة ويسيء تمثيل الباحثين الغربيين أنفسهم، كاستشهاده بسيمون كلود ميموني في غير محله.
وقد تصدى لبيان عواره باحثون متخصصون، أبرزهم الدكتور سامي عامري الذي وثق ردودًا مفصلة على أطروحاته، وبيّن أنه «لاديني يروج لشبهة لا يعرف أصولها»، وفنّد محاضراته ولقاءه على الجزيرة.
الخلاصة النهائية
قلتُ: فالحاصل، بعد استقراء مقالاته الموثقة موضعًا موضعًا، أن فوزي البدوي ليس عالمًا مجتهدًا أخطأ، ولا مفكرًا إسلاميًا زل، ولا حتى مستشرقًا أجنبيًا يُعذر بكفره الأصلي؛ بل هو أكاديمي من أبناء المسلمين جعل نزع الوحي عن قرآنهم مشروعَ عمره، وقدّمه لهم بلسانهم وبهدوء أساتذتهم. إن القول بأن القرآن منحول من كتب مكذوبة، وأن النبوة استراتيجيا بشرية، وأن التحريف فرية اخترعها النبي، وأن التوراة غير محرفة والإسلام لا ينسخ اليهودية، وإنكار الغيب والملائكة والمعجزات، وقياس رسول الله صلى الله عليه وسلم على داعش، كل واحدة من هذه كفر بواح مخرج من الملة، لا تُعذر فيها دعوى «البحث» و«النقد التاريخي»؛ فالبحث يفحص الظنيات، ولا يبيح تكذيب رب العالمين. وهو مع كفر مقالته مدلسٌ متلون، يغلف للعامة ويصرح للخاصة، ويوصي بمصانع الرواية الصهيونية وهو يلبس ثوب مناهضتها.
فلا يحل لمسلم أن يأخذ عن هذا الرجل شيئًا من دينه، ولا أن يستمع إليه إلا متخصصٌ يريد النقض، ولا يجوز لمنصة تصديره «مفكرًا إسلاميًا» إلا وهي شريكة في التلبيس؛ وخطره فوق خطر الملحد الصريح، لأن الملحد يهاجمك من خارج السور، وهذا يفتح لك الباب باسم العلم ثم يهدم البيت من داخله، حجرًا موثقًا بعد حجر.
وهكذا تكتمل الصورة التي بدأت في ذلك الاستوديو البارد: رجل يجلس بكامل هدوئه، لا يرفع صوتًا ولا يقرع منبرًا، يبتسم ثم يقول عن نبي الرحمة «نبيهم فعل هذا»، ويمضي كأنما قرأ نشرة طقس. أفنى عمره في الكتب العبرية ليخرج منها بما قاله جايغر قبل قرنين، وعلّق أعظم قضايا الوجود على «فرضية قوية»، وباع اليقين الذي ورثه عن أمة كاملة بثناء محفل ومنصة. لم يبنِ للأمة علمًا، ولم يهدم عن خصومها شبهة، وإنما حفر تحت أقدام أبنائها وسمّى الحفر تجديدًا. والله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وقد تكسّر على هذا الحفظ من هو أعتى من البدوي وأدهى، وبقي القرآن يتحدى، وذهب المشككون أخبارًا في الحواشي.
نسأل الله أن يمحو ما زرعه من الشبهات في عقول شباب المسلمين، وأن يهدي من افتُتن ببرود عرضه وبريق ألقابه، وأن يقيض للأمة من يرد عادية هذا الاستشراق الناطق بالعربية، وأن يحفظ علينا كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن يعامل هذا الرجل بعدله إن أصر، وأن يفتح قلبه للحق إن كانت فيه بقية، فالتوبة تهدم ما قبلها. وحسابه على رب لا تخفى عليه خافية.
سجل المصادر
- محاضراته وندواته الموثقة على يوتيوب، ومنها: «الجدل الديني الإسلامي اليهودي»، «اليهودية أثرها وعلاقتها بالإسلام»، «أدب المنحولات ونشأة الإسلام»، «كيف نشأ الإسلام بين اليهودية والمسيحية»، «نبي الإسلام في مرآة اليهودية»، «تاريخ الأديان: تطور الإسلام وصياغة جديدة لفرقة المسيهودية»، «ندوة التأويل - التكوين»، «المحاضرة 39: لماذا يخشى المسلمون النقد التاريخي» (يوليو 2022)، «من الذمة إلى المواطنة»، «الأقليات الدينية في ديار الإسلام»، «علم اليهودية والدراسات الإسلامية»، «ابن تيمية في الخطاب الإسلاموي»، «هل ما زال من الممكن تأسيس الإيمان على التاريخ؟».
- لقاءاته الإعلامية: «مختلف عليه» مع إبراهيم عيسى، «بودكاست فنجان» (منصة ثمانية)، «المقابلة» على الجزيرة (يناير 2025)، برنامج المديفر (روتانا)، حوار فرانس 24 (2021).
- مقالاته وأبحاثه: أطروحته في الجدل الإسلامي اليهودي، وبحثه عن منهج بولتمان في مجلة «تفاهم» (2016).
- الردود العلمية: ردود الدكتور سامي عامري الموثقة على محاضراته ولقاء الجزيرة.
كُتبت هذه الترجمة يوم الاثنين 17 من صفر 1448 هـ، الموافق 1 من أغسطس 2026 م، بناءً على ما وقفنا عليه من كلامه المنشور ومحاضراته المفرغة الموثقة إلى هذا التاريخ. فما جدّ بعده من قول أو رجوع فله حكمه، ومن وقف على ما يزيد في المادة أو يصحح فيها فليتحفنا به.
