صابر مشهور
![]() | |
| الاسم الكامل | صابر بن عبد اللطيف مشهور |
|---|---|
| الميلاد | قرية كفر الحاج داود، مركز السنطة، محافظة الغربية، مصر؛ 1979 م |
| البلد | مصر |
| الإقامة | أنقرة، تركيا |
| المهنة | صحفي وإعلامي وصانع محتوى |
| التخصص | الصحافة السياسية والمحتوى التاريخي الرقمي |
| التصنيف | أهل الضلال |
الكاتبُ المتصدِّرُ لنقض إجماع أهل السنة في الصحابة باسم قراءة التاريخ، والإعلاميُّ الذي اتخذ من الفضاء الرقمي منبرًا لبثِّ مقالات النواصب الجدد: صابرُ بنُ عبد اللطيف مشهور، المصري. وُلد بقرية كفر الحاج داود من مركز السنطة بمحافظة الغربية سنة 1979 م، ونشأ في بيئةٍ ريفيةٍ بسيطة، وعانى في صباه ضيق الحال، ثم شقَّ طريقه إلى كلية الإعلام بجامعة القاهرة.
مشروعه الذي انتهى إليه أمرُه في سنواته الأخيرة أن يُعيد كتابة صدر الإسلام على مقاس النواصب: فيرفع خصوم عليٍّ إلى منازل الراشدين، ويُنزل عليًّا وأهلَ بيته إلى منزلة أصحاب الانقلاب والباطنية، ويُهوِّن من شأن دماء آل البيت، ويطرح إجماع الأمة وراء ظهره. وهو يزعم في هذا كله أنه يدفع الرواية الشيعية وينصر السنة، فإذا به ينقض مذهب أهل السنة نفسَه، ويبعث عقائد النواصب التي أماتها أئمة الإسلام منذ قرون.
بدأ حياته صحفيَّ حوادثَ ثم صحفيًّا سياسيًّا يهاجم الاستبداد العسكري ويفضح قمع الأنظمة، فالتفَّ حوله مئات الآلاف من الشباب المصدومين بهزائم الثورات؛ فلما استقرَّ به المنفى في إسطنبول لم يقف عند السياسة المعاصرة، بل ارتدَّ إلى التاريخ الإسلامي الأول فزعم أن التاريخ السني كله مكتوبٌ بأقلامٍ شيعيةٍ وعباسية، ثم شرع في مشروعه الأخطر. ومنابره اليوم قنواتٌ يتابعها مئات الآلاف، تبثُّ في كل يوم مادةً جديدة.
وليس هذا استنتاجًا يُقرأ بين سطوره. فقد كتب بحسابه الموثق في السابع والعشرين من يناير سنة 2026 م: «معاوية بن أبي سفيان، رابع الخلفاء الراشدين». فمن جعل معاوية رابعَ الراشدين فقد أخرج عليًّا منهم بلفظه، ولم يترك لأحدٍ أن يتأوَّل له. وهذه ليست شاذَّةً في كلامه، بل حلقةٌ في سلسلةٍ مؤرَّخةٍ تشتدُّ سنةً بعد سنة، وسيأتي سجلُّها كاملًا.
محتويات
الطفل الذي صنعته الحوادث
نشأ بقرية كفر الحاج داود بريف الغربية في بيتٍ بسيط، ثم بلغ كلية الإعلام بجامعة القاهرة فتخرَّج فيها، وأُتيحت له مع جماعةٍ من زملائه فرصةٌ لزيارة بريطانيا والاطلاع على أساليب الإعلام الغربي الحديثة.
وبعد تخرجه لم يتجه إلى طلبٍ شرعيٍّ ولا إلى دراسةٍ تاريخية، بل انخرط في الصحافة المصرية اليومية. فعمل في عددٍ من الصحف المستقلة والمعارضة، وتولى مسؤولية قسم الحوادث في جريدة «الشروق»، وعمل في جريدة «الجيل»، وفي جريدة «الوفد».
قلتُ: وعملُه في قسم الحوادث مفتاحٌ لفهم عقليته كلِّها، وينبغي أن يُثبت في صدر ترجمته لا أن يُطوى. فإن صحفيَّ الحوادث يعتاد صنعةً بعينها: البحثَ عن الدافع الخفيِّ وراء الفعل الظاهر، وافتراضَ المؤامرة حتى تُنفى، وصياغةَ العنوان الذي يخطف العين. وهي صنعةٌ نافعةٌ في بابها، مهلكةٌ إذا نُقلت إلى باب الرواية والأسانيد؛ فإن الخبر الصحفي يُطلب فيه الوقعُ، والخبر التاريخي تُطلب فيه الصحة. فلما انتقل إلى قراءة التاريخ الإسلامي قرأه بعقلية محرِّر الحوادث: كلُّ واقعةٍ مؤامرةٌ مدبَّرة، وكلُّ نصٍّ شرعيٍّ وثيقةٌ جنائية تحتمل التأويل والتكذيب.
ولم يُذكر له في هذه المرحلة ولا فيما بعدها حلقةُ علمٍ لزمها، ولا شيخٌ قرأ عليه، ولا إجازةٌ في رواية، ولا متنٌ حفظه في مصطلحٍ ولا في رجال. وقد بحثتُ عن ذلك فلم أقف منه على شيء. وهذه هي النقطة التي يبدأ منها كلُّ ما بعدها.
يناير 2011، ثم المنفى
جاءت ثورة الخامس والعشرين من يناير سنة 2011 م فكانت المنعطف الأبرز في حياته. انخرط في تغطية الأحداث، وعمل مراسلًا ومذيعًا في قناة «الجزيرة مباشر»، واشتُهر بتغطيته للمظاهرات والاعتصامات، وعُرف عنه قربُه من التيارات الإسلامية في فترة صعودها السياسي.
ثم وقع انقلابُ صيف سنة 2013 م، فكان من الصحفيين الملاحقين. فغادر مصر إلى تركيا واستقرَّ بإسطنبول ثم أنقرة. وهناك، بعيدًا عن رقابة المؤسسات، وفي حال الانكسار التي ضربت جمهور الإسلاميين بعد سقوط الثورات، وجد ضالَّته في «يوتيوب».
وقِفْ عند هذه المحطة وثبِّتها، فسيُبنى عليها في هذه الترجمة ما لا يستطيع صاحبُها ردَّه: أن الرجل خرج من بلده احتجاجًا على انقلابٍ عسكريٍّ على سلطةٍ شرعيةٍ منتخبة، ودفع ثمن ذلك منفًى امتدَّ ثلاث عشرة سنة إلى يوم كتابة هذه السطور.
«عالم العسكر الأسود»: كيف صُنع الجمهور
أطلق قنواتٍ عدة، أولاها «العالم الأسود للعسكر»، ثم «صابر مشهور» الإخبارية، ثم «صابر مشهور التاريخية».
وفي سنواته الأولى بتركيا ركَّز على فضح الانقلابات العسكرية في العالم العربي، وتحليل الجيوش وبيان تبعيَّتها، فلقي خطابُه رواجًا هائلًا؛ لأنه قدَّم لجمهورٍ مهزومٍ تفسيرًا جاهزًا ومثيرًا لكل ما وقع به. ثم بدأ يمزج التحليل المعاصر بقراءةٍ انتقائيةٍ للتاريخ، فجعل الدولة العثمانية «الفردوس المفقود»، وصوَّر كلَّ من عاداها أو ثار عليها عبر التاريخ خائنًا عميلًا.
وكان في هذه المرحلة صحفيًّا سياسيًّا صاحبَ وجهة نظر، يخلط الحق بالباطل ولم يتجاوز بعدُ حدود السياسة والتاريخ المتأخر. وقد أصاب في كشف كثيرٍ من جرائم الأنظمة العسكرية، وهذا مما يُحفظ له. لكن نشوة المشاهدات، وتصدُّره لمئات الآلاف بوصفه «المحلِّل الذي يعرف ما لا يعرفه غيره»، حملته على أن يظنَّ أن المنهج الذي حلَّل به انقلابات هذا العصر يصلح لأن يُحلِّل به تاريخ الصحابة ومصادر الوحي. وهنا وقعت الطامة.
من الخبر إلى التاريخ: من أين أُتي
ثم وقع التحول الذي صنع ما هو عليه اليوم. فمن صحفيٍّ سياسيٍّ يتابع أخبار المنطقة، صار مؤرِّخًا يقضي في صدر الإسلام ويحكم على الصحابة والتابعين وأئمة الحديث.
وآلةُ هذا التحول ظاهرة: قناةٌ تحتاج مادةً كلَّ يوم، وجمهورٌ مشحونٌ بالصراع مع المشروع الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتاريخٌ مليءٌ بالمعارك يصلح أن يُقرأ على أنه أصلُ هذا الصراع. فوجد في صفين والجمل وكربلاء مادةً تُشبع الحاضر، فأخذ يقرأ الماضي بعين اليوم: يجعل جيشَ عليٍّ سلفَ إيران، ويجعل بني أمية سلفَ من يقاتلها.
وهذا مدخلُ الانحراف كلِّه: أنه لم يُرد أن يفهم التاريخ بل أراد أن يُجنِّده. ومن جنَّد التاريخ لمعركةٍ راهنة لم يعد يسأل عن صحة الخبر، بل عن نفعه في المعركة.
ثم زاد الأمر أن جمهوره كافأه على ذلك؛ فإن اتهام علماء الإسلام بأنهم شيعة العباسيين وجد سوقًا عند كثير من الشباب الذي نشأ على عدم احترام العلماء، ولذلك كلما اشتدَّ في السب والشتم وتعظيم بني أمية والغلو فيهم اشتدَّ التصفيق. فصار الجمهور يقوده وهو يظن أنه يقوده. وقلَّ من نجا من هذه الآفة إذا لم يكن وراءه شيخٌ يردُّه.
لماذا وجد النصبُ سوقًا في هذا الجيل
ولا يُفهم صعودُ هذا الرجل حتى يُفهم الوقتُ الذي صعد فيه؛ فإن المقالة لا تنتشر بقوتها وحدها، بل بحاجة الناس إليها.
فقد عاش هذا الجيل عشرين سنةً وهو يرى المشروع الإيراني يتمدد في أربعة أقطار: احتلالُ العراق سنة 2003 وما تلاه من تسليم البلد إلى ميليشيات تقتل أهل السنة على الهوية، ثم الثورة السورية وما جرَّته من دخول حزب الله وفصائل العراق وأفغانستان إلى جانب النظام، ثم اليمن، ثم لبنان. ورأى الشابُّ السنيُّ ذلك كله يُرفع باسم آل البيت وباسم الحسين وباسم كربلاء.
فوقع في نفوس طبقةٍ من الشباب ما هو متوقَّع: أن يُبغضوا الشعار لأجل من رفعه. وهذه أخطر لحظةٍ تمرُّ على الأمة؛ فإن الجاهل إذا رأى الباطل يتستر بحقٍّ ظنَّ الحقَّ باطلًا. فصار في السوق طلبٌ على من يقول لهم: إن الذين تقاتلونهم اليوم هم أنفسهم الذين قاتلهم معاوية أمس، وإن رايتكم رايةُ بني أمية.
ثم تلا ذلك ما هو أشدُّ: سقوطُ النظام السوري وانحسارُ نفوذ إيران في الشام، فانفتح الباب لخطابٍ يقول إن الشام تعود إلى أهلها الأولين. فوجد من كان يبني على هذا لحظتَه التي انتظرها، وصار يَعِد بشامٍ «أموية» وكأن التاريخ يعيد نفسه على مقاسه.
وههنا موضع الخطأ الذي بُني عليه كلُّ ما بعده. فإن المشروع الطائفي الإيراني باطلٌ يُدفع، وهذا حق؛ لكنه لا يُدفع بأن نُسلِّم له أن عليًّا وأهل البيت له ثم نُخاصمهم لأجله. بل يُدفع بأن يُنتزع منه هذا الغطاء: فيُقال له إن عليًّا لنا وله، وإن الحسين سبطُ نبينا قبل أن يكون شعارك، وإن أهل السنة أولى الناس بآل البيت. فمن سلَّم الخصم رايته ثم قاتله عليها فقد قاتل وهو أعزل.
منهجُه الذي يبني عليه
وقبل عرض مقالاته يحسن بيان الأصول الأربعة التي يقوم عليها بناؤه كله، فإنها تُفسِّر كل ما بعدها:
الأول: أن التاريخ السنيَّ المعروف كتبته الدولة العباسية لتشويه بني أمية، فهو تاريخٌ خصمٍ لا يُوثق به.
الثاني: أن علماء السنة والمؤرخين وقعوا ضحيةً لاختراقٍ شيعي، حتى اتهم في ذلك الإمام الذهبي، وابن جرير الطبري وابن الأثير وشرَّاح الحديث، بل اتهم الإمام أحمد بن حنبل بأنه يخدم الشيعة.
الثالث: التبريرُ المطلق لكل ما فعله بنو أمية، وجعلُ معاوية ويزيد والحجاج المعيارَ الأوحد للشرعية.
الرابع: الهجومُ المنهجي المستمر على عليٍّ وابنه الحسين رضي الله عنهما، وتصويرُهما أداتَي فتنةٍ أو طالبَي سلطةٍ أخطآ الحساب.
وهذه الأصول الأربعة، إذا سُلِّمت، لم يبقَ في يد المسلم شيءٌ يردُّ به عليه؛ لأنه أسقط المصادر قبل أن يبدأ الكلام. وهذه حيلةُ من يعلم أن مقالته لا تثبت أمام النقل الصحيح، فيبدأ بهدم النقل.
سجلُّ المقالات
وهذه مقالاته بأعيانها، ثابتةً عليه في حسابه الموثق وفي مقاطعه المنشورة، مرتبةً من الأخطر إلى ما دونه:
الأول: امتحانُ الجماهير بين الحسين ويزيد.
نشر مقطعًا محرَّرًا عنوانه سؤالٌ لم يجرؤ عليه من قبله: «لو كنت موجودًا.. هل ستبايع الحسين أم يزيد؟»، ذُكر أن نشره كان في ديسمبر سنة 2023 م. ومضى فيه يُجرِّم خروج الحسين، ويزعم أن الحسين ندم وطلب أن يُذهب به إلى يزيد ليبايعه، وأن الصحابة كلهم رفضوا خروجه وبايعوا يزيد؛ فجعل يزيد الحاكمَ الشرعيَّ الذي تجب طاعته، والحسينَ الخارجَ الذي شقَّ العصا، وحوَّل مأساة كربلاء إلى «حركة تمرد» فاشلةٍ استوجبت السحق.
ولم تكن تلك زلَّةَ لسانٍ في بثٍّ مباشر، بل مقطعًا محرَّرًا وعنوانًا مكتوبًا بعناية، يُقصد به استفزاز المشاعر وتدمير الإجماع السني. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حسينٌ مني وأنا من حسين». فمن سأل الناسَ: أتبايعه أم تبايع قاتله، فقد بلغ من الجرأة ما لم يبلغه ناصبيٌّ في القرون المتأخرة.
الثاني: إخراجُ عليٍّ من الخلافة الراشدة، وتنصيبُ معاوية مكانه.
كتب في 27 من يناير 2026 م: «مجرد ذكر أسماء القادة الأمويين العظام، يرعب ذيول إيران: 1- معاوية بن أبي سفيان، رابع الخلفاء الراشدين.. قهر مليشيات الكوفة الباطنية السبئية بقيادة الأشتر وابن سبأ في معركة صفين». وله في قناته مقاطع بعنوان «الخليفة الرابع: معاوية أم علي بن أبي طالب؟»، وبعنوان «علي بن أبي طالب قرر مبايعة معاوية بالخلافة.. فقتلوه»؛ يقرِّر فيها أن عليًّا لم يكن خليفةً شرعيًّا بل «خليفةً جبريًّا» فرضه قتلةُ عثمان، وأن الخلافة الحقيقية كانت لمعاوية، وأن عليًّا أدرك ذلك فأراد التنازل له فقتله أنصارُه.
وهذه أمُّ مسائل الباب. فقد أجمع أهل السنة سلفُهم وخلفُهم على أن عليًّا هو الخليفة الراشد الرابع، وأن خلافته انعقدت ببيعة المهاجرين والأنصار. وقام على ذلك الدليل من السنة: ففي حديث السنن: «الخلافةُ في أمتي ثلاثون سنة، ثم مُلكٌ بعد ذلك»، والثلاثون لا تنتهي إلا بخلافة عليٍّ ثم بتنازل الحسن رضي الله عنهما؛ فمن أخرج عليًّا من الراشدين فقد ردَّ النصَّ وخرق الإجماع. وقد نصَّ الإمام أحمد بن حنبل على أن من طعن في خلافة عليٍّ فهو أضلُّ من حمار أهله؛ ولعلَّ هذا وحده يُفسِّر لماذا احتاج صاحبُنا أن يطعن في الإمام أحمد. ثم إن معاوية رضي الله عنه صحابيٌّ فاضل، لكن أهل السنة لم يعدُّوه من الراشدين قط، وإنما هو أول ملوك الإسلام بنصِّ الحديث نفسه. فأخذ من عليٍّ ما هو له، وأعطى معاوية ما ليس له، وكلاهما ظلم.
الثالث: وصفُ خلافة عليٍّ بأنها انقلابٌ عسكري.
كتب في 31 من أغسطس 2024 م يعدِّد «أسماء الصحابة العثمانية الذين رفضوا مبايعة علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، بالخلافة، ووقفوا ضد كل قرارات الانقلاب العسكري على السلطة الشرعية المنتخبة بقيادة الخليفة المقتول، عثمان بن عفان»، وعدَّ منهم جيش الزبير وطلحة وعائشة ومعاوية وعمرو بن العاص.
فجعل بيعة عليٍّ «انقلابًا عسكريًّا» وجعل مخالفيه أصحابَ الشرعية. وقولُه إن قتلة عثمان هم من نصبوا عليًّا هو مقالةُ الخوارج والنواصب الأوائل بعينها، بعثها من مرقدها بعد أن أماتها أهل العلم. وأما من خالف عليًّا من الصحابة فمجتهدون مأجورون أو معذورون وقد رجع أكثرهم؛ ولم يقل أحدٌ من أهل السنة إن خلافته انقلاب. ثم إن اللفظ نفسه لفظٌ سياسيٌّ معاصر لا يُوصف به القرن الأول، وإنما اختير لأنه يُحرِّك في القارئ ما يريده صاحبه.
الرابع: تعظيمُ يزيد بن معاوية وتلقيبُه بأمير المؤمنين.
تقدَّم نصُّ منشوره في 27 من سبتمبر 2024 م. وكتب في 6 من مايو 2026 م: «الصحابة بايعوا يزيد بن معاوية أميرًا للمؤمنين، بالشورى. المعترض على البيعة 3 أشخاص: الحسين وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر. كما بايع الصحابة أبا بكر الصديق واعترض على البيعة: علي بن أبي طالب والزبير بن العوام. المصدر: صحيح البخاري». وله حلقةٌ يقرِّر فيها أن الصحابة أيَّدوا يزيد رغم مقتل الحسين بكربلاء، وينسب إليه فتوحاتٍ في الجزائر والمغرب وأوزبكستان وقونية وحصارَ القسطنطينية.
فانظر إلى صنعته في هذا المنشور: يُسوِّي بين بيعة أبي بكر الصديق وبيعة يزيد، ويجعل الحسينَ في الأولى بمنزلة المعترضين في الثانية، ثم يُلحق «المصدر: صحيح البخاري» ليُوهم أن هذا كله في الصحيح. وأهل السنة في يزيد بين قولين: من يذمُّه ولا يلعنه، ومن يتوقف فيه؛ ولم يقل أحدٌ منهم إنه من أئمة الهدى يُسلَّم عليه سلامَ الراشدين. وفي أيامه وقعت كربلاء، ووقعت الحرَّة، ورُميت الكعبة بالمنجنيق. فمن سلَّم عليه سلامَ الأئمة فقد جاوز التوقفَ والذمَّ جميعًا إلى التعظيم، وهذا هو النصب بعينه.
الخامس: تزكيةُ قتلة الحسين رضي الله عنه.
في المنشور نفسه من 27 من يناير 2026 م عدَّ في «القادة الأمويين العظام»: زيادَ بن أبي سفيان والي العراق، ثم عبيدَ الله بن زياد.
وعبيد الله بن زياد هو الذي جهَّز الجيش إلى كربلاء، وإليه حُملت رأس الحسين. فمن عدَّه في «القادة العظام» فقد امتدح من باشر أعظم مصيبةٍ نزلت بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته. فليَنظر الرجل بمن يفتخر.
السادس: وصفُ جيش عليٍّ بأنه «مليشيات باطنية سبئية».
في المنشور نفسه: «قهر مليشيات الكوفة الباطنية السبئية بقيادة الأشتر وابن سبأ في معركة صفين».
وجيشُ عليٍّ يوم صفين كان فيه من البدريين والمهاجرين والأنصار وكبار التابعين جمعٌ لا يُحصى، وعلى رأسهم عليٌّ نفسُه رضي الله عنه. فمن سمَّى ذلك الجيش «مليشيات باطنية» فقد رمى بالباطنية خيرَ أهل الأرض في زمانهم، وأعان على الأمة من حيث أراد أن ينصرها.
السابع: التنقصُ من الحسين رضي الله عنه.
نشر في قناته التاريخية قبل يومين من كتابة هذه الترجمة حلقةً عنوانها: «أين علم حسين بن علي بن أبي طالب؟».
فالسؤال في صيغته إنكارٌ، ومؤدَّاه أن سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم لا علم له يُذكر. وحسبُك أنه ابنُ فاطمة وعليٍّ، وأنه ممن نزلت فيهم آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب]. ثم إن الطعن في علم الرجل بابٌ يُتوصَّل به إلى إسقاط منزلته من غير أن يُصرَّح بالبغض؛ وهذه حيلةُ من يعرف أن التصريح يفضحه.
الثامن: جعلُ اسم عليٍّ رايةً للباطنية.
نشر حلقةً عنوانها: «القرامطة.. حكموا مصر والسعودية والشام والجزائر بقميص علي»، وأخرى في «أبي هاشم حفيد علي بن أبي طالب.. زعيم السبئية.. مؤسس الدولة...».
فالمقصود واحد: أن اسم عليٍّ وأهل بيته هو الغطاء الذي قامت عليه دول الباطنية. وهو في ظاهره تأريخٌ لدول القرامطة والعبيديين، وفي باطنه ربطٌ متكرِّر بين الاسم الشريف وأخبثِ الفرق، حتى يستقرَّ في ذهن السامع أن ذكر عليٍّ ريبة.
التاسع: هدمُ علم الحديث والطعنُ في الصحيحين والمسند.
لمَّا اصطدم في مشروعه بأحاديث صحيحة تُثبت فضل عليٍّ وعمار بن ياسر، وفي مقدمتها قوله صلى الله عليه وسلم: «ويحَ عمار، تقتله الفئةُ الباغية»، لجأ إلى حيلةٍ ماكرة: زعم أنه يحترم البخاري ومسلمًا، ثم ادَّعى أن في صحيحيهما أحاديثَ دسَّتها السلطة العباسية. وله مقطعٌ بعنوان «صحيح البخاري الكتاب الذي قتل صاحبه» يزعم فيه أن البخاري كان ضحية صراعٍ سياسي، ثم مضى يُشكِّك في أسانيد لا توافق هواه. وذُكر عنه أنه جعل صحيح مسلمٍ كتابَ تاريخٍ وأسقط معظم أحاديثه. وله مادةٌ منشورة سنة 2022 م بعنوان «السلفية يغتالون علماء الحديث». وكتب حساب «شؤون إسلامية» في 15 من أبريل 2023 م أنه «سابقًا طعن في المسند وقال لا نأخذ به، وبذلك أبطل أكثر من نصف علم الإمام أحمد»، وأنه «يتهم الإمام أحمد بأنه يخدم الشيعة».
والمقصود من هذا الباب عنده ظاهر: أن علم الحديث هو الحاجز الذي يمنعه من أن يقول في التاريخ ما يشاء؛ فإن قواعد الجرح والتعديل تردُّ عليه أخبارًا يحتاجها، وتُثبت عليه أخبارًا تنقض ما يبني. فلم يبقَ أمامه إلا أن يُضعف الحاجز نفسه، ليصير الخبرُ يُقبل ويُردُّ بالرأي والاستحسان لا بالإسناد. ومن أراد أن يكتب التاريخ على هواه فأولُ ما يهدم علمُ الرجال.
وقد تصدَّى له الباحثون فأثبتوا أنه يقرأ في كتب الحديث فلا يفهم مصطلحاتها، ويخلط بين السند والمتن، ولا يُفرِّق بين المرسل والمتصل، ثم ينصِّب نفسه حاكمًا على أمير المؤمنين في الحديث.
العاشر: الطعنُ في أحاديث المهدي وفي رواتها.
له حلقاتٌ في نفي أحاديث المهدي والتشكيك فيها، منها حلقةٌ ينكر فيها أن يكون من علماء الإسلام من يؤمن بالمهدي. وطعن في الإمام زرِّ بن حبيش الأسدي، وكتب في 17 من نوفمبر 2024 م عن «ادعاءات زر بن حبيش ضد الصحابي عبد الله بن مسعود».
وزرُّ بن حبيش من كبار التابعين، ثقةٌ باتفاق أهل النقد، من أصحاب ابن مسعود وعليٍّ، أدرك الجاهلية وعاش نحو مئةٍ وعشرين سنة، وعنه أخذ عاصمٌ القراءةَ التي يقرأ بها عامةُ المسلمين اليوم برواية حفص. فالطعنُ فيه ليس طعنًا في راوٍ مغمور، بل في حلقةٍ من حلقات نقل القرآن نفسه.
الحادي عشر: الطعنُ في صلاح الدين الأيوبي.
وفي خضمِّ تعصُّبه لكل ما هو تركيٌّ عثماني، وتصويرِه أن العرق التركي هو الحامي الوحيد للإسلام، عمد إلى الطعن في صلاح الدين الأيوبي: فوصفه بأنه كرديٌّ فتَّت وحدة الدولة، وزعم أن الشيعة كانوا أغلبيةً في الشام في عهده، مُهوِّنًا من دوره في تحرير القدس، ومُصمِّمًا تاريخًا يخدم الرؤية القومية التي تبنَّاها.
وهذا يكشف أن المسألة عنده ليست انتصارًا للسنة على التشيع كما يدَّعي، بل انتصارٌ لعِرقٍ ودولةٍ على غيرها؛ وإلا فما ذنب محرِّر بيت المقدس أن يكون كرديًّا.
المفارقاتُ التي لا يملك جوابها
ومن تتبَّع مسيرته وجد مفارقاتٍ صارخةً لا مخرج له منها:
الأولى، وهي أمُّها: أنه خرج من مصر سنة 2013 م بعد عزل رئيسٍ منتخب، وبنى عليه هويته السياسية كلَّها، وسمَّى قناته الأولى «العالم الأسود للعسكر»، وأنفق ثلاث عشرة سنة في المنفى يُخاصم انقلابًا عسكريًّا على سلطةٍ شرعيةٍ منتخبة. ثم كتب في 31 من أغسطس 2024 م أن خلافة عليِّ بن أبي طالب كانت «انقلابًا عسكريًّا على السلطة الشرعية المنتخبة».
فهذه عبارتُه نفسُها، وهذا ميزانُه نفسُه، سلَّطه على أمير المؤمنين عليٍّ وهو يعلم أنه استعمله في بلده على من استعمله. ولستُ أُلزمه بلازمٍ لم يقله؛ إنما أُقابل بين لفظه ولفظه، ثم أسكت.
والثانية: أنه ملأ الدنيا صراخًا على ظلم الحكام العسكريين واعتبر طاعتهم خيانة، فلما عاد إلى التاريخ الأموي جعل الطاعة المطلقة ليزيد دينًا، وعدَّ خروج الحسين تمردًا يوجب السحق. فصار المعارضُ السياسي في القرن الحادي والعشرين أشدَّ المدافعين عن استبداد القرن الأول.
والثالثة: أنه يزعم أنه يهدم مشروع الشيعة، وهو يمارس صنيعهم بعينه. فالشيعة يطعنون في مصادر أهل السنة، وقد فعل. ويطعنون في أبي بكر وعمر وعثمان بحجة نصرة عليٍّ، وهو يطعن في عليٍّ والحسين بحجة نصرة معاوية. فكلاهما اتخذ الطعن في الصحابة دينًا، وكلاهما أعمل سكين التأويل الفاسد في النصوص، وكلاهما بنى تاريخه على المظلومية والمؤامرة. ولذلك مدحه بعض الشيعة أنفسهم؛ لأنه يقدِّم لهم من الخدمة ما عجزوا عن تحصيله بأنفسهم.
والرابعة: أنه يطعن في صحيح البخاري ويسعى في هدم علم الحديث، ثم كتب في 3 من فبراير 2025 م: «نحن أحفاد الأمويين.. ومن أراد أن يعرف عظمة وفروسية بني أمية، فليقرأ صحيح البخاري»، ثم ذيَّل منشوره في مايو 2026 بقوله «المصدر: صحيح البخاري». فالبخاريُّ حجةٌ إذا خدم بني أمية، ومطعونٌ فيه إذا لم يخدمهم.
والخامسة: أنه يزعم اتباع المذاهب وأئمتها، فإذا أفتى إمامٌ بما لا يهواه رماه ووصفه بما لا يليق، حتى بلغ به الأمر أن يتهم الإمام أحمد بخدمة الشيعة.
قلتُ: ومن هنا يُعرف أن الرجل لا يزن بميزان، وإنما يستعير لكل خصمٍ سلاحًا. فالانقلابُ جريمةٌ إذا وقع في القاهرة سنة 2013، وفضيلةٌ إذا نُسب إلى خليفة أموي؛ والشرعيةُ الانتخابية أصلٌ مقدَّس حين يُحاجُّ بها العسكر، وسلاحٌ يُشهر في وجه عليٍّ حين يُراد إسقاطه؛ والبخاريُّ إمامٌ حين يوافق ومطعونٌ حين يخالف. ومن كان هذا حالُه لم يبقَ لكلامه في التاريخ قيمة؛ لأن ميزانه يتغيَّر بتغيُّر خصمه.
من ردَّ عليه
ولم يسكت أهل العلم والباحثون عن هذا العبث، حتى صار الردُّ عليه بابًا قائمًا بذاته:
فأبرزُ من تصدَّى له الباحث التاريخي محمد إلهامي، نشر سلسلةً مرئيةً مطوَّلة بعنوان «قصة الفتنة الكبرى» وتعقَّبه في حلقاتٍ كثيرة على قناة «شؤون إسلامية»، وبيَّن كيف يعتمد على اقتطاع النصوص وتدليس النقول وإخفاء الشواهد التي تهدم نظريته. وفي مقطعٍ بعنوان «أكبر فضيحة: صابر مشهور يكذب ويخدع مشاهديه ويخفي ما يدينه» أثبت بالوثائق كيف يقرأ الصفحة من تاريخ الطبري فيأخذ نصف السطر الذي يخدمه ويترك نصفه الآخر الذي يكذِّبه صراحة.
وتصدَّى له الشيخ أبو الحسن الأزهري فكشف تدليسه في حلقة زرِّ بن حبيش ونقض إسقاطه لخلافة عليٍّ، وسمَّاه «ناصبي العصر». وأبو عمر الباحث صاحب قناة «مكافح الشبهات» فأفرد له حلقاتٍ في تحطيم دعاواه حول المهدي وغيره. والأستاذ هاشم هنداوي، والشيخ حسن الحسيني، وحذَّروا الشباب من أن هذا الرجل ليس باحثًا تاريخيًّا بل جاهلٌ بالعلوم الشرعية يتستر خلف التحليل السياسي لنقض ثوابت الأمة. ولقناة «شؤون إسلامية» قائمةُ تشغيلٍ مفردة في الرد عليه. وناظره طلال العنزي في مساحةٍ على «إكس».
فاجتمع على نقده السلفيُّ والأزهريُّ والباحثُ المستقل، من مصر والمغرب والخليج. ولم يجتمع هؤلاء على مذهبٍ واحد، وإنما اجتمعوا على أن ما يقوله لا يحتمله الدليل.
ومن عجائبه أنه إذا سُئل عن دليل دعاواه الكبرى ضرب صفحًا عن كتب العقيدة والحديث، واستدلَّ بتحليلاتٍ سياسيةٍ باردة يقول ما مؤدَّاه: هذا هو المنطق السياسي. فجعل منطقه حاكمًا على إجماع الصحابة ورواية الثقات.
ما له من حق
وليس من العدل أن يُطوى ما أصاب فيه، ولا أن يُنكر عليه ما ليس بمنكر:
فله في الصحافة السياسية مهارةٌ لا تُجحد، وقدرةٌ على بناء الحلقة وتشويق السامع، وحضورٌ بناه بنفسه بلا مؤسسةٍ تحمله ولا جهةٍ تموِّله فيما ظهر.
وله قلمٌ شجاع سابق في نقد الاستبداد العسكري الحديث، ومقاطعُ نافعة في بيان كيف تُسيطر الدول الغربية على مقدرات العالم الإسلامي عبر الجيوش الوظيفية، وكيف يُصنع الانقلاب، وكيف تُسرق ثروات الشعوب. وقد أبلى في فضح جرائم أنظمة الاستبداد بلاءً يُذكر له في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي، ودفع ثمن موقفه غربةً امتدت ثلاث عشرة سنة.
وكانت له عنايةٌ بقضايا الأمة في تركيا وسوريا وفلسطين وغزة ومتابعةٌ لها في قناته الإخبارية قبل أن ينحرف إلى النصب.
وأما أصلُ التحذير من المشروع الطائفي الإيراني وأذرعه فحقٌّ في نفسه، والأمة أُصيبت منه في العراق وسوريا واليمن ولبنان بما هو معلوم. غير أن الحقَّ لا يُنصر بالباطل، ولا يُدفع الغلوُّ في آل البيت بالغلوِّ عليهم.
الضرر والمآل
وضررُ هذا المشروع لا يقف عند صاحبه:
أوله: أنه يُفسد على شبابٍ كثيرٍ محبةَ أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أصلٌ من أصول الديانة، قال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعليٍّ فيما رواه مسلم: «لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق». فمن ألقى في قلب شابٍّ أن عليًّا صاحبُ انقلاب وأن الحسين لا علم له، فقد سعى في نقض ما عقده الشرع.
وثانيه: أنه يُقدِّم للتشيع أعظم خدمةٍ يمكن أن تُقدَّم له. فإن دعاة التشيع ما زالوا يقولون للناس: إن أهل السنة يبغضون آل البيت ويوالون قتلتهم، وكان جوابُ أهل السنة أن هذا بهتان وأن النصب مذهبٌ مرذولٌ عندهم كالرفض سواء. فجاء هذا فأعطاهم بلسانه الشاهدَ الذي عجزوا عن تحصيله قرونًا. ولا أعلم أحدًا في هذا الجيل خدم دعاة التشيع كما خدمهم من نصَّب نفسه لمحاربتهم.
وثالثه: أنه يُعلِّم جمهوره أن علم الحديث يُنقض بالرأي، وأن الصحيح يُردُّ إذا خالف هوى القارئ. فمن تعلَّم هذا اليوم في حديث المهدي ردَّه غدًا في غيره؛ ومن رأى أن البخاري يُؤخذ حين يوافق ويُترك حين يخالف لم يبقَ عنده ميزان.
ورابعه: أنه علَّم متابعيه منهجًا خطيرًا في الأخلاق قبل العقائد: الاستهانةَ بالدماء المعصومة، وتبريرَ قتل المخالف، وسوءَ الأدب مع سلف الأمة. فخرج من جمهوره من يرى في عليٍّ رضي الله عنه سياسيًّا فاشلًا، وفي الحسين متمرِّدًا، وفي يزيد والحجاج بطلًا قوميًّا. وهذا تخريبٌ للبنية العميقة لأهل السنة، التي بُنيت على التوقير والعدل والإنصاف.
وخامسه: أنه ينقل الخصومة بين السنة والشيعة إلى القرن الأول، ثم يطعن في علماء أهل السنة ويتهمهم بالخيانة والتآمر، فيجعل معركةً بين المسلمين وأنفسهم أصلًا لمعركةٍ بين المسلمين وعدوِّهم، فيضيع الأصل والفرع معًا.
وسادسه، وهو الذي يجعل هذه الترجمة لازمة: أنه لم يعد فردًا يُقرأ له، بل صار وجهًا لتيارٍ يتشكَّل. فحوله اليوم طبقةٌ من الشباب يُردِّدون ألفاظه بأعيانها: يسمُّون جيش عليٍّ سبئيةً، ويترحَّمون على يزيد والحجاج، ويعدُّون معاوية رابعَ الراشدين، ويحسبون أن هذا مذهب أهل السنة وأنهم به ينتصرون للسنة. وأخطرُ ما في البدعة أن تُلبَس ثوب السنة؛ فإن أتباعها حينئذٍ يظنون أن ردَّها ردٌّ لمذهبهم.
وقد كان النصب في القرون الأولى مذهبًا معروفًا له رجالُه، ثم انقرض حتى صار لا يكاد يُوجد له قائلٌ قرونًا؛ فالذي يجري اليوم ليس امتدادًا لمذهبٍ قائم، بل بعثٌ لمذهبٍ ميتٍ في ثوبٍ إعلاميٍّ جديد. ولا يُبعث الميت إلا لحاجةٍ عند من بعثه.
الخلاصة النهائية
قلتُ: فالحاصل أن صابر عبد اللطيف مشهور صحفيٌّ سياسيٌّ ماهرٌ في صنعته، حاضرُ البديهة في السياسة؛ وهو في ميزان العلم الشرعي جاهلٌ متصدِّر، اقتحم أسوار التاريخ الإسلامي وأصول الحديث بغير آلةٍ ولا شيخٍ ولا إجازةٍ ولا أمانةٍ في النقل. فاتخذ من نقض الرواية الشيعية سترًا لترويج عقائد النواصب، وأسقط خلافة عليٍّ، وجرَّأ السفهاء على مقام الحسين، وبتر النصوص وكذَّب الأحاديث الصحيحة ليُقيم بنيانه المتهافت.
ثم لم يكن هذا زلةَ متعجِّلٍ يُرجى رجوعُه، بل خطًّا مستقرًّا مؤرَّخًا يُقرأ في منشوراته وحلقاته سنةً بعد سنة، يشتدُّ ولا يخف.
وهذا الذي استقرَّ عليه هو النصب بعينه، وهو بدعةٌ غليظة مرذولة عند أهل السنة كالرفض سواء؛ لأن الرافضة غلوا في آل البيت حتى أخرجوهم عن حدِّهم، وهذا جفا عنهم حتى أنزلهم دون حدِّهم، والحقُّ بين الغلوِّ والجفاء. فلا يحلُّ لمسلمٍ أن يأخذ عنه دينَه ولا تاريخَه ولا أن يتلقى منه وعيًا، ولا أن يُقدَّم لشابٍّ على أنه مؤرِّخٌ يُصحِّح للأمة تاريخها؛ فمن هان عليه سبطُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماعُ الأمة، فهو على غيرهما أهون.
وأعجبُ ما في هذه السيرة أن الرجل قضى ثلاث عشرة سنة في المنفى لأنه رفض أن يُقال عن سلطةٍ منتخبةٍ إنها سقطت بحقٍّ حين أسقطها السلاح، ثم أمسك القلم نفسَه فكتب أن خلافة عليِّ بن أبي طالب انقلابٌ عسكري. فحمل الميزان في يدٍ والحجر في الأخرى، ولم ينتبه أن الحجر يقع على الميزان. وما أسرع ما تدور الدوائر: هارٌب من ظلم حاكمٍ معاصر، أفنى شبابه في تلميع ظلم حاكمٍ متقدم.
نسأل الله عز وجل أن يهديه إلى الحق ويردَّه إليه ردًّا جميلًا، وأن يفتح عليه بمحبة من أوجب اللهُ محبتهم من أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يشرح صدره لأن يجلس بين يدي عالمٍ يتعلم منه ما لم يتعلمه، وأن يبارك له فيما أحسن ويكفَّ عن الأمة شرَّ ما أخطأ فيه، وأن يحفظ على شباب المسلمين محبةَ الصحابة وآل البيت جميعًا، وأن يقيَهم الغلوَّ والجفاء، وأن يقيِّض لهم من يعلِّمهم تاريخهم نقيًّا من غلوِّ الشيعة وجفاء النواصب، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
كُتبت هذه الترجمة يوم الأربعاء 12 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 26 من أغسطس 2026 م، بناءً على ما وقفنا عليه من منشوراته المؤرَّخة وحلقاته ومصادره المتاحة إلى هذا التاريخ. فما جدَّ بعده من قولٍ أو رجوعٍ فله حكمُه، ومن وقف على ما يزيد في المادة أو يصحِّح فيها فليُتحفنا به.
اقترح سيرة أو تعديلًا
أرسل إلينا اقتراح سيرة جديدة، أو تصحيحًا وإضافة موثقة إلى هذه السيرة.
