أبو الحسن الأزهري

أبو الحسن الأزهري
أبو الحسن الأزهري
الاسم الكاملعلي بن حسن بن محمد آل سلام الفيومي ثم الجيزي الأزهري الشافعي
الكنيةأبو الحسن
الميلاد5 شوال 1406 هـ / يونيو 1986 م
مكان الميلادقرية مُطُول، محافظة الفيوم، مصر
البلدمصر
المهنةباحث ومحدِّث ومدرِّس لعلوم الحديث
التخصصالحديث وعلومه، والأسانيد والأثبات، وابن حبان، وعلل المتن، وتحقيق المخطوط الحديثي
شيوخه
  • أحمد محمد هاشم
  • أحمد محرم الشيخ ناجي
  • نور الدين عتر
  • أحمد معبد عبد الكريم الفيومي
  • بشار عواد معروف
  • عبد المجيد محمود عبد المجيد السنانيري
  • رفعت فوزي عبد المطلب
  • علي بن عبد القادر عثمان
  • محمد السيد الجليند
  • فاروق محمود حسن حمادة
أبرز الأعمال
  • «المسائل الحديثية عند ابن حبان في كتابيه الثقات والمجروحين»
  • «تذكرة مصنفات ابن حبان»
  • «الأربعون السَّلامية في السلم والسلام»
  • «الأربعون الأزهرية في مرويات أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه»
  • «مرويات سيدنا معاوية في سنن النسائي: المجتبى»
التصنيفدعاة وعلماء

الشيخُ الباحثُ المحدِّث، المعتني بالأسانيد والأثبات، صاحبُ «المسائل الحديثية عند ابن حبان»: أبو الحسن عليُّ بن حسن بن محمد، آلُ سلام، الفيوميُّ ثم الجيزي، الأزهريُّ الشافعي. وُلد بقرية مُطُول من محافظة الفيوم بجمهورية مصر العربية، في الخامس من شوال سنة 1406 هـ، الموافق ليونيو سنة 1986 م. رجلٌ تُقرأ سيرتُه كلُّها في كلمة واحدة: السَّنَد. فقد دخل كُتَّاب قريته صبيًّا، ثم دخل الأزهر الشريف وهو ابن خمس سنين، فترقَّى في مراحله الابتدائية فالإعدادية فالثانوية، ثم في كلية أصول الدين بأسيوط، ثم في كلية أصول الدين بالقاهرة في قسم الحديث وعلومه، ثم في أروقة الجامع الأزهر المعمور. ولم يكن ذلك سلَّمًا وظيفيًّا يصعده طالبُ شهادة، بل كان طريقًا واحدًا مستقيمًا إلى غايةٍ واحدة: أن يتصل بالإسناد الذي وصل إلينا به الدين.

وقد بلغ من ذلك ما بلغ. فسمع على شيخ المحدثين في الديار الشامية الأستاذ الدكتور نور الدين عتر رحمه الله في الجامع الأزهر، ونال إجازته العامة سنة 1432 هـ. ولزم شيخ المحدثين في الديار المصرية العلامة المحدث أحمد معبد عبد الكريم الفيومي، فقرأ عليه «فتح المغيث» للسخاوي و«تدريب الراوي» و«شرح علل الترمذي» و«مقدمة الجرح والتعديل» و«السنبلية» و«العجلونية» وغيرها. وأخذ عن المحقق الكبير بشار عواد معروف العراقي في معهد المخطوطات بالقاهرة، مع الإجازة بعموم مروياته. وأخذ عن شيخ الأشياخ والمحدثين الأستاذ الدكتور عبد المجيد السنانيري رحمه الله، وعن أستاذ المحققين الأستاذ الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب، وعن الأستاذ الدكتور فاروق حمادة. ثم انقطع مدةً تزيد على أربع سنوات للسماع والقراءة على علماء اليمن والمملكة والهند في الكتب التسعة والسلَّم الفقهي والأجزاء الحديثية، حتى تحصَّل له من المسموعات ما دوَّنه في ثَبَتِه.

ثم كانت الثمرة العلمية. اختار لنفسه إمامًا يشتغل به فاختار ابن حبان، فكانت رسالته للماجستير «المسائل الحديثية عند ابن حبان في كتابيه الثقات والمجروحين: دراسة وتحليل»، نالها بتقدير ممتاز، وناقشها المحقق الكبير رفعت فوزي عبد المطلب والأستاذ الدكتور سعيد عسكر، ثم طُبعت بدار الذخائر وقدَّم لها وأثنى عليها جماعةٌ من كبار العلماء والمحققين. ثم سُجِّلت له الدكتوراه في علوم الحديث في بابٍ من أدقِّ أبوابه وأقلِّها طارقًا: علل المتن.

وأما القلم فقد جرى في اتجاهٍ واحد لا يخطئه ناظر: الذبُّ عن السنة ورجالها. فكتب في كتابة الحديث في العهد النبوي ردًّا على منكري السنة، وكتب في مرويات معاوية رضي الله عنه في «المجتبى» ردًّا على طعن عبد الرحمن دمشقية في الإمام النسائي، وجمع «الأربعين الأزهرية» في مرويات معاوية رضي الله عنه، وجمع «الأربعين السَّلامية» عن أربعين شيخًا من أربعين مصنَّفًا. ثم كانت آخر معاركه وأشدَّها: مشاركتُه في دفع الحدادية ووأد فتنتهم، حتى بلغ الأمرُ به إلى مباهلة كبيرهم الذي علَّمهم السحر محمد بن شمس الدين.

فهذه سيرةُ رجلٍ قضى شطر عمره يصل نفسه بالسند، ثم قضى الشطر الآخر يدفع عن رجاله. وهذه تفصيلها.

محتويات
  1. 1 قريةُ مُطُول وكُتَّابها
  2. 2 أسيوط: أولُ الشيوخ
  3. 3 في أروقة الجامع الأزهر
  4. 4 صنعةُ المخطوط
  5. 5 دار العلوم وشيوخها
  6. 6 فاروق حمادة، وترجمةٌ في «الأسانيد المتصلة»
  7. 7 أربعُ سنين للسماع
  8. 8 ابن حبان: الإمامُ الذي اختاره
  9. 9 علل المتن
  10. 10 ما كتب
  11. 11 قلمٌ في الدفاع
  12. 12 حتى بلغ الأمرُ المباهلة
  13. 13 الخلاصة النهائية
  14. 14 سجل المصادر

قريةُ مُطُول وكُتَّابها

من قرية مُطُول بمحافظة الفيوم كانت البداية. والفيوم من أعرق أقاليم مصر، والقرية المصرية في تلك السنين لا تزال تحفظ سنَّتها القديمة: كُتَّابٌ يجمع صبيان القرية على المصحف قبل أن يعرفوا شيئًا سواه.

فالتحق بكُتَّاب القرية أول ما التحق. ثم كان الانتقال الذي حدَّد عمره كله: دخل الأزهر الشريف وهو ابن خمس سنين.

وتأمَّل هذا الرقم. فالخامسة سنٌّ لا يُطلب فيها من الطفل إلا اللعب؛ فأن يُوضع فيها على أول درجةٍ من سُلَّم الأزهر معناه أنه لم يعرف طريقًا آخر قط. تخرَّج في الابتدائية الأزهرية، ثم الإعدادية، ثم الثانوية الأزهرية. وهي سنواتٌ يخرج منها الأزهريُّ وقد حُشي رأسه بالمتون واللغة والفقه على مذهبٍ معلوم، فيدخل الكلية وعنده ما يدخل به غيرُه متخرِّجًا.

وقد بقيت عليه نسبته الأولى فسمَّى بها نفسه: الفيومي ثم الجيزي، الأزهري الشافعي. أربع نسب في سطر: مولدٌ، ومستقرٌّ، ومدرسةٌ، ومذهب. ومن عرَّف نفسه هكذا فقد قال لك أين يقف قبل أن تسأله.

أسيوط: أولُ الشيوخ

ثم التحق بكلية أصول الدين بأسيوط. وأسيوط في صعيد مصر، وللصعيد في العلم شأنٌ قديم.

وفي إقامته بها، في عامَي 1424 و1425 هـ، أخذ عن العلامة الكبير أحمد محمد هاشم رحمه الله، وعن محدِّث الصعيد الدكتور أحمد محرم الشيخ ناجي رحمه الله، وعن عددٍ من شيوخ كلية أصول الدين.

وهذان أول من يُذكر في تكوينه من العلماء. وفي وصف الثاني بـ«محدِّث الصعيد» دلالةٌ على ما اتجه إليه الفتى من أول أمره؛ فإن الطالب يتلوَّن بشيخه، ومن جلس إلى محدِّثٍ في أول الطريق خرج محدِّثًا.

في أروقة الجامع الأزهر

ثم رحل إلى القاهرة، فتخرَّج في كلية أصول الدين، قسم الحديث وعلومه. وهنا تحدَّد التخصص نهائيًّا.

ثم فعل ما يفعله من يريد العلم لا الشهادة: التحق بأروقة الجامع الأزهر المعمور. والفرق بين القاعة والرِّواق فرقٌ في الصنعة كلها؛ فالقاعة تعطيك مقرَّرًا وامتحانًا، والرِّواقُ يعطيك شيخًا وسندًا. ومن اكتفى بالأولى خرج بشهادة، ومن جمع إليها الثانية خرج بنسب.

وأخذ في هذه المرحلة عن رجلين هما ذروة ما يُطلب في هذا الفن:

الأول: شيخ المحدثين في الديار الشامية الأستاذ الدكتور نور الدين عتر رحمه الله. أخذ عنه في الجامع الأزهر «نزهة النظر» و«الأربعين النووية»، وتشرَّف بنيل إجازته العامة سنة 1432 هـ. وأن يرحل شيخ الشام إلى الأزهر فيسمع عليه فيه فتًى مصري، ثم يظفر منه بالإجازة العامة، فتلك واقعةٌ تُحسب في نسب الرجل لا في سيرته فحسب.

الثاني: شيخ المحدثين في الديار المصرية، العلامة المحدث أحمد معبد عبد الكريم الفيومي. وهذه ملازمةٌ لا لقاء؛ فقد أخذ عنه عددًا من الكتب على رأسها «فتح المغيث» للسخاوي، وهو أوسع شروح الألفية وأجمعُها لصنعة المصطلح؛ و«تدريب الراوي» للسيوطي؛ و«شرح علل الترمذي» لابن رجب، وهو باب العلل الذي لا يدخله إلا أهله؛ و«مقدمة الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم، وهي أصل الباب؛ ومن الأجزاء الحديثية «السنبلية» و«العجلونية»؛ وعددًا آخر مدوَّنًا في ثبته.

فانظر إلى هذه القائمة: مصطلحٌ، ثم تدريبٌ عليه، ثم عللٌ، ثم جرحٌ وتعديل، ثم أجزاءُ إسناد. هذا ترتيبُ من يُبنى ليكون ناقدًا، لا ليكون راويًا فقط. ولاحِظ أن الشيخ فيوميٌّ والتلميذَ فيومي؛ فكأنما ردَّت الفيومُ إلى الفيوم وديعتها.

صنعةُ المخطوط

ثم أضاف إلى الرواية أداةً لا يستغني عنها محدِّثُ هذا العصر: تحقيق المخطوط.

فالتحق بدورةٍ علمية في معهد المخطوطات بالقاهرة عن تحقيق المخطوط الحديثي، وتلقَّى فيها عن عددٍ من كبار المحققين في العالم الإسلامي، وعلى رأسهم المحقق الكبير بشار عواد معروف العراقي، فسمع منه وأخذ عنه فيها، مع الإجازة بعموم مروياته.

وهذه الإضافة هي الفارق بين طالبٍ يقرأ الكتب المطبوعة وباحثٍ يستطيع أن يعود إلى أصولها. فمن ملك آلة التحقيق ملك أن يحاكم المطبوع إلى الخطوط، وأن يردَّ التصحيف، وأن يستخرج ما لم يُطبع بعد. وستظهر ثمرة هذا في مصنَّفاته حين يشتغل بتحقيق شرحٍ مخطوطٍ لم يُطبع.

دار العلوم وشيوخها

ثم درس عامًا في الدراسات العليا بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، فأخذ فيها عن جملةٍ من أعلامها:

الأستاذ الدكتور عبد المجيد محمود عبد المجيد السنانيري رحمه الله، شيخ الأشياخ والمحدثين، درس عليه «مقدمة فتح الباري» وبعض كتبه الحديثية مع الإجازة فيها. و«مقدمة فتح الباري» هي «هدي الساري»، وهي مفتاح الكتاب كله ومختصرُ علمِ صاحبه؛ فمن قرأها على شيخٍ مسنِد فقد أخذ خلاصة الصنعة عن أهلها.

الأستاذ الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب، أستاذ المحققين. وسيعود اسمه بعد قليل مناقشًا لرسالته ومقدِّمًا لها؛ فهو شيخُه ثم شاهدُه.

الأستاذ الدكتور علي بن عبد القادر عثمان، العلامة الفقيه المالكي، وكيل كلية دار العلوم ورئيس قسم الشريعة. وفي الأخذ عن فقيهٍ مالكيٍّ وهو شافعيُّ المذهب فائدةٌ لا تخفى: أن يعرف الرجل مذهب غيره من أهله لا من خصومه.

الأستاذ الدكتور محمد السيد الجليند، العلامة الكبير، خادم تراث شيخ الإسلام ابن تيمية.

وما أخذه عن كل واحدٍ من هؤلاء من الكتب والدراسة والقراءة مدوَّنٌ في ثبته.

فاروق حمادة، وترجمةٌ في «الأسانيد المتصلة»

وأخذ كذلك عن العلامة الكبير والمحقق النحرير الأستاذ الدكتور فاروق محمود حسن حمادة، رئيس جامعة محمد الخامس سابقًا؛ فقرأ عليه «المنتقى» لابن الجارود شرحًا وتحقيقًا، وأخذ عنه من «صحيح البخاري».

ثم كانت الشهادة التي تُذكر ولا تُطلب: أن شرَّفه الدكتور فاروق حمادة بكتابة ترجمةٍ له ضمن تلاميذه في كتابه «الأسانيد المتصلة»، فيمن أخذ عنه وسمع منه.

قلتُ: وهذا من أنفع ما يُوثَّق به حال المعاصرين. فإن الرجل قد يعدُّ لنفسه شيوخًا لم يعرفوه، ويُثبت سماعًا لم يقع؛ فإذا أثبته الشيخُ نفسُه في كتابه بين تلاميذه فقد سقطت الدعوى وقام الدليل. والشهادة إذا جاءت من المشهود عليه فهي أثقل من ألف شهادةٍ من غيره.

أربعُ سنين للسماع

ثم كانت مرحلةٌ لا يقدم عليها إلا من عرف قيمة الإسناد.

أخذ عن جملةٍ من علماء اليمن والمملكة والهند، قراءةً وسماعًا: الكتب التسعة، والسلَّم الفقهي، والأجزاء الحديثية؛ وانقطع لذلك مدةً تزيد على أربع سنوات، حتى تحصَّل له من المسموعات قدرٌ دوَّنه بالتفصيل في ثبته.

وأربع سنوات تُقتطع من العمر لأجل السماع وحده أمرٌ يحتاج إلى بيان لمن لا يعرف قدره. فإن السماع لا يُحصِّل لصاحبه شهادةً تُعلَّق ولا وظيفةً تُنال؛ وإنما يُحصِّل له أن يقول: حدثني فلانٌ عن فلان، حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن أنفق أربع سنين في هذا فقد اشترى نسبًا لا يُورَث ولا يُشترى بغير هذا الثمن.

وثمرة ذلك كله ثبتٌ يجمع مسموعاته وأسانيده، لا يزال قيد التمام، يقول عنه: يسَّر الله تمامه.

ابن حبان: الإمامُ الذي اختاره

ثم التحق بالدراسات العليا عامين، أعقبتهما سنةٌ تمهيدية للماجستير أنهى دراستها بتقدير جيد جدًّا. ثم نال درجة التخصص في الحديث النبوي بتقدير ممتاز، برسالةٍ عنوانها: «المسائل الحديثية عند ابن حبان في كتابيه الثقات والمجروحين: دراسة وتحليل».

وناقش الرسالة المحقق الكبير الأستاذ الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب والأستاذ الدكتور سعيد عسكر.

ثم طُبعت بدار الذخائر، فقدَّم لها وأثنى عليها عددٌ من كبار العلماء والمحققين، منهم: الأستاذ الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب، والأستاذ الدكتور فاروق حمادة، والأستاذ الدكتور باسم فيصل الجوابرة من كبار طلاب الشيخ الألباني رحمه الله، والشيخ الدكتور ماهر ياسين الفحل، والشيخ المحدث هادي المري الكويتي، وغيرهم.

واجتماعُ هذه الأسماء على تقديم رسالةٍ واحدة ليس أمرًا يمرُّ. فهؤلاء من مدارس شتى ومن بلدان شتى، فيهم المصري والمغربي والعراقي والكويتي، وفيهم من تخرَّج على الألباني ومن تخرَّج على غيره؛ فإذا التقوا على الثناء على عملٍ واحد فتلك قرينةٌ على أن العمل بلغ من الجودة ما يجاوز به حدود المدرسة الواحدة.

ولم يكن ابن حبان عنده موضوع رسالةٍ يُترك بعد المناقشة، بل صار ميدانه الذي عُرف به. فمن مصنَّفاته:

«تذكرة مصنفات ابن حبان»، نُشرت على موقع الألوكة، ثم تُرجمت ونُشرت باللغة الفارسية.

و«الرواة الذين صرَّح بتوثيقهم ابن حبان في المجروحين»، نُشر على الألوكة وفي مجلة المحدث العراقية. وهذا بحثٌ يُصلح خللًا مشهورًا في التعامل مع ابن حبان؛ إذ يظن من لم يمعن أن ذكر الراوي في «المجروحين» جرحٌ مطلق، وفي الكتاب من صرَّح بتوثيقه ما لا يُهمل.

و«الدرة الثمينة فيما رواه ابن حبان عن الأئمة الثلاثة أحمد والشافعي وأبي حنيفة»، نُشر على الألوكة.

و«فضل الرحمن في أوائل أمهات صحيح ابن حبان»، نُشر على الألوكة.

فأربعةُ مصنَّفات ورسالةٌ جامعية في إمامٍ واحد. وهذا هو الفرق بين من يكتب فيما يعرض له وبين من يختار أرضًا فيحفرها حتى يبلغ ماءها.

علل المتن

ثم أتمَّ الله عليه النعمة بتسجيل درجة الدكتوراه في علوم الحديث في باب علل المتن.

واختيار هذا الباب بعينه يدلُّ على صاحبه. فإن عامة من يشتغل بالعلل إنما يشتغل بعلل الإسناد: من زاد ومن نقص، ومن وصل ومن أرسل، ومن وقف ومن رفع. وأما علل المتن فبابٌ أدقُّ وأخطر وأقلُّ طارقًا؛ لأنه ينظر في النصِّ نفسه: في نكارة اللفظ، وفي مخالفته لما هو أثبت، وفي ما يُدخله الرواة من إدراجٍ وتصحيف. ومن دخل هذا الباب فقد أعلن أنه لا يريد الرواية وحدها، بل يريد الحكم.

ولهذا وجهٌ آخر يتصل بمعاركه: فإن أكثر من يطعن اليوم في السنة إنما يطعن من جهة المتن، يقول: هذا الحديث لا يليق ولا يُعقل. فمن تخصَّص في علل المتن على قواعد أهل الفن فقد وضع يده على الموضع نفسه الذي منه يُؤتى الدين، لكن بميزان أهله لا بميزان الأهواء.

ما كتب

وله سوى ما تقدَّم من المصنفات والمشاركات:

«تنبيه الأنام إلى وجوب صلة الأرحام»، و«الفوائد الضرورية المتعلقة بالرواية الحديثية»، وكلاهما على موقع الألوكة.

و«شرح أرجوزة في مصطلح الحديث» شرحًا وتحقيقًا، نُشر عبر الألوكة.

وتحقيقٌ وتعليقٌ على شرح صنع الله الحلبي لمنظومته في مصطلح الحديث، وهو مخطوطٌ لم يُطبع بعدُ، يسَّر الله طبعه.

و«الأربعون السَّلامية في السلم والسلام»، وهي أربعون حديثًا عن أربعين شيخًا من أربعين مصنَّفًا، نُشرت عبر الألوكة، وأتبعها بـ«النكت الوفية على الأربعين السلامية».

وقف عند هذا العمل وقفة. فإن جمع أربعين حديثًا أمرٌ يقدر عليه كثيرون؛ وأما أن تكون عن أربعين شيخًا من أربعين مصنَّفًا، فذلك لا يقدر عليه إلا من له أربعون شيخًا بأسانيد متصلة، ومن قرأ في أربعين كتابًا مسندًا. فالكتاب في ظاهره أربعون حديثًا، وفي حقيقته وثيقةٌ تُثبت ما ادُّعي في هذه الترجمة كلِّها من كثرة شيوخه وسعة مسموعاته. ولعلَّ تسميتها «السَّلامية» جامعةٌ بين نسبته إلى آل سلام وبين موضوعها في السلم والسلام.

و«خلاصة المقال في ذكر حال محمد بن إسحاق بن يسار»، نُشر عبر الألوكة. وابن إسحاق صاحبُ السيرة، وحالُه من أكثر ما اختلف فيه أهل النقد؛ فمن حرَّر حاله فقد دخل بابًا وعرًا.

و«أعلام مدرسة مصر الحديثية»، بحثٌ شارك به في مؤتمرٍ بجامعة ابن زهر بالمغرب بعنوان «نقل الحديث النبوي في عصر الصحابة والتابعين إلى سنة 150 هـ».

وله رحلةٌ علمية إلى بلاد الحرمين الشريفين، أكرمه الله فيها بمصافحة عددٍ من المشايخ والأئمة والعلماء. وهو يقوم بتدريس علوم الحديث في بعض المعاهد والأكاديميات العلمية.

قلمٌ في الدفاع

ومن تأمَّل مواضع قلمه رأى خطًّا واحدًا لا يتغيَّر: أنه لا يكتب ليُعرف، بل يكتب ليدفع.

فقد نُشر له عددٌ من المقالات في جريدة اللواء الإسلامي عن كتابة الحديث في العهد النبوي، ردًّا على منكري السنة. وهذه أخطر النقاط في الباب؛ إذ يبني منكرو السنة دعواهم على أن الحديث لم يُكتب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا سقطت هذه المقدمة سقط بناؤهم كله.

وكتب «مرويات سيدنا معاوية في سنن النسائي: المجتبى»، ردًّا على طعن عبد الرحمن دمشقية في الإمام النسائي. وهذا ردٌّ صُنع بأداة صاحبه: لم يجادل بالخطابة، بل عاد إلى «المجتبى» نفسه فاستخرج ما فيه من مرويات معاوية رضي الله عنه، فأقام الحجة من الكتاب المطعون في صاحبه. وهذه طريقة المحدِّثين: يُردُّ على المخالف بالاستقراء لا بالتشنيع.

وجمع «الأربعين الأزهرية في مرويات أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه». فأنت ترى الرجل يدفع عن الصحابيِّ وعن الإمام المخرِّج في نفَسٍ واحد.

وهذه المواضع الثلاثة، مع اشتغاله بابن حبان وبعلل المتن وبأحوال الرواة، ترجع كلها إلى أصلٍ واحد: أن الدين وصل إلينا بسلسلة، وأن الطعن في أي حلقةٍ منها طعنٌ في الجميع. فمن طعن في كتابة الحديث فقد قطع أولها، ومن طعن في صحابيٍّ فقد قطع أعلاها، ومن طعن في إمامٍ مخرِّج فقد قطع وسطها. ورجلٌ أنفق عمره في وصل نفسه بهذه السلسلة، لا يُنتظر منه إلا أن ينتصب لمن يريد قطعها.

حتى بلغ الأمرُ المباهلة

وبقيت آخر معاركه وأشدُّها.

فقد أكرمه الله بمشاركته في دفع الحدادية ووأد فتنتهم. والحدادية تيارٌ يجعل التبديع والتجريح محور تدينه، ويُسقط الأئمة بالزلات، ويضيِّق دائرة أهل السنة حتى لا يكاد يبقى فيها أحد، وينبش كتب الأموات لصيد الأخطاء. فهم في نتيجة أمرهم يعملون في الحلقة نفسها التي أنفق فيها هذا الرجل عمره: يهدمون رجال السنة باسم السنة.

فلم يكن غريبًا أن ينتصب لهم من انتصب. غير أن الأمر لم يقف عند الرد بالقلم، بل بلغ منتهاه: المباهلة. باهل كبيرَهم الذي علَّمهم السحر الحدادي محمد شمس الدين.

ولا يعرف قدر هذه الخطوة إلا من عرف معناها. فالمباهلة أن يقف الرجلان فيدعوَ كلٌّ منهما على الكاذب منهما، على ما جاء في كتاب الله: ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران]. وهي غايةُ ما يبلغه المحقُّ حين تُغلق دونه أبواب الحجاج؛ لا يقدم عليها من في نفسه ريبٌ من أمره، ولا من يخشى أن يكون على غير بيِّنة. فرجلٌ قضى عمره في الأسانيد والمخطوطات والحواشي، هادئُ الصنعة بطيءُ الحكم، ثم يبلغ به الأمر أن يقف هذا الموقف: فهذا يقول عن يقينه ما لا تقوله عشرون رسالة.

ما أشبه اليوم بالبارحة. فإن سلف هذا التيار إنما عُرف بأنه ينبش تراث الأمة ليصطاد منه، وهذا الرجل إنما أنفق عمره في وصل ذلك التراث بأسانيده. فالمعركة في حقيقتها بين من يجمع ومن يفرِّق، وبين من يصل ومن يقطع.

الخلاصة النهائية

قلتُ: فالحاصل أن أبا الحسن علي بن حسن آل سلام الأزهري باحثٌ محدِّث، سنيُّ المعتقد، أزهريُّ النشأة، شافعيُّ المذهب، عُني بالإسناد عناية من يعرف أنه خصيصة هذه الأمة التي لم تُعطَها أمةٌ قبلها. سلك الطريق من أوله: كُتَّابُ قريةٍ، ثم سلَّم الأزهر من الخامسة، ثم كليةُ الحديث وعلومه، ثم الأروقة، ثم شيوخٌ من أهل الذروة في الشام ومصر والعراق والمغرب واليمن والهند والمملكة، ثم أربعُ سنين انقطع فيها للسماع وحده، ثم ثبتٌ يجمع ذلك كله، ثم تخصُّصٌ دقيق في ابن حبان، ثم دكتوراهُ في أوعر أبواب الفن.

فيُؤخذ عنه ما تخصَّص فيه: مسائلُ ابن حبان وأحكامُه في «الثقات» و«المجروحين»، وقد شهد لعمله فيه جماعةٌ من كبار المحققين من مدارس شتى؛ وصنعةُ الإسناد والرواية والأثبات؛ وتحقيقُ المخطوط الحديثي؛ ومسائلُ العلل. ويُنتفع بردوده في بابها؛ فإنها ردودٌ بُنيت على الاستقراء والنقل لا على التشنيع، وهذا وحده يرفعها فوق أكثر ما يُكتب في هذه المعارك. وأما ما لم يتصدَّر له فليس مطلوبًا منه؛ فإن الرجل عرَّف نفسه بما هو فيه، وختم اسمه بـ«عفا الله عنه»، ومن ابتدأ ترجمة نفسه بالاستغفار فقد أمِن عليه من الدعوى.

وأبقى ما في هذه السيرة أن صاحبها بنى بيتين لا بيتًا واحدًا: بيتَ التحصيل وبيتَ الدفاع، ثم تبيَّن أنهما بيتٌ واحد. فمن قرأ في «فتح المغيث» و«شرح علل الترمذي» و«مقدمة الجرح والتعديل» إنما تعلَّم كيف يُعرف الصادق من الكاذب في النقل؛ فلما نزل الميدان وجد من يطعن في كتابة الحديث، ومن يطعن في النسائي، ومن يطعن في معاوية رضي الله عنه، ومن يطعن في أهل السنة باسم السنة، فردَّ عليهم جميعًا بالأداة نفسها التي بُني بها. وهذا هو العلم حين يُراد به وجهُ الله: أدواتٌ تُجمع في الرِّواق، ثم تُشهر في الميدان.

نسأل الله سبحانه أن يحفظه ويسدِّده، وأن يبارك في علمه وعمره، وأن يُتمَّ له ثَبَتَه كما سأل، ويبلِّغه في دكتوراته ما أراد، وينفع بما كتب في ابن حبان وفي غيره، وأن يجزيه عن السنة ورجالها خيرًا، وأن يثبِّته على ما وقف عليه من الحق، ويكفي الأمة شرَّ من يفرِّق صفَّها باسمها، ويجعل ما وصله من الأسانيد شافعًا له يوم يلقى صاحبها صلى الله عليه وسلم، ويرحم من مضى من شيوخه ويحفظ من بقي.

سجل المصادر

  • ترجمةٌ ذاتيةٌ له، فيها نسبُه ومولده ومراحل تعليمه وشيوخه وإجازاته ومصنَّفاته ومشاركاته، وهي مدار هذه الترجمة كلها ولم يُستعمل غيرها.
  • ثبته الجامع لمسموعاته وأسانيده وما قرأه على شيوخه، وهو لم يتم بعد.
  • رسالته «المسائل الحديثية عند ابن حبان في كتابيه الثقات والمجروحين»، مطبوعة بدار الذخائر، وفيها تقاريظُ من قدَّم لها من العلماء.
  • مصنَّفاته وبحوثه المنشورة على موقع الألوكة، وفي مجلة المحدث العراقية، وفي جريدة اللواء الإسلامي.
  • كتاب «الأسانيد المتصلة» للأستاذ الدكتور فاروق حمادة، وفيه ترجمتُه ضمن تلاميذه.

كُتبت هذه الترجمة يوم الثلاثاء 11 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 25 من أغسطس 2026 م، اقتصارًا على ما وقفنا عليه من ترجمته التي كتبها عن نفسه، لم نتجاوزها إلى غيرها. وسيرةُ أهل الإسناد أوسعُ مما يحيط به سطرٌ أو مجلس، فما لم يُذكر هنا فمن ضيق المصدر لا من قلة الفضل، ومن كان عنده مزيدُ خبرٍ عنه أو نسخةٌ من ثبته فليُتحفنا به مشكورًا مأجورًا.

نُشرت هذه السيرة في ، وآخر تعديل لهذه الصفحة في . طول السيرة نحو 2968 كلمة.
أرسل رابطها إلى من يهمه الأمر.

اقترح سيرة أو تعديلًا

أرسل إلينا اقتراح سيرة جديدة، أو تصحيحًا وإضافة موثقة إلى هذه السيرة.

contact@alsiyar.com
إرسال رسالة