يوسف أبو عواد

يوسف أبو عواد
يوسف أبو عواد
الاسم الكامليوسف فؤاد حسن أبو عواد
البلدالأردن
الإقامةالأردن
المهنةمشرف لغة عربية بوزارة التربية والتعليم الأردنية، ومقدم برنامج «مفاهيم» على منصة «مجتمع»
الانتماءالمدرسة الشحرورية في إنكار السنة
التصنيفأهل الضلال

المتصدّرُ لتحريف معاني التنزيل باسم البحث اللغوي، والداعيةُ إلى نسف السنة النبوية وتمييع عقيدة الولاء والبراء، يوسف فؤاد حسن أبو عواد.

أردنيُّ النشأة والجنسية، نال الدكتوراه في اللسانيات لا في الشريعة، بعدما انقطع طريقُه الشرعي الأول على أبواب السجن، على ما سيأتي خبره. ثم اتخذ من تخصصه الدنيوي جسرًا للعبور إلى هدم التفسير والسنة والفقه، وإفراغ الإسلام من محتواه العقدي والتشريعي.

يُعدّ بوقًا معاصرًا وامتدادًا لمشروع محمد شحرور، حتى صار في عداد شلته المعروفة: شحرور، ومركز تكوين، ومحمد فايد وأضرابهم؛ ووجهًا إعلاميًا لمنصات ممولة أُسست لضرب الثوابت من الداخل.

يستخدم «اللغة العربية» واجهةً لتحريف معاني الشريعة، وتقديم هذا الهدم لجمهور منصات التواصل المتعطش للتمرد على الأحكام، فبات يمثل حالة متكاملة للمشروع الذي يسعى لتحويل الوحي المحكم إلى نص سائل لا ضابط له.

وطالما سأل الناس عن سر تحولاته، وحاروا في رجل غامض السيرة يطوي صفحات من ماضيه طيًّا محكمًا. وقد وقفنا على معلومات من أحد أصدقائه المقربين قديمًا، رجلٍ عرفه قبل الجامعة الإسلامية ورافقه فيها وكان يوسف يعدّه من خواصه، فانكشف بها المطوي كله: عرفنا البيت الذي خرج منه، والانقلاب الأول الذي سبق انقلابه المشهور، والسجن الذي كسره، والهجران الذي أنبت حقده. وبها صارت سيرة الرجل مقروءة من أولها إلى آخرها، لا غموض فيها إلا ما تعمّد هو ستره. وهو اليوم في أوج نشاطه، يبث شبهاته في صفوف الشباب عبر شاشات صُنعت بعناية لخدمة الحداثة اللادينية.

محتويات
  1. 1 البيت الذي خرج منه: نعمةٌ قامت بها الحجة عليه
  2. 2 من الصيدلة إلى المدينة: طالب لمع على الجادة
  3. 3 الانقلاب الأول: النظرة التي كشفت ما خفي
  4. 4 المحنة: السجن الذي كسر الحلم ولم يمسسه فيه أحد بسوء
  5. 5 العودة والهجران: هنا نبت الحقد على «التراثيين»
  6. 6 المشهد الكاشف
  7. 7 مسيرة الأكاديمي وصعود الاسم
  8. 8 المشروع المركزي: استنساخ الشحرورية ورفع شعار «القرآن يكفينا»
  9. 9 سجل المقالات والانحرافات العقدية
    1. 9.1 الطعن في السنة النبوية وإسقاط حجيتها
    2. 9.2 تمييع عقيدة التوحيد وشرعنة الكفر
    3. 9.3 القول بنجاة المشركين والملاحدة في الآخرة
    4. 9.4 تحريف المصطلحات الشرعية (التسييل الدلالي)
    5. 9.5 العبث بالتفسير لصالح النظريات المادية
    6. 9.6 تحريف العبادات والشعائر
    7. 9.7 الطعن في الصحابة ورموز الأمة
    8. 9.8 احتقار الفقه ووصفه بـ«الدين الأرضي»
  10. 10 بضاعته في اللغة: شيخُ نفسه يفتضح في صنعته
  11. 11 التناقضات المنهجية: حين يهدم المعول نفسه
  12. 12 سر الانقلابين: نفسية الرجل كما يعرفها أقرب الناس إليه
  13. 13 التحالفات والارتباطات المشبوهة: صنيعة «مجتمع» وراند
  14. 14 من يلتف حوله وينصره؟
  15. 15 الردود العلمية وشهادات العارفين
  16. 16 الأصول الفاسدة والأثر في الأتباع
  17. 17 الخلاصة النهائية

البيت الذي خرج منه: نعمةٌ قامت بها الحجة عليه

لا يُعرف تاريخ مولده ولا مدينته على وجه الدقة، لكن بيته وبيئته معروفان الآن تمام المعرفة، ومعرفتهما تقطع آخر أعذاره. فالرجل لم ينشأ في بيت جهل فيُقال: غُرّر به، ولا في بيئة منحرفة فيُقال: ورث الضلال. نشأ في أسرة أردنية مستقيمة ملتزمة، أبوه شيخ، وأهله من حاضنة سلفية، وكان منذ صغره يحضر دروس أحد المشايخ المشهورين، وأخوه الأكبر أحمد ملتزم مثله، وكلاهما حفظ القرآن صغيرًا وشارك في مسابقات الحفظ في الأردن وخارجها. فالوحي الذي يحرّفه اليوم عرفه من صغره حق المعرفة، والجادة التي يرمي أهلها بـ«التراثية» رضع لبنها في بيت أبيه؛ فليس انحرافه انحراف جاهل لم تبلغه المحجة، بل انحراف من عرف ثم انسلخ، وهذا أشد لحاله وأقطع لعذره، لا أعذر له. والنعمة التي لا تُشكر تنقلب شاهدًا على صاحبها يوم يُسأل عنها.

وكان متفوقًا في دراسته منذ الصغر، حصّل في الثانوية العامة (التوجيهي) معدلًا عاليًا أدخله كلية الصيدلة في جامعة العلوم والتكنولوجيا، ثم تركها طلبًا للعلم الشرعي. والتفوق الدراسي كان بسبب حدةُ ذهن وقوةُ حفظ، وهما أداتان لا عصمة فيهما؛ توضعان في يد المهتدي فتبنيان، وفي يد المفتون فتهدمان. وما قامت بدعة كبرى في تاريخ هذه الأمة إلا على كتف ذكي؛ فالأغبياء لا يصنعون المقالات المضلة، إنما يصنعها أذكياء فقدوا الميزان، وكلما اشتد الذكاء بلا هدى اشتدت قدرة صاحبه على تزيين الباطل والاحتيال له.

وبالفعل كان هذا التفوق نفسه داءه لا دواءه، كما كشفه أقرب الناس إليه: فتًى من بيت محترم لم يعرف البهدلة ولا مصاعب الحياة، معتاد أن يكون في المقدمة، مسكون بنزعة التفوق والظهور من صغره، يصرّح بها بلسانه: «لا بد أن أتفوق»؛ سمعها منه صديقه صراحة، وذكرها هو في بعض مقابلاته بعد عودته إلى الأردن. فالرجل لم يطلب الحق فوجده، بل طلب الصدارة فركب إليها كل مركب: ركب الصيدلة ثم نزل عنها، وركب الشريعة، ثم ركب الغلو، ثم ركب «التجديد»؛ تبدلت المراكب كلها والراكب هو هو. فتفوقه ليس دليلًا على سلامة عقله، بل هو نفسه تفسير انحرافه: ذكاءٌ يخدم جوعًا قديمًا إلى الأضواء.

وأما حفظه المبكر للقرآن فهو الرصيد الذي طالما اتكأ عليه ليمنح نفسه شرعية الخوض في كتاب الله؛ يوهم مستمعيه أنه يتحدث من داخل النص، مستغلًّا حفظه للآيات في تمرير تأويلات باطنية لا علاقة لها بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. والحفظ المجرد لا يعصم من الضلال شيئًا؛ ففي الصحيح خبر قومٍ من الخوارج «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»، وأشبهُ الناس بهذا الوصف غلاةُ التكفير الذين كان فيهم أول طريقه. فحفظه حجة الله عليه، لا حجة له على الناس؛ وحامل القرآن الذي لم يحمله القرآنُ إلى الحق إنما يحمل على ظهره خصمَه يوم القيامة.

من الصيدلة إلى المدينة: طالب لمع على الجادة

التحق يوسف بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وهي المرحلة التي يطويها اليوم من سيرته المنشورة طيًّا تامًّا، وسيتبين بعد قليل لماذا يطويها. كان فيها طالبًا طبيعيًّا على الجادة السلفية، لا غرابة فيه ولا شذوذ، بل كان فيه ذكاء ظاهر وعمق في البحث: يحرص على تحليل النص، ويتتبع منازعَ الفقهاء وما وراء أقوالهم، عقليةُ باحث يريد دائمًا ما خلف السطور. وكان يقرّب إليه من يشبهه؛ فقد اختص بصديقه ذاك لأنه مثله ترك تخصصًا دنيويًّا (الهندسة) إلى الشريعة، فكان يعدّه الشخصَ الذي يفهم عليه.

فالرجل إذن ليس غريبًا عن عالم الشريعة كما قد توحي سيرتُه المتداولة؛ لقد اقترب من التراث، وعرف بيئته ومصطلحاته ورجاله من الداخل، ثم اتخذ لاحقًا مسارًا يقوم على تفكيك أصوله بأدوات مغايرة. غير أن هذا الاقتراب لم يكتمل قط تكوينًا علميًّا: فلا إجازة، ولا ملازمة طويلة لعالم أتمها، ولا سلسلة تكوين يستطيع الباحث تتبع مراحلها؛ إذ جاء ما قطع الطريق كله.

الانقلاب الأول: النظرة التي كشفت ما خفي

قبل تخرجه، في السنة الثالثة أو الرابعة من البكالوريوس، تغيّرت صحبته فجأة. رآه صديقه يمشي مع جماعة من غلاة التكفير معروفين بغلوهم، فاستوقفه مستنكرًا: يا يوسف، ما لك ولهؤلاء؟ فأجاب بجملة مقتضبة: أمور بتتغير. ثم قال له: أنا كنت أريد أن أجالسك من فترة وأعرض عليك بعض الأمور، ولا بد أن أكلمك ببعض الأمور. ونظر إليه نظرةً ما زال صديقه يذكرها إلى اليوم: نظرة غريبة فيها مكر وشر، ليست نظرة يوسف البسيط الذي يعرفه.

جلس إليه صديقه بعد العشاء عند المسجد النبوي، فإذا الرجل قد انقلب من طالب على الجادة إلى حامل للفكر التكفيري بغلو، يحمل النصوص ما لا تحتمل، ويتيه بما عنده، ويقرر أن فهمه هو الفهم الوحيد وأن على الناس جميعًا اتباعه، ويقول عن استدلالاته: هذا الاحتجاج لا يستطيع أن يرد عليه أحد. فلما ناقشه صديقه وبيّن له تهافت ما يقول، ركب رأسه ولم يرجع. وبلغ من تطرفه في التعامل أن قال لأحد إخوانه: أنت معي أو مع الشباب؟ إما أن تكون معي أو لا تكلمني، هذا فراق بيني وبينك.

ولم يكن وحده؛ فقد تلقفه الغلاة فشيّخوه وقالوا له: أنت شيخنا، فصدّق حاله، ولبس ثوب المشيخة قبل أن يُتم طلبه. وهذه أول مرة يتصدّر فيها، ولن تكون الأخيرة؛ فالنزعة التي حملها من صغره وجدت أول عروشها في حلقة غلاة.

شهور قليلة بعد ذلك، وقبضت السلطات السعودية على الخلية كلها، على خلفية اتهامات بدعم القتال في العراق إبان الغزو الأمريكي مطلع الألفية الثالثة.

المحنة: السجن الذي كسر الحلم ولم يمسسه فيه أحد بسوء

سُجن يوسف نحو ثلاث سنين أو أربع. وما زالت مطالبات أبيه العلنية بالإفراج عنه باقية في أرشيف الأخبار إلى اليوم، شاهدةً على المرحلة التي يجتهد صاحبها في محوها.

والثابت من شهادة من عرفه، وكان على اطلاع مباشر وسأل بعض مشايخ المناصحة الذين تولوه، أنه لم يُسأ إليه في سجنه، وأن استجابته للمناصحة كانت طيبة. فإن صدقت تلك الاستجابة يومها فقد نقضها بعد خروجه نقضًا.

وفي غياهب المعتقل نفسه وقعت الواقعة التي دوّنها شاهد عيان آخر، هو الشيخ الدكتور محمد رزق طرهوني الذي زامله في المعتقل قبل نحو 20 عامًا: كان يوسف شابًا هادئًا منطويًا يميل إلى الضعف، حافظًا للقرآن نديّ الصوت، يعاني خطوبًا نفسية وروحية قاهرة. وحكى طرهوني واقعة مشهودة في الزنزانة: طلب منه يوسف الرقية الشرعية وقال بأنه مسحور، فلما قُرئ عليه أصابته حالة من الصرع والانهيار، وتغيّر صوته، وبدأ يتلفظ بالكفريات ويسب الله ورسوله بصوت مغاير، في مشهد رآه عسكر السجن وزملاؤه.

قلتُ: اجتمعت الشهادتان على أمر واحد مذهل: الرجل لم يُعذَّب ولم يُهَن، وإنما انهار من الداخل. شابٌّ نشأ على الصدارة والتفوق، كان يؤمّل أن يصير دكتورًا في الشريعة يعلو ويرتفع، فوجد نفسه فجأة في قاع لم يخطر له في الأحلام، وهو الذي لم يحمل يومًا إهانة ولا بهدلة. فكان السجن هو الفرن الذي صهر النسخة القديمة من يوسف أبو عواد؛ والسجون طالما كانت بيئة خصبة للانتكاسات العقدية: فإما أن يُكسر السجين ويُعاد توجيهه، وإما أن يخرج ناقمًا على ماضيه ومشايخه متوهمًا أنهم سبب محنته. ويوسف خرج بالكسرين معًا.

العودة والهجران: هنا نبت الحقد على «التراثيين»

خرج من السجن وعاد إلى الأردن، فوقعت الواقعة الصامتة التي لا يعرفها جمهوره: أصحابه القدامى، رفقاء المسجد والمرحلة السلفية، لم يتواصلوا معه. لم يزره أحد، ولم يسأل عنه أحد.

فاجتمع على الرجل كسران: كسر السجن الذي حطّم حلم الصدارة الشرعية، وكسر الهجران الذي أشعره أن الوسط الذي أفنى فيه شبابه لفظه. ومن هذين الكسرين نبت الحقد على الماضي كله: على المرحلة، وأهلها، وعلمها، وكتبها. ولهذا تجده اليوم لا يقول «العلماء» ولا «الفقهاء» بل يقذف بكلمته الأثيرة: «التراثيون»؛ فهي عنده ليست وصفًا علميًّا، بل تصفية حساب مع ماضٍ يراه خذله مرتين.

المشهد الكاشف

في استوديو مكيف، مجهز بأحدث تقنيات الإضاءة والتصوير، وتحت شعار منصة «مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية»، يجلس يوسف أبو عواد بكامل أناقته ليفكك آيات القرآن الكريم. يبتسم للكاميرا، ثم يلقي بجملة تنسف إجماع الأمة منذ فجر الرسالة؛ فيزعم أن «الشرك» في القرآن لا علاقة له بعبادة الأصنام والأوثان، وأن «الكفر» ليس جحودًا بالنبوة بل هو مجرد «إفساد وظلم»، ليخلص في النهاية إلى أن اليهودي والنصراني والمجوسي، بل والملحد، سيدخلون الجنة ما داموا مسالمين، وأن المسلم الذي يكفّر اليهود والنصارى ويتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وقع في الشرك!

فتأمل المشهدين جيدًا: شابٌّ يجلس بعد العشاء قرب المسجد النبوي يكفّر المسلمين بغلوه، ويقطع أخاه إن لم يتبعه؛ ثم هو نفسه بعد عشرين سنة يجلس أمام الكاميرا يفتح الجنة للملاحدة ويرمي أهل السنة بالشرك. طرفان أبعد ما يكونان، والجالس فيهما رجل واحد. ولفهم كيف عبر الرجل هذه المسافة كلها، نعود إلى مساره المهني وكيف صُنع نجمه.

مسيرة الأكاديمي وصعود الاسم

عمل أبو عواد في سلك التعليم في المملكة الأردنية الهاشمية، وتخصص في تدريس طلبة المرحلة الثانوية (التوجيهي)، وترقى حتى صار مشرفًا في قسم اللغة العربية بوزارة التربية والتعليم، وأسس «أكاديمية البيرق» للتعليم عبر الإنترنت، مما أكسبه قدرة على الخطاب الجماهيري وفهمًا لآليات التأثير في عقول الشباب.

ولما حصل على الدكتوراه عاد يطلب البروز من جديد؛ فالنزعة القديمة لم تمت في السجن، وإنما بدّلت ثيابها. انتسب إلى جمعية في اللغة العربية، ثم بدأ يسجل مقاطع على اليوتيوب لم يكن فيها الانحراف ظاهرًا بعد: محاولات في تفسير القرآن بطريقة تدبرية لسانية في زعمه، وبحثٌ في مسائل لغوية يقول إن أحدًا لم يتطرق إليها؛ يريد أن يأتي بما لم تستطعه الأوائل، وهذا النَّفَس ملحوظ في طرحه كله إلى اليوم.

ولم يكن اسمه معروفًا خارج دوائر التعليم المحلي، حتى تلقفته المنصات التي تبحث عن أصوات «تجديدية» تتقن هدم التراث بلغة فصيحة وهدوء مصطنع؛ استقطبه القوم لما رأوا فيه الخلطة النادرة: حافظ للقرآن، فصيح، جريء على الثوابت، وحاقد على أهلها. فظهر نجمه بشكل مكثف على منصة «مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية» الممولة من دولة الإمارات، عبر برنامج حواري باسم «مفاهيم» يقدمه مع باسم الجمل. وهناك وجد المنبر الذي ينقل به شطحاته اللغوية إلى مئات الآلاف، مؤسسًا حضورًا رقميًّا تجاوز ملايين المشاهدات.

المشروع المركزي: استنساخ الشحرورية ورفع شعار «القرآن يكفينا»

يقوم مشروع يوسف أبو عواد في جوهره على فكرة واحدة: فصل القرآن عن محيطه الذي نزل فيه، وعن النبي الذي بلّغه، وعن الجيل الذي تلقاه، ليصبح نصًّا لغويًّا مجردًا يُفهم بالتحليل اللساني المعاصر وحده. وهذا المشروع ليس من بنات أفكاره، بل هو استنساخ مطور لمشروع المهندس السوري محمد شحرور، وقد اعترف أبو عواد غير مرة بأثر شحرور في إعادة صياغة فهمه للإسلام، لكنه زعم أنه تفوق على أستاذه بامتلاك أدوات لسانية أعمق سماها «اللسان العربي المبين».

ولم يرفع لواء الإلحاد الصريح، بل رفع شعارًا براقًا يغتر به الجاهل: «القرآن يكفينا»، وهو كلمة الحق التي أُريد بها أعظم الباطل في عصرنا. يفترض مشروعه أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن له من وظيفة إلا دور «ساعي البريد» -حسب وصفهم- وقد أوصل النص ثم انتهت مهمته، وأن كل ما يُنسب إليه من أحاديث، في العقيدة والأحكام والأخلاق، «صناعة بشرية» و«تراث أرضي» لا يُلزم المسلم في شيء. ولأن إسقاط السنة يترك فجوة هائلة في فهم القرآن وتطبيق أحكامه المجملة، ابتكر أداته لملء الفراغ: «التحليل اللغوي المعجمي»؛ فبات يفسر القرآن بعيدًا عن أسباب النزول وبيان النبي وفهم الصحابة، معتمدًا على ما يعنّ له من دلالات المعاجم، ليخرج بإسلام لا يعرفه المسلمون.

ويرتكز هذا المشروع التخريبي على قواعد باطلة:

أولًا: نفي الترادف المطلق في القرآن، وهي القاعدة الذهبية التي سرقها من شحرور. يزعم أنه لا توجد كلمتان في القرآن تحملان المعنى نفسه، فلا «القرآن» هو «الكتاب»، ولا «الإسلام» هو «الإيمان»؛ وهذا الزعم يمنحه مساحة لاختراع دلالات فلسفية باطنية لكل كلمة، ضاربًا بسعة لغة العرب وتفننها في التعبير عرض الحائط.

ثانيًا: خرافة «قصصية الحرف»، وهي فضيحة لسانية وعقلية؛ يزعم أن لكل حرف دلالة فيزيائية أو كونية مستقلة: فحرف «الصاد» يعني «حركة ثلاثية الأبعاد»، وحرف «الشين» يدل على «الانتشار». وبناءً على هذا الهذيان الذي يشبه طلاسم السحرة وهرطقات الباطنية، يفكك الكلمات القرآنية حرفًا حرفًا لاستخراج معانٍ لم تخطر على قلب بشر.

ثالثًا: التفريق المبتدع بين «اللسان» و«اللغة»؛ يزعم أن القرآن نزل بـ«لسان عربي» لا بـ«لغة عربية»، معتبرًا اللسان منظومة كونية مجردة واللغة وعاء بشريًّا قاصرًا. والغاية الهروب من قواعد اللغة التي ضبطها أئمة العربية، ليصبح النص القرآني عجينة رخوة يشكلها بهواه.

سجل المقالات والانحرافات العقدية

المتتبع لما ينفثه أبو عواد يجد نفسه أمام منهج متكامل لنسف ثوابت الملة، أعظمه:

الطعن في السنة النبوية وإسقاط حجيتها

يتبنى موقفًا استئصاليًّا تجاه السنة المطهرة: وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم انتهت عنده بتبليغ النص، وأحاديثه وتطبيقاته «حلول تاريخية» تناسب بيئة الصحابة ولا تلزم من بعدهم.

قلتُ: وهذا هدم لأصل قطعي؛ لأن حجية السنة ثبتت بالقرآن نفسه الذي يدّعي تعظيمه. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فكيف يبيّن النبي للناس ما نُزّل إليهم إذا كان قوله غير محفوظ ولا حجة فيه؟ ومن أين علمنا أن القرآن هو القرآن إلا بالنقل المتواتر الذي نقلت به السنة العملية نفسها؟ إن من رد السنة جملةً فقد كذّب صريح القرآن وعطّل أحكامه.

تمييع عقيدة التوحيد وشرعنة الكفر

يعيد تعريف «الإسلام» ليجرده من معناه الشرعي (الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة)، ويجعله حالة سلوكية عامة تعني «كف الأذى»؛ فكل إنسان مسالم «مسلم» عنده، ولو كان ملحدًا ينكر وجود الخالق. وأما «الإيمان» فعقد اجتماعي بحت. وهذا القول كفر صريح ينسف ركن الشهادتين، ويجعل بعثة الأنبياء عبثًا لا طائل منه.

القول بنجاة المشركين والملاحدة في الآخرة

يطرد أصله الفاسد فيقرر عبر منصاته أن الجنة ليست حكرًا على من آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بل سيدخلها النصارى واليهود والمجوس والملاحدة «رغم أنوفهم» متى قدموا نفعًا للبشرية؛ ضاربًا بصريح محكم التنزيل: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

تحريف المصطلحات الشرعية (التسييل الدلالي)

فالشرك عنده ليس اتخاذ ند مع الله، بل «جعل مشرّع مع الله» حصرًا في قضايا اجتماعية. واليهودي ليس متبع التوراة المحرفة بل كل من اتصف بالانغلاق ولو كان من أمة محمد، والنصراني من تعصب لفكره. وهذا ما أسماه الدكتور سامي عامري بحق: «تهويد المسلمين»، حيث تُمحى الفوارق بين أمة التوحيد وأمم الشرك.

العبث بالتفسير لصالح النظريات المادية

ومن عجائب جهله زعمه أن قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ يشير إلى «الصفائح التكتونية»! متجاهلًا سياق الآية الذي يتحدث عن تباين التربة واختلاف الثمار. وليت شعري، هل تُسقى الصفائح التكتونية بالماء لتخرج عنابًا ونخيلًا؟ إن هذا ليس اجتهادًا، بل استخفاف بعقول السامعين.

تحريف العبادات والشعائر

لما أسقط السنة وجد نفسه أمام آيات تأمر بالصلاة والزكاة والحج دون تفصيل كيفياتها في القرآن، فبدلًا من الإذعان للبيان النبوي لجأ إلى تحريف الشعائر: الصلاة لا تعني الهيئة المعروفة، والزكاة ليست مقادير محددة، والحج ليس بالضرورة في مكانه وزمانه المتوارثين، بل مفاهيم معنوية قابلة للتغير. وهذا من أفسد ما يُطرح عقلًا ونقلًا؛ فإن هذه الشعائر لم تُنقل عبر كتب الحديث وحدها ليطعن في تدوينها، بل نُقلت بالتواتر العملي: صلى النبي صلى الله عليه وسلم أمام عشرات الآلاف من الصحابة، وصلى هؤلاء أمام مئات الآلاف من التابعين، وتوارثت الأمة الهيئة كابرًا عن كابر. والطعن في هذا التواتر طعن في قدرة العقل البشري على نقل أي حقيقة تاريخية.

الطعن في الصحابة ورموز الأمة

لم يسلم الصحابة من لسانه، وخاصة المكثرين من الرواية كأبي هريرة رضي الله عنه، فوجه إليه سهام التشكيك والاتهام باختلاق الروايات أو التأثر بالإسرائيليات، مكررًا شبهات المستشرقين وحواشي الرافضة. والطعن في الصحابة ليس تقييمًا تاريخيًّا لرجال مضوا، بل طعن مباشر في الواسطة التي نقلت إلينا الدين قرآنًا وسنة؛ فإذا جُرح النقلة سقط المنقول. والله قد زكاهم في محكم تنزيله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، فمن كذّب تزكية الله لهم فقد ضل ضلالًا مبينًا.

احتقار الفقه ووصفه بـ«الدين الأرضي»

يكرر في عناوين مقاطعه مصطلح «الدين الأرضي» في مقابل «الدين السماوي»، قاصدًا جهود فقهاء الأمة والمذاهب الأربعة وأصول الفقه وعلوم الحديث، مصورًا إياها صناعة كهنوتية وضعها رجال الدين لاستعباد الناس. وهذا خلط عجيب بين الثابت والمتغير؛ فالفقه الإسلامي جهد بشري منضبط في فهم النص الإلهي، يفرق بين قطعي لا اجتهاد فيه وظني تتعدد فيه الآراء. وتسمية علم الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد «دينًا أرضيًّا» مصادرة استعلائية، ومحاولة رخيصة لإسقاط ضوابط الفهم ليخلو له الجو فيفرض «فهمه الأرضي» هو، مستترًا خلف لافتة القرآن.

بضاعته في اللغة: شيخُ نفسه يفتضح في صنعته

أعجب ما في الرجل أن اللغة التي جعلها معوله لا يحسن أساسياتها. فلا يُعرف له شيخ في اللغة، إنما هو شيخ نفسه، ويظهر من حاله أنه يعتقد أنه لا يحتاج. وقد سُمع يقرر أن أصل «سَلِمَ» هو «سَلَّ»؛ وهذا جهل بأبجديات التصريف: فـ«سَلَّ» ليست ثنائية أصلًا، بل ثلاثية مضعفة (سَلَلَ)، وهما مادتان مختلفتان لا علاقة لإحداهما بالأخرى. وسُمع يقول إن أصل «الموت» هو «مَتَّ»، والغلط نفسه يتكرر. ومن هذه الخزعبلات والسفسطات يبني تفسيره، ثم يقرأ القرآن قراءة العِضين.

وأعمق من ذلك فضيحته المعرفية الكبرى: أنه يحتج باللغة وينكر التراث، والمعاني اللغوية التي يذكرها هي نفسها نقل تراثي محض؛ فإن كان النقل ساقطًا عنده فبم عرف معاني الكلمات أصلًا؟ إن كل معجم فتحه، وكل دلالة زعمها، وصلته بالطريق نفسه الذي يهدمه.

التناقضات المنهجية: حين يهدم المعول نفسه

المشاريع الباطلة تحمل بذور فنائها في داخلها، ومن أمتع ما يواجَه به مشروع أبي عواد عرض تناقضاته على ميزان العقل:

مفارقة المعجم والحديث: يرفض الأحاديث النبوية بحجة أنها «دُوّنت بعد النبي بقرون فكيف نثق بها؟»، ثم يبني كل مشروعه التفسيري على معاجم اللغة، مثل «لسان العرب» لابن منظور المتوفى سنة 711 هـ و«القاموس المحيط» للفيروزآبادي المتوفى سنة 817 هـ. فكيف يرفض كتابًا دُوّن في القرن الثالث بدعوى بُعد العهد، ويعتمد بثقة مطلقة على معجم دُوّن في القرن الثامن لفهم لغة نزلت في القرن الأول؟

ادعاء الكهنوت وممارسته: يهاجم العلماء بحجة أنهم نصبوا أنفسهم أوصياء على النص وصنعوا «كهنوتًا»، ويطالب بحق كل إنسان في فهم القرآن مباشرة؛ ثم ما إن يفتح الكاميرا حتى يمارس أبشع أنواع الكهنوت اللغوي: يفرض تفسيراته الشاذة، ويخطّئ كل من خالفه، ويطلب من متابعيه أن يطرحوا فهم 1400 سنة ليأخذوا بفهمه هو وحده.

إنكار التواتر اللفظي وإثبات التواتر المعجمي: ينكر أن الأمة استطاعت نقل حديث «إنما الأعمال بالنيات»، ويثبت أنها استطاعت نقل أن كلمة «ضرب» في لغة العرب تعني كذا وكذا؛ مع أن دواعي نقل الأحكام والشعائر في الأمم أعظم وأقوى من دواعي نقل مفردات اللغة المجردة.

سر الانقلابين: نفسية الرجل كما يعرفها أقرب الناس إليه

من عرف يوسف عن قرب يقطع بأنه ضعيف نفسيًّا، مهزوز الشخصية، لم تعركه التجارب؛ وهو يجتهد في إظهار عكس ذلك تمامًا، فيتقمص صاحب الشخصية القوية وهو من الناحية النفسية مسكين. وتأمل انفعالاته حين يُنتقد تجدها شاهدةً عليه: فقد رد قبل مدة على أبي عمر الباحث بقوله بنصه: «أنتم التراثيون، وأنا أخبر الناس بكم، وقد وقعتم على خبير»، وقوله: «ليس كل لحم يُلاك»، وقوله: «أنتم فتحتم على أنفسكم باب شر لن يُغلق أبدًا». صياحُ متوعدٍ لا حجةُ عالم؛ وكثيرُ الزئير في هذا الباب قليلُ الصرامة.

والخيط الناظم لحياته كلها واحد لا يتبدل: نزعة التفوق والتصدر. هي التي أخرجته من الصيدلة إلى الشريعة ليتفوق فيها، وهي التي جعلته يقبل مشيخة الغلاة وهو طالب، وهي التي حملته بعد الدكتوراه على ركوب موجة «ما لم تستطعه الأوائل»، وهي الظاهرة في كل طرحه إلى اليوم. تبدلت العقائد على طرفي نقيض، من تكفير المسلمين إلى تنجية الملاحدة، وثبتت النفسية: أن فهمه وحده هو الدين، ومن لم يتبعه لا يفهم. وما أشبه لسان حاله بقول فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.

وقد فسّر الشيخ طرهوني انحرافاته الكبرى بأنها امتداد لذلك الانهيار القديم في المعتقل: إما بتأثير مسّ شيطاني لم يُعالج، وإما بتدهور نفسي وانفصام جعله أداة طيعة لهدم الدين، مرجحًا أن ضعف شخصيته جرى استغلاله لإخراجه بنسخة جديدة تنقض عرى الإسلام الذي كان يدافع عنه. وفسّره من عرفه قبل السجن وبعده بردة الفعل: كسر الحلم، وذل السجن لمن لم يعتد الذل، وهجران الأصحاب، فحقدٌ على الماضي كله. والتفسيران يتكاملان ولا يتدافعان: أحدهما يصف الآلة التي انكسرت، والآخر يصف الوقود الذي يحركها منذ انكسرت.

قلتُ: وبهذا ينحل اللغز الذي حيّر الناس في «تحولات» الرجل: ليست تحولات فكرية نضجت بالبحث، بل انقلابات نفسية يعقبها بناء فكري يبررها. ولذلك لا يُستغرب، كما قال من خبره عن قرب، أن ينقلب انقلابة ثالثة إلى مرحلة جديدة إن تغيرت الظروف يومًا؛ فالبوصلة عنده ليست الدليل، بل موقع الصدارة. ومن كان هذا حاله فقد صدق فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾.

التحالفات والارتباطات المشبوهة: صنيعة «مجتمع» وراند

لا يمكن تقييم مشروع أبي عواد بمعزل عن المنصة التي تبنته ومولته وصدّرته للناس. منصة «مجتمع» ليست قناة ثقافية بريئة؛ تتلقى تمويلًا ضخمًا من جهات إماراتية لترويج أجندة «الديانة الإبراهيمية» ونشر الإلحاد المقنع عبر شخصيات مثل أبي عواد وباسم الجمل وغيرهما، ويضم مجلس أمنائها أعتى أعداء الإسلام المعاصرين، وعلى رأسهم الشاعر السوري أدونيس (علي أحمد سعيد إسبر) الذي أفنى عمره في هجاء الذات الإلهية والدعوة لتمزيق الوحي، والمفكر التونسي عبد المجيد الشرفي بطل «تاريخانية النص» والداعي إلى إلغاء العبادات والشعائر. وفي هذه الأحضان استُقطب مدرسُ اللغة العربية بعد خروجه من سجنه بحقده، فصار أداة وظيفية لتنفيذ رؤية هذه الجماعة.

وهو تقاطع مريب يتطابق حرفيًّا مع توصيات تقارير مؤسسة راند الأمريكية (RAND Corporation)، وتحديدًا تقرير «الإسلام الديمقراطي المدني» الذي أوصى صراحة بدعم «الحداثيين» ومنكري السنة وتوفير المنصات الإعلامية لهم، بهدف تفكيك الإسلام الأصولي وإخراج نسخة «منزوعة السلاح والعقيدة» تتوافق مع الهيمنة الغربية. ولا ينفصل هذا عن المناخ السياسي المروج لـ«الديانة الإبراهيمية»؛ فمشروعه في تمييع مصطلحات «اليهود» و«النصارى» وإثبات النجاة للجميع يصب مباشرة في خدمة التطبيع العقدي والسياسي، ويسحب من القضية الفلسطينية عمقها الإسلامي، ليحول الصراع مع المحتل المغتصب إلى مجرد «اختلاف بين إخوة في الإنسانية».

من يلتف حوله وينصره؟

لم يلتف حول مشروعه طائفة من طلبة العلم أو الباحثين الجادين، بل جمهوره خليط من ثلاثة أصناف:

  • شباب حيارى أرهقتهم شبهات العصر وضعف التأسيس الشرعي، فوجدوا في خطابه السهل المتمرد جاذبية.
  • فئة تبحث عن التفلت من التكاليف الشرعية (كالصلوات الخمس بهيئتها، والزكاة، والحجاب)، فوجدت في «قراءته المعاصرة» صك غفران يتيح ترك الفرائض باسم القرآن.
  • تيار علماني وحداثي وجد في منكري السنة حليفًا وظيفيًّا ممتازًا يهدم المرجعية الدينية من الداخل وباسم الدين نفسه.

الردود العلمية وشهادات العارفين

تصدى لضلالاته عدد من الباحثين وطلبة العلم. فمن أقواهم الدكتور سامي عامري الذي خصه بمقال حاسم بعنوان: «الشحرور يوسف أبو عواد.. براءة من الزندقة أم إقرار بها؟!»، نقل فيه إجماع الأمة على كفر منكري السنة، وقال في وصف حاله: «يوسف أبو عوّاد، الذي يُستَخدَم في مشروع 'مجتمع' الذي يُشرف عليه أدونيس، الملحد الحاقد المعروف، لنقض الإسلام من الداخل، خرج ليدفع عن نفسه تُهمة الزندقة. وقد أحسن، إذ كشف عن حقيقة نفسه في مقام الدفاع عنها».

ورد عليه أبو عمر الباحث فما ملك أبو عواد إلا الوعيد والانفعال، على ما تقدم نقله بنصه. ولما حوصر بالنقد لجأ إلى حيلة العاجز: قام بتقديم شكوى إلى موقع يوتيوب وحذف مقاطع الردود من قناة شؤون إسلامية ومكافح الشبهات ودكتور هيثم طلعت، ثم ادعى أن من ينتقده إنما ينتقد القرآن نفسه لا اجتهاده البشري؛ وهي مصادرة صفيقة تضفي القداسة على شطحاته وتحول دون محاكمته علميًّا.

وأما شهادات من عرفه من قرب، فقد تقدمت في مواضعها: شهادة الشيخ طرهوني رفيق معتقله، وشهادة صديقه القديم الذي كشف بيته ونشأته وانقلابه الأول وسجنه وهجرانه، وختمها بأسفه عليه: كان من الممكن أن يكون مشروع رجل ينفع الله به.

الأصول الفاسدة والأثر في الأتباع

أعظم ما يؤخذ عليه أنه علّم جيلًا كيف يهدم الوحي متوهمًا أنه يجدده. فمن أصوله الفاسدة: إخضاع الوحي للفلسفة المادية، حيث حوّل القرآن من كتاب هداية إلهي إلى لغز فيزيائي لا يُفك إلا بشفرات «قصصية الحرف»؛ وتحويل العبادات إلى طقوس فارغة يمكن تغيير أشكالها، مما يمهد لإسقاط التكاليف بالكلية؛ والتجهيل المتعمد لأمة الإسلام، إذ يلزم من مشروعه أن الأمة بصحابتها وتابعيها عاشت 1400 سنة في ظلام وفهم خاطئ لكلام الله حتى جاء هو فاكتشف الحقيقة، وهذا لزوم فاحش يطعن في حفظ الله لدينه وبيانه لعباده.

ولم يُنتج مشروعه حركة علمية ولا أخرج طلبة علم، بل أنتج حالة من السيولة الفكرية والعدمية بين متابعيه؛ أثره الحقيقي تفتيت اليقين في نفوس بعض الشباب، وجعلهم يستخفون بكتب الصحاح وإجماع الفقهاء، وهو جسر عبور مثالي لمن أراد التحلل من التكاليف مع الاحتفاظ بلقب «مسلم» بمفهومه الشحروري الجديد. وقوة حضوره الإعلامي كانت دائمًا أكبر بكثير من قوة حجته العلمية.

الخلاصة النهائية

قلتُ: فالحاصل أن يوسف أبو عواد لم يكن يومًا عالمًا زلّ، ولا مجتهدًا أخطأ في تقدير الدليل، وإنما هو صاحب انقلابات نفسية يعقبها بناء مشروع يبررها: غلا في التكفير حتى كفّر بغير برهان، ثم انقلب فميّع الكفر حتى أدخل الملاحدة الجنة؛ وهو في الحالين واحد: مفتونٌ بصدارته، جازم أن فهمه وحده هو الدين. ثم استقر أمره على مشروع ثابت في نقض أصول الدين، متخذًا من «القرآنية» ستارًا لطعن الإسلام في مقتله؛ فإن الدين بلا سنة نبوية يصبح هيكلًا خاويًا يُملأ بأهواء كل ناعق.

إن مقالته في إنكار السنة القولية والعملية، وتحريفه لشعائر الإسلام المتواترة كالصلاة والزكاة، وطعنه في نقلة الوحي من الصحابة، مقالاتُ هدمٍ لا ريب فيها، وما يدعو إليه كفرٌ بواح بحكم الشريعة؛ لأنه تكذيب لنصوص القرآن الآمرة باتباع الرسول، وتكذيب للتواتر القطعي.

والحكم الحاسم الذي لا لبس فيه: لا يحل لمسلم أن يأخذ عن هذا الرجل شيئًا من دينه، ولا أن يستمع لمقاطعه إلا على وجه الرد والنقض ممن كان من أهل التخصص. وتقديمه للناس على أنه «مفكر إسلامي» أو «مجدد» تلبيس عظيم؛ فما هو إلا أداة تفكيك ومعول هدم، استُخدمت لغةُ العرب فيه لضرب دين العرب والعجم. ومن خبر تاريخه علم أن انقلابه الحاضر قد لا يكون الأخير؛ فالرجل ابن الظرف لا ابن الدليل، ويُخشى على أتباعه اليوم أن يفاجئهم غدًا بوجه ثالث.

وطريقُه كله شاهدُ هذا الحكم وخاتَمُه: فهكذا انتهى الطريق الذي بدأ بطفل من بيت شيخ، يحفظ القرآن ويرفع اسم بلده في مسابقات الحفظ الدولية، إلى رجل يستغل هذا الحفظ في هدم حدود الله وتكذيب نبيه. مرّ الطريق بحلقة غلاة شيّخوه، وزنزانة انهار فيها، وأصحاب هجروه، ومنصة ممولة اشترت حقده؛ وفي كل محطة كان يبدل عقيدته ولا يبدل نفسه. وها هو اليوم يجلس في استوديو معزول يبث مقاطع يشاهدها الملايين، لكنها لا تبني مسجدًا، ولا تقيم صلاة، ولا تخرج جيلًا يعرف معروفًا أو ينكر منكرًا. لم يصنع دينًا جديدًا يستقر عليه الناس، بل صنع حالة من الشك الدائم، وعلّم جيلًا كيف يهدم ولم يعلمه كيف يبني. وهذه آفة التصدر بلا آلة، والتجرؤ على حياض الوحي بغير طهارة علمية.

نسأل الله سبحانه أن يرد كيده في نحره، وأن يقيض لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من يفضح باطله، وأن يكف عن المسلمين شر ما أصّل، وأن يهدي من اغتر ببيانه، وأن يرده هو إلى الحق ردًّا جميلًا؛ فذلك الطفلُ الحافظ كان يمكن أن يكون غير الذي كان. وحسابه على رب لا تخفى عليه خافية.

تنبيه هام: فيما يتعلق بحصوله على درجتي الماجستير والدكتوراه في اللسانيات فهذا نقلناه من تعريفه الشخصي ولا نستطيع التحقق منه لأنه لم يحدد أسماء الجامعات ولا التواريخ ولا موضوع رسائله الأكاديمية بدقة للتحقق منه ومن وزنه الأكاديمي الحقيقي.

كُتبت هذه الترجمة يوم السبت 17 من صفر 1448 هـ، الموافق 1 من أغسطس 2026 م، بناءً على ما وقفنا عليه من كلامه المنشور ومقاطعه ومصادره المتاحة إلى هذا التاريخ. فما جدّ بعده من قول أو رجوع فله حكمه، ومن وقف على ما يزيد في المادة أو يصحح فيها فليُتحفنا به.

نُشرت هذه السيرة في ، وآخر تعديل لهذه الصفحة في . طول السيرة نحو 4408 كلمة.
أرسل رابطها إلى من يهمه الأمر.