هيثم طلعت
| هيثم طلعت | |
|---|---|
![]() | |
| الاسم الكامل | هيثم بن طلعت بن علي سرور |
| الميلاد | 1981 م، المنيا، صعيد مصر |
| البلد | مصر |
| المهنة | طبيب بشري، وداعية وباحث في نقد الإلحاد والرد على الشبهات |
| أبرز الأعمال |
|
| التصنيف | دعاة وعلماء |
الداعيةُ المنافح عن أصول الملة، والباحثُ المستقصي الحارس لحياض العقيدة في ثغور الفكر المعاصر، ومفكِّكُ شبهات الإلحاد في جيله، الطبيبُ هيثمُ بنُ طلعت بنِ علي سرور، حفظه الله. وُلد بمحافظة المنيا في صعيد مصر سنة 1981، ونشأ في بيئة محافظة طبعت فيه الغيرة على الدين، ودرس الطب البشري وتخرج طبيبًا ممارسًا. ثم رأى طوفان الشبهات يجتاح عقول الشباب، فخرج من عيادة الأبدان إلى ساحة العقائد: لبس معطف الطب ليشخّص أمراض العقول، وحمل مشرط العلم التجريبي والفلسفة ليشرّح دعاوى الإلحاد المعاصر أمام ناظري الأمة.
قويُّ الحجة، سريعُ البديهة، حاضرُ المصدر، هادئُ النبرة؛ لا يرفع صوته ولا يخسر موقفه. انتهت إليه في العقدين الأخيرين رايةُ مقارعة الإلحاد وتفكيك الشبهات في الفضاء الرقمي العربي، حتى صار اسمه مقرونًا في أذهان شباب الأمة بالرد على الملاحدة والعلمانيين ومنكري السنة، وصار شوكةً في حلوق منظّري «الإلحاد الجديد»، وعقبةً كؤودًا أمام المروجين للداروينية والنسوية وأديان الطاقة. ومشروعه يتلخص في جملة واحدة: تفكيك المنظومات المادية المستوردة، وتسليح الشاب المسلم باليقين العقلي والنقلي، والدفاع عن ثوابت الشريعة في وجه السيولة الحداثية بلا لغة اعتذارية.
صعد من منبر قناته على يوتيوب حين تكسرت على صخرة ردوده أمواجُ الموجة الإلحادية التي اجتاحت العالم العربي بعد سنة 2011؛ فما ترك شبهة في التطور الدارويني، أو النسوية الراديكالية، أو الإلحاد الروحي، أو إنكار السنة، إلا فكّكها بأسلحة الخصوم ومراجعهم، لا بالوعظ المجرد. ولم يقف عند المقطع والكتاب، بل أسس الدورات والأكاديميات التي خرّجت آلاف المحاورين، ونقل المعركة كلها من خندق الدفاع والاعتذار إلى منصة الهجوم والمحاكمة.
ناصره شباب الصحوة وطلاب العلم، وزكّاه علماء ودعاة معتبرون. وخاصمته طوائف شتى: الملاحدة، والعلمانيون، والنسويات، ومنكرو السنة، ومروجو أديان العصر الجديد؛ فلما أعيتهم مقارعتُه في ميدان الحجة لجؤوا إلى التشويه والاقتطاع والتبليغ لإسقاط منصاته. وهو صاحب المقاطع التي كانت تفتح مراجع الخصوم على الهواء فيقلب بها السحر على الساحر. غلب خيرُه ونفعُه غلبةً ظاهرة، وحفظ الله به إيمان ألوف من الشباب.
محتويات
- 1 الطفل الذي نشأ في الصعيد
- 2 تكوين الباحث: من ابن تيمية إلى دوكينز
- 3 زمن الزلازل: الموجة التي خرج لها
- 4 المشهد الكاشف: حين انقلب السحر على الساحر
- 5 المشروع المركزي: نقل المعركة إلى أرض الخصم
- 6 هدم الصنم الأكبر: الداروينية الشاملة
- 7 حراسة السنة في وجه «القراءة المعاصرة»
- 8 النسوية وحرب الأسرة
- 9 الخطر القادم من الشرق: أديان الطاقة
- 10 الكاميرا التي صارت منبرًا
- 11 من المقطع إلى المؤسسة
- 12 من نصره ومن خاصمه
- 13 أثره في الجيل
- 14 الخلاصة النهائية
الطفل الذي نشأ في الصعيد
وُلد هيثم طلعت في مدينة المنيا، قلب صعيد مصر، في بيت مستقر وبيئة تُعرف بالتدين الفطري والصلابة المحافظة. وهو من جيل الثمانينيات الذي فتّح عينيه على الصحوة الإسلامية في أوج امتدادها، ثم شهد انكساراتها وتحولاتها؛ فوعى مبكرًا دروسها.
تعلم في المدارس المصرية فتفوق في الثانوية، والتحق بكلية الطب البشري بجامعة المنيا. وحصل على بكالريوس الطب والجراحة عام 2004 وتخرج طبيبًا ممارسًا، غير أن الطب لم يكن عنده مهنة استرزاق ولا شهادة تُعلق على الجدار، بل كان التأسيس الخفي لمشروعه كله. درس الخليةَ فرأى الإحكام، ودرس الحمضَ النووي فرأى الشفرة، ودرس التشريح ووظائف الأعضاء فرأى الصنعة البالغة؛ فصار ادعاءُ أن هذا التعقيد المذهل جاء بلا غاية ولا خالق دعوى تصادم العقل عنده قبل أن تصادم النقل. ومنحته الدراسة نفسها لغةَ القوم: يقرأ الورقة العلمية بلسانها، ويفرّق بين الحقيقة التجريبية المشاهدة وبين التفسير الفلسفي الذي يُقحم عليها.
تكوين الباحث: من ابن تيمية إلى دوكينز
تشكّل المشروع الفكري للدكتور هيثم طلعت من مسار بحثي طويل، جمع فيه بين التأصيل الشرعي عبر الدراسة على أيدي العلماء، والمعرفة الطبية، والاطلاع الواسع على الفلسفات والمذاهب الفكرية والعلمية المعاصرة. ولم يكن اشتغاله موزعًا على أبواب العلوم الشرعية المختلفة، بقدر ما كان مركزًا على مجال تخصصه: نقد الإلحاد والمادية، وتفكيك الشبهات المتعلقة بالوحي والنبوة والخلق والإنسان، وما يمكن تسميته «النوازل العقدية والفكرية المعاصرة».
وقام تكوينه على رافدين كبيرين. أولهما التراث الإسلامي، فقد انكب على كتب العقيدة، وتعمق في تراث شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ولا سيما كتابَي «درء تعارض العقل والنقل» و«مفتاح دار السعادة»، فوجد فيهما الجمع بين قوة البرهان ونور الوحي، ومناهج راسخة في كشف تناقض الفلسفات وتقويم مسالكها. كما أفاد من كتب التفسير بالمأثور، وفي مقدمتها «جامع البيان» للإمام الطبري وتفسير ابن كثير، واستمد من تراث أئمة أهل السنة تعظيم النص، ورد المتشابه إلى المحكم، والوقوف عند حدود الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.
وقد منح هذا الرافد مشروعه ميزانه العقدي الواضح؛ فهو لا يتعامل مع أحكام الإسلام بوصفها عبئًا يحتاج إلى الاعتذار، ولا يعيد تشكيل النصوص لتوافق الذوق الفكري المتغير، بل ينطلق من التسليم للوحي، ثم يناقش الاعتراضات ويكشف اضطرابها بالحجة العقلية والعلمية.
وأما الرافد الثاني فهو المكتبة الغربية الحديثة. فقد أدرك أن مواجهة الإلحاد المعاصر لا تكفي فيها معرفة الأجوبة التراثية وحدها، بل لا بد من قراءة الخصوم بلغتهم، وفهم أصولهم الفلسفية، وتتبع حججهم من مصادرها. ولذلك قرأ لأبرز رموز «الإلحاد الجديد»، مثل ريتشارد دوكينز، وسام هاريس، وكريستوفر هيتشنز، ودانييل دينيت، وتابع أطروحات لورانس كراوس وستيفن هوكينج وغيرهم.
كما توسع في قراءة الفلسفة الغربية الحديثة، وتاريخ العلوم، ونظرية المعرفة، ومغالطات المنطق، وعلم النفس التطوري، والفيزياء الكونية في حدود اتصالها بأسئلة الخلق والنشأة والوجود. وتابع ما تنشره الدوريات العلمية الكبرى مثل Nature وScience، واطلع في المقابل على المدارس الغربية الناقدة للداروينية والمادية الاختزالية، ولا سيما مدرسة «التصميم الذكي» وكتابات عدد من روادها، مثل مايكل بيهي وستيفن ماير.
وهكذا اجتمع في مشروعه تكوين الطبيب، واطلاع الباحث العقدي، ومعرفة المتخصص بأدبيات الخصم وأدواته. وهذا المزيج هو الذي أهله لخوض معركة فكرية لا يكفي فيها النقل المجرد مع من لا يؤمن بالنص، ولا يجدي فيها الوعظ وحده مع من لا يعترف إلا بالمادة والتجربة، بل تحتاج إلى فهم الوحي، وإدراك مناهج العلم، والقدرة على كشف المقدمات الفلسفية المستترة خلف كثير من الدعاوى العلمية المعاصرة.
زمن الزلازل: الموجة التي خرج لها
لا تُفهم قيمة الرجل إلا بفهم لحظته. فبعد سنة 2011، وما تلاها من أحداث جسام في مصر والمنطقة، أصيب قطاع واسع من الشباب بصدمة مزدوجة: صدمة في الأنظمة التي استعادت سطوتها، وصدمة في تيارات تصدرت المشهد ثم تراجعت أو أُقصيت. واستُغل الفراغ ففُتحت صنابير التشكيك: تُرجمت كتب أئمة الإلحاد الجديد، وظهرت حسابات وهمية وصريحة تبشر بالعدمية، ولم يعد الإلحاد ترفًا نخبويًا في صالونات المثقفين، بل صار مقاطع سريعة وصورًا ساخرة وتغريدات تطعن في البخاري والصحابة. وفُتحت منابر إعلامية لما سُمي «القراءة المعاصرة» لإسقاط السنة، ورافق ذلك مدٌّ نسوي وجندري يتلقى دعمًا هائلًا لضرب بنية الأسرة المسلمة، وتسللت عقائد الطاقة من باب التنمية البشرية.
ولم تكن الشبهات الجديدة حول خلاف فقهي أو تأويل عقدي، بل جاءت بلسان فيزياء الكم والطفرات الجينية والسجل الأحفوري؛ فوقف كثير من الخطباء التقليديين حائرين، لا يدركون طبيعة المعركة ولا لغتها. في هذه اللحظة برز الطبيب الشاب، فاختار ألا يغوص في وحل المعارك السياسية اليومية التي استنزفت غيره، ووجّه بوصلته إلى حفظ أصل الدين في قلوب الجيل.
المشهد الكاشف: حين انقلب السحر على الساحر
في ذروة الموجة، بين سنتي 2012 و2018، كانت قنوات الملاحدة العرب، كشريف جابر وقصي بيطار وأضرابهما، تعتمد الإبهار البصري والإنتاج المرتفع واللغة الاستعلائية التي تسفّه عقول المسلمين، وتقتطع نصوصًا من المقالات العلمية لتقديم الإلحاد بوصفه النتيجة الحتمية للعلم. وسُئل هيثم طلعت في أحد لقاءاته المبكرة عن سر هجومه الكاسح على رموز هذا التيار، فقال ما معناه: «إننا لا نواجه شبهات علمية، بل نواجه أمراضًا نفسية وشهوات أُلبست ثوب العلم المادي، ولن ندعهم يسرقون دين شبابنا تحت لافتة التنوير». لم تكن الجملة رد فعل؛ كانت إعلان خطة عمل.
ثم كان المشهد الذي عرفه به الجمهور. نشر أحد أشهر الملاحدة العرب مقطعًا يزخر بالسخرية، يستعرض فيه أوراقًا علمية بالإنجليزية يزعم أنها تقطع بصحة التطور العشوائي وتنفي الخلق. وبعد أيام ظهر هيثم طلعت في غرفة بسيطة، أمام كاميرا متواضعة، وبين يديه الأوراق نفسها. لم يصرخ، ولم يسبّ، ولم يستنجد بالخطابة. فتح المرجع الغربي بهدوئه المعتاد وابتسامته الخفيفة، وقرأ النص الإنجليزي الأصلي، ثم ترجمه للمشاهدين؛ فإذا الخصم قد بتر النص ودلّس في الترجمة، وإذا الورقة تناقش «التكيف الدقيق» المشاهد تجريبيًا لا «التطور الشامل» المدَّعى، بل تطرح من التساؤلات ما تعجز الصدفة عن جوابه. وقال يومئذ جملته التي صارت منهجًا: «الإلحاد لا يقتات إلا على الجهل وبتر النصوص». فلله درُّه يومئذ؛ جلسةٌ واحدة هدمت ما بنته المؤثرات في سنين.
في ذلك المشهد تحطمت أسطورة «الملحد المثقف»، وعلم القاصي والداني أن قواعد الاشتباك تغيرت: انتقل الشاب المسلم من موقف المدافع المعتذر إلى موقف المهاجم الذي يطلب النص الأصلي ويحاكم الملحد إلى مرجعيته. وإلى بناء هذا المنهج ننتقل.
المشروع المركزي: نقل المعركة إلى أرض الخصم
قام مشروعه على قاعدة صلبة: الإلحاد ليس موقفًا علميًا محايدًا، بل «فلسفة مادية» و«دين بديل» له كهنته وكتبه المقدسة؛ وهو في حقيقته عدمية معرفية وأخلاقية، وتمرد نفسي، وانتكاس فطري يتستر بلغة علمية زائفة. وتفرعت عن القاعدة ركائز أربع:
أولها نقل عبء الدليل: الملحد هو المدعي أن هذا الكون المحكم جاء صدفة، فعليه الإثبات، وليس على المؤمن أن يقف في قفص الاتهام.
وثانيها كسر «العلموية» (Scientism): فدعوى أن العلم التجريبي هو المصدر الوحيد للمعرفة ليست نتيجة تجربة معملية، بل حكم فلسفي ينقض نفسه، وقد سقطت في أروقة الفلسفة الغربية ذاتها. العلم يدرس كيف تعمل الأشياء، ولا يملك الجواب عن لِمَ وُجدت. وأثبت بالأدلة الموثقة أن رواد الاكتشافات الكبرى كانوا مؤمنين بالخالق، فنزع من يد الملاحدة أداة احتكار العلم.
وثالثها ضرب الأساس المادي من داخله: المادة العمياء الصماء لا تنتج عقلًا واعيًا يدرك الحقيقة؛ وكيف يثق الملحد بعقلٍ هو عنده نتاج طفرات عشوائية غير هادفة، غايتها البقاء لا الصواب؟
ورابعها فضح العدمية الأخلاقية، وهو من أشد ما أغاظ خصومه: ألزمهم أن الإلحاد لا يملك مرجعية موضوعية لتخطئة أي جريمة؛ فإذا كان الكون ذراتٍ تتفاعل فلا معنى ملزمًا للخير والشر، والأخلاق الموضوعية تستلزم مشرّعًا متجاوزًا للمادة. وأجبر بعضهم في المناظرات على تجرع هذه الكأس المرة، حتى اضطروا إلى تبرير شذوذات وجرائم التزامًا بالمادية.
ثم نقل جانبًا من المعركة إلى علم النفس، مستندًا إلى دراسات منها كتاب بول فيتز «إيمان فاقدي الأب» في ربط الإلحاد بالصدمات النفسية والتمرد على سلطة الأب أو الرغبة في التفلت من القيود، وصاغ قاعدته: «الإلحاد في جوهره ليس مشكلة في العقل، بل هو مشكلة في الإرادة؛ الملحد لا ينكر الله لأنه يفتقد الدليل، بل لأنه يرفض التسليم».
هدم الصنم الأكبر: الداروينية الشاملة
جعل الملاحدة من الداروينية دينهم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومطيتهم لنفي الغائية والخلق المباشر. فتصدى لها بتفريق صارم صار علامة على منهجه: «التطور الدقيق» أو التكيف داخل النوع الواحد (Microevolution) حقيقة مشاهدة تجريبيًا من خلق الله لا تعارض الشريعة؛ وأما «التطور الكبير» (Macroevolution) ودعوى السلف المشترك لجميع الكائنات فقفزة فلسفية مادية تعارض صريح القرآن في خلق آدم، وتفتقر إلى الدليل الأحفوري والبيولوجي الرصين. واستخدم أبحاث علماء الكيمياء الحيوية، ومنها نظرية «التعقيد غير القابل للاختزال» عند مايكل بيهي وحجة «الضبط الدقيق للكون»، ليثبت استحالة تكوّن الآلات البيولوجية المعقدة صدفة. وقدم ردودًا قاصمة على برامج تبسيط العلوم التي تمرر الإلحاد والتطور في قالب الترفيه، كبرنامج «الدحيح» لأحمد الغندور، مفككًا مغالطاته حلقة بحلقة.
حراسة السنة في وجه «القراءة المعاصرة»
وقف سدًّا منيعًا أمام من يسمون أنفسهم «القرآنيين» و«التنويريين». قرر أن السنة وحي ثانٍ وحجة ملزمة، وأن إسقاطها ليس اجتهادًا تجديديًا بل هدم للدين من أساسه، وأن منكريها لا يملكون منهجية لضبط فهم القرآن بعد هدمهم للمبيِّن له. ورد على شبهات إسلام بحيري وأحمد عبده ماهر وعدنان إبراهيم في المواطن التي قدموا فيها العقل على النص وطعنوا في البخاري ومنهج المحدثين، كاشفًا ضعف بضاعتهم في علوم الحديث واللغة. وقرر أن مقالة إنكار السنة مقالة كفرية تُخرج صاحبها من الملة إن قامت عليه الحجة. وبيّن أن الطعن في البخاري والصحابة ليس قضايا علمية منفصلة، بل حلقات في مشروع واحد لتفكيك المرجعية الإسلامية.
النسوية وحرب الأسرة
لم يهادن الموجة النسوية، بل عدّها فرعًا من التمرد المادي على الفطرة وحكم الله. كشف أن النسوية الراديكالية ليست مطالبة بحقوق قانونية للمرأة، بل تمرد شامل على الفطرة البشرية، ومسخ للهوية، وحرب على الأسرة، ومقدمة للشذوذ والعدمية. ودافع عن أحكام الشريعة في القوامة والميراث والحجاب والتعدد دون لغة اعتذارية، وفضح تناقضات النسويات العربيات اللاتي يعتشن على سرديات غربية لا تناسب دين الأمة ولا واقعها. وكشف العلاقة العضوية بين الإلحاد والنسوية: كلاهما ينطلق من مبدأ الاستغناء عن الخالق وتأليه الإنسان.
الخطر القادم من الشرق: أديان الطاقة
مع انحسار موجة الإلحاد المادي الجاف ظهر فخ جديد: أديان «العصر الجديد» (New Age). وكان هيثم طلعت من أبكر من دق ناقوس الخطر، فسمّى الانحراف باسمه: «الإلحاد الروحي». تتبع جذور العلاج بالطاقة وقانون الجذب والشاكرات والريكي في الوثنيات الهندوسية والبوذية والفلسفات الطاوية، وبيّن أنها ليست علومًا طبية ولا مهارات نفسية، بل وثنيات شرقية أعيد تغليفها بمصطلحات علمية زائفة (Pseudoscience) لاختراق عقيدة المسلمين من باب التنمية البشرية والدورات التطويرية. وقرر أن ادعاء القدرة على خلق الواقع عبر الجذب منازعةٌ لله في ربوبيته، وشرك أكبر لا يقبل التمييع.
الكاميرا التي صارت منبرًا
أدرك طبيعة العصر فحوّل الشاشة إلى منبر بلغ آفاق الأرض. وأدواته ثلاث جعلته كابوسًا لأدعياء الإلحاد. غزارة المراجع وسرعة الاستحضار: لا يطرح دعوى إلا وبجوارها صورة الكتاب الغربي ورقم الصفحة وسنة الإصدار، استقصاءٌ أغلق أمام خصومه باب الهروب. والسخرية الفلسفية الباردة: لا يشتم خصمه، بل يقرأ كلامه ويحلل لوازمه حتى يظهر التناقض بنفسه. وسرعة الإيقاع: مقاطع مركزة تناسب عصرها، تقدم وجبة دسمة من الحجج في دقائق معدودة. وقال في وصف خصومه بنصه: «الملحد العربي كائن لطيف، يقرأ صفحة من كتاب مترجم، ثم يظن نفسه أرسطو، فإذا سألته عن مصدره اكتشفت أنه لا يفرق بين الجين والبروتين!».
قلتُ: وهذا المنهج الممتزج بالقوة والسخرية المبطنة بالدليل هو المنهج الذي أرشد إليه القرآن في تسفيه أحلام الكفار؛ فإن الإلحاد المعاصر لم ينتشر بقوة الحجة، بل بالاستعلاء النفسي والغطرسة الكاذبة، فكان لا بد من خطاب يصدم هذه الغطرسة ويمرغ أنفها في تراب الحقائق، وقد كان هيثم طلعت من أبرع من فعل ذلك، فشفى الله بمقاطعه صدور قوم مؤمنين.
من المقطع إلى المؤسسة
أدرك أن الجهد الفردي يزول، فانتقل من الرد إلى البناء. أسس دورة «تحصين العقل المسلم» التي خرّجت آلاف الشباب المدركين لمزالق الشبهات، وأكاديمية «أبابيل» لتخريج محاورين قادرين على مناظرة الملاحدة بأسس علمية وشرعية متينة، وقدم برنامج «حيران» بمشاركة الأستاذ عمرو عبد الجليل، مخاطبًا الشاب الذي تتنازعه الشكوك بأسلوب هادئ عميق. وقناته على يوتيوب، المنطلقة مقاطعها منذ سنة 2014، تجاوز متابعوها مئات الآلاف، وحصدت مقاطعها ملايين المشاهدات، وتقف اليوم أكبر أرشيف عربي متخصص في الرد على الشبهات: مئات الساعات من التحليل والنقض المنهجي.
وأثرى المكتبة الإسلامية بعشرات المصنفات التي صارت مراجع في بابها، سهلةِ العبارة، عميقةِ الطرح، كثيرةِ الإحالات إلى المراجع الغربية لتكون الحجة ألزم للخصم، ومن أبرزها:
- موسوعة بصائر
- 40 خطأ في نظرية التطور: أخطاء لا يريدونك أن تعرفها
- مناظرة الملحدين
- كهنة الإلحاد الجديد
- كبسولات إسكات الملحدين
- مناظرة أدلة الإسلام
- حوار حقيقي مع متنصرة: خفايا وأسرار
- إما الإيمان وإما الفوضى
- موسوعة الرد على الملحدين العرب
- العودة إلى الإيمان
- الإلحاد يسمم كل شيء
- الإلحاد الروحي وخطره على العقيدة والعقل: 50 سؤالًا وجوابًا
- المرأة بين الإسلام والإلحاد
- رسول الأميين
- الفرار من الإلحاد إلى الإسلام: سؤال وجواب
- تخلص من إلحادك
- كيف تدعو إلى الإسلام: ملحدًا، بوذيًا، هندوسيًا، كتابيًا
من نصره ومن خاصمه
التف حوله جمهور عريض من شباب الصحوة وطلاب العلم وجدوا في طرحه طوق نجاة، وتلقته الأوساط الدعوية السنية بالقبول. استضاف في قناته قامات كالشيخ وحيد عبد السلام بالي، فكانت تزكية عملية من أهل العلم. وتآزر معه باحثون من كل التوجهات وأصحاب القنوات واسعة الانتشار، وتكاملت جهوده مع مراكز البحث المعنية بنقد الشبهات كمركز دلائل ومركز براهين. وباتت مؤلفاته تُدرَّس في البرامج المعنية بصناعة المحاورين، وعُدت جهوده استكمالًا نوعيًا لما بدأه الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في تفكيك المادية العلمانية.
وأما خصومه فلم يثبت له منهم خصم على ساحة الحجة. عجز الملاحدة العرب، كشريف جابر وقصي بيطار، عن مقارعته في ميدان الفلسفة والعلم التجريبي، فلجؤوا إلى أسلحة الضعفاء: في البداية التجاهل ادعاءً بعدم أهميته، أو السباب المجرد، أو اقتطاع كلماته من سياقها. وامتدت الخصومة إلى حملات تشويه منظمة وتبليغات متكررة لإسقاط منصاته. وهاجمه العلمانيون وأنصار «القراءة المعاصرة» بوصفه حارسًا لما سموه «التراث الجامد»، ورمته رموز النسوية بضراوة لفضحه أجنداتها الجندرية.
أثره في الجيل
أعظم ما يُحسب له أنه تصدر في وقت اختبأ فيه كثيرون، وكلّم أبناء الجيل بلغتهم، فنقل قطاعًا عريضًا من الشباب من الانهزام النفسي أمام الغرب وعلومه إلى الاعتزاز الإيماني. علّم جيلًا كاملًا أن يقول للملحد: «أنت المطالب بالدليل» بدل التلعثم والترقيع، وربّاه على فتح المصادر الأصلية ومراجعة الترجمة وعدم الاغترار بالمؤثرات البصرية. وأدخل مصطلحات «الضبط الدقيق» و«التصميم الذكي» و«استحالة العشوائية» إلى القاموس الشعبي للشباب المسلم. وكانت مقاطعه وكتبه سببًا مباشرًا، بفضل الله، في عودة أعداد غفيرة من الحيارى إلى اليقين، ورجوع من أعلنوا إلحادهم إلى الصلاة، وإسلام بعض من لم يكن مسلمًا؛ وشهادات هؤلاء متواترة في الفضاء الرقمي بالآلاف، وإن لم يجمعها إحصاء رسمي لتعذره. وكم من شاب كان على شفا هاوية فردّه الله بمقطع من مقاطعه! وما أندر في زماننا من يُحصي أثره بالقلوب المهتدية لا بأرقام المشاهدة.
الخلاصة النهائية
قلتُ: فالحاصل بعد استقراء مسيرة الرجل وتتبع مشروعه أن الدكتور هيثم طلعت داعية سني صادق، ومصلح فكري جسور، وباحث استقصائي نافذ البصيرة، ومجاهد بقلمه ولسانه في ثغر من أثقل ثغور العصر؛ أقام مشروعه على أصول سنية صحيحة، وغلب خيرُه ونفعُه غلبةً ظاهرة.
يُتابَع ويُعتمد عليه في بابه: نقد الإلحاد والداروينية والعلموية، وكشف النسوية وأديان العصر الجديد، وتفكيك شبهات منكري السنة؛ فهو في هذا الباب حجة ومرجع، يُنصح الشباب وطلاب العلم بكتبه ودوراته ومقاطعه لتحصين العقائد.
وهو قويٌّ في ميدانه قوةَ المتخصص، عارفٌ بحدوده معرفةَ المنصف، يُحسب له وقوفه سدًّا أمام طوفان الردة المعاصرة، ولا ينكر فضله في ثغره إلا حاسد أو مخالف في أصل المعتقد.
وطريقُه كله شاهد هذا الحكم: هكذا هي المعارك في تاريخ هذه الأمة، يقيّض الله لكل نازلة من ينازلها. فلما جاءت فتنة هذا العصر لابسة معطف البيولوجيا والفيزياء، أخرج الله لها من أروقة الطب من يرد كيدها في نحرها. لم ينتظر الرجل أن تتهيأ له الظروف، ولم يبكِ على المنابر المفقودة، بل صنع من كاميرا بسيطة وغرفة صغيرة منبرًا خاض منه معارك لو وُزعت على جيش من الباحثين لأثقلتهم. فالطبيب الذي كان من شأنه أن يعالج أجسادًا ستبلى في التراب، اختار أن يعالج عقولًا وأرواحًا لعلها تنجو يوم الحساب. وقد ماتت قنوات، واندثرت حسابات، وانفضت مجالس من الماديين، وبقيت بصائرُه وأبابيلُه تحرس سماء العقيدة.
وهو اليوم في منتصف الأربعينيات من عمره، في أوج عطائه، ما زالت قناته تبث ودوراته تنعقد. وسيذكر التاريخ أن طبيبًا من صعيد مصر وقف في وجه سيل العدمية كالجبل الأشم، تتحطم على صخرة يقينه أمواج الشبهات.
نسأل الله سبحانه أن يحفظه ويسدده، ويبارك في علمه وعمله وقلمه وجهده، ويقيه شر أعدائه، ويجري الحق على لسانه، وينفعه بما أصاب، ويغفر له زلله، ويثبته على الحق حتى يلقاه، ويجعل ما قدمه حصنًا لأبناء المسلمين وذخرًا له في ميزان حسناته.
كُتبت هذه الترجمة يوم الاثنين 20 من صفر 1448 هـ، الموافق 3 من أغسطس 2026 م، مما وقفنا عليه من أخباره ومصنفاته. وسيرة أمثاله أوسع من أن يحيط بها كاتب، فما لم يُذكر هنا فمن قصور الجمع لا من قلة الفضل، ومن كان عنده مزيدُ خبرٍ فليُلحقه مشكورًا.
