خالد أبو شادي

خالد أبو شادي
الاسم الكاملخالد أحمد أبو شادي
الميلادتفهنا العزب، زفتى، الغربية، مصر؛ 13 صفر 1393 هـ (18 مارس 1973 م)
البلدمصر
المهنةصيدلي وداعية وكاتب
التخصصالرقائق وتزكية النفس والمواعظ وتلاوة القرآن
أبرز الأعمال
القائمة…[إظهار][إخفاء]
  • «أول مرة أصلي»
  • «ينابيع الرجاء»
  • «صفقات رابحة»
  • «معًا نصنع الفجر القادم»
  • «وتستمر المعركة»
  • «الحرب على الكسل»
القسمدعاة وعلماء
الفئاتأهل السنة

الداعيةُ الصادق، واعظُ القلوب وكاتبُ الرقائق في جيله، صاحبُ «أول مرة أصلي»: خالد أحمد أبو شادي، المولودُ بقرية تفهنا العزب من مركز زفتى بمحافظة الغربية، يوم 13 من صفر 1393 هـ، الموافق 18 من مارس 1973 م.

صيدليٌّ في شهادته، واعظٌ في صناعته. وأداتاه ثنتان لا ثالث لهما: صوتٌ نديٌّ يقرأ به القرآن فيقف الناسُ خلفه ما وجدوا إليه سبيلًا، وقلمٌ ينزل بكلام أئمة السلف في الرقائق من بطون المجلدات إلى صفحةٍ يقرؤها شابٌّ في العشرين فلا يتعثر في كلمة واحدة. وما غلب عليه بابٌ واحد لزمه ولم يفارقه: القلبُ، مرضُه ودواؤه وطريقُ إخراجه من الظلمات. لا سياسة في كتبه، ولا تصنيفَ للناس في دروسه، ولا أعراضَ تُؤكل على لسانه.

وموضعُه من عصره أنه وقع بين طبقتين فأخذ ما بينهما: طبقةٍ تكتب للمتخصصين بلغةٍ لا تبلغ العامة، وطبقةٍ تبلغ العامة بلا مادة تحتها. فجاء بمادة الأولى ولسان الثانية، فصار في العقدين الأخيرين أكثرَ من يُقرأ له في باب الرقائق من أبناء جيله المصريين، وأوسعَهم انتشارًا في المكتبات وأقلَّهم ظهورًا على الشاشات. وهو من الصنف النادر في هذا الباب: بلغ من الشهرة ما يبلغه المتصدرون، وسلم من الخصومات التي تلزمهم.

ثم ابتُلي في آخر ما بلغه من عمره المنشور بما هو أثقلُ عليه من كل ما كتب: أُخذت منه حريتُه وهو على أصفى ما يكون الرجلُ في صنعته، وقُطع بينه وبين منبره وقلمه وأهله، وطال به المقامُ في الحبس بغير جريمةٍ تُذكر ولا حكمٍ يُنطق. رجلٌ أنفق عمره يكتب للناس في الصبر والرجاء، ثم امتُحن فيهما امتحانًا لا يُطيقه أكثرُ من كتب فيهما.

وحكمُ هذه السيرة بيّنٌ لا يحتاج طولَ نظر: داعيةٌ صادقُ اللهجة، نفع الله به في بابٍ هو أنفعُ الأبواب للقلوب وأقلُّها مغنمًا في الدنيا، سليمُ اللسان نظيفُ اليد، أُخذ بجريرة ما لم يجنِه، وأُقيمت عليه المحنةُ في موضع الفضيلة. وستقرأ في هذه الترجمة خبرَ ليلةٍ نابَ فيها عن إمامٍ غاب، فكانت آخر ليلةٍ رآه الناسُ فيها.

محتويات
  1. 1 بيتٌ في تفهنا العزب، وصِبًا وراء البحر
  2. 2 كليةُ الصيدلة والبابُ الآخر
  3. 3 ليلةَ نابَ عن إمامٍ غائب
  4. 4 «صفقات رابحة»: كاتبٌ يبدأ من الجنة
  5. 5 حين دخلت الدبابةُ بغداد كتب عن الفجر
  6. 6 وكان للصلاة طعمٌ آخر
  7. 7 «لست قلقًا على هذه الثورة»
  8. 8 منابرُ تُغلَق وينابيعُ تُفتَح
  9. 9 من الإخفاء إلى «الأمل»
  10. 10 سبعُ سنين لا تنتهي
  11. 11 كتبٌ تدور وصاحبُها محبوس
  12. 12 طبيبُ قلوبٍ لا طبيبُ أبدان
  13. 13 ولم يجدوا عليه إلا الصلاة
  14. 14 شهاداتٌ لا تُشترى
  15. 15 الخلاصة النهائية
  16. 16 سجل المصادر

بيتٌ في تفهنا العزب، وصِبًا وراء البحر

وُلد في قريةٍ من قرى الدلتا لا يعرفها إلا أهلُها ومن جاورهم: تفهنا العزب، من مركز زفتى في محافظة الغربية. وكانت مصرُ يومئذ على أبواب سنةٍ لم تنسها؛ فبعد ولادته بسبعة أشهر عبر الجيشُ المصري القناةَ في رمضان 1393 هـ - أكتوبر 1973 م، ودخلت البلادُ عقدًا انقلبت فيه أحوالُها كلها: من الحرب إلى الانفتاح إلى موجة الهجرة الكبرى نحو الخليج التي حملت مئات الألوف من المصريين إلى الكويت والسعودية والإمارات.

وفي تلك الموجة كان بيتُه. فقد تلقّى تعليمه الأول في الكويت، ثم عاد إلى مصر ليُتمّ دراسته الجامعية. وذلك جيلٌ كاملٌ من أبناء المصريين نشأ بين ضفتين: قريةٌ في الدلتا يعرفها في الإجازات، ومدينةٌ خليجية فيها المسجدُ عامرٌ والكتابُ الإسلامي في متناول اليد، وفيها من نشاط الجمعيات ودور النشر ما شحّ في القاهرة تلك السنين.

كليةُ الصيدلة والبابُ الآخر

أتمّ دراسته الجامعية في كلية الصيدلة بجامعة القاهرة، وتخرج فيها صيدليًّا. ويذكر بعضُ من ترجم له أنه نال الدكتوراه في الصيدلة من الجامعة نفسها، فأصبحت مهنته الدواء، وعرفه الناس بعد ذلك بدواءٍ من نوعٍ آخر.

ووهبه الله صوتًا نديًّا يُذكر له، فسجّل المصحف مرتَّلًا كاملًا برواية حفص عن عاصم، وهو منشورٌ إلى اليوم في أرشيفات الصوتيات الإسلامية الكبرى: 113 تلاوةً على «إسلام ويب» وحده، من الفاتحة إلى الناس. وهذه بطاقةُ تعريفٍ برجلٍ ليس من أهل هذا الفن بالاحتراف؛ صيدليٌّ يجلس ليقرأ القرآن كله تسجيلًا، ثم يخرج به إلى الناس بلا مقابل.

ليلةَ نابَ عن إمامٍ غائب

في ليلة الثلاثاء 8 من شوال 1440 هـ، الموافق 11 من يونيو 2019 م، دخل مسجد السيدة فاطمة الشربتلي بالتجمع الخامس شرقيَّ القاهرة ليصلي العشاء. ولم يحضر إمامُ المسجد تلك الليلة، فتقدّم هو فأمّ الناس، ثم ألقى فيهم كلمةً كعادته، وخرج إلى سيارته.

كانوا في انتظاره خارج المسجد. قالت إحدى قريباته في وصف ما جرى: «ذهب ليصلي العشاء، كانوا بالخارج منتظرين خروجه، ثبتوه وخطفوه هو وسيارته». وكتبت زوجتُه سمية الشاطر حفظها الله على صفحتها ما نقلته عنها صحيفة «ميدل إيست آي»: إنهم اختطفوه من سيارته بعد عودته من يومِ عملٍ مُرهِق. ثم انقطع خبرُه نحو أسبوعين لا يُعرف له مكان ولا جهة، حتى ظهر بعدها أمام نيابة أمن الدولة العليا.

وبقيت الجهاتُ الرسمية صامتةً عن سبب القبض عليه، فلم يصدر بيانٌ ولا تصريح. غير أن رجلًا من أهل المنبر الرسمي كفى الناسَ مؤنةَ السؤال: قال أحمد الباهي، إمامٌ وخطيبٌ بمسجد السيدة زينب، في تصريحٍ نقلته صحيفة «الدستور» المصرية بعد الواقعة بيوم، إن أبا شادي كان يريد أن يصلي في رمضان بأحد مساجد القاهرة فمنعته الأوقافُ وأبلغت الجهاتِ الأمنية؛ فلما انقضى رمضان والعيد أصرّ على إمامة المصلين وإلقاء الدروس، فكانت إمامتُه للمصلين بغير تصريحٍ هي سببَ القبض عليه.

وتأمّل ماذا قال خصمُه وماذا لم يقل. لم يقل: دعا إلى عنف. ولا: حرّض على دولة. ولا: جمع مالًا ولا سلاحًا. قال: صلّى بالناس بغير ورقة. فأيُّ دولةٍ تخاف من رجلٍ سدّ مكان إمامٍ غاب في صلاة عشاء؟

ولم يبلغ رجلٌ هذه الليلة في يومٍ واحد. فبين أول صفحةٍ كتبها وآخر ليلةٍ رآه الناسُ فيها عشرون سنة، فلنقرأها من أولها.

«صفقات رابحة»: كاتبٌ يبدأ من الجنة

بدأ يكتب في مطلع الألفية وهو في أواخر العشرينيات من عمره، وبدأ من حيث ينتهي غيرُه: من الآخرة. فأولُ ما اشتُهر له كتاب «صفقات رابحة»، بناه على صورةٍ من عالم التجارة يفهمها كلُّ أحد: عشرُ صفقاتٍ مع الله، لكل صفقةٍ ثمنُها وشرطُها وربحُها، ومن ورائها كلها سؤالٌ واحد وضعه على الغلاف: كيف تحجز مقعدًا في الجنة؟ ثم أتبعه بـ«رحلة البحث عن اليقين» الذي صدر عن دار الأندلس الجديدة سنة 1423 هـ (2002 م)، وموضوعُه اليقينُ: فضلُه وأنواعُه وتوائمُه من الصبر والتوكل والرضا، وطريقُ الوصول إليه.

وظهرت ههنا صنعتُه التي لزمها بعد ذلك ربع قرن. صنعتُه أن يأخذ البابَ المحرَّر عند الأئمة فيصنع منه برنامجًا يُعمل به، فالجديدُ عنده في الطريقة لا في المسألة. تأمّل صنيعه في «أول مرة أصلي»: مادتُه الأولى «أسرار الصلاة» لابن القيم رحمه الله، لكنه هذّبها وقرّبها وزاد عليها وأعدّها لتخرج خطواتٍ يمشي عليها من يريد الخشوع. فالكتابُ عنده وصفةُ علاجٍ لا رسالةَ علم، وهذه صيدلةٌ من نوعٍ آخر.

ومما اجتمع له في تلك السنوات من أوائل ما طُبع:

  • صفقات رابحة: عشر صفقاتٍ في الترغيب والترهيب، بُنيت على مقابلةٍ بين ثمن العمل وربحه، وهو من أوسع كتبه انتشارًا.
  • رحلة البحث عن اليقين: في تحرير معنى اليقين وأسبابه وثمراته، صدر عن دار الأندلس الجديدة.
  • بأي قلبٍ نلقاه: في محاسبة النفس والاستعداد للقاء الله، ومنه قولُه الذي كثر نقلُه: «الحيُّ يبقى حيًّا بعد مماته، والميتُ يموت في حياته».
  • ونطق الحجاب: خطابٌ للفتاة المسلمة في الحجاب وما وراءه من معاني العفة.

وقد اضطربت بطاقاتُ الطبعات في سنوات صدور أكثرها، فاقتصرتُ على ما اطمأننتُ إليه، وقيّدتُ ما تعارض فيه الناشرون في آخر هذه الترجمة.

حين دخلت الدبابةُ بغداد كتب عن الفجر

في سنة 1423-1424 هـ (2003 م) دخلت القواتُ الأمريكية بغداد، فسقطت عاصمةُ الرشيد أمام أعين الناس على الهواء. وكان أثرُ ذلك في نفوس شباب المسلمين أثقلَ من أثره في الخرائط: موجةُ يأسٍ وإحباطٍ عامة، وقناعةٌ بأن الأمة قد انقضى أمرُها. وفي هذا الموضع بعينه كتب أبو شادي «معًا نصنع الفجر القادم».

والكتابُ رسالةٌ في الأمل بُنيت على خمس خماسيات: خماسيةِ الألم، وخماسيةِ الأمل، وخماسيةِ السنن، وخماسيةِ العمل، وخماسيةِ الهمم. ومقصده أن للكون سننًا لا تتخلف، وأن العملَ هو الجواب لا النواح. وهو من الكتب التي وسّعت دائرته خارج مصر، ثم طُبع مرارًا، ودارت طبعتُه المتأخرة سنة 1429 هـ (2008 م).

قلتُ: وانظر إلى الرجل يختار موضعه. كان في تلك السنوات مَن يكتب عن السياسة، ومَن يكتب في تحليل الهزيمة، ومَن يكتب في تعداد المؤامرات؛ واختار هو أن يكتب لمن أراد أن يستسلم فقعد. وهذا بابٌ لا يُشكَر عليه صاحبُه في الصحف، وأثرُه في القلوب أبقى من أثر عشرين مقالًا.

وكان للصلاة طعمٌ آخر

ثم جاءه الكتابُ الذي عرّفه إلى الناس أكثرَ من كل ما كتب: «أول مرة أصلي، وكان للصلاة طعمٌ آخر». رسالةٌ إلى من يصلي ولا يجد للصلاة طعمًا، وإلى من تركها فهو يريد العودة ولا يعرف من أين يبدأ. وفيه يقول: «سرُّ الصلاة وروحُها ولُبُّها هو إقبالك على الله بكل ذرة من كيانك، وكما أنه لا يجوز لك أن تصرف وجهك عن القبلة إلى غيرها، فكذلك لا ينبغي لك أن تصرف قلبك عن ربك إلى غيره في الصلاة».

وانتشر الكتابُ انتشارًا لا يُقاس بمعايير الكتاب الإسلامي المعتاد. وحسبُك أنه إلى اليوم أكثرُ كتبه تقييمًا على «جودريدز»، تجاوزت تقييماتُه هناك 5200 تقييم بمتوسط 4.29 من 5، وذلك في موقعٍ لا يرتاده إلا كسرٌ صغير من قرائه العرب. وبلغ مجموعُ ما سُجّل له في الموقع نفسه نحو 60 عملًا، ونحو 19660 تقييمًا، بمتوسطٍ عام 4.18. وهذه أرقامُ مؤلفٍ يُقرأ لا مؤلفٍ يُشترى ويُركن على رفّ.

ومن الكتاب إلى الشاشة. قدّم على قناة «الرسالة» برنامجًا حمل اسم كتابه «وتستمر المعركة»، وموضوعُه ملحمةُ الصراع مع الشيطان: مداخلُه إلى الإنسان، وحيلُه في التزيين والتسويف، وطرقُ ردّه. وصدر الكتابُ في جزأين، طُبع أولهما سنة 1436 هـ (2014 م) عن مؤسسة الفرسان بعمّان. وكانت له في تلك السنوات دروسٌ وخطبٌ نُشرت تسجيلاتُها، منها سلاسلُ في أسلحة الشيطان، ووصف الجنة، والخشوع في الصلاة، ومحاسبة النفس؛ اجتمع منها على «إسلام ويب» وحده 87 مادة صوتية بين محاضرةٍ وخطبةٍ ومُفرَّغ.

وكانت له في رمضان من كل عام إمامةٌ يقصده الناسُ إليها حيث حلّ. تقول عزة توفيق حفظها الله، وهي حماته وزوجُ خيرت الشاطر: «داومنا سنوات نصلي خلفه في رمضان، أينما ذهب، وشاركنا الآلاف من الإخوة والأخوات». وذكرت أن الرجل إنما قُدِّم للإمامة «لعذوبة صوته وجميل دعائه». فلا منصبَ في الأوقاف، ولا كرسيَّ في أزهر، ولا كنيةَ شيخٍ تُتوارث؛ صوتٌ وحده جمع خلفه الألوف.

«لست قلقًا على هذه الثورة»

ثم قامت مصرُ سنة 1432 هـ (2011 م)، وانفتح على الناس بابٌ لم يعرفوه: منابرُ بلا رقيب، وميادينُ بلا حرس، ودعاةٌ يخرجون إلى الناس بلا تصريح. ولم يتحول أبو شادي في تلك الضجة إلى محللٍ سياسي، ولا صار له في كل نازلة رأيٌ يُنشر. لكنه ما وقف موقفَ من لا شأن له بأمر بلده.

ففي صفر 1434 هـ (ديسمبر 2012 م)، وقد بلغ التاسعة والثلاثين، والبلادُ يومئذ في ذروة أزمة الإعلان الدستوري والاستفتاء عليه، نُقلت عنه كلمةٌ مؤرخة يقول فيها: «لست قلقًا على هذه الثورة، هي جولةٌ وجولة، لكن النهاية مضمونةٌ وإن تأخرت. العاقبةُ للمتقين والخزيُ والبوارُ للمفسدين. أخلصوا، اعملوا، اثبتوا». ثلاثُ كلماتٍ في آخرها هي كلُّ برنامجه السياسي: إخلاصٌ وعملٌ وثبات. لا اسمَ حزبٍ ولا اسمَ خصم.

ثم جاءت سنة 1434-1435 هـ (2013 م) بما جاءت به: انقلابُ 30 يونيو وما تلاه، وفضُّ الميادين، ثم حملةٌ على كل ما له صلةٌ بالتيار الإسلامي طالت المنابرَ والمساجدَ ودورَ النشر ومحطاتِ التلفزة. وأُغلق بابٌ بعد باب. ومن هنا تبتدئ المرحلةُ التي انتهت به إلى ما انتهى إليه.

منابرُ تُغلَق وينابيعُ تُفتَح

ضاقت الأرضُ على أمثاله بعد ذلك العام. فالمنبرُ صار يحتاج ترخيصًا، والدرسُ صار يحتاج موافقة، والفضائيةُ التي كان يظهر عليها أُغلق مثيلاتُها أو غُيّرت سياساتُها. ورجلٌ صلتُه بالسلطة معدومة، وصهرُه خيرت الشاطر فرّج الله عنه محبوسٌ منذ ذلك العام نفسه، لم يجد له في الترتيب الجديد مكانًا.

فانتقل إلى ما لا يُغلَق: الورقُ والشبكة. ففي هذه المرحلة صدر أوسعُ مشروعاته وأكملُها: «ينابيع الرجاء» في جزأين، وموضوعُه سننُ الله الجارية في حياة العباد وبشاراتُه لأهل طاعته، جمعها في «ينابيع» يستقي منها اليائس. وصرّح في مقدمته أنه كتبه في وقتٍ استولى فيه اليأسُ والاكتئابُ على كثير من الشباب، فأراده تدخلًا سريعًا وعلاجًا ناجعًا. وتأمّل التاريخ: كتابٌ في الرجاء يخرج في السنة التي أعقبت أشدَّ ما مرّ ببلده.

وفي سنة 1438 هـ (2016 م) أخرج ثمرةَ عشر سنين من الكتابة القصيرة على «تويتر» في ثلاثة أجزاء تحت عنوان «خير الكلام ما قلّ وهدى: روائع التغريدات»، قسمها على أبواب الدين: القلبيات، والعبادات، والمعاملات. وكان حسابُه على تلك المنصة وقناتُه على «تليجرام» بابين يدخل منهما إلى عشرات الألوف، وقناتُه على «تليجرام» وحدها تجاوز مشتركوها 29000 مشترك.

ومما دار من كتبه في هذه السنوات وقبلها:

  • أول مرة أصلي، وكان للصلاة طعمٌ آخر: في الخشوع في الصلاة، مبنيٌّ على «أسرار الصلاة» لابن القيم مع تهذيبٍ وزيادة، وهو أشهر كتبه على الإطلاق.
  • ينابيع الرجاء (جزآن): في السنن الربانية والبشارات الإلهية، كُتب لعلاج اليأس، ودارت طبعتُه في حدود سنة 1435-1436 هـ (2014 م).
  • معًا نصنع الفجر القادم: في بعث الهمة بعد الهزيمة، كُتب في أعقاب سقوط بغداد.
  • وتستمر المعركة (جزآن): في مداخل الشيطان وحيله وطرق ردّه، وعنه أخذ برنامجه على قناة «الرسالة».
  • الحرب على الكسل: في علاج الفتور وإيقاظ الهمة، وهو من أكثر كتبه تداولًا بين الشباب.
  • سباق نحو الجنان: في المسابقة إلى الخيرات ووصف ما أعدّ الله لأهلها، ومنه قولُه: «من لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره».
  • رد إليّ روحي: خطابٌ لمن أثقلته الذنوب حتى ظنّ أن لا رجعة له.
  • من الطارق؟ أنا رمضان وثورة التسعين يومًا: في مواسم الطاعة، وأن التغيير لا يكفيه شهرٌ واحد بل يمتد من شعبان إلى شوال.
  • علامة استفهام: جمع فيه نحو 75 سؤالًا من أسئلة الشباب المتكررة وأجاب عنها.
  • أنوار النجاة في سورة الكهف: في دروس السورة ومواعظها وفضل تلاوتها.
  • سلامة قلبك: في نبضات القلب وما يفسدها من العلاقات، وهو من أجرأ كتبه في مخاطبة الشباب.
  • جرعات الدواء وداء ودواء ودرجات ودركات وجعلناه نورًا وأنا الفقير إليك والمهاجر ورحلة المشتاق وقلوب أمام المرآة: وكلها في التزكية والرقائق وتقريب المعاني الإيمانية.

فهذه بضاعةُ الرجل التي دُوّنت باسمه: نحو ستين عملًا مطبوعًا ومنشورًا في الشبكة، ما فيها كتابٌ واحد في السياسة، ولا رسالةٌ واحدة في الردّ على مخالف، ولا صفحةٌ واحدة في جرح رجل.

من الإخفاء إلى «الأمل»

وفي شوال 1440 هـ (يونيو 2019 م) كانت الليلةُ التي تقدّم خبرُها. وكان ذلك في موجة اعتقالاتٍ واسعة اجتاحت القاهرة في ذلك الشهر، طالت نوابًا سابقين وصحفيين ومحامين واقتصاديين، وجُمعوا كلُّهم في ملفٍّ واحد سمّته النيابةُ القضية 930 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا، وعُرف إعلاميًّا بقضية «تنظيم الأمل».

وكان في القائمة معه زياد العليمي النائبُ البرلماني السابق، وحسام مؤنس، وهشام فؤاد الصحفي، وعمر الشنيطي الاقتصادي، وحسن البربري، ورامي شعث، وقاسم عبد الكافي المحامي، وآخرون. رجالٌ تفرقهم المشاربُ تفرقًا ظاهرًا: يساريون وليبراليون ونقابيون وواعظٌ في الرقائق، لا يجمع بينهم مذهبٌ ولا حزبٌ ولا مشروع. ووثّقت الجبهةُ المصرية لحقوق الإنسان في تقريرٍ لها أن تسعةً من المتهمين تعرضوا لإخفاءٍ قسري جاوز الأسبوعين، وأن التهم المنسوبة إليهم دارت على الانضمام إلى جماعةٍ إرهابية وتمويلها ونشر أخبارٍ كاذبة عن أوضاع البلاد.

ثم جاء القرارُ الذي بُني عليه ما بعده. ففي يوم السبت 25 من شعبان 1441 هـ، الموافق 18 من أبريل 2020 م، نُشر في الجريدة الرسمية قرارُ محكمة الجنايات بإدراج ثلاثة عشر من متهمي القضية على قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين مدةَ خمس سنوات، وفيهم خالد أبو شادي؛ فترتب على ذلك تجميدُ أمواله ومنعُه من السفر ووضعُه على قوائم ترقب الوصول.

رجلٌ ألّف «أول مرة أصلي» فتعلّم منه ألوفٌ كيف يخشعون في صلاتهم. وفي الجريدة الرسمية اسمُه بين أسماء الإرهابيين.

وقد استُوفيت في حقه صورةُ الظلم كاملةً: قبضٌ بلا إذنٍ معلن، وإخفاءٌ نحو أسبوعين، وتهمٌ عامة لا واقعةَ محددة تحتها، وإدراجٌ على قوائم الإرهاب قبل أي محاكمة، ثم حبسٌ يتجدد كل خمسة عشر يومًا بلا حكم. وفي القضية نفسها حُوكم بعضُ المتهمين في أواخر سنة 1443 هـ (2021 م) أمام محكمة أمن دولة طوارئ فصدرت عليهم أحكام، وأُخلي سبيلُ آخرين على دفعات؛ وبقي هو حيث هو، لا حكمٌ يُنهي أمره ولا إفراجٌ يعيده إلى بيته.

سبعُ سنين لا تنتهي

جاوز حبسُه الاحتياطي السنتين، وهما أقصى ما يبيحه القانونُ المصري في الحبس على ذمة التحقيق، ولم يُفرج عنه. ثم نُقل مع من نُقل إلى مجمع سجون بدر بعد افتتاحه، وتحديدًا إلى سجن بدر 3، وهو المكان الذي شهد نزلاؤه وذووهم أن أحواله أشدُّ مما كانت في سجن العقرب شديد الحراسة قبله: زنازينُ تحت المراقبة الدائمة بالكاميرات، وتضييقٌ في الزيارة والتريّض والمتعلقات الشخصية.

وفي ذي الحجة 1444 هـ (يونيو 2023 م)، وقد أتمّ في الحبس أربع سنين، وصفته إحدى الصحف بأنه «سجين الأمل المنسي»، ونقلت عن متابعيه قولهم فيه: «رجل القرآن والتزكية والأخلاق». وكانت ابنتُه هنا حفظها الله قد كتبت قبل ذلك على حسابها تقول إن والدها، وهو الداعية والكاتب والصيدلي، محبوسٌ منذ ثلاث سنين ونصف على ذمة قضية الأمل، وإن تهمته إمامةُ المصلين في صلاة العشاء، وإنه ممنوع من الزيارة، لا هو يطمئن عليهم ولا هم يعرفون عنه شيئًا.

بنتٌ تكتب أن أباها ممنوعٌ من أن يطمئن عليها. وأبوها هو الذي كتب في مقدمة «ينابيع الرجاء» أنه إنما ألّفه لأن اليأس والاكتئاب استوليا على قلوب الشباب، فأراده تدخلًا سريعًا.

وقد بحثتُ إلى تاريخ كتابة هذه الترجمة عن خبرٍ بإخلاء سبيله أو صدور حكمٍ في أمره فلم أقف على شيء، ولا وجدتُ ما ينقض ما استقر في المصادر من استمرار حبسه. فهو في عامه الثامن خلف الأسوار، وعمرُه اليوم ثلاثٌ وخمسون سنة، أمضى منها سبعًا في زنزانةٍ بسبب صلاة عشاء.

كتبٌ تدور وصاحبُها محبوس

ثم وقع ما لم يحسب له آخذوه حسابًا. صمت الرجلُ وبقيت كتبُه تتكلم. تُطبع طبعاتٍ جديدة وتُعرض في المكتبات، ويعرضها الباعة في مواسم رمضان مجموعاتٍ مجلدة، وتتناقل نسخَها المكتباتُ الرقمية العربية جميعًا، ويُنقل من كلامه على منصات التواصل ما لا يُحصى، وتُبنى صفحاتٌ كاملة على اقتباساته وحدها. ومصحفُه المرتَّل ما زال يُسمع في المنازل والسيارات، ولا يعرف أكثرُ سامعيه أن صاحب هذا الصوت في سجن بدر.

وبقيت قناتُه وحساباتُه قائمةً بعد غيابه، ويُذكر أن موقعه الشخصي أتاح 36 من كتبه للتحميل مجانًا. فقد أُخذ منه المنبرُ والمسجدُ والشاشةُ والحرية، ولم يُؤخذ منه القارئ.

طبيبُ قلوبٍ لا طبيبُ أبدان

وقد يقرأ القارئ ستين كتابًا لرجلٍ فلا يهتدي إلى ما ينظمها. وهذه الكتبُ مشروعٌ واحد له أصلٌ جامع، وإن بدت في الفهارس موضوعاتٍ شتى: أن أمراض القلوب هي أصلُ الداء، وأن الأمة لا تُصلَح بالشعارات ولا بالتنظيمات ما دام القلبُ خرابًا. ولذلك تدور عناوينه كلها على عضوٍ واحد: قلوب أمام المرآة، سلامة قلبك، بأي قلب نلقاه، رد إليّ روحي، أنا الفقير إليك.

ومنهجُه في ذلك مطردٌ يُعرف من أول صفحة: يأخذ البابَ من مظانّه عند المتقدمين، وأكثرُ ما يعوّل على ابن القيم وابن الجوزي وابن رجب رحمهم الله، ثم يصنع منه ثلاثة أشياء: يقسّمه أقسامًا يسهل حفظُها، ويضرب له الأمثال من حياة الناس اليوم، ويختمه بخطواتٍ عملية يقيسها القارئ على نفسه. ولهذا سمّى بعضَ كتبه بأسماء صنعته الأولى: «جرعات الدواء»، و«داء ودواء». فهو ينقل الصيدلة من الأبدان إلى القلوب نقلًا واعيًا لا مصادفة فيه.

وأما لغتُه فأخصُّ ما يُذكر له. جملٌ قصار، ومقابلاتٌ بيّنة، وصورٌ حسية يفهمها من لم يقرأ كتابًا قبله: «طلب قومٌ الراحة في الدنيا فلهم التعب في الآخرة، وتعب قومٌ هنا فاستراحوا هناك». وقوله في مواسم الطاعات: «لا تعامل ربك معاملة التجار، فتنشط في مواسم الأرباح فحسب». وقوله في حكمة الصوم: «في الصلوات الخمس كسرٌ لرتابة اليوم، وفي شهر رمضان كسرٌ لرتابة العام». وقوله في التحذير: «الذنوب بريدٌ إلى سوء الخاتمة». جملٌ لا تحتاج إلى معجم، ولا تُنسى بعد أن تُقرأ.

ولم يجدوا عليه إلا الصلاة

وقد رُمي الرجلُ بما رُمي به، فحقٌّ أن يُذكر ويُردّ لا أن يُسكت عنه. فالتهمُ المنسوبة إليه في القضية 930 لسنة 2019 هي بعينها التهمُ التي وُجّهت إلى ثلاثة عشر رجلًا معه على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم: الانضمامُ إلى جماعةٍ أُسست على خلاف أحكام القانون وتمويلُها، وتعطيلُ أحكام الدستور ومنعُ مؤسسات الدولة من عملها، ونشرُ أخبار كاذبة عن الأوضاع السياسية والاقتصادية.

فأما تعطيل الدستور ومنع مؤسسات الدولة من العمل، فرجلٌ بضاعتُه الخشوعُ في الصلاة ووصفُ الجنة لا يملك من أدوات ذلك شيئًا. وأما نشرُ الأخبار الكاذبة، فلم تعرض النيابةُ فيما وقفتُ عليه من التغطيات كلها خبرًا واحدًا نشره ولا منشورًا واحدًا نسبته إليه، ولم أجد في مادته المنشورة على مدى عشرين سنة سطرًا واحدًا يصلح شاهدًا. وأما الانضمام والتمويل، فلم يصدر بشأنهما بيانٌ يذكر واقعةً بتاريخها ومبلغها وجهتها.

بل إن أبلغ ما يحتج به خصومُه عليه، هو في حقيقته أعظمُ برهانٍ على براءته ونقاء صحيفته؛ فاللسانُ الذي انبرى لتعليل القبض عليه، لم يجد ما يرميه به إلا دعوى أنه أمّ الناس في صلاتهم بغير تصريح؛ وإذا كانت هذه غايةَ ما يملكه الخصمُ من حجة، فقد كفى المحبوسَ مئونةَ الدفاع عن نفسه، وشهد له براءةً لا مطمع بعدها؛ إذ ناهيك برجلٍ تفتش أجهزةُ الدولة في دفاتره فلا تظفر عليه بذنبٍ سوى أنه صلى بالمسلمين. وأما ما يُلوّح به بعضُهم من صلة مصاهرته للمهندس خيرت الشاطر -فكّ الله أسره وفرّج كربه- فذلك دليلُ إفلاسٍ آخر؛ فالمصاهرةُ وشيجةُ مودةٍ ونسبٍ شريف لا تعيب صاحبَها في شرعٍ ولا مروءة، والشريعةُ الغراء التي قامت على ميزان القسط قررت في محكم التنزيل أصلاً كلياً لا يقبل التبديل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ فلا يُؤاخذ امرؤٌ بما يُنسب لغيره، ولا يُحاكم إنسانٌ بجريرة خصومةٍ مع أصهاره، ولو كانت وشائجُ المصاهرة ذريعةً للحبس والانتقام لارتدت المحاكمُ إلى سنن الجاهلية الأولى التي تعاقب الأبرياء بأنسابهم، ولما بقي على وجه الأرض بريء. وما لجأوا إلى التلويح بقرابته إلا يوم عجزوا أن يجدوا في سيرة الدكتور خالد كلمةً تُردّ، أو زلةً في مسلكه المنذور لتطبيب القلوب وبث الرقائق والقرآن؛ فصارت حُججُ خصومه أصدقَ شهادةٍ له لا عليه، وأثبتوا من حيث أرادوا إدانته أنهم ما حبسوا إلا النقاء الذي استعصى على التشويه.

وقد دعا أحمد مفرح مديرُ منظمة «كوميتي فور جستس» إلى إطلاق سراحه عقب اختفائه، ووثّقت الجبهةُ المصرية لحقوق الإنسان انتهاكاتِ ملفه، وأشارت الشبكةُ المصرية لحقوق الإنسان إلى تجاوزاتٍ في حبسه بلا سندٍ قانوني تخالف نصوصَ الدستور نفسه. فالقضيةُ قائمةٌ على ما هو أهونُ من الدليل وأشدُّ منه أثرًا: أن رجلًا صلّى بالناس، وهم يريدون ألا يصلي بهم أحدٌ إلا بإذنهم.

شهاداتٌ لا تُشترى

وأصدقُ ما يُوزن به الرجلُ شهادةُ من عاشره وشهادةُ من خاصمه، وقد اجتمعتا له.

فمن جهة من عرفه: قالت عزة توفيق وهي من أقرب الناس إليه بعد أهل بيته: «لم يكن سوى واعظٍ للناس بكلمات يكتبها يذكرهم بالله والآخرة». وهذه شهادةٌ من داخل البيت، ومظنّتُها المحاباة؛ غير أن الذي يعصمها أنها تصف أمرًا مشهودًا يستطيع كلُّ أحد أن يراجعه في ستين كتابًا منشورًا: أفيها سياسةٌ أم ذكرٌ بالله والآخرة؟ فالشهادةُ ههنا مقرونةٌ بدليلها في متناول من أراد.

ومن جهة عامة القراء: انفجرت مواقعُ التواصل غضبًا يوم أُخذ، ودارت وسومٌ عدة أبرزُها «خالد أبو شادي فين» و«الحرية لدكتور خالد أبوشادي»، وكان محورُ ما كتبه الناسُ واحدًا: أن الرجل لا يقدم إلا مادةً دينية، ولا يتطرق إلى السياسة، ولا يعرفه أحدٌ إلا من باب الرقائق. وذلك انطباعُ الجمهور العريض لا انطباعُ الأنصار المنظمين؛ فليس للرجل تنظيمٌ ولا حزبٌ يحشد له.

ومن جهة الخصم: تصريحُ الخطيب الرسمي الذي تقدّم، فلم يجد فيه ما يعيبه به إلا فعلًا هو في نفسه قربةٌ يتقرب بها إلى الله؛ وصمتُ الأجهزة الرسمية سبع سنين عن أن تعرض على الناس واقعةً واحدة تدينه. وسكوتُ الجهة عن الجواب يُذكر خبرًا ولا يُصاغ اعترافًا؛ لكن الكلام في نازلةٍ يُحبس فيها رجلٌ سبع سنين واجبٌ على من يملكه، وتركُ الواجب الظاهر يُحكم على صاحبه.

الخلاصة النهائية

قلتُ: فالحاصل أن خالد أبو شادي داعيةٌ صادق نفع الله به في باب الترغيب والترهيب وتزكية النفس نفعًا واسعًا لا يجحده منصف. أقام عشرين سنة يترجم كلام الأئمة في أمراض القلوب إلى لسانٍ يفهمه شابُّ اليوم من أول قراءة، فبلغ من الانتشار ما لم يبلغه كثيرٌ ممن هم أوسع منه علمًا وأعلى سندًا؛ وذلك أن الناس تُقبل على من يخاطب أدواءها لا على من يعرض بضاعته. نحسبه صادقًا محتسبًا والله حسيبه، ولا نزكّي على الله أحدًا.

ويُؤخذ عنه في بابه بعينه: الرقائقُ والمواعظُ والتزكيةُ وإحياءُ الهمم وعلاجُ اليأس والفتور والذنوب. ومن أراد أن يبدأ الطريق فليبدأ من «أول مرة أصلي» و«ينابيع الرجاء» و«الحرب على الكسل».

وأما محنتُه فمظلمةٌ بيّنة لا تحتاج إلى تأويل. أُخذ من باب مسجدٍ صلّى فيه العشاء نيابةً عن إمامٍ غاب، وغُيّب نحو أسبوعين، وأُدرج على قوائم الإرهاب قبل أن يُحاكَم، وحُبس على ذمة تحقيقٍ جاوز أضعافَ ما يبيحه قانونُ بلده، ولم تُعرض على الناس إلى اليوم واقعةٌ واحدة تدينه، ولم يجد المدافعون عن حبسه ما يقولونه إلا أنه أمّ الناس بغير تصريح. فما حبسوه على جريمةٍ ارتكبها، وإنما حبسوه على أثرٍ تركه؛ وأثرُه في القلوب هو الذي لا يملكون له سجنًا.

وأعجبُ ما في هذه السيرة أن آخرَ ما رآه الناسُ منه كان سجودًا، وأن أولَ ما كُتب في محضره كان صلاة. فأيُّ تهمةٍ يُقدَّم بها رجلٌ إلى الله يوم القيامة أشرفُ من هذه؟ وقد قال يوسف عليه السلام وهو يُساق إلى مثل مساقه: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، فخرج من السجن إلى خزائن الأرض. وأبو شادي كتب للناس عشرين سنة أن العاقبة للمتقين، وأن السننَ لا تتخلف، وأن النهاية مضمونةٌ وإن تأخرت؛ ثم أُخذ ليمتحن في نفسه ما كتبه بقلمه، فما نُقل عنه إلى اليوم كلمةُ رجوعٍ ولا كلمةُ جزع. ويا من تقرأ هذا وأنت تشكو ضيقًا في بيتك أو في رزقك، اقرأ سطرًا من «ينابيع الرجاء» وأنت تعلم أين كُتب وأين صاحبُه الآن، ثم انظر بأي وجهٍ تشكو.

اللهم يا من فرّجتَ عن يوسف بعد السجن، ويا من رددتَ على أبيه بصره بعد العمى: فُكَّ أسرَ خالد أبي شادي وأسرَ من معه من المظلومين، واجعل ما لقيه رفعةً في الدرجات لا نقصًا في الحسنات، واحفظ عليه قلبَه الذي أنفق عمره في إصلاح القلوب، واكتب له بكل قارئٍ اهتدى بكتابه أجرًا يجري إليه في زنزانته، وأنطق لسانَه بعد صمته بما ينفع الناس، واجمعه بأهله في عافية، وارزق أولاده صبرًا وأباهم بينهم قريرَ العين. إنك سميعٌ قريب مجيب.

سجل المصادر

  • الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)، مادة «خالد أبو شادي» بالعربية والعامية المصرية: أُخذ منها المولدُ وبلدُه، ومحطاتُ الدراسة، وقائمةُ المؤلفات المشهورة، وخبرُ الاعتقال في شوال 1440 هـ (يونيو 2019 م).
  • موقع «نافذة مصر»، خبر اعتقال الداعية الدكتور خالد أبو شادي، شوال 1440 هـ (يونيو 2019 م): منه تعيينُ ليلة القبض ومسجدُها، وأنه أمّ المصلين وألقى كلمةً قبل اعتقاله، وأنه اقتيد وهو داخل سيارته.
  • موقع «نافذة مصر»، تصريحٌ منشور في 5 من صفر 1434 هـ الموافق 18 من ديسمبر 2012 م: منه نصُّ قوله «لست قلقًا على هذه الثورة» بلفظه.
  • مجلة «المجتمع» الكويتية، خبر توقيف الداعية المصري خالد أبو شادي، 10 من شوال 1440 هـ الموافق 13 من يونيو 2019 م: منه شهادةُ ذويه على الاختفاء القسري ووسمُ «خالد أبو شادي فين»، وعدُّه خامسَ معتقلٍ من عائلة صهره.
  • موقع «عربي21»، خبر اعتقال الكاتب خالد أبو شادي وردود الفعل، شوال 1440 هـ (يونيو 2019 م): منه تصريحُ الخطيب الرسمي عن منع الأوقاف له من الإمامة في رمضان، وشهادةُ عزة توفيق عن إمامته في التراويح وعذوبة صوته.
  • موقع «الخليج أونلاين»، خبر اعتقال الكاتب خالد أبو شادي، شوال 1440 هـ (يونيو 2019 م): منه أنه أمّ المصلين في العشاء لغياب إمام المسجد، ووسمُ «الحرية لدكتور خالد أبوشادي».
  • صحيفة «ميدل إيست آي»، تقرير اختفاء الداعية خالد أبو شادي في القاهرة، شوال 1440 هـ (يونيو 2019 م): منه منشورُ زوجته سمية الشاطر، ووصفُ خطابه بأنه بعيدٌ عن السياسة مركّزٌ على معاني الروح.
  • صحيفة «الدستور» المصرية، تصريح أحمد الباهي إمام وخطيب مسجد السيدة زينب، 9 من شوال 1440 هـ الموافق 12 من يونيو 2019 م: منه تعليلُ القبض عليه بإمامته للمصلين دون تصريح.
  • الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، تقريرٌ عن انتهاكات القضية 930 لسنة 2019 حصر أمن دولة، ذو القعدة 1440 هـ (يوليو 2019 م): منه أسماءُ المتهمين وطبيعةُ التهم وتوثيقُ الإخفاء القسري.
  • قناة «الجزيرة»، خبر إدراج 13 من متهمي قضية «الأمل» على قوائم الإرهاب، 25 من شعبان 1441 هـ الموافق 18 من أبريل 2020 م: منه تاريخُ القرار وأسماءُ المدرجين ومدةُ الإدراج وآثارُه.
  • «بوابة الحرية والعدالة»، تقاريرها المتتابعة عن حبسه: ذو القعدة 1442 هـ (يونيو 2021 م)، وربيع الآخر 1444 هـ (نوفمبر 2022 م)، وذو الحجة 1444 هـ (يونيو 2023 م): منها تجاوزُ مدة الحبس الاحتياطي، ونقلُه إلى سجن بدر 3، ومنعُه من الزيارة وحضور الجلسات، ونقلُ كلام ابنته هنا، ووصفُه بـ«سجين الأمل المنسي».
  • موقع «إسلام ويب»، صفحتا القارئ والمحاضر خالد أبو شادي: منهما عددُ تلاواته وروايتُها، وعددُ محاضراته وخطبه المنشورة وأسماءُ سلاسلها.
  • موقع «الكلم الطيب»، صفحتا مقالاته وأقواله: منهما عناوينُ مقالاته وسلسلةُ «النسمات»، وقولُه «الذنوب بريدٌ إلى سوء الخاتمة».
  • موقع «جودريدز»: منه أرقامُ التقييمات والمراجعات لكتبه، وبياناتُ بعض الطبعات، ونصوصُ اقتباساتٍ من «أول مرة أصلي» و«صفقات رابحة» و«سباق نحو الجنان» و«شباب جنان» و«رد إليّ روحي» و«ثورة التسعين يومًا» و«بأي قلب نلقاه».
  • موقع «إسلام أون لاين»، عرضُ كتاب «من الطارق؟ أنا رمضان»، شعبان 1442 هـ (أبريل 2021 م): منه قولُه «في الصلوات الخمس كسرٌ لرتابة اليوم».
  • موسوعة أخضر للكتب، وموقع «موضوع»، والمكتبات الرقمية (نور بوك، فولة بوك، كتوباتي، مكتبتي): منها موضوعاتُ الكتب وأوصافُها ودورُ نشرها، وقوائمُ مؤلفاته.
  • مكتبة «جرير»، ومؤسسة الفرسان بعمّان، ودار الأندلس الجديدة: منها بياناتُ طبعاتٍ بعينها لكتبه.
  • قناته على «تليجرام» وحسابه على منصة «إكس» وموقعه الشخصي: منها عددُ متابعيه، ومشروعُ «روائع التغريدات» في ثلاثة أجزاء، وعرضُ كتبه للتحميل مجانًا.

كُتبت هذه الترجمة يوم الاثنين 25 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 7 من سبتمبر 2026 م، مما وقفتُ عليه من كتبه وتلاواته ومقالاته وأخبار محنته إلى هذا اليوم. وسيرةُ رجلٍ في مثل حاله أوسعُ مما يبلغه جامعٌ من بعيد وصاحبُها ممنوعٌ من الكلام، فما لم يُذكر ههنا فمن قصور الجمع لا من قلة الفضل، ومن كان عنده مزيدُ خبرٍ فليُلحقه مأجورًا. ونسأل الله أن يكون أولَ تعديلٍ يلحق هذه الترجمة خبرُ خروجه من سجنه إلى أهله.

اقترح سيرة أو تعديلًا

إرسال رسالة

شارك هذه السيرة

نُشرت هذه السيرة في ، وآخر تحديث لها في . طول السيرة نحو 4500 كلمة.