إياد قنيبي

إياد قنيبي
الاسم الكاملإياد عبد الحافظ قنيبي
الميلادالسالمية، الكويت؛ شوال 1395هـ / 22 أكتوبر 1975م
البلدالأردن
المهنةأستاذ علم الأدوية وداعية وباحث
التخصصعلم الأدوية، وبناء اليقين، ونقد الإلحاد والمادية
أبرز الأعمال
القائمة…[إظهار][إخفاء]
  • «رحلة اليقين»
  • «حسن الظن بالله»
  • «متعة التدبر»
  • «بشائر»
  • «قبل أن يضرب السور»
  • «ظاهرة المبالغات في مرويات العبادة والورع»
  • «PharmMedTerm»
القسمدعاة وعلماء
الفئاتأهل السنة

الأستاذُ الدكتور، الباحثُ المدقق، الداعيةُ المربّي، بانِي اليقين في جيلٍ حاصرته الشبهةُ من كل باب: إياد عبد الحافظ قُنيبي، وُلد بالسالمية من الكويت في شوال 1395 هـ، الموافق 22 من أكتوبر 1975 م، من أسرةٍ أردنية أصلُها من الخليل، ونشأ بعمّان.

رجلٌ من طينةٍ نادرة في هذا الجيل: جمع الله له آلةَ العالم التجريبي وقلبَ الواعظ، فهو في مختبره أستاذُ أدويةٍ يزن الدليل بميزان أهله، وعلى منبره داعيةٌ يخاطب القلب بلغة القلب. وأدواتُه ثلاث: دقةٌ في المعلومة لا يتساهل فيها ولو كانت في صف قوله، وقدرةٌ على تبسيط العويص حتى يفهمه شابٌّ لم يقرأ كتابًا، وحرارةٌ في العبارة لا تُصنع ولا تُستعار. وأما ما غلب عليه فخصلتان: هَمٌّ بالأمة يسبق همَّه بنفسه حتى في أضيق أحواله، وشغفٌ ببناء اليقين في صدور الناس حتى صارت الكلمة عنوانَ عمره كله.

ومشروعه بيّنٌ لا يحتاج إلى تفسير: أن يخرج الشابُّ المسلم من دائرة التشكيك إلى دائرة الطمأنينة، عن علمٍ لا عن تقليد، وعن برهانٍ لا عن عاطفة؛ فيُحبَّ اللهَ ورسولَه، ويعتزَّ بدينه اعتزازَ العارف لا اعتزازَ المتعصب، ويملكَ من أدوات النظر ما يردُّ به الشبهةَ قبل أن تستقر. ولذلك سمّى أشهرَ ما أنتج «رحلة اليقين»، وهو اسمٌ يصف صاحبه قبل أن يصف مادته.

وموضعه من عصره أنه سدَّ ثغرًا كان مفتوحًا على مصراعيه. فقد امتلأت شاشاتُ الشباب بخطابٍ يقدّم الإلحادَ والماديةَ في ثوب العلم، وامتلأ الميدانُ الآخر بمن يردّ بالحماسة وحدها فلا يُقنع أحدًا؛ فقيّض الله لهذا الباب رجلًا يحمل الشهادةَ العلمية التي يحتجّ بها الخصم، ويعرف كيف تُقرأ الورقةُ البحثية وكيف يُميَّز فيها المشاهَدُ من المفسَّر. فصار قادرًا على أن يقول للشاب: قد قرأتُ ما قرأوا، ودخلتُ المختبر الذي دخلوه، ثم انتهيتُ إلى غير ما انتهوا إليه، وهذه حجتي. ومنزلةٌ كهذه لا تُنال بالخطابة.

وهذا ميزانه مجملًا: داعيةٌ صادقٌ من أهل السنة، عالمٌ متمكن في صنعته الدنيوية، صاحبُ أثرٍ في تثبيت جيلٍ كامل على دينه، امتُحن في حريته فصبر، وامتُحن في ولده فسلم ورضي، وامتُحن بالشهرة فما استعملها لنفسه.


محتويات
  1. 1 بيتٌ من الخليل، وطفلٌ في عمّان
  2. 2 شريطٌ كل جمعة
  3. 3 هيوستن: أربع سنوات ومعدّلٌ تام
  4. 4 منبرُ مصعب بن عمير
  5. 5 حين أُغلق المنبر فُتحت الشاشة
  6. 6 أحد عشر شهرًا في زنزانة انفراد
  7. 7 يا ربِّ نجِّحني في حلقاتي
  8. 8 رحلة اليقين
  9. 9 بعد الطوفان
  10. 10 الخيط الذي يجمع سيرته كلها
  11. 11 ما رُمي به بغير حق، ودفعه
  12. 12 ما يُؤخذ عنه وفي أي باب
  13. 13 الخلاصة النهائية
  14. 14 سجل المصادر

بيتٌ من الخليل، وطفلٌ في عمّان

في السالمية من الكويت كان المبتدأ. وُلد إياد عبد الحافظ قنيبي لأسرةٍ أردنية أصلُ والديه من مدينة الخليل بفلسطين، ثم انتقلت الأسرةُ إلى عمّان وهو طفل، فكانت عمّان مدينتَه التي نشأ فيها وتعلّم بها وأقام فيها عمرَه كلَّه بعد ذلك.

وليست هذه حاشيةً في ترجمته. فالرجل ابنُ أسرةٍ فلسطينية، نشأ على مسافةٍ قصيرة من أرضٍ محتلة يعرف أهلُه طريقها ولا يستطيعون بلوغها. ومن نشأ على هذا لم يحتج أن يُعلَّم لماذا تُذكر فلسطين، ولا أن يُقنَع بأن جرح الأمة جرحُه هو. وستراه بعد أربعين سنة يكتب في جوع غزة وهو في بيته بعمّان، ويكتب في سجون الشام وهو مطلق السراح، ويكتب في حرائق الجزائر وهو لا يعرف من أهلها أحدًا؛ فمن أراد أن يفهم هذا الاطّراد فليبدأ من ههنا.

وظهرت فيه أداةُ البيان مبكرة. ففي سنة 1993 م (1414 هـ)، وهو فتًى لم يجاوز الثامنة عشرة، نال جائزة أمانة عمّان الكبرى في الشعر. فتأمل: أولُ ما عُرف به هذا الرجل بين الناس لم يكن فتوى ولا محاضرة، وإنما قصيدة. والذي يُحسن الشعر في هذه السنّ يملك بالفطرة ما ينفقه بعد ذلك في كل منبر يصعده: اختيارَ اللفظ، وضبطَ الإيقاع، ومعرفةَ الموضع الذي تقع فيه الجملة من قلب سامعها. ولو لم يكن في نشأته إلا هذا لكان مفتاحًا لفهم أسلوبه كله.

شريطٌ كل جمعة

دخل كلية الصيدلة في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، وهي من أعرق كليات الصيدلة في المشرق العربي. وتخرّج فيها بتقديرٍ ممتاز مع مرتبة الشرف، والأولَ على دفعة الخريجين للفصل الأول من العام الدراسي 1997-1998 م (1418 هـ). فهو من أهل التفوق لا من أهل الكفاف، وهذا يُذكر لأنه سيتكرر: ما دخل الرجلُ بابًا علميًّا إلا خرج منه في الصف الأول.

وفي سنة 1997 م (1418 هـ)، وهو بعدُ طالبٌ في الكلية، بدأ ما صار مدرستَه الحقيقية في العلم الشرعي. أطلق مع أصدقائه ما سمّوه «مشروع الشريط الأسبوعي»: ينتقون كل أسبوع شريطًا مميزًا لعالم أو داعية، ثم يوزعونه على المصلين في عدة مساجد بعد صلاة الجمعة. مشروعٌ يبدو صغيرًا في وصفه، عظيمُ الأثر في صاحبه؛ فقد استمر ثلاث عشرة سنة، إلى سنة 1431 هـ (2010 م). وقف عند هذا الرقم وقفة: ثلاثَ عشرةَ سنةً وهو ينتقي، والانتقاءُ لا يكون إلا بعد السماع، فسمع في خلالها آلافَ الأشرطة في العقيدة والتفسير والفقه والرقائق والفكر لعشرات العلماء والدعاة.

وههنا يُفهم الرجل. فإن الذي يُنفق ثلاث عشرة سنة يسمع ليختار لغيره لا ليتكلم هو، يبني في نفسه ما لا تبنيه الشهادات: ذائقةً في الكلام تعرف الغثَّ من السمين، وسعةَ اطّلاع على المدارس والمذاهب والأساليب، وتواضعًا في الطلب لا يعرفه من بدأ من فوق. فلما تكلّم بعد ذلك كان يتكلم عن رصيدٍ لا عن ارتجال. قراءةٌ في كتب التفسير والسيرة عُني بها عنايةً خاصة، وسماعٌ ملازِم للدروس والسلاسل، ودوراتٌ حضرها.

وبعد التخرج عمل في الشركة الأردنية لإنتاج الأدوية سنةً ونصف السنة، في قسم البحث والتطوير وقسم المعلومات الدوائية. فدخل الصناعة من بابها العملي قبل أن يدخل الجامعة من باب التدريس، وذلك مما يُكسب صاحبه معرفةً بالدواء من جهة صناعته لا من جهة كتابه فقط.

هيوستن: أربع سنوات ومعدّلٌ تام

في سنة 1999 م (1420 هـ) سافر إلى الولايات المتحدة بمنحةٍ كاملة من جامعة هيوستن في ولاية تكساس، ليتابع الدكتوراه في علم الأدوية. وكان قد سبق ذلك بنتيجةٍ متميزة في اختبار التوفل بلغت 620، وفي اختبار GRE التحليلي بلغت 760.

وأربعُ سنواتٍ قضاها هناك خرج منها سنة 2003 م (1424 هـ) بدرجة الدكتوراه بتقديرٍ ممتاز، وبمعدّلٍ تام 4.0 من 4.0، وبالترتيب الأول على طلاب الدكتوراه من الجنسيات المختلفة. وأجرى بحثه في مركز تكساس الطبي، وهو من أكبر التجمعات الطبية في العالم، في مجال نظرية المستقبلات الخلوية. فليس هذا رجلًا حصّل شهادةً من جامعةٍ مغمورة ثم عاد يتصدر بها؛ هو رجلٌ نازل الميدانَ في عقر داره، وأخذ أعلى ما يُعطى فيه.

وفي السنة الثانية من إقامته هناك وقعت أحداثُ 11 سبتمبر 2001 م (جمادى الآخرة 1422 هـ)، فانقلبت الدنيا على المسلمين في أمريكا خاصة. شابٌّ عربيٌّ ملتزم، في جامعةٍ أمريكية، في السنة التي صار فيها اسمُ الإسلام تهمةً في الشارع الغربي كلِّه. ومن نجا من هذه التجربة بدينه لم يخرج منها كما دخلها: خرج يعرف الغربَ من داخله لا من كتب الوصف، ويعرف كيف يُخاطَب أهلُه، ويعرف كيف تُصنع الصورة وكيف تُهدم. وستجد أثر هذه السنوات في كل حلقةٍ سجّلها بعد ذلك عن الحضارة الغربية والمادية والإلحاد؛ يتكلم فيها كلامَ من رأى، لا كلامَ من سمع.

ولم يكن هناك طالبَ علمٍ دنيوي فحسب. خطب في مساجد عديدة بالولايات المتحدة، فجمع بين مختبر الأدوية ومنبر الجمعة وهو في بلاد الغربة. فلله درّه من شاب: يزاحم في الدكتوراه على المرتبة الأولى، ويقوم في الناس خطيبًا، ولم يبلغ الثلاثين.

منبرُ مصعب بن عمير

عاد إلى عمّان، فبدأ حياته الأكاديمية أستاذًا. درّس في كلية الصيدلة بجامعة العلوم التطبيقية، وحاضر غير متفرغ في الجامعة الأردنية وفي جامعة العلوم والتكنولوجيا، ثم استقرّ به المقام أستاذًا في علم الأدوية بجامعة جرش، يحاضر في علوم الصيدلة السريرية والتداوي وعلم السموم. ونال في هذه المرحلة جائزة أفضل باحث في كلية الصيدلة بجامعة العلوم التطبيقية، وجائزة أفضل تقييم للأبحاث من محكّمين عالميين.

وفي هذه السنوات نفسها صعد المنبر. خطب في مسجد مصعب بن عمير بعمّان سنواتٍ متصلة، وكان يخطب فيه إلى كانون الثاني من سنة 2010 م. وأكثرُ الناس يعرفونه اليوم من الشاشة، والذين عرفوه أولًا إنما عرفوه من هذا المنبر الصغير في حيٍّ من أحياء عمّان.

وفي سنة 2009 م (1430 هـ) وقع أمران يُقرأ أحدهما بالآخر. أما الأول فأنه نال شهادة حفظ القرآن الكريم بالسند المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم برواية حفص عن عاصم، على يد الشيخ عبد الرحمن بن علي المحمود، وكان قد حصل قبلها على إجازةٍ بقراءة القرآن بالرواية نفسها. وأما الثاني فأنه أخرج أولَ كتبه: «ظاهرة المبالغات في مرويات العبادة والورع». وتأمل اختيار الموضوع، فإنه يدل على صاحبه: رجلٌ في الرابعة والثلاثين، تخصصُه الأدوية لا الحديث، يختار أن يكون أولُ ما يكتبه في تنقية مادة الرقائق مما دخلها من المبالغات. فهو من أول يومٍ صاحبُ تدقيقٍ لا صاحبُ حماسة، ومن أول يومٍ يرى أن نصرة الدين بتصحيح ما يُنسب إليه قبل أن تكون بالدفاع عنه.

ثم جاء المنع. أُوقف عن الخطابة أربع مرات، ثم اعتقلته دائرة المخابرات العامة في محرم 1431 هـ (يناير 2010 م) عشرين يومًا، وخرج فلم يُسمح له بالعودة إلى المنبر. وقد بلغ يومئذٍ الرابعة والثلاثين، وكان قد أنفق سبع سنين في الخطابة بعد عودته من أمريكا.

حين أُغلق المنبر فُتحت الشاشة

أُغلق بابٌ ففتح الله له بابًا أوسع منه. في ربيع الأول 1433 هـ (فبراير 2012 م) أُنشئت قناتُه على يوتيوب، فانتقل من مسجدٍ يسع مئاتٍ إلى منصةٍ تسع الأرض كلها. ولو أُذن له بالبقاء على منبره لكان اليوم خطيبَ مسجدٍ محبوبًا في حيّه، ولما عرفه إلا أهلُ عمّان.

وفي هذه المرحلة تشكّل خطابُه على الوجه الذي عُرف به: سلاسلُ مرتّبة لا مقاطعُ متفرقة، يفتح البابَ فيستوفيه ثم ينتقل إلى غيره. وهذه أشهر ما بنى في هذه السنوات:

  • كن عزيزًا بإسلامك: ثلاث عشرة حلقة في الاعتزاز بالهوية الإسلامية ورفع عقدة النقص أمام الحضارة الغالبة، وهي من أوسع سلاسله انتشارًا بين الشباب.
  • كيف أحببت رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبع حلقات في محبة النبي صلى الله عليه وسلم والتعريف بسيرته.
  • بالقرآن نحيا: ثماني وعشرون حلقة في تنزيل القرآن على الواقع اليومي، وهي أصلُ ما صار بعدُ كتابَ «متعة التدبر».
  • نصرةً للشريعة: ثلاثون حلقة في الذبّ عن أحكام الشريعة والرد على شبهات المطاعن فيها.
  • سلسلة المرأة: إحدى وعشرون حلقة في قضايا المرأة المسلمة وتصحيح المفاهيم الوافدة.
  • قانون الطفل: أربع عشرة حلقة في المشروعات الدولية المتعلقة بالطفولة وما تحملُه من مفاهيم.

وهذا الترتيبُ نفسه دليلُ عقلٍ منهجي: الرجل لا يتكلم في نازلةٍ ثم يمضي، وإنما يبني بابًا كاملًا ثم ينتقل إلى غيره.

وكانت السنواتُ التي يتكلم فيها من أشد ما مرّ على المشرق: ثوراتٌ اشتعلت ثم انقلبت، وحربٌ في الشام تأكل الأخضر واليابس، وتنظيماتٌ غلاةٌ استباحت الدماء باسم الدين فشوّهت صورته عند أهله قبل أعدائه. فكان له في هذا الباب موقفٌ يُسجَّل: وقف في وجه غلوّ تنظيم الدولة وقفةً صريحة، ودفع الثمنَ نقدًا: في شعبان 1435 هـ (يونيو 2014 م) هُوجمت مركبتُه أمام بيته بعمّان فكُسِّر زجاجُها، ونُسب الاعتداءُ إلى شبانٍ من أنصار التنظيم رسالةَ تهديدٍ له. ونشر هو صورَ الضرر وعلّق عليها بكلمةٍ واحدة: «والله حسبنا وهو نعم الوكيل»، ولم يزد.

قلتُ: والرجل الذي يُنكر الغلوّ في زمن الغلو، ثم يُكسَر زجاجُ سيارته على بابه، ثم لا يجد في نفسه إلا أن يقول «حسبنا الله»، رجلٌ قد امتُحن في أصعب موضعٍ يُمتحن فيه الدعاة: أن يقول الحقّ في طائفةٍ يظنّ الناسُ أنه منها.

أحد عشر شهرًا في زنزانة انفراد

في شعبان 1436 هـ (يونيو 2015 م) نشر كلمةً بعنوان «الأردن نحو الهاوية»، أنكر فيها منكراتٍ رآها في بلده. وبعد ستة أيام، في يوم الثلاثاء 29 من شعبان 1436 هـ، الموافق 16 من يونيو 2015 م، اعتقلته دائرة المخابرات العامة. فاحسب معي: دخل السجن قبل أول أيام رمضان بيومين. وكان قد بلغ التاسعة والثلاثين.

وحُوِّل إلى سجن «الموقّر 2»، وهو من سجون الحراسة المشددة، ووُضع في الانفراد مدةً طويلة. ثم صدر الحكم عليه بالسجن في صفر 1437 هـ (ديسمبر 2015 م)، ثم خُفِّض الحكم إلى سنة، وأُفرج عنه فجر الثلاثاء 10 من شعبان 1437 هـ، الموافق 17 من مايو 2016 م.

فانظر إلى التاريخين متجاورين: دخل قبل رمضان بيومين، وخرج قبل رمضان بعشرين يومًا. أحدَ عشر شهرًا كاملة، رمضانٌ واحد قضاه في زنزانة انفراد، ورمضانٌ آخر أدركه في بيته.

وأولُ ما كتبه بعد خروجه لم يكن شكوى ولا تعدادَ ما لقي. كتب: «مرّت أربعون عامًا من عمري... تقلّبتُ خلالها في نعم الله عز وجل... في حلمه وكرمه وستره ورحمته». رجلٌ خرج لتوّه من زنزانة انفراد، فكان أولَ ما جرى على قلمه تعدادُ النعم. فما أحوجنا إلى مثل هذا القلب في زمنٍ يشكو أهلُه من ضيق الرزق وهم في بيوتهم.

يا ربِّ نجِّحني في حلقاتي

في سنة 1438 هـ (2017 م) نزل به ما هو أثقلُ من السجن. كتب في حسابه: «سارة ابنتي البكر ستخضع غدًا لعمليةٍ جراحية كبرى بإذن الله، أطلب منكم أيها الكرام الدعاء بظهر الغيب لها ولمرضى المسلمين والمستضعفين في كل مكان». فاقرأ آخر السطر مرةً ثانية: أبٌ يُبلَّغ بأن ابنته البكر تدخل غدًا غرفة العمليات، فيطلب الدعاء لها ولمرضى المسلمين جميعًا. لم يستأثر بالدعاء لبنته وحدها، وهو في اللحظة التي يُعذر فيها كلُّ أب.

وامتدت المحنة سنتين. عشرون جلسةَ علاجٍ بالكيماوي، وخمس عشرة جلسةً بالأشعة، وثلاث عملياتٍ جراحية، ثم استشرى المرضُ بعد ذلك كله في رجلها وعظامها وغددها اللمفاوية ورئتيها. وفي أثناء هذه السنتين بعينها، في صفر 1440 هـ (أكتوبر 2018 م)، صدرت الطبعة السابعة من كتاب «Lippincott Illustrated Reviews: Pharmacology»، وهو من أوسع مراجع علم الأدوية انتشارًا في العالم، وعليها اسمُ إياد قنيبي واحدًا من ثلاثة مراجعين أكاديميين للكتاب، وحده من العرب بين خمسين مؤلفًا وثلاثة مراجعين كلُّهم يعملون في الولايات المتحدة، وقد أُدرج اسمُه بعد أن صحّح للكتاب عددًا من أخطائه العلمية.

فضع الصورتين متجاورتين: اسمُ الرجل يُطبع على غلاف مرجعٍ عالمي في الأدوية يقرؤه طلبةُ الطب في الدنيا كلها، وابنتُه في تلك الأيام نفسها تتنقل بين غرف العلاج في عمّان، ولا يعلم أحدٌ من قرّاء الكتاب شيئًا.

ثم كان المشهد الذي يُعرَّف به الرجل. في العشر الأواخر من رمضان 1440 هـ (أواخر مايو ومطلع يونيو 2019 م)، سجّلت ابنته سارة -رحمها الله- حلقتين من سلسلةٍ أرادت أن تصنعها بنفسها سمّتها «الهدف من الحياة»، وبدأت تعمل لهما المونتاج بيدها. وكانت يومئذٍ قد خرجت لتوّها من ذلك العلاج كله، ومع هذا ظهرت في الحلقة مبتسمةً حتى أقنعت من رآها أنها «ما فيها شيء»؛ وكانت قوية الشخصية تكره أن يُنظر إليها بشفقة. وقُدِّر للسلسلة نحوُ سبع حلقات، فكانت تسابق المرض لتُتمّها. فلما نُشرت الحلقة الأولى كان نفَسُها قد ضاق فأُدخلت المستشفى. وكانت قبل وفاتها بأيام تدعو بدعوةٍ واحدة: «يا ربِّ نجِّحني في حلقاتي».

وفي ليلة السبت 5 من شوال 1440 هـ، الموافق 8 من يونيو 2019 م، توفيت سارة إياد قنيبي عن ثلاث عشرة سنة، وصُلي عليها بعد ظهر ذلك اليوم في مسجد محمود عبد الجابر بعمّان. وكتب أبوها ينعاها: «عزائي يا حبيبتي أنكِ طفلةٌ مسلمة، فأرجو لكِ الجنة إن شاء الله تعالى. إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرضى ربُّنا. وإنا بفراقكِ يا سارة لمحزونون. والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا. اللهم اجعل ملتقانا الجنة».

قف عند هذه الأسطر وقفة. بنتٌ في الثالثة عشرة، في العشر الأواخر من رمضان، خرجت من عشرين جلسة كيماوي وخمس عشرة جلسة أشعة وثلاث عمليات، فجلست أمام الكاميرا تحدّث الناس عن الهدف من الحياة، ثم ذهبت تعمل المونتاج بيدها، ثم دعت ربها ألّا تخذلها حلقاتُها. وأيُّ شهادةٍ لأبٍ أبلغُ من هذه؟ فإن الدعوةَ تُقاس بأقرب الناس إلى صاحبها؛ فمن دخلت دعوتُه بيتَه حتى صارت همَّ ابنته وهي تحتضر، فقد بلغ من الصدق ما لا يبلغه ألفُ محاضرة.

ثم جاء ما هو أعجب. فلما امتلأت الدنيا تعزيةً له وثناءً على صبره، كتب بعد أيام يقول: «عبر الأيام الماضية تفاعلتم يا كرام مع وفاة سارة وصبري كوالدٍ لها... جزاكم الله خيرًا... لكن دعونا نتذاكر أن سارة ليست أهمّ من أبناء المسلمين الذين يموتون في ظروفٍ أصعب، وأنها ليست أصبرَ طفلة، ولا أنا أصبرُ أب». وأتبع ذلك بقوله: «واعلموا إخواني أن الاهتمام بمعاناة المسلمين من أعظم أسباب التصبير والثبات عندما تتعرض أنت لبلاءٍ شخصي».

قلتُ: هذه كلمةُ رجلٍ لا يُتاجر بمصابه. ولو شاء لبقي شهرًا يُروى له وعنه ويُبكي الناس على ابنته، فما هو إلا أن استقبل العزاء حتى صرف وجوه الناس عن بنته إلى أبناء المسلمين. وقلَّ من يفعل هذا وهو يعلم ما يخسره.

رحلة اليقين

من رحم هذه السنين خرج أوسعُ ما أنتج. أطلق سلسلة «رحلة اليقين» فبلغت سبعين حلقة، وهي عمدتُه التي يُعرف بها في المشرق والمغرب. سلسلةٌ موضوعُها واحد وأبوابُها شتّى: دلائلُ وجود الخالق، والفطرةُ وشهادتُها، ونقضُ العشوائية والصدفة، ونقدُ نظرية التطور، وتزييفُ العلم حين يُستعمل غطاءً للأيديولوجيا، وبناءُ التفكير الناقد عند الشاب. ومن عناوين حلقاتها: «بناء الدعائم»، و«هل نحن مفطورون على عبادة الله؟»، و«لماذا لا بد من خالق؟»، و«نظرية التطور، نظرية داروين... بإنصاف»، و«لماذا تتعارض نظرية التطور مع الإسلام؟».

وقد صرفت هذه السلسلةُ آلةَ الرجل العلمية إلى بابها الذي خُلقت له، فكانت مصداقَ ما وعد الله به: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت]. فالذي يقرأ الورقة البحثية ويعرف كيف تُصمَّم التجربة وكيف تُقاس النتيجة، غيرُ الذي ينقل عن ناقل. ولذلك كان أثرُها في الشباب المتخصص في العلوم أظهرَ من أثر عشرين كتابًا في الرد؛ لأنها تخاطبهم بلغتهم، وتنقض عليهم من داخل الصنعة لا من خارجها.

ولم يترك بابَ الأسرة والفطرة. فأخرج حلقة «الجندر (النوع الاجتماعي): حقيقته وما وراءه»، وسلسلةً كاملة عن الحرب على الفطرة، وبيّن فيها كيف تُصنع المفاهيم ثم تُصدَّر بوصفها علمًا. وأخرج سلسلة «سيكولوجيا الانحراف» في ثلاث حلقات، و«كيف تؤثر في الناس» في أربع.

ثم جاءت سنةُ الوباء فأعطته ميدانًا يجمع فيه صنعتيه. أخرج سلسلة «كورونا» في أربع عشرة حلقة يشرح فيها للناس ما يجري بلسان أهل الاختصاص. ثم قاد بحثًا علميًّا كبيرًا نُشر في مجلة eLife في شوال 1442 هـ (مايو 2021 م)، عنوانه «A high rate of COVID-19 vaccine hesitancy in a large-scale survey on Arabs»، كان هو المؤلف الأول فيه، وشمل 36220 مشاركًا مؤهَّلًا للتحليل من 23 دولة عربية ومن 122 دولة أخرى. ونُشر له في السنة نفسها بحثٌ ثانٍ في مجلة Vaccines عن تردد العاملين في القطاع الصحي العربي. فصار هذان البحثان من أكثر ما استُشهد به من إنتاجه.

وبلغ رصيدُه العلمي مبلغًا يُذكر: نحو 1013 استشهادًا، ومؤشر h يبلغ 15، وبراءتا اختراع في مجال التئام الجروح، وإشرافٌ على أبحاث ماجستير. وأخرج كتابه «PharmMedTerm»، وهو دليلٌ مبسّط مصوَّر لمصطلحات الصيدلة والطب لطلبة الصيدلة مع شرحٍ بالعربية، يضم أكثر من ثلاثمئة مصطلح ومسردًا إنجليزيًّا عربيًّا، صدرت طبعته الأولى سنة 1441 هـ (2020 م). فهو في ميدانه أستاذٌ مأمونٌ فيما ينقل، وفي ميدان الدعوة داعيةٌ يُنتفع ببيانه؛ وقلَّ من يجتمع له الأمران.

وفي سنة 1443 هـ (2022 م) رُقّي إلى رتبة الأستاذية، بعد أن كان رُقّي إلى رتبة الأستاذ المشارك قبل تسع سنين. وفي رمضان من تلك السنة خاطب طلبةَ كلية الطب البشري في جامعة إدلب بمحاضرةٍ عبر الاتصال المرئي عنوانها «همٌّ يُشعل هِمّة»، استمرت أكثر من ساعةٍ ونصف. وقف على منبرٍ مؤقت في مدرَّج كلية طبٍّ في مدينةٍ محاصرة، يكلّم طلبةً يدرسون تحت القصف عن الهمّ الذي يُشعل الهمّة. فمن أراد أن يعرف أين يضع الرجلُ نفسَه فلينظر إلى المدرَّجات التي يقبل دعوتَها.

وفي هذه المرحلة أخرج كتبه التي انتشرت بين الناس، وأكثرُها صادرٌ عن دار بداية:

  • حسن الظن بالله: أشهرُ كتبه على الإطلاق، في تحويل البلاء إلى منحة وإحسان الظن بالله عند الشدة، وأصلُه سلسلةٌ مرئية في خمسٍ وعشرين حلقة.
  • متعة التدبر: في تأمل القرآن وربطه بالواقع، وله أثرٌ في تحويل التلاوة عند كثيرين من عادةٍ إلى عبادة.
  • ندى تشتكي لعائشة: قصةٌ رمزية على لسان فتاةٍ تشكو ما تشكوه كثيرٌ من النساء في الحياة المادية، فتقيس حالَها بحال بيت النبوة؛ كتابٌ في باب المرأة يُكتب بأسلوب القصة لا بأسلوب الوعظ المباشر.
  • رواية إيناس: روايةٌ صدرت سنة 1444 هـ (2023 م)، مبنيةٌ على دروسٍ مستخلصة من تجارب واقعية.
  • بشائر: صدر في ربيع الآخر 1445 هـ (نوفمبر 2023 م)، وهو تتمةٌ لـ«حسن الظن بالله»؛ ذاك في البلاء الشخصي وهذا في همّ المسلم لما يصيب أمته، جُعل في 115 محطة تُقرأ واحدةً كل يوم فتكون أربعة أشهر من الاستبشار.
  • قبل أن يضرب السور: في ظاهرة النفاق وعلاماتها الخفية، وكيف يقع فيها المسلم من غير أن يشعر، وهو من أنفع ما كتب في محاسبة النفس.

وتُقرأ هذه القائمةُ على وجهها: رجلٌ يكتب في اليقين، وفي البلاء، وفي التدبر، وفي المرأة، وفي النفاق، وفي المصطلح الطبي؛ ما بين هذه الأبواب رابطٌ واحد هو بناءُ الإنسان من داخله.

بعد الطوفان

في ربيع الأول 1445 هـ (أكتوبر 2023 م) وقع طوفان الأقصى، وانفتح على غزة بابٌ من العذاب لم يُر مثلُه. فكان لإياد قنيبي في هذه النازلة موقفٌ لم يتغير من أولها. كتب بعدها بأسابيع مقالًا مطوّلًا سمّاه «إعادة نظر في موقفنا من طوفان الأقصى»، ردّ فيه على من دعا إلى المراجعة، وقرّر أن العمل في أصله مشروع لأنه دفعٌ لمحتلٍّ يسفك دماء المسلمين، وأن قياس النتائج بالخسائر المادية وحدها قياسٌ ناقص، وأن مما تحقق إحياءُ أجيالٍ من الشباب. وقرّر أن المعركة في حقيقتها «حرب إسلامٍ وكفر»، وحذّر من المرجفين. ونبّه إلى أن الاستدراك بقلة القوة المادية تثبيطٌ يصرف الأنظار عن المسؤولين الحقيقيين.

ومع هذا الوضوح في النصرة، لم يتنازل عن ميزانه. كتب بعد ذلك بأشهر: «لإخواننا في غزة حقٌّ ثابتٌ في المناصرة فرضَتْه رابطة الإيمان، ولمن يقاتل في غزة ضد أعداء الملة والأمة كذلك حقٌّ ثابتٌ في المناصرة على عمله هذا»، ثم استدرك على من يمجّد رموزَ التحريف من غير أهل السنة. فهو ناصرٌ للمظلوم في موضع النصرة، حافظٌ لأصل الولاء والبراء في موضع الميزان؛ وهذان لا يتعارضان عند من ضبط الأصلين.

وحين سقط نظامُ الأسد وفُتحت سجونُه في كانون الأول 2024 م (جمادى الآخرة 1446 هـ)، كتب عن المفرَج عنهم في سجن حماة المركزي وفيهم من أمضى أكثر من أربعين عامًا، وعدّها نهايةَ حقبةٍ سوداء دامت أربعةً وخمسين عامًا، وأنكر على قنواتٍ تسمّي ضحايا غزة شهداء وضحايا الشام قتلى. وقال في الأكراد كلمةً تُحفظ له: «الأكراد منا ونحن منهم»، وفرّق بين الشعب الكردي المسلم وبين الميليشيات. فالرجل يفرّق بين الشعوب والتنظيمات، ويرفض أن يُحمَّل قومٌ ذنبَ من تكلّم باسمهم؛ وهذا من العدل الذي قلّ في زمن التعميم.

وفي شوال 1446 هـ (أبريل 2025 م) وقف على قبر والدته رحمها الله، ونُشرت كلمتُه هناك فسارت بين الناس. فقد كان قبل ذلك بستّ سنين قد وقف على قبر ابنته، وها هو يقف على قبر أمه. ومن وقف هذين الموقفين ثم لم يزل يذكّر الناس بالله فقد صدّق فعلُه قولَه.

ولم يشغله همُّ الأمة عن البناء. أطلق مسابقة «فلسطين تتصدى للحرب على الفطرة»، ثم أتبعها بمسابقة «أنت مهم» لشباب العالم وشاباته من سنّ 13 إلى 19 سنة، وهي دورةٌ في أربعة عشر يومًا بمحاضرات مسجلة ولقاءات مباشرة وقراءات، تحت عناوين الهدف من الحياة، والاعتزاز بالإسلام، والمرأة، والحصانة الفكرية. ومن ورائها مشروعُ «غرس يقيني» للأطفال من ثلاث سنوات إلى خمس، رحلةٌ تربوية تمتد عامًا كاملًا في تعليق قلب الطفل بالله وضبط سلوكه وفهم مشاعره. وأنشأ في ميدانه العلمي أكاديمية MedOne يقدّم فيها لطلبة التخصصات الطبية العربية دوراتٍ في المصطلح الطبي وفي مهارات الطالب الناجح.

وله اليوم قناةٌ عالمية بالإنجليزية موجّهة إلى غير العرب مسلمين وغير مسلمين، ومحتواه مترجَم إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية. وقد بلغت مكتبتُه الرقمية على موقعه نحو 1685 مادة، منها 339 مقالًا و998 مادةً مرئية وثمانية كتب، تُنشر مجانًا مبوّبة. وبلغت قناتُه الرسمية على يوتيوب في صفر 1448 هـ (أغسطس 2026 م) نحو 2130000 مشترك، و913 مقطعًا، وأكثر من 163 مليون مشاهدة؛ ولقناته على تليجرام نحو 223000 مشترك.

فارجع الآن إلى المبتدأ وقارن: شابٌّ في الجامعة سنة 1997 م يوزّع شريطًا واحدًا كل جمعة على مصلّي بضعة مساجد في عمّان، وأستاذٌ في سنة 2026 م يبلغ صوتُه أكثرَ من مئة وستين مليون مشاهدة بأربع لغات. وبين الرقمين تسعٌ وعشرون سنة، ورجلٌ واحد لم يغيّر ما كان يفعل؛ إنما غيّر الله له الآلة.

الخيط الذي يجمع سيرته كلها

إذا نظرتَ في هذه المراحل كلها وجدتها تدور على كلمةٍ واحدة: اليقين. سمّى بها كبرى سلاسله، وسمّى بها مشروعه التربوي للأطفال، وأنفق فيها كتبَه ومقالاته. وليست شعارًا اختاره لحسن وقعه؛ هي وصفُ الحاجة التي رآها في الناس ثم عاش لسدّها.

وقد قرّر هو أهدافه من محتواه في أربع: أن يتحقق حبُّ الله ورسوله، وتعظيمُ الله تعالى، والاعتزازُ بالهوية الإسلامية، وطمأنينةُ النفس عن علمٍ عميق ويقينٍ راسخ. وقرّر ضوابطه في الخطاب في أربعٍ أخرى: الانطلاقُ من الكتاب والسنة في كل موقف، ومخاطبةُ العقل والوجدان معًا بتوازن، ودقةُ المعلومة وتوثيقُها، وألا يدعو إلى تنظيمٍ وإنما يدعو إلى الله وحده.

وههنا موضع الجمع بين صنعتيه. فإن أكثر من يتصدى للشبهة العلمية إما عالمٌ بالشرع لا يملك أدوات المختبر فيُرَدُّ عليه من داخل الصنعة، وإما صاحبُ اختصاصٍ تجريبي لا يملك أدوات الشرع فيضطرب في التنزيل. وقد جُمع لهذا الرجل من كلٍّ طرف: دكتوراهٌ بمعدلٍ تام في علم الأدوية من جامعةٍ أمريكية وبحثٌ في مركز تكساس الطبي وبراءتا اختراع واسمٌ على غلاف مرجعٍ عالمي، ومع ذلك ثلاثَ عشرةَ سنةً من سماع الأشرطة واختيارها، وحفظٌ للقرآن بسندٍ متصل، وأولُ كتابٍ يكتبه في نقد المرويات. فالأداةُ الأولى تجعل خصمَه يسمع له، والثانية تجعله يعرف أين يقف. متينُ الأداة في صنعةٍ تجريبية يُحاكَم فيها إلى المختبر، رقيقُ العبارة في بابٍ يُحاكَم فيه إلى القلب؛ وقلّما اجتمعا في رجل.

ومن أراد أن يقيس أثر رجلٍ فلينظر إلى ما يبقى بعده لا إلى ما يُقال فيه. وهذا رجلٌ ما زال حيًّا، ومع ذلك فقد بقيت من أثره سلاسلُ تُفرَّغ وتُترجم وتُرفع على مواقع الأرشفة، وكتبٌ تُطبع وتُهدى، ومشاريعُ تربوية تأخذ الطفلَ من الثالثة، ومسابقاتٌ تأخذ الشابّ في الثالثة عشرة، وطلبةُ صيدلةٍ في عمّان وإدلب حضروا محاضراته. وأصدقُ من هذا كله أن ابنته وهي في الثالثة عشرة، بين جلسات الكيماوي، اختارت أن تصنع سلسلةَ دعوةٍ على منوال أبيها؛ فمن نبتت دعوتُه في بيته فقد نبتت في أرضٍ طيبة.

ما رُمي به بغير حق، ودفعه

ورجلٌ يقف هذا الموقف لا يسلم من الرمي، وقد رُمي بأمرٍ يحسن دفعه لئلا يُغرَّر به أحد. الأول: نسبتُه إلى تيارٍ لا ينتمي إليه. وصفه بعضُ المحللين والمواقع الإخبارية بأنه «داعشي أو مقرَّب من السلفية الجهادية» أو «أحد منظّري هذا التيار». وهذه نسبةٌ رفضها هو صراحةً وعدّها «تقييدًا لدعوته». والذي عليه الأمرُ في الواقع أنه لا ينتمي رسميًّا إلى أي تنظيم إسلامي، وهذا ثابتٌ لا خلاف فيه حتى عند من كتب عنه من غير المتعاطفين معه. وقد قرّر هو في ضوابط خطابه ألا يدعو إلى تنظيم وإنما يدعو إلى الله وحده. وأصدقُ ما يُرَدُّ به هذا الوصفُ سيرتُه نفسها؛ فإن الذي وقف في وجه تنظيم الدولة ووصف زعيمَه بالخليفة المزعوم، ثم كُسِّر زجاجُ سيارته على باب بيته جزاءَ ذلك، ليس رجلَ تنظيمٍ ولا مُنظِّرَ تنظيم. والذي أنفق سبعين حلقة في نقض الإلحاد ونظرية التطور، وثلاثين في نصرة الشريعة، وخمسًا وعشرين في حسن الظن بالله، وأربع عشرة في شرح جائحةٍ صحية، رجلٌ يُقرأ مشروعُه من إنتاجه لا من الألقاب التي تُلصق به.

ما يُؤخذ عنه وفي أي باب

ومن تمام النصح للقارئ أن يُقال له أين يضع هذا الرجل، فإن معرفة الأبواب من معرفة الرجال:

  • باب بناء اليقين ودفع الشبهات العصرية: وهو بابُه الذي صار فيه مرجعَ كثيرٍ من شباب هذا الجيل، بأدواتٍ لا يملكها أكثرُ من تصدّر لهذا الباب. ومن أراد أن يُحصّن ابنه من الإلحاد والمادية فليبدأ من «رحلة اليقين».
  • باب الرقائق وأعمال القلوب: و«حسن الظن بالله» و«بشائر» و«قبل أن يضرب السور» ثلاثةُ كتبٍ يُبنى بها القلب: أولُها للبلاء الخاص، وثانيها لهمّ الأمة، وثالثها لمحاسبة النفس.
  • باب تربية الأبناء والأسرة: وله فيه سلسلةُ المرأة، و«قانون الطفل»، و«ندى تشتكي لعائشة»، ومشاريعُ عملية تأخذ الطفل من الثالثة والشابَّ من الثالثة عشرة، وهي مادةٌ عملية قليلٌ نظيرُها.
  • باب الوعي بقضايا الأمة: فله في فلسطين والشام كلامٌ صريحٌ مؤرَّخ لا يداهن فيه، ويجمع بين نصرة المظلوم وحفظِ الميزان في وقتٍ واحد.
  • باب صنعته الدنيوية: فهو في علم الأدوية أستاذٌ محكَّم، مأمونٌ فيما ينقل ويُحيل، وكتابُه في المصطلح الطبي نافعٌ لطلبة الصيدلة والتمريض.

وأما أن يُطلب منه ما ليس من بابه فذلك لا يُطلب من أحد، وهو أولُ من لا يدّعيه؛ فليس هو مفتيًا يُستفتى في النوازل الفقهية الدقيقة، ولا يقدّم نفسه كذلك، ولا يجلس مجلس المفتين. ومعرفةُ الرجل بقدر نفسه في زمنٍ صار الجمهورُ فيه يُنصّب أصحابَه علماءَ في كل فن، خصلةٌ تُحمد له وتُعدُّ في مناقبه لا في مآخذه. فإنما يُؤتى الناس من رجلٍ لا يعرف حدَّه، وهذا رجلٌ عرف حدّه فأتقن ما فيه.

الخلاصة النهائية

قلتُ: فالأستاذ الدكتور إياد قنيبي داعيةٌ صادقٌ من أهل السنة والجماعة، وباحثٌ متمكن في صنعته، جمع الله له بين آلةٍ علميةٍ تجريبيةٍ رفيعة وقلبٍ حيٍّ ولسانٍ مبين، فصرف ذلك كله في بابٍ واحد: أن يثبت الشابُّ المسلم على دينه عن علمٍ ويقين. أنفق ثلاث عشرة سنة يسمع لغيره قبل أن يتكلم، ونال أعلى ما يُنال في تخصصه في بلاد الغرب ثم عاد ليعلّم في بلده، وأُغلق في وجهه منبرُ الجمعة فبنى منبرًا يبلغ الدنيا، وحُبس أحدَ عشر شهرًا في زنزانة انفراد فخرج يعدّد نعم الله، ودُفنت ابنتُه البكر بين يديه فصرف الناس عن مصابه إلى مصاب الأمة. يُؤخذ عنه في بناء اليقين ودفع شبهات العصر وفي الرقائق وتربية الأبناء والوعي بقضايا الأمة، ويُدلّ عليه ويُوصى بمادته للشباب، ويُدفع عنه ما رُمي به من الألقاب التي أسقطتها سيرتُه قبل أن يسقطها قلمُ أحد. وأمثالُ هذا الرجل في زماننا قليل، والدلالةُ عليه من الدلالة على الخير.

واختم سيرته بالمشهد الذي تختصرها كلها: غرفةٌ في عمّان، وكاميرا صغيرة، وبنتٌ في الثالثة عشرة قد أنهكها العلاج سنتين حتى بلغ المرضُ رئتيها، تجلس في العشر الأواخر من رمضان لتحدّث الناس عن الهدف من الحياة، ثم تنكبّ على المونتاج بيدها، ثم ترفع كفّيها فتقول: «يا ربِّ نجِّحني في حلقاتي». ثم تموت بعد أيام. وأبوها الذي علّمها هذا يقف بعدها بأيام فيقول للناس: بنتي ليست أهمّ من أبناء المسلمين. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة]. فمن قرأ هذه السيرة ثم استثقل ساعةً ينفقها في نفع الناس، فليعد قراءة هذا السطر.

نسأل الله العظيم أن يحفظ الدكتور إياد قنيبي ويسدده، وأن يبارك في علمه وعمره وولده، وأن يجعل كل حلقةٍ سجّلها وكل صفحةٍ كتبها في ميزان حسناته إلى يوم يلقاه، وأن يثبّته على الحق كما ثبّته في زنزانته، وأن يجعل ما ذاق من فقد ابنته رفعةً في الدرجات وشفاعةً يوم العرض، وأن يجمعه بسارة في الفردوس كما دعا، وأن ينفع بيقينه من حار في دينه، وأن يقيّض لهذه الأمة من يقوم بهذا الثغر بعده كما قام هو به.

سجل المصادر

  • المدونة الرسمية للدكتور إياد قنيبي، صفحة «من أنا»: وهي أوثق مصدرٍ في معطياته الشخصية والعلمية؛ منها جائزة أمانة عمّان الكبرى في الشعر سنة 1993 م، وشهادة حفظ القرآن بالسند سنة 2009 م والإجازة قبلها، وخطابته في مساجد الولايات المتحدة ثم في مسجد مصعب بن عمير بعمّان إلى كانون الثاني 2010 م، وتخرجه الأول على دفعته بمرتبة الشرف في الفصل الأول من العام الدراسي 1997-1998 م، ونتائج التوفل وGRE، وعمله في الشركة الأردنية لإنتاج الأدوية سنةً ونصفًا، ومعدله التام في الدكتوراه، وبحثه في مركز تكساس الطبي، وبراءتَي الاختراع.
  • موقعه الرسمي eyadqunaibi.com: منه قائمة سلاسله المرئية الثلاث عشرة بأسمائها وعدد حلقات كل سلسلة، وقائمة كتبه الثمانية بتواريخها، وعناوين مقالاته وتواريخها، وحجم مكتبته الرقمية، ولغات النشر.
  • ترجمته في ويكيبيديا العربية: منها اسمه الكامل ومولده في السالمية بالكويت وانتقال أسرته إلى عمّان، واسم الشيخ الذي أخذ عنه القرآن بالسند، وتدرجه الأكاديمي وترقيته أستاذًا مشاركًا سنة 2013 م وأستاذًا سنة 2022 م، وتفاصيل الإيقافات والأحكام، ورفضُه وصفَه بالانتماء إلى تيارٍ بعينه وعدُّه ذلك تقييدًا لدعوته.
  • موسوعة الجزيرة نت، مادة «إياد القنيبي» المنشورة في 23 من مايو 2016 م: منها عمله وجوائزه وتفاصيل اعتقالاته وأحكامها.
  • موقع ميداد، صفحة التعريف به: منه تفصيل «مشروع الشريط الأسبوعي» الذي أطلقه مع أصدقائه سنة 1997 م واستمر إلى 2010 م، وسماعه آلاف الأشرطة لانتقاء ما يوزَّع.
  • منظمة الكرامة، بيان الإفراج: منه ظروف الاحتجاز في سجن الموقّر 2 والانفراد المطوّل، وإضرابه عن الطعام من 15 من ديسمبر 2015 م إلى 4 من يناير 2016 م، وتاريخ الإفراج في 17 من مايو 2016 م.
  • عربي21، خبر الاعتداء على مركبته المنشور في 18 من يونيو 2014 م: منه تاريخ الحادثة وملابساتها ونسبتُها إلى أنصار التنظيم، وتعليقه عليها بلفظه.
  • صفحته الرسمية على فيسبوك وحسابه على منصة إكس: منها نصُّ نعيه لابنته سارة، ونصُّ منشوره «بنتي ليست أهم من أبناء المسلمين»، ونصُّ طلبه الدعاء قبل عمليتها الجراحية، وموقفه من نصرة غزة مع حفظ الميزان.
  • مقاله «سارة وسلسلتها التي لم تكتمل» كما نقلته المواقع الأردنية والمغربية في يونيو 2019 م: منه تفاصيل جلسات العلاج وعددها، وتسجيلها حلقتين قبل النشر بأسبوع وعملها المونتاج بنفسها، وعدد الحلقات المقدَّر للسلسلة، ودعاؤها قبل وفاتها بأيام.
  • تغطيات وفاة سارة في هوية بريس بتاريخ 8 من يونيو 2019 م: منها تاريخ الوفاة وسنُّها ومكان الصلاة عليها.
  • مقال الكاتبة إحسان الفقيه «وقفة مع رحيل سارة» بتاريخ 13 من يونيو 2019 م: منه وصفُ ثباته وموقفه بعد الفقد.
  • مجلة جامعة جرش الإخبارية، خبر بتاريخ 23 من أكتوبر 2018 م: منه إدراج اسمه واحدًا من ثلاثة مراجعين أكاديميين للطبعة السابعة من «Lippincott Illustrated Reviews: Pharmacology» الصادرة في 10 من أكتوبر 2018 م، وكونه الوحيد من العرب بين خمسين مؤلفًا وثلاثة مراجعين، وأن الإدراج جاء بعد تصحيحه عددًا من أخطاء الكتاب العلمية.
  • بحثه المنشور في مجلة eLife بتاريخ 27 من مايو 2021 م بعنوان «A high rate of COVID-19 vaccine hesitancy in a large-scale survey on Arabs»: منه كونُه المؤلف الأول، وعدد المشاركين 36220، وعدد الدول، وأبرز النتائج؛ وبحثه المنشور في مجلة Vaccines عن تردد العاملين الصحيين العرب.
  • صفحته على Google Scholar وأكاديمية MedOne: منها إجمالي الاستشهادات ومؤشرا h وi10، وسنوات خبرته في التدريس والبحث، ووصفُ كتابه «PharmMedTerm» ومحتواه وطبعته الأولى.
  • أرشيف الإنترنت، نسخة سلسلة «رحلة اليقين» المرفوعة في 3 من مايو 2020 م، وتفريغاتها المرفوعة: منها عناوين الحلقات وموضوعاتها.
  • صحيفة عنب بلدي، تقرير عن محاضرته في جامعة إدلب: منه تاريخ المحاضرة في 19 من أبريل 2022 م وعنوانها «همٌّ يُشعل هِمّة» ومدتها ومكانها في مدرَّج كلية الطب البشري.
  • قناته الرسمية على تليجرام وصفحاته المترجَمة: منها منشوراته في سقوط النظام السوري وتحرير المعتقلين، وكلمتُه في الأكراد، ومشروعا «غرس يقيني» و«أنت مهم»، وترشيحاته للمشاريع التربوية.
  • إحصاءات قناته على يوتيوب بتاريخ 11 من أغسطس 2026 م: منها عدد المشتركين والمقاطع وإجمالي المشاهدات وتاريخ إنشاء القناة في 9 من فبراير 2012 م.
  • صفحات دور النشر والمكتبات (دار بداية، ومفكرون، ومتاجر الكتب العربية): منها أوصاف كتبه «حسن الظن بالله» و«بشائر» و«قبل أن يضرب السور» و«ندى تشتكي لعائشة» و«رواية إيناس» و«متعة التدبر»، وعدد صفحات بعضها ومحطات «بشائر» الخمس عشرة بعد المئة.

كُتبت هذه الترجمة يوم الخميس 21 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 3 من سبتمبر 2026 م، مما وقفنا عليه من كلامه ومصنفاته وسلاسله وأبحاثه المحكَّمة وما نُشر عن سيرته إلى هذا التاريخ. وسيرةُ رجلٍ ما زال يُنتج كلَّ أسبوع أوسعُ من أن يحيط بها كاتبٌ في صفحات، فما لم يُذكر ههنا فمن قصور الجمع لا من قلة الفضل؛ ومن كان عنده مزيدُ خبرٍ عن الدكتور حفظه الله فليُلحقه مشكورًا.

اقترح سيرة أو تعديلًا

إرسال رسالة

شارك هذه السيرة

نُشرت هذه السيرة في ، وآخر تحديث لها في . طول السيرة نحو 5309 كلمة.