عبد الله العجيري
| عبد الله العجيري | |
|---|---|
![]() | |
| الاسم الكامل | عبد الله بن صالح العجيري |
| الميلاد | 1396 هـ / 1976 م |
| مكان الميلاد | الخُبَر، المنطقة الشرقية، السعودية |
| البلد | السعودية |
| الإقامة | لندن، المملكة المتحدة |
| المهنة | باحث ومفكر إسلامي وكاتب ومحاضر، ومهندس حاسب آلي |
| التخصص | العقيدة والفكر الإسلامي والتحصين الفكري، ونقد الإلحاد والعلموية والحداثة والروحانيات المعاصرة |
| أبرز الأعمال |
|
| التصنيف | مفكرون |
الباحثُ المدقِّق، المفكِّرُ الناقد، الشيخُ المهندس عبد الله بن صالح العجيري. وُلد بمدينة الخُبَر من المنطقة الشرقية ببلاد الحرمين سنة 1396 هـ، الموافقة 1976 م.
هو الرجل الذي حمل شهادتين لا شهادةً واحدة: بكالوريوسًا في أصول الدين من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وبكالوريوسًا في هندسة الحاسب الآلي من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن؛ ثم نال الماجستير من جامعة الملك فيصل برسالةٍ في برهان الإتقان على وجود الله والردِّ على الشبهات الواردة عليه. فجمع في تكوينه ما يُظنُّ أنه لا يجتمع: صرامةَ المهندس، وأدواتِ المتكلم، وميزانَ أهل السنة.
ثم انتدب نفسه لثغرٍ بعينه: فكفكةِ ألغام الإلحاد الجديد، ولوثةِ الروحانيات المعاصرة، وانحرافاتِ القراءة الحداثية للدين، وتقديسِ العلم التجريبي حتى يصير إلهًا. وإليه انتهت في زماننا رئاسةُ باب «التحصين الفكري» في الخليج وفي واسعٍ من العالم الإسلامي.
فكيف يتحوَّل مهندسُ دوائرَ وإلكترونيات إلى طبيبٍ للعقول، يقصده شبابُ الأمة ليداوي شكوكهم ويردَّ عليهم يقينهم؟ وكيف استطاع رجلٌ هادئ النبرة، لا يرفع صوته ولا يسبُّ خصمه، أن يهدم صروحًا من الباطل بناها الغرب وصدَّرها إلينا؟
الجواب في سطرٍ واحد: أنه عرف من أين تُؤتى الأمة في هذا العصر. فلم يقف يحرس الباب الذي لا يدخل منه أحد، بل مضى إلى الثغرة نفسها فسدَّها بكتابٍ ومحاضرةٍ ومؤسسة. وقد كتب في تعريف نفسه على منصة «إكس» جملةً تكشف عن قلبه أكثر مما تكشف عنه سيرةٌ كاملة، عدَّ فيها بناته الأربع، ثم عدَّ كتبه فسمَّاها أبناءه.
ولمن أراد أن يعرف الرجل في مشهدٍ واحد: ففي شهر سبتمبر من سنة 2019 جلس أمام شابٍّ يشتهر بتبسيط العلوم، ينكر الإعجاز العلمي ويرى أن للعلم واديًا وللدين واديًا آخر، وجلس معه في بثٍّ مباشرٍ على قناة الشاب نفسِه لا على قناته هو. وبعد سنواتٍ ما زال ذلك اللقاء يُشاهَد، وقد تجاوزت مشاهداتُه ثلاثة ملايين وثلاثمئة ألف، على قناةٍ لا يبلغ مشتركوها خمسةً وأربعين ألفًا. فانظر إلى الرقمين متجاورين، ثم اسكت.
محتويات
- 1 الخُبَر: بيتٌ في الشرقية
- 2 شهادتان لا شهادةً واحدة
- 3 قراءةُ ناقدٍ لا قراءةَ متعة
- 4 رفاق الطريق
- 5 البثُّ الذي ذهب فيه إلى دار خصمه
- 6 العصرُ الذي وُلد فيه المشروع
- 7 المشروع المركزي: هندسة التحصين
- 8 مركز تكوين: من الجهد الفردي إلى المؤسسة
- 9 أبناؤه وبناته: سيرةُ الكتب
- 10 المواقف الكبرى
- 11 لغةٌ اختارها اختيارًا
- 12 ثغرٌ لزِمه
- 13 منبر العصر: «نقطة» وما حوله
- 14 في بريطانيا: غربةٌ ومنبر
- 15 «المنهاج من ميراث النبوة»: شرحٌ موسَّع
- 16 شمائله وطريقته في الحجاج
- 17 أثره
- 18 الخلاصة النهائية
- 19 سجل المصادر
الخُبَر: بيتٌ في الشرقية
نشأ في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، في بيئةٍ محافظة. والشرقيةُ في تلك السنين ملتقى أضدادٍ لا يجتمع مثلها في غيرها: فيها البترول والشركات الكبرى والجامعات التقنية والوافدون من كل جنس، وفيها في الوقت نفسه بيوتٌ متمسكةٌ بدينها، وحِلَقٌ ومساجدُ ومكتبات. فالشابُّ الذي ينشأ هناك يرى بعينه، قبل أن يقرأ عنه في كتاب، ما معنى أن تتجاور الحضارةُ المادية والهويةُ الإسلامية على أرضٍ واحدة.
وكان منذ صباه شغوفًا بالقراءة، نهِمًا في تحصيل المعرفة، لا يقف عند حدٍّ ولا يلزم فنًّا بعينه. ثم اختار طريقًا لم يكن أحدٌ يتوقع أن يخرج منه ما خرج: العلوم التطبيقية. فدخل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران، وهي من أرفع جامعات المنطقة علمًا وانضباطًا وأشدِّها امتحانًا لطلابها، فتخرَّج فيها مهندسًا في هندسة الحاسب الآلي.
شهادتان لا شهادةً واحدة
ولو وقف الأمر عند الهندسة لكان في السيرة نقصٌ ظاهر. غير أنه لم يقف. فقد جمع إلى شهادة الهندسة بكالوريوسًا آخر في أصول الدين من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. فهو إذًا لم يكن مهندسًا اقتحم العلوم الشرعية اقتحامًا، ولا هاويًا يقرأ في التراث على غير جادة؛ بل درس أصول الدين دراسةً نظامية كما درس الهندسة، وحصَّل في البابين معًا.
ثم أتمَّ ذلك بالدراسات العليا، فنال درجة الماجستير من جامعة الملك فيصل، وكان موضوعُ رسالته هو صميمَ ما نذر له عمره: برهانُ الإتقان على وجود الله، والردُّ على الشبهات الواردة عليه. فرسالتُه العلمية الأولى في أعظم مسألةٍ يُسأل عنها إنسان.
قلتُ: وهذه الشهادةُ الثانية هي التي تُفسِّر كلَّ ما بعدها. فإن كثيرين تكلموا في الإلحاد بلغة الفيزياء وحدها فجاءت ردودُهم بلا أصل، وكثيرين تكلموا فيه بلغة الوعظ وحدها فجاءت بلا أثر. أما هذا فقد ملك الميزانين معًا: يعرف كيف يفكِّر خصمُه لأنه تدرَّب على تفكيره في كلية الهندسة، ويعرف كيف يزنه لأنه تعلَّم الميزان في كلية أصول الدين.
ولم تكن النشأة الهندسية عبثًا في سيرته، بل كانت قدرًا ساقه الله إليه ليصنع عقليته. فالهندسة تورث صاحبها دقة التفكير، وتسلسل المنطق، والقدرة على تفكيك المركَّب إلى عناصره الأولية ثم إعادة تركيبه لاكتشاف موضع الخلل. وهذا بعينه ما صنعه بعد ذلك مع الأفكار والفلسفات: يدخل إلى الشبهة المعقَّدة فيفكِّكها تفكيكًا هندسيًّا، ويستخرج مقدماتها الفاسدة، ثم ينقضها بنتيجةٍ حتمية.
قراءةُ ناقدٍ لا قراءةَ متعة
ثم كان تكوينه الأكبر تكوينًا عصاميًّا بامتياز. فقد تلقَّى العلم الشرعي على عددٍ من المشايخ والعلماء في المنطقة الشرقية وغيرها، فدرس الفقه على المذهب الحنبلي، وتأصَّل في الاعتقاد والأصول على جادة أهل السنة والجماعة، ونهل من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم، فكان لهما الأثر البالغ في تكوينه العقدي والجدلي. وبقي ابنُ تيمية حاضرًا في مشروعه إلى اليوم؛ فإن أعظم ما يحتاجه من ينازل الفلاسفة أن يكون قد قرأ في «درء التعارض» و«الرد على المنطقيين» قبل أن يقرأ في غيرهما.
غير أن الذي ميَّزه أنه لم يقف عند حدود المكتبة الشرعية. فقرأ في الفلسفة الغربية، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وتتبَّع حركة الترجمة، وقرأ روايات الأدب الغربي والشرقي، وراقب تحوُّلات الثقافة الشعبية.
ولم يقرأ ذلك قراءة المترف الذي يطلب المتعة، بل قراءة الناقد البصير الذي يبحث عن جذور الانحراف قبل أن تضرب في أرض الأمة. فهو يدخل بيت خصمه ليعرف أثاثه، ويقرأ كتبه ليعرف من أين يُؤتى، ثم يخرج ليقول للناس: هذا الذي يُعرض عليكم اليوم على أنه اكتشافٌ جديد، إنما هو قولٌ قيل في القرن الفلاني، وقد ردَّه عليهم أهلُهم قبل أن نردَّه نحن.
رفاق الطريق
ومما أثَّر في تكوينه ورافقه في مشروعه صداقتُه العميقة ومزاملتُه للمفكر إبراهيم السكران وللباحث فهد بن صالح العجلان وغيرهما من الباحثين، ممن شكَّلوا سويًّا ما يشبه المدرسة الفكرية التي تصدَّت لموجات التغريب والإلحاد في العقدين الأخيرين.
وقد ثمرت هذه الزمالة عملًا مشتركًا باقيًا هو كتاب «زخرف القول» الذي شارك فيه الدكتور فهد العجلان.
ولهذه الصحبة أثرٌ لا يقلُّ عن أثر الشيوخ. فإن الباحث المفرد يجتهد فيصيب ويخطئ ولا يجد من يردُّه؛ أما إذا كان في جماعةٍ يقرأ بعضُهم لبعض ويناقش بعضُهم بعضًا، فقد أمِن من كثيرٍ مما يقع فيه المنفرد، وصار العمل مشروعًا لا مبادرة.
البثُّ الذي ذهب فيه إلى دار خصمه
في يوم الثلاثاء الثامن عشر من محرم سنة 1441 هـ، الموافق السابع عشر من سبتمبر سنة 2019 م، جرى لقاءٌ لم يكن أحدٌ يقدِّر أنه سيبقى يُشاهَد بعد سنين.
كان الطرف الآخر شابًّا سعوديًّا يُدعى عمر جبران الغامدي، صاحبَ قناةٍ في تبسيط العلوم عُرفت بين الشباب، يعرض فيها المسائل العلمية المعقَّدة بلغةٍ سهلة، وله جمهورٌ يثق بما يقول. وكان مما ينكره الإعجازُ العلمي في القرآن، وكان يرى أن للعلم واديًا وللدين واديًا آخر، لا يلتقيان ولا يُحاكَم أحدهما إلى الآخر. وهذه المسألة بعينها من أخطر ما يُطرح على شابٍّ مسلم؛ لأنها لا تطلب منه أن يكفر، وإنما تطلب منه أن يضع دينه في غرفةٍ ويغلق عليه الباب.
ووقعت المناقشة على غير ما جرت به عادةُ المتصدرين. فالعادة أن يستضيف الشيخُ الشابَّ في مجلسه وعلى منبره وبين جمهوره؛ وهذا ذهب إلى الشاب في داره: بثٌّ مباشرٌ على قناة عمر نفسِه، أمام جمهوره هو، بلا تحريرٍ ولا حذفٍ ولا فرصةٍ لإعادة تصوير جملةٍ لم تُحسن. ومن رضي بهذا فقد قال في نفسه قبل أن يتكلم: أنا واثقٌ مما عندي.
وأما هيئته في المجلس فهي التي ثبتت عنه في كل مجلسٍ بعده: لا ينفعل، ولا يشتم طارح الشبهة، ولا يستعجل الإجابة. يسكت لحظة، ثم يبدأ بصوتٍ هادئ ورتمٍ بطيء متَّزن. يؤصِّل المسألة من جذورها، ويردُّها إلى أصلها الغربي فيسمِّي القائل وكتابه، ثم يعرض قول خصمه بأقوى مما يعرضه صاحبُه، حتى يكاد السامع يظنُّ أنه يدافع عنه؛ ثم إذا استوفى حجَّة الخصم على أحسن وجوهها استلَّ المبضع فنقضها من وجهين وثلاثة، حتى تنهار كأنْ لم تكن.
وقد سمَّى الطرفان لقاءهما مناقشةً ودردشةً لا مناظرة، ولم يدَّعِ أحدٌ منهما نصرًا على صاحبه. غير أن صاحب القناة كتب في وصف المقطع كلمةً واحدة تلخِّص ما جرى: «المناقشةُ التي قلبت مناظرة».
ثم تكلَّم الرقم. فقد بقي المقطع محفوظًا على قناة عمر إلى اليوم، وتجاوزت مشاهداتُه ثلاثة ملايين وثلاثمئة ألف، وتجاوزت إعجاباتُه أربعة وأربعين ألفًا، على قناةٍ لا يبلغ مشتركوها خمسةً وأربعين ألفًا. وتناوله الباحثون بالتعليق والتحليل، حتى أفرد له الشيخ أحمد يوسف السيد مقطعًا خاصًّا في التعليق عليه.
قلتُ: وهذا هو موضع العبرة. فإن أكثر ما يُنتجه أهلُ الحق في هذا الباب يبقى داخل دائرتهم: يسمعه من يوافقهم، ويصفِّق له من هو مقتنعٌ به قبل أن يسمعه. وأما هذا فقد نفذت حجَّتُه إلى ثلاثة ملايين من الناس عبر منبر من يخالفه، فحملها إليهم من كان يظنُّ أنه سيردُّها. وهل بلغ أحدٌ من أثر البيان ما بلغ من جعل خصمَه بريدَه؟
وهذا المشهد المتكرر في لقاءاته كلها كاشفٌ عن طبيعة مشروعه: قوةُ الحجة، وهدوءُ الطرح، واحترامُ عقل المستمع، وإدراكٌ عميقٌ أن شباب اليوم لا تُقنعهم الخطابةُ الحماسية، وإنما يطلبون الدليل المفصَّل والبرهان العقلي المطابق للنقل الصحيح.
العصرُ الذي وُلد فيه المشروع
ولا يُعرف قدرُ ما صنع هذا الرجل حتى يُعرف الزمانُ الذي صنعه فيه. فقد كان العقدُ الذي تلا سنة 2010 من أعجب ما مرَّ على وعي الشباب المسلم. اجتمعت فيه ثلاثةٌ لم تجتمع من قبل: أداةٌ جديدة وضعت المنبر في يد كل أحد فسقطت حواجزُ التصفية التي كانت تحمي العامة من غير المؤهل؛ وحركةُ ترجمةٍ نشطة نقلت إلى العربية كتب «الإلحاد الجديد» وأعلامه في سنواتٍ قليلة، فصار ما يُكتب في أكسفورد يُقرأ في الرياض بعد أشهر؛ وصناعةُ «تطوير الذات» التي دخلت البيوت والمدارس والشركات تحمل في جوفها عقائدَ الشرق الأقصى مغلَّفةً بلغة النجاح والطاقة والوعي.
فوقع الشابُّ المسلم بين ثلاث رحًى: خطابٌ إلحاديٌّ عدواني يعرض نفسه على أنه صوتُ العلم، وخطابٌ روحانيٌّ وثنيٌّ يعرض نفسه على أنه صوتُ السلام الداخلي، وخطابٌ حداثيٌّ يعرض نفسه على أنه صوتُ التجديد الديني. وثلاثتُها تشترك في شيءٍ واحد: أنها لا تطلب من الشاب أن يعلن الكفر، وإنما تطلب منه أن يفرغ الدين من أثره ثم يبقى يسمِّي نفسه ما شاء.
وكان الخطاب الإسلامي في أول الأمر غيرَ مستعدٍّ لهذه النازلة. فأكثر ما كان يُنتج إما وعظٌ حماسيٌّ لا يُقنع من نزلت به الشبهة، وإما ردٌّ على شبهاتٍ من طبقةٍ أخرى قديمة، وإما تهوينٌ يقول للشاب: هذا وسواسٌ فاستعذ منه. والشابُّ الذي يقرأ دوكينز لا ينفعه أن يُقال له استعذ؛ لأنه لم يأتِ بوسواسٍ بل جاء بحجة، والحجةُ لا تُدفع إلا بحجة.
وهنا كان موقع الرجل من زمانه. فقد جاء والمعركةُ قد نُقلت إلى أرضٍ لا يُحسن أكثرُ أهل الخطاب القتالَ فيها، فوجد نفسه ممن يملكون أدواتها: يقرأ الإنجليزية، ويعرف الفلسفة من كتبها لا من الحكايات عنها، ودرس أصول الدين دراسةً نظامية، وتدرَّب على المنطق التطبيقي في كلية هندسة. فما كان بدٌّ من أن ينزل، ونزل.
المشروع المركزي: هندسة التحصين
إذا أُريد تلخيص مشروع عبد الله العجيري في جملةٍ واحدة فهي: حمايةُ عقل المسلم المعاصر من اختراقات الفلسفات المادية والروحانيات الوثنية، وتأسيسُ اليقين على بصيرة.
وقد أدرك مبكرًا أن المعركة لم تعد محصورةً في شبهاتٍ تقليدية حول الفقهيات، بل انتقلت إلى الأصول الكبرى: وجودِ الله، وصحةِ الدين، ومصادرِ المعرفة، ومعنى الحياة.
وأدرك ما هو أدقُّ من ذلك وأخطر: أن الغزو لم يعد يأتي عبر الكتب الفلسفية الثقيلة التي لا يقرؤها إلا المتخصص، بل صار يأتي عبر الرواية، والفيلم، ودورةِ تطوير الذات، والمقطعِ القصير، والبودكاست. فالشابُّ اليوم لا يجلس ليقرأ كتابًا في الإلحاد، لكنه يقرأ روايةً فيخرج منها وقد استقرَّ في نفسه أن الدين قيد؛ ولا يحضر محاضرةً في وحدة الوجود، لكنه يحضر دورةً في الطاقة فيخرج منها وقد صار الكونُ عنده إلهًا يستجيب.
فتصدَّى لهذا كله بأداته: يدخل إلى المنتَج الثقافي نفسه، ويستخرج منه الفلسفة الكامنة فيه، ويعرضها للناس عاريةً من غلافها. وهذا هو معنى «هندسة التحصين»: أنه لا يكتفي بالتحذير من النتيجة، بل يُري الناس المخطَّط الذي بُنيت عليه.
مركز تكوين: من الجهد الفردي إلى المؤسسة
ومن فقه الرجل أنه لم يجعل مشروعه معلَّقًا بشخصه.
فتولَّى إدارة مركز تكوين للدراسات والأبحاث، ليكون المشروعُ مؤسسةً لا مبادرةً فردية. فقام المركز بترجمة عددٍ من الكتب الغربية التي تنقض الإلحاد من داخله، وأصدر مؤلفاتٍ تؤصِّل العقيدة الإسلامية بلغة العصر، وعقد البرامج التدريبية لتخريج جيلٍ من الباحثين القادرين على المواجهة، وصارت له في المكتبة الإسلامية المعاصرة سلسلةٌ معروفة.
وهذه الخطوة وحدها تفرِّق بين نمطين من العاملين: رجلٌ ينفق عمره في إنتاج مادةٍ تُنسب إليه فإذا غاب غابت، ورجلٌ يبني بيتًا يسكنه غيرُه بعده. والأول يُشكر، والثاني يبقى.
أبناؤه وبناته: سيرةُ الكتب
كتب العجيري في النبذة التعريفية لحسابه على منصة «إكس» جملةً تُقرأ مرتين: مرةً على أنها ظرافةُ أبٍ، ومرةً على أنها إعلانُ مشروع. قال:
«بناتي: منى وفاطمة وشيخة وبلسم. وأبنائي: عبث الرواية، خرافة السر، معالم ومنارات، ينبوع الغواية الفكرية، ميليشيا الإلحاد، شموع النهار، المنشقون، زخرف القول، ت. هيروشيما».
فأنجب لبيته أربعَ بنات، وأنجب للإسلام تسعةً من الأبناء الفكريين. وهذه استعراضتهم:
ميليشيا الإلحاد، في حالة الإلحاد الطفوحي. وهو ضربةٌ استباقيةٌ تفكيكية لظاهرة «الإلحاد الجديد» وأقطابها الأربعة: دوكينز وهاريس وهيتشنز ودينيت. كشف فيه أن الإلحاد المعاصر ليس إلحادًا علميًّا هادئًا يبحث عن الحقيقة، بل هو ميليشيا تبشيرية عدائية تستعمل الاستهزاء والسطوة الإعلامية لترهيب المؤمنين؛ ثم نقض أسسهم العلمية والمنطقية بكفاءةٍ عالية. والتسميةُ وحدها حجة؛ فإنك إذا سمَّيت الشيء باسمه فقد قطعت نصف الطريق إلى إسقاطه.
خرافة السر، قراءةٌ تحليلية لكتاب «السر» وقانون الجذب. جاء حين اجتاحت خرافاتُ الطاقة والوعي الكوني العالم العربي متسترةً بغطاء تطوير الذات، فكان سدًّا منيعًا: فكَّك أصول هذه الحركات، وأثبت جذورها الوثنية في الديانات الشرقية وحركة العصر الجديد، وبيَّن مناقضتها الصريحة لعقيدة التوحيد وللقدر وللعقل السليم معًا.
ينبوع الغواية الفكرية، وهو من أعمق كتبه وأنفعها لطالب العلم. يدرس فيه المنهجية التي تتولَّد منها الانحرافات، ويؤصِّل مسألةً غاية في الأهمية: كيف يتحوَّل الاستشكال الطبيعي إلى شبهة، ثم إلى ضلال؟ وكيف يتأثر العقل البشري بالشهوة الخفية، من حبِّ الظهور أو ضغط الواقع، فيطوِّع النصوص الشرعية لتوافق هوى العصر؟ فهو كتابٌ في تشريح النفس قبل أن يكون كتابًا في نقض الأقوال.
عبث الرواية، تتبَّع فيه كيف تُمرَّر أخطرُ الأفكار الفلسفية والإلحادية والانحلالية عبر غلافٍ أدبيٍّ رقيق يُسمَّى الرواية؛ وبيَّن كيف يسترخي القارئ أمام السرد فيتشرَّب الشبهات بلا حراسةٍ عقلية، ناقدًا عددًا من الروايات الشهيرة التي أفسدت تصورات الشباب. وهذا بابٌ قلَّ من طرقه بهذه الجدية.
المنشقون، دراسةٌ تحليلية نفسية واجتماعية لقصص من تركوا الدين. ولم يكتفِ فيه بنقد أفكارهم، بل حلَّل مساراتِ انشقاقهم، وكيف تلعب الهشاشةُ النفسية والمشكلاتُ الأسرية والصدماتُ مع المنتسبين إلى الدين دورًا في صناعة الإلحاد قبل أن تلعب الشبهةُ العلمية دورها. وهذا من أنفع ما كُتب في بابه؛ لأنه ينقل المعالجة من الجدل إلى الجذر.
زخرف القول، بالاشتراك مع الدكتور فهد بن صالح العجلان. كتابٌ منهجيٌّ عظيم يرصد كيف تُستعمل المصطلحاتُ البرَّاقة (الحرية، التنوير، الإنسانية، العقلانية) لتمرير باطلٍ محض، ويكشف تقنيات التلاعب اللغوي في الخطاب الفكري المعاصر. ومن قرأه لم يعد يُخدَع بلافتة.
شموع النهار، كتابٌ إيمانيٌّ رقيقٌ عميق، يجيب فيه عن سؤال المعنى، ويجلِّي حقيقة العبودية لله، ويقرِّر أن الاستسلام للوحي هو محضُ الحرية لا ضدَّها، وأنه طوقُ النجاة في بحر التِّيه المعاصر. وفيه يظهر الوجه الآخر للرجل: فليس مناظرًا فحسب، بل صاحبُ قلبٍ يكتب لمن أتعبه الطريق.
معالم ومنارات، في تنزيل نصوص الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث. وهو بابٌ كثر فيه الخلط والتهويل والتنزيلُ المتعجِّل، فجاء ليضع فيه ضوابط تعصم صاحبها من أن يجعل كلَّ حادثةٍ علامةً وكلَّ رجلٍ من الأشراط.
هيروشيما، ترجمةً لتحقيق الصحفي جون هيرسي عن حكاية ستة ناجين من كارثة القنبلة الذرية. وليس اختياره لهذا الكتاب عبثًا؛ بل هو تفكيكٌ عمليٌّ لوهم «الإنسانية الغربية» العلمانية، وإبرازٌ لتوحُّش الحضارة المادية حين تتجرَّد من الوحي. فالرجل الذي ينقض الإلحاد بالبرهان العقلي، ينقض دعوى الأخلاق الغربية بشهادة ستة ناجين. وربَّ صفحةٍ من التاريخ أبلغُ من عشر صفحاتٍ من الجدل.
المواقف الكبرى
ولم يترك بؤرةً من بؤر الفساد الفكري المعاصر إلا خاض معركتها، واضعًا إياها تحت مجهر الوحي والعقل معًا:
من العلموية: تصدَّى بقوةٍ للفلسفة التي تزعم أن العلم المادي التجريبي هو المصدر الوحيد للمعرفة، وقرَّر أن العقل والوحي مصدران يقينيان أعلى منه، وأن العلم التجريبي محدودٌ بحدود المادة، لا يملك الإجابة عن أسئلة الغاية والقيمة والمعنى، ومن حمَّله ما لا يطيق فقد أفسده وأفسد نفسه.
من نظرية التطور ودعاواها الشاملة، ومن جعلها مركبًا إلى الإلحاد.
من العقلانية الجديدة: حارب الانحراف الذي يطوِّع نصوص القرآن والسنة لتوافق الذوق الغربي، أو يردُّ الأحاديث الصحيحة بدعوى معارضتها للعقل، وبيَّن أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، وأن ما يُسمَّى عقلًا في هذه الدعاوى إنما هو ذوقُ عصرٍ بعينه.
من وثنيات العصر الجديد: قاد حربًا لا هوادة فيها على مروِّجي علوم الطاقة والريكي والشاكرات، مسمِّيًا إياها بحقيقتها: شركياتٍ ووثنياتٍ مستوردةً من الشرق، مغلَّفةً بغلافٍ علميٍّ زائف. ولم يجاملهم بلفظ «تدريب» ولا «تطوير ذات».
لغةٌ اختارها اختيارًا
ومن أوضح ما يُعرف به أسلوبُه: لغةٌ عالية، ومعجمٌ دقيق، ومصطلحاتٌ لا يألفها المبتدئ.
وهذا اختيارٌ لا عجز. فإن الرجل يناظر فلسفةً، والفلسفةُ لها لسانٌ لا يُفهم كلامها بغيره؛ فمن أراد أن ينقض قولًا مبنيًّا على تفريقٍ بين الوجود والماهية، أو على دعوى في مصدر المعرفة، فليس له أن يخاطبه بلغة الوعظ ثم يظن أنه ردَّ عليه. وأدواتُ الخصم تُنتزع منه بلغته هو، وإلا كان الكلام في وادٍ والمقصود في وادٍ آخر.
ثم إن في هذا الاختيار رفعًا لهمة الجيل. فإن أيسر الطريقين أن ينزل المتكلم بخطابه إلى أدنى ما يفهمه السامع فيبقى السامع حيث هو؛ وأشرفهما أن يرفع السامع إليه. وقد رفع العجيري بخطابه مستوى وعي طبقةٍ كاملة من الشباب، حتى صارت مصطلحاتٌ لم تكن تُتداول إلا في أقسام الفلسفة جاريةً على ألسنة طلبةٍ في العشرين.
ثغرٌ لزِمه
ومن فقهه أنه عرف ثغره فلزِمه.
فلم يوزِّع نفسه على كل بابٍ يُنادى فيه، ولم يجعل من نفسه مرجعًا في كل نازلة. رأى أن ثغر الفكر والعقيدة مهمَلٌ وأن أهله قليل، وأن ضياع أصل الدين أشدُّ من ضياع فرعه، فوقف حيث يُحسن، وأنفق عمره في بابٍ واحدٍ حتى صار فيه إمامًا يُقصد.
وهذا هو التخصص الذي أوصى به العقلاء، وهو الذي يفسِّر عمق إنتاجه؛ فإن من فرَّق جهده على عشرة أبوابٍ لم يُتقن واحدًا، ومن جمعه في بابٍ واحدٍ كفى الأمةَ إياه. وحسبُ المرء أن يسدَّ ثغرًا واحدًا فيكفي الأمة إياه.
منبر العصر: «نقطة» وما حوله
وأدرك أن الكتب وحدها لا تكفي في عصر الصوت والصورة، فانخرط في الفضاء الرقمي انخراط العارف بأدواته.
فاستضافته أبرز برامج البودكاست العربية ومنصاتها، وتجاوزت مقاطعُه وحواراتُه ملايين المشاهدات. والسرُّ في هذا القبول ليس الإثارة ولا الصراخ، بل على العكس تمامًا: المستمع يجد أمامه عقلًا باردًا، ولسانًا فصيحًا، وحجةً تتسلسل كالمعادلة الرياضية. فصار ملاذًا آمنًا لآلافٍ من الشباب عصفت بهم شبهاتُ الإلحاد والحداثة، فوجدوا عنده اليقين المبرهن.
ثم صار له منبرُه الخاص: بودكاست «نقطة»، وهو كما وُصف: وجبةٌ أسبوعية خفيفة في شؤون الفكر والثقافة، يقدِّمها بمشاركة الأستاذ محمد البليهد والأستاذ عزام الشذري. وقد أنهى منه نحو ثلاثة مواسم، تناول فيها القراءة وشؤونها، وتبسيطَ العلوم وحدوده، وتحديات طلب العلم في السياق المعاصر، وازدواجيةَ المعايير، وخارطةَ الطريق، وغيرها من العناوين.
وهو مقلٌّ في هذا الباب على قدرته عليه. وذلك في نفسه مما يُحسب له لا عليه؛ فإن أكثر من فُتح له باب الظهور لم يُطق أن يغلقه، حتى صار الظهور غايةً بعد أن كان وسيلة. وأما هذا فيظهر إذا كان في ظهوره نفعٌ، ثم يعود إلى كتبه ودروسه.
في بريطانيا: غربةٌ ومنبر
ويقيم اليوم في المملكة المتحدة، حيث انتقل لطلب مزيدٍ من التحصيل الأكاديمي، وحيث يمارس نشاطًا دعويًّا بين المسلمين هناك.
وقد فتح في أول موسمٍ من مواسم «نقطة» الأخيرة بابَ الحديث عن هذه التجربة، فتكلَّم عن إقامته في لندن، وعن الدراسة الأكاديمية فيها وموازنتها بالأكاديميا العربية، وعن تجربة تعلُّم الإنجليزية في سنٍّ متأخرة، وعن صعوبة الحصول على الكتب هناك، وعن المشهد الدعوي والعلمي في بريطانيا.
ومن حسن اختيار الرجل لمواقعه أن يذهب إلى هناك بعينه. فإن أوروبا اليوم هي المصنع الذي تُنتَج فيه أكثرُ الأفكار التي تُصدَّر إلينا مترجمةً بعد عشرين سنة؛ فمن جلس فيها وقرأ بلسانها فقد سبق إلى المنبع قبل أن يبلغه المصب. ثم إن جاليات المسلمين هناك من أحوج الناس إلى من يبني يقين أبنائهم، وهم يواجهون في يومهم ما يواجهه غيرهم في كتاب.
وله في تلك الديار قبولٌ بين الشباب والدعاة على السواء. وذلك القبول ثمرةُ ما تقدَّم: رجلٌ لا يخاصم ولا يشتم ولا يتعالى، ويعطي السائل حقَّه من الجواب.
«المنهاج من ميراث النبوة»: شرحٌ موسَّع
وهو منشغلٌ اليوم بعملٍ من أجلِّ أعماله وأبقاها أثرًا: الشرح الموسَّع على «المنهاج من ميراث النبوة»، وهو متنٌ للشيخ أحمد يوسف السيد جمع أصول المنهج وأبوابه.
وقد تتابعت حلقاتُ الشرح حتى جاوزت العشرين، في أبوابٍ منها: مرجعية الوحي، وتلقِّي القرآن على منهاج النبوة، وشرفُ العلم النافع، وغيرها.
وفي هذا الاختيار دلالتان:
الأولى: أن الرجل عاد من الميدان إلى الأصل. فبعد عقدين قضاهما في مناجزة الإلحاد والحداثة والوثنيات، رجع ليشرح متنًا في المنهج ومرجعية الوحي. وهذا صنيع من علم أن الردَّ على الباطل لا يُغني عن بناء الحق، وأن الجيل الذي حُصِّن من الشبهة يحتاج بعدها إلى ما يُبنى عليه.
والثانية: أن يتصدَّى باحثٌ في قامته لشرح متنٍ لمعاصرٍ له، فيه من التواضع وحفظِ حقِّ العلم ما فيه. فما كلُّ من بلغ هذا المبلغ يرضى أن يجلس شارحًا لكلام غيره؛ وإنما يفعل ذلك من يريد المعنى لا الاسم.
شمائله وطريقته في الحجاج
يُعرف الرجل بجملةٍ من الخصال اجتمعت له فقلَّ أن تجتمع:
هدوءٌ لا ينكسر؛ لا يرفع صوته، ولا يستفزُّه استفزاز، ولا يجرُّه المحاور إلى ميدانٍ لم يخترْه.
إنصافٌ للخصم؛ وهذه من أعظم صفاته العلمية: أنه يعرض حجة مخالفه بأقوى مما يعرضها صاحبُها، ثم ينقضها. ومن فعل هذا فقد أمِن أن يُقال له: لم تفهم قولي. وهو منهج أهل العدل من أئمة النظر.
تسلسلٌ منطقي؛ يبدأ من المقدمات لا من النتائج، ولا ينتقل عن مقدمةٍ حتى يُسلِّمها له سامعُه.
تسميةٌ للأشياء بأسمائها؛ فلا يسمِّي الشرك «تراثًا روحيًّا»، ولا الإلحاد «بحثًا عن الحقيقة»، مع خُلقٍ لا يسقط في السباب.
احترامٌ لعقل المستمع؛ لا يستخفُّ به فيعطيه شعارًا مكان الدليل، ولا يستعجله فيطالبه بالتسليم قبل الاقتناع.
أثره
وأثره يُقاس بثلاثة:
في الأفراد: آلافٌ من الشباب ردَّ الله بهم يقينهم؛ وهو أثرٌ لا يُحصى لأنه في القلوب لا في السجلات، ويكفي منه أن يقرأ المرء ما يُكتب تحت مقاطعه.
في المكتبة: تسعةُ كتبٍ صارت مراجع في أبوابها، تُقرأ وتُهدى وتُدرَّس، منها ما لا يُستغنى عنه لمن أراد الكلام في الإلحاد الجديد أو في وثنيات العصر أو في منهجية توليد الشبهة.
في البناء: مؤسسةٌ تعمل، وباحثون تخرَّجوا، ومدرسةٌ فكرية صار لها لسانٌ ومصطلحٌ وطريقة، وجيلٌ من الشباب صار يُحسن أن يسأل قبل أن يُحسن أن يجيب.
الخلاصة النهائية
قلتُ: فالذي يظهر من سبر مسيرة عبد الله بن صالح العجيري ومشروعه أنه باحثٌ متين، ومفكرٌ سنيٌّ راسخ، وداعيةُ حقٍّ أقام نفسه على أهم ثغور الإسلام في هذا العصر وأشدِّها إهمالًا. لم ينزلق إلى تمييع الدين بحجة معاصرة العصر، ولم ينغلق في جمودٍ يمنعه من فهم لسان الخصوم؛ بل جمع الأداتين فأحسن الجمع.
فيُتابَع في نقضه للإلحاد وتفكيكه للعلمنة وحربه على وثنيات الروحانية المعاصرة، فإنه في هذا الباب من أرسخ من كتب في زماننا وأدقِّهم. وتُقرأ كتبه وتُشاع بين الشباب، فإنها حصنٌ حصين، وأحقُّها بذلك «ميليشيا الإلحاد» و«خرافة السر» و«ينبوع الغواية الفكرية» و«زخرف القول»؛ ومن أراد قلبًا قبل عقلٍ فليقرأ «شموع النهار». ويُقتدى به في أدبه مع مخالفه، وفي إنصافه لحجة خصمه قبل نقضها، وفي أنه ملك ميزان الشرع قبل أن يملك أدوات الفلسفة فلم تفتنه. ويُقتدى به في أنه لزِم ثغرًا واحدًا فأتقنه، وأنه بنى مؤسسةً تبقى بعد صاحبها.
وأصدقُ ما يوصف به أنه ما زال مهندسًا، وإنما تغيَّرت المادة التي يعمل فيها. كان يفكِّك الدوائر ليعرف أين انقطع التيار، فصار يفكِّك الشبهة ليعرف أين انقطع البرهان. وكان يقرأ المخطَّط قبل أن يحكم على البناء، فصار يقرأ الفلسفة قبل أن يحكم على الرواية والفيلم والدورة. ولئن كانت بناتُه الأربع قرةَ عينه في بيته، فإن أبناءه من الورق والمداد قد صاروا قرةَ عينٍ للأمة، ينافحون عن عقائد أبنائها في كل مكتبةٍ وكل هاتف، وسيبقون ينافحون بعد أن يسكت صاحبهم.
نسأل الله سبحانه أن يحفظه ويسدِّده، وأن يبارك في علمه وعمله وعمره وذريته، وأن يزيد في نفع كتبه ومركزه ودروسه، وأن يثبِّت به من زُلزل يقينه، ويردَّ به عن الأمة كيد من أراد بها الشك، وأن يجعل غربته في تلك الديار عزًّا للدين ونفعًا لأهله، وأن يتمَّ له ما بدأ من شرح المنهاج، ويرزقه الإخلاص فيما ظهر من عمله وما خفي، ويجزيه عن الإسلام وعن شباب المسلمين خير الجزاء.
سجل المصادر
- مؤلفاته المطبوعة: «ميليشيا الإلحاد»، و«خرافة السر»، و«ينبوع الغواية الفكرية»، و«عبث الرواية»، و«المنشقون»، و«زخرف القول» بالاشتراك مع الدكتور فهد العجلان، و«شموع النهار»، و«معالم ومنارات»، وترجمتُه لـ«هيروشيما» لجون هيرسي.
- رسالته للماجستير في برهان الإتقان على وجود الله والردِّ على الشبهات الواردة عليه، جامعة الملك فيصل.
- إصدارات مركز تكوين للدراسات والأبحاث وبرامجه.
- بودكاست «نقطة» بمواسمه، وفيه تعريفُه ببرنامجه وشركائه فيه، وحديثُه عن تجربته في لندن.
- حساباته الرسمية، ومنها تعريفُه بنفسه على منصة «إكس» الذي عدَّ فيه بناته وكتبه.
- تسجيل مناقشته مع عمر جبران الغامدي، المنشور على قناة الأخير بتاريخ 18 من محرم 1441 هـ الموافق 17 من سبتمبر 2019 م، وما عليه من أرقام المشاهدة والإعجاب، وما كُتب في وصفه.
- تعليق الشيخ أحمد يوسف السيد على تلك المناقشة.
- حلقات «الشرح الموسَّع على المنهاج من ميراث النبوة» المنشورة تباعًا.
- لقاءاته المرئية والصوتية المطولة على المنصات، ومراجعاتُ الباحثين المعاصرين لإنتاجه.
كُتبت هذه الترجمة يوم الأربعاء 12 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 26 من أغسطس 2026 م، مما وقفنا عليه من أخباره ومصنفاته ولقاءاته ومشروعاته إلى هذا التاريخ. وسيرةُ رجلٍ ما زال في ذروة عطائه، يكتب ويشرح ويبني، أوسعُ من أن يحيط بها كاتبٌ في مجلس؛ فما لم يُذكر هنا فمن قصور الجمع لا من قلة الفضل، ومن كان عنده مزيدُ خبرٍ فليُلحقه مشكورًا مأجورًا.
اقترح سيرة أو تعديلًا
أرسل إلينا اقتراح سيرة جديدة، أو تصحيحًا وإضافة موثقة إلى هذه السيرة.
