محمد العوضي

محمد العوضي
محمد العوضي
الاسم الكاملد. محمد بن إبراهيم العوضي
الميلاد1959م / نحو 1378هـ
مكان الميلادالكويت
البلدالكويت
الإقامةالكويت
المهنةداعية ومفكر وإعلامي وأستاذ جامعي
التخصصالدعوة والثقافة الإسلامية ومواجهة الشبهات
أبرز الأعمال
  • مركز «رواسخ»
  • حملة «ركاز»
  • «بيني وبينكم»
  • «وياكم»
  • «خواطر قلم»
التصنيفمفكرون

الداعيةُ المفكر، والإعلاميُّ المنافح عن ثوابت الملَّة، محاورُ الشباب وحارسُ الثغور الفكرية في زمن الشبهات، الدكتور محمد بن إبراهيم العوضي، الكويتيُّ مولدًا وإقامةً.

وُلد بالكويت سنة 1959 م (نحو سنة 1378 هـ)، وهو اليوم في نحو السابعة والستين، لم يزل بين قلمه وشاشته وحملاته؛ وإليه انتهت ريادة الخطاب الدعوي الفكري الموجه إلى الشباب في الخليج والعالم العربي في العقدين الأخيرين.

هو الرجل الذي أدرك مبكرًا أن المعركة مع خصوم الإسلام انتقلت من ميادين السياسة والسلاح إلى ميادين الشاشات والأفكار، فترك المحاريب المغلقة، وحمل كاميراته وأوراقه، ونزل إلى الشارع يحاور الناس؛ يجلس إلى الجيل الجديد جلسة الأب المحاور لا الواعظ المتعالي، فيعزز فيه الأخلاق، ويصوّب له المفاهيم، ويحرس عليه هويته وعقيدته في زمن تتقاذفه الشبهات من كل شاشة.

ثم لما رأى طوفان الإلحاد والتشكيك يضرب عقول الجيل، لم يكتفِ بالوعظ الباكي، بل أسس مشروع «رواسخ» ليكون حصنًا فكريًا مسلحًا بالمنطق والفلسفة وعلوم الشريعة، يرد عدوان الملاحدة والعلمانيين ومنكري السنة.

ولهذا المشروع جمع عُدَّة قلَّ أن تجتمع لداعية: آلةً أكاديمية صنعتها كلية المعلمين ثم جامعة الكويت ثم جامعة أم القرى بمكة حتى دكتوراه بامتياز؛ ولسانَ إعلام صنعه عمودٌ أسبوعي في جريدة الراي عنوانه «خواطر قلم» يجري منذ سنة 1995، وقرابةُ عشرين عملًا مرئيًا بين برنامج وموسم ملأت الفضائيات العربية عقدين كاملين بنسب مشاهدة مليونية؛ ويدَ مؤسساتٍ تبني ولا تكتفي بالكلام: حملة «ركاز» يشرف عليها، ومركز «رواسخ» يرأسه، وعضوية مؤسِّسة في الهيئة العالمية للإعلام التابعة لرابطة العالم الإسلامي.

ولم يكن حضوره حبيس المنابر المحلية؛ فحسابه في تويتر مليونيُّ المتابعة يخاطب منه الجمهور العربي كله، وقد جاءته سنة 2018 شهادة من خارج الديار: جائزة «الأب القدوة والمفكر في حوار الشباب» من المنظمة التنموية للطاقة المتجددة، برعاية الميثاق العالمي للأمم المتحدة؛ فاجتمع له اعتراف القريب الذي رباه على الشاشة، واعتراف البعيد الذي رأى أثره من وراء البحار.

هذه سيرة رجل اختار أن يقف في أشرس ثغور العصر: ثغر العقل واليقين.

محتويات
  1. 1 بين الصحافة والشريعة: النشأة والتكوين الأول
  2. 2 إلى مكة: رسالتان تكشفان المشروع
  3. 3 من المحراب إلى الشاشة
  4. 4 كاميرا تنزل إلى الشارع: عشرون عملًا مرئيًا
  5. 5 الليلة التي تلعثم فيها الخصم على الهواء
  6. 6 رواسخ: القلعة التي تحرس اليقين
  7. 7 ركاز وأخواتها: أذرع تعمل في الميدان
  8. 8 فلسطين وحرب المفاهيم: المواقف الكبرى
  9. 9 شهادة من منصة أممية
  10. 10 الخلاصة النهائية
  11. 11 سجل المصادر

بين الصحافة والشريعة: النشأة والتكوين الأول

وُلد محمد العوضي في دولة الكويت سنة 1959، في مرحلة تاريخية كانت فيها منطقة الخليج تشهد تحولات اجتماعية واقتصادية عاصفة مع اكتشاف النفط وبناء الدولة الحديثة.

وفي السبعينيات والثمانينيات كانت الكويت ساحة مفتوحة لصراع التيارات الفكرية: القومية، واليسارية، والعلمانية، في مقابل الصحوة الإسلامية الصاعدة. وفي هذه البيئة المشتبكة تشكل وعيه المبكر، وأدرك باكرًا أن أزمة الخطاب الإسلامي ليست في نقص الحق الذي يحمله، بل في ضعف الأداة التي يبلغه بها؛ فجاء مساره التعليمي كله على هذا الفهم: يجمع بين متانة العلم وحذق الوسيلة.

بدأ من حيث يبدأ المربون الحقيقيون: من مهنة التعليم نفسها. تخرج في كلية المعلمين بالكويت سنة 1981، فكانت صنعته الأولى أن يقف أمام الصف ويخاطب الناشئة وجهًا لوجه؛ ومن هناك تعلم ما لا تعلّمه الاستوديوهات: أن الكلمة التي لا تصل إلى الجالس أمامك لا قيمة لزخرفها.

ثم لم يقنع بشهادة المعلمين، فالتحق بكلية التربية في جامعة الكويت، وتخرج فيها سنة 1986 حاملًا البكالوريوس في الدراسات الإسلامية والأدب العربي. وتأمل هذا المزج؛ فالدراسات الإسلامية وحدها تصنع واعظًا، والأدب وحده يصنع خطيبًا، واجتماعُهما هو الذي يصنع داعيةً يُصغى إليه: علمٌ يعصم الكلمة من الخواء، وبيانٌ يعصمها من الثقل. وجمع إلى ذلك دراسة الإعلام والصحافة في جامعة الكويت، ليمتلك مفاتيح الصنعة الإعلامية وأسرار التأثير الجماهيري من داخل الحرفة لا من هامشها؛ فاكتملت في تكوينه أدوات ثلاث: علم يُحمل، وأدب يُبلَّغ به، وإعلام يوصله إلى الملايين.

إلى مكة: رسالتان تكشفان المشروع

لكنه علم أن الصحافة بلا ميزان شرعي مركبٌ تائه، فقصد مكة المكرمة والتحق بجامعة أم القرى، ليجمع إلى فقه الواقع فقهَ الشريعة، في تخصص الدعوة والثقافة الإسلامية. فنال منها الماجستير سنة 1992 عن نقد فلسفة وحدة الوجود، تلك المقالة الفلسفية الغالية التي تخلط الخالق بالمخلوق وتذيب التوحيد في دعاوى العرفان. ثم واصل حتى نال الدكتوراه من الجامعة نفسها سنة 2004 بتقدير امتياز، عن أطروحات التوفيقيين حول قضايا المرأة بين العلمانية والإسلام، حيث درس مقالات الذين يحاولون التلفيق بين مطالب العلمانية وأحكام الشريعة في شأن المرأة، وردّها إلى ميزان الإسلام. وكانت هذه الدراسة الأكاديمية الشرعية بمثابة الحصن الذي منعه من الانزلاق في بهرج الإعلام الفضائي، فصار إعلاميًا بقلب فقيه، وداعية بعقل صحفي.

قلتُ: وعنوانا الرسالتين يغنيانك عن طول التعريف بصاحبهما؛ فالرجل اختار من أول الطريق أن يقف على أخطر جبهتين في الفكر المعاصر: جبهة الغلو الباطني الذي يفسد التوحيد باسم الروح، وجبهة التذويب العلماني الذي يفسد الأحكام باسم العصر. ومن جمع في تكوينه نقض هذين الطرفين عرفتَ لماذا صارت صنعته بعد ذلك «تصويب المفاهيم»: فهو لم يأت إلى الشبهات من قراءة عابرة، بل من بحث أكاديمي محكم امتد ثلاثة وعشرين عامًا، من شهادة المعلمين سنة 1981 إلى امتياز الدكتوراه سنة 2004، لم يقطعه خلالها صعودُ نجمه الإعلامي ولا زحامُ الأضواء؛ وكم من مشهورٍ أنسته الشاشة مقاعد الدرس، وهذا رجل جمعهما فما فرّط في واحد.

ويعمل الدكتور العوضي أستاذًا مساعدًا في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب بالكويت، في كلية التربية الأساسية بقسم الدراسات الإسلامية؛ فهو إلى اليوم على مهنته الأولى: معلم يخرّج المعلمين.

من المحراب إلى الشاشة

بدأ العوضي مسيرته الدعوية كغيره من الدعاة: خطبًا على المنابر، ودروسًا في المساجد، ومقالات صحفية متفرقة. ولكنه أدرك في أواخر التسعينيات ومع بداية الألفية الثالثة أن المنبر التقليدي، على فضله، لا يصل إلا إلى من جاء إليه طائعًا، في حين أن الفضائيات تقتحم على الناس بيوتهم؛ فقرر أن يذهب إلى الناس حيث هم، لا أن ينتظرهم حيث هو.

وكان قلمه قد سبق كاميرته: ففي سنة 1995 بدأ عموده «خواطر قلم» في جريدة الراي الكويتية، وما زال يجري إلى اليوم؛ عمودٌ صاحَبَ قراءه أكثر من ثلاثين سنة، سلّط فيه قلمه على قضايا الفساد، وتجاوزات التيار العلماني، والمطالبة بتحكيم الشريعة، والدفاع عن قضايا الأمة. والكاتب الذي يحتفظ بزاويته عقودًا ثلاثة إنما يحتفظ في الحقيقة بثقة قرائه، وهذه لا تُشترى ولا تورث؛ وفي عنوان العمود نفسه أثر تكوينه المزدوج: «خواطر قلم»، عنوانٌ أديبٍ لمضمونِ داعية.

كاميرا تنزل إلى الشارع: عشرون عملًا مرئيًا

جاءت باكورة أعماله المرئية برنامج «صور وخواطر» سنة 2002. ثم كان المنعطف الأكبر في مسيرته الجماهيرية سنة 2004، حين أطلق برنامجه الذي صار علامة عليه: «بيني وبينكم». لم يكن برنامجًا وعظيًا يجلس فيه الشيخ خلف مكتب فخم يلقي المواعظ، بل نزل العوضي إلى الشوارع، والأسواق، والسجون، والمقاهي، وأماكن تجمع الشباب؛ حاور المدمنين، والملحدين، والمتشككين، وأصحاب المهن البسيطة، فكسر الصورة النمطية للداعية، وظهر في صورة المثقف المشتبك مع هموم الناس اليومية. واستمر البرنامج تسعة مواسم متتالية بلا انقطاع، من 2004 إلى 2012، مسجلًا نسب مشاهدة مليونية، وجاعلًا من صاحبه وجهًا دعويًا مألوفًا في كل بيت عربي.

ثم أتبعه برنامج «وياكم» خمسة مواسم متوالية، من 2013 إلى 2017. أربعة عشر موسمًا متصلة السنين على الفضائيات العربية، وهذا وحده شاهد مضاعف: شاهد على نفَس طويل قلّ نظيره في الإعلام الدعوي، وشاهد على جمهور ظل يطلبه موسمًا بعد موسم، والقنوات لا تجدد لبرنامج أربع عشرة سنة إلا وقد أثبت مكانه.

وتأمل أسماء برامجه تجد فيها روح صاحبها: «بيني وبينكم» تهدم الحاجز بين الداعية وجمهوره، و«وياكم» تجعله معهم لا فوقهم، وكلها بلهجة القرب لا بلغة التصدر. ثم أتبع ذلك ببرامج نوعية تنطق عناوينها بمقاصدها: «ذكرتني بآية» يصل حياة الناس بكتاب الله، و«حديث الشبهات» يقف على ثغر العقيدة، و«قذائف» و«أكثر الناس» و«زدني علمًا» في التنبيه والتفكير والتعليم. فتلك قرابة عشرين عملًا مرئيًا، تتكامل حلقاتها في مشروع واحد: دعوة اجتماعية فكرية تخاطب الجيل بلسانه.

الليلة التي تلعثم فيها الخصم على الهواء

وفي ذروة موجة الإلحاد، استضافه أحد البرامج التلفزيونية العربية الكبرى، وأجلس أمامه بعض المتأثرين بالفكر الإلحادي ومنكري السنة. توقع الخصوم أن يأتيهم شيخ تقليدي يغضب ويرفع صوته ويثور لكرامة الدين بالشعارات.

لكن العوضي جلس هادئًا. وحين ألقى الخصم شبهته المستوردة بحذافيرها من كتب الغرب حول تطور الإنسان والأصل المشترك، لم يشتمه، بل أخرج كتابًا أجنبيًا لأحد كبار علماء البيولوجيا التطورية، وقرأ نصه بالإنجليزية ثم ترجمه، كاشفًا حجم التلفيق والجهل الذي يعتمد عليه خصمه. ثم انتقل به بسلاسة إلى قضية السنة، مفككًا دعوى الاكتفاء بالقرآن بأمثلة عقلية صارخة جعلت الخصم يتلعثم على الهواء.

في ذلك الاستوديو لم يُسقط العوضي شبهة خصمه فحسب، بل أسقط هيبته الوهمية أمام آلاف الشباب الذين كانوا يشاهدون. وكانت تلك اللحظة كاشفة عن أصل قوته: الجمع بين هيبة الحق، والتحضير العلمي الدقيق، ومعرفة لغة العصر. وكانت كذلك إيذانًا بمرحلته التالية؛ فالمناظرة الفردية تكسب جولة، والمؤسسة وحدها تكسب الحرب.

رواسخ: القلعة التي تحرس اليقين

في أعقاب سنة 2011، وما رافقها من اهتزازات سياسية واجتماعية في العالم العربي، برزت موجة جديدة عنيفة لم يعهدها المجتمع الإسلامي من قبل: موجة «الإلحاد الجديد»، والتشكيك المنهجي في ثوابت الدين، والهجوم المنظم على السنة النبوية، واكتساح لوثة النسوية والجندرية لعقول الفتيات.

أدرك الدكتور العوضي أن الخطاب الوعظي الذي كان يصلح لجيل الثمانينيات والتسعينيات، خطاب الترغيب والترهيب وتهذيب السلوك، لم يعد كافيًا لجيل يمسك بهاتفه الذكي ليقرأ شبهات ريتشارد دوكينز وتشكيكات المستشرقين في صحيح البخاري. فالمعركة لم تعد مع شاب غلبته شهوته فيحتاج إلى توبة، بل مع شاب عصفت به الشبهة ففقد يقينه بوجود الخالق أو بصحة الوحي. وهنا، وفي استجابة تاريخية لهذا التحدي، أسس أضخم مشاريعه وأعظمها على الإطلاق: مركز «رواسخ» للتأصيل الفكري، الذي يتولى هو رئاسته التنفيذية، متخصصًا في معالجة القضايا الفكرية الجدلية المعاصرة المتعلقة بالهوية والعقيدة الإسلامية.

لم يكن «رواسخ» مجرد قناة أو دار نشر تقليدية، بل مؤسسة فكرية متكاملة تعمل على جبهات متعددة:

فأما جبهة الإلحاد والعلموية (Scientism)، فقد أدرك المشروع أن الإلحاد المعاصر يتخفى خلف عباءة العلم التجريبي، من فيزياء وبيولوجيا تطورية، فنقل المعركة إلى ميدان الخصم: لم يكتفوا بالردود النقلية، بل ترجموا وألفوا كتبًا تفكك خرافة التطور الدارويني الشامل، وتنسف المغالطات الفلسفية التي تُبنى عليها المادية، واستعان المركز بباحثين متخصصين في الفلسفة وعلم الكلام والعلوم الطبيعية، يخاطبون الملحد بلغته ويسقطون أدلته من داخل العقل الصريح.

وأما جبهة السنة النبوية، فمع تصاعد موجات الطعن فيها، وبروز رموز ما يسمى «القراءة المعاصرة» أمثال محمد شحرور وغيره من منكري السنة، تصدى المشروع لهذه الهجمة الشرسة: أُنتجت السلاسل المرئية، وطُبعت الأبحاث المحكمة التي تثبت حجية السنة، وتدفع الشبهات عن الإمام البخاري وصحيحه، وتبيّن بالأدلة العقلية والتاريخية أن الطعن في السنة هو في حقيقته هدم للقرآن نفسه؛ إذ الناقل للقرآن هو الناقل للسنة، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر] أصل قطعي لا يقبل المساومة.

وأما جبهة النسوية والتيارات الوافدة، فقد واجه المركز موجات النسوية الراديكالية التي اجتاحت الخليج ساعيةً إلى ضرب مفهوم الأسرة، والتمرد على القوامة، والتشكيك في عدالة الشريعة في المواريث والزواج؛ فقدم خطابًا متزنًا يشرح حكمة التشريع، ويفكك الجذور الفلسفية الغربية للنسوية، ويبين مآلاتها المدمرة على المرأة نفسها قبل المجتمع.

وأما الجبهة الرابعة فأبعدها أثرًا: صناعة الباحثين وتأهيل الكوادر. فمن أعظم إنجازاته في «رواسخ» أنه لم يجعل المشروع قائمًا على شخصه، بل أنشأ برامج تأهيلية وتدريبية لآلاف الشباب، تعلمهم كيف يقرؤون، وكيف يفكرون، وكيف يناظرون، فخرّج جيلًا من الباحثين المتخصصين القادرين على تفكيك أصعب الشبهات الفلسفية والعلمية.

قلتُ: وهذا المشروع وحده يكفي العوضي فخرًا وذخرًا؛ فقد كان سدًّا منيعًا حفظ الله به عقائد ألوف من الشباب والفتيات، في زمن تخلى فيه كثيرون عن هذا الثغر أو انشغلوا عنه بالصراعات الجانبية، بينما كان هو يبني المتاريس الفكرية لحماية أصل الدين.

ركاز وأخواتها: أذرع تعمل في الميدان

ولم يكن «رواسخ» وحده؛ فالرجل يعلم أن صوت الداعية الفرد ينقطع بانقطاع أسبابه، وأن المؤسسة هي التي تحفظ العمل بعد العامل. فهو المشرف العام على حملة «ركاز» التوعوية لتعزيز القيم والأخلاق المجتمعية، وهي الذراع التي تنقل خطاب الأخلاق من الحلقة المرئية إلى العمل الميداني المنظم. وانظر إلى الاسمين: «ركاز» و«رواسخ»، فكلاهما من معجم الثبات والرسوخ، وصاحبهما هو الذي كتب في نقض وحدة الوجود وتلفيقات التوفيقيين؛ فالرجل مطّرد: أسماء مؤسساته من جنس رسائله الجامعية، وكلها تدور على تثبيت ما تحاول رياح العصر اقتلاعه.

وهو عضو مؤسس في الهيئة العالمية للإعلام التابعة لرابطة العالم الإسلامي، فحضر حيث يُصاغ الخطاب الإعلامي الإسلامي على مستوى العالم، لا مستوى بلده وحده. ويقوم إلى جانب ذلك كله بحضور مؤثر في منصات التواصل الاجتماعي، ينقل فيه خطابه اليومي إلى حيث يقضي الشباب أوقاتهم.

فلسطين وحرب المفاهيم: المواقف الكبرى

لم يكن الدكتور العوضي مفكرًا حبيس الكتب، بل كان حاضرًا في قضايا أمته الكبرى، وعلى رأسها قضية فلسطين. فكان من أشرس الأصوات الخليجية والعربية رفضًا للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وظل قلمه ومنبره شوكة في حلق المروجين للسلام الزائف؛ واستثمر مساحة الحرية في الكويت ليعلي الصوت بوجوب نصرة المقاومة، معتبرًا أن التفريط في المسجد الأقصى خيانة دينية لا تسوغها تبريرات السياسة. وعندما وقعت أحداث غزة الكبرى، سخّر منصاته لرفع الوعي، وفضح السردية الصهيونية، وتثبيت الأمة.

وخاض معارك شرسة مع التيار الليبرالي والعلماني في الكويت والخليج، لم تكن تعتمد على التكفير العشوائي، بل على الفضح المنهجي لتناقضات هذا التيار: كيف يدعو إلى الحرية ثم يصطف مع الاستبداد كلما كان الاستبداد قاهرًا للمشروع الإسلامي.

وتصدر للتحذير من الخطر العقدي لمشروع «الديانة الإبراهيمية»، وبيّن في محاضراته ومقالاته أن هذا المشروع ليس دعوة للتعايش السلمي، بل محاولة لتمييع الفروق العقدية، وإسقاط عقيدة الولاء والبراء، وتهيئة المنطقة نفسيًا وعقديًا لقبول الاحتلال جزءًا طبيعيًا من النسيج الإقليمي.

شهادة من منصة أممية

وفي سنة 2018 نال جائزة «الأب القدوة والمفكر في حوار الشباب» من المنظمة التنموية للطاقة المتجددة، برعاية الميثاق العالمي للأمم المتحدة. وفي اسم الجائزة نفسه تلخيصٌ لسيرته أحسنُ من كثير مما يكتبه المترجمون: «الأب القدوة» و«المفكر» و«حوار الشباب»؛ ثلاث كلمات هي بعينها أضلاع مشروعه: أبوّةٌ في النبرة، وفكرٌ في المضمون، وحوارٌ في الوسيلة، والشباب في كل ذلك هم القبلة. وإذا كانت شهادات القريبين قد تُحمل على المحبة، فشهادة منصة دولية لا ناقة لها في المحاريب ولا جمل أدلُّ على أن أثر الرجل تجاوز جمهوره إلى حيث يُقاس الأثر بمعايير الأداء لا بعواطف الجمهور.

الخلاصة النهائية

قلتُ: والذي يظهر من استقراء مسيرة الدكتور محمد العوضي، وتأمل برامجه ومقالاته ومشاريعه، أنه داعية إسلامي صادق، ومفكر سني سديد، وضع نفسه في أشق المواضع وأخطر الجبهات، وجمع آلة الأكاديمي وحرارة الواعظ وحرفة الإعلامي وعقل المؤسِّس، ثم صرف ذلك كله في خدمة هدف واحد لم يتحول عنه: تحصين جيل الشباب في أخلاقه ومفاهيمه وهويته وعقيدته. تشهد له رحلةُ تحصيل صابرة من كلية المعلمين إلى امتياز أم القرى، وقلمٌ أمين على زاويته منذ 1995، وأربعة عشر موسمًا متصلًا على الهواء، ومؤسساتٌ باسم الرسوخ تعمل من ورائه. يُتابَع في دفاعه المستميت عن أصول الدين، وتصديه للإلحاد والعلمانيين، وكشفه لعوار منكري السنة، وفي فنّه الذي برع فيه: فقهِ الحوار مع الجيل الجديد؛ ويُشكر له مشروعه العظيم «رواسخ» الذي يُعد نموذجًا يُحتذى في العمل المؤسسي الإسلامي المعاصر، وهو في هذا الباب كله قدوةٌ للدعاة في طول النفَس وحسن الخطاب وبناء العمل الذي يبقى.

لقد بدأ هذا الرجل مسيرته بكاميرا في شارع يسأل الناس عن صلاتهم وأخلاقهم، وانتهى به المطاف بانيًا لقلعة فكرية تحرس عقول الجيل من الكفر والعدمية؛ وبين البداية والنهاية عمرٌ مُلئ نضالًا فكريًا لا يتوقف. وإذا رجعتَ إلى عنوان برنامجه الأشهر وجدته قد صار عنوان عمره: «بيني وبينكم»؛ فقد أمضى حياته المهنية كلها، منذ وقف معلمًا سنة 1981، يهدم ما بينه وبين الشباب من حواجز: حاجز المنبر العالي هدمه بالحوار، وحاجز اللغة الثقيلة هدمه بالأدب، وحاجز الشاشة الباردة هدمه بنبرة الأب؛ حتى لم يبق بينه وبينهم إلا ما أراد أن يوصله: كلمة تصوّب مفهومًا، وخلق يُغرس، ويقين يُحرس.

رحم الله امرأً سدّ عن أمته ثغرًا. ونسأل الله عز وجل أن يحفظ الشيخ الدكتور محمد العوضي ويسدده، ويبارك في عمره وعلمه وقلمه وجهوده، ويثبته على كلمة الحق، وينفع بحواره كما نفع ببرامجه، ويجعل ما رسّخه في الشباب من خُلق وهوية ويقين ذخرًا له يوم يلقاه، ويديم عموده وحملاته ومركزه في ميزان حسناته، ويجزيه عن الإسلام وأبناء المسلمين خير الجزاء.

سجل المصادر

  • الحسابات الرسمية للدكتور محمد العوضي على منصات التواصل (إكس، يوتيوب).
  • الموقع الرسمي ومنصات مركز «رواسخ» للتأصيل الفكري وإصداراته المطبوعة والمرئية.
  • أرشيف برنامج «بيني وبينكم» عبر مواسمه المختلفة.
  • مقالاته المنشورة في صحيفة «الراي» الكويتية وغيرها من الصحف.
  • مناظراته ولقاءاته الفضائية مع رموز التيار العلماني ومنكري السنة.

كُتبت هذه الترجمة يوم الاثنين 11 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 24 من أغسطس 2026 م، مما وقفنا عليه من أخبار الدكتور العوضي وبرامجه ومشاريعه. وسيرة رجل ما زال في ميدانه أوسعُ من أن تحيط بها صفحات؛ فما لم يُذكر هنا فمن قصور الجمع لا من قلة العطاء، ومن كان عنده مزيدُ خبرٍ فليُلحقه مشكورًا.

نُشرت هذه السيرة في ، وآخر تعديل لهذه الصفحة في . طول السيرة نحو 2507 كلمة.
أرسل رابطها إلى من يهمه الأمر.