أبو الفضل المصري
| أبو الفضل المصري | |
|---|---|
![]() | |
| الاسم الكامل | ماهر بن محمد السويفي المصري الأثري |
| الكنية |
|
| الميلاد | يوليو 1974 م (1394 هـ)، قرية صفط الخرسا، مركز الفشن، بني سويف |
| البلد | مصر |
| المهنة | محدث ومربٍّ وخطيب، ومعلم لغة عربية بوزارة التربية والتعليم |
| شيوخه |
|
| تلاميذه |
|
| أبرز الأعمال |
|
| التصنيف | دعاة وعلماء |
الشيخُ المحدثُ المربي، أبو عبد الرحمن وأبو الفضل، ماهرُ بنُ محمد السويفيُّ المصريُّ الأثريُّ، نزيلُ رفح، وأشهرُ كناه التي عُرف بها: أبو الفضل المصري.
وُلد في يوليو سنة 1974 م، الموافق سنة 1394 هـ، بقرية صفط الخرسا من أعمال مركز الفشن بمحافظة بني سويف في صعيد مصر، وبها نشأ وترعرع. وهو اليوم في الثانية والخمسين، بين محبرته ومنبره وقناته وطلابه.
ولو طلبتَه في سجلات الحكومة المصرية لوجدتَه سطرًا واحدًا باهتًا: معلم لغة عربية بوزارة التربية والتعليم.
ولو طلبتَه في بيوت طلابه لوجدتَه الشيخَ الذي أطعمهم في بيته، وكساهم بالثياب، وقضى ديونهم، ووهب كل واحد منهم «فتح الباري» في 14 مجلدًا، ثم قرأ بهم صحيح البخاري من العشاء إلى الفجر.
ولو طلبتَه عند خصومه لوجدتَهم يسمونه في عناوين مقاطعهم «ظاهرة». وبين السطر الحكومي الباهت وهذين السجلين الحارين تجري سيرة رجل أنفق نحو ثلاثة عقود يفر من الظهور ويؤثر الخمول، حتى إذا نزلت بأهل السنة نازلة الغلاة وجدوه معدًّا مجهزًا: محبرة ممتلئة، وحجة حاضرة، وصدر قد اتسع قبل ذلك لتهديد التكفيريين بالقتل.
مشروعه الذي بناه في صمت واحدٌ لم يتبدل: أن تُجمع أصول السنة وتُصفى، وأن يُربى عليها جيل يحملها؛ على الطريقة التي تشرّبها من كتب الإمام الألباني رحمه الله: التصفية والتربية. فصنّف سبعة عناوين ما بين مسند ودفاع عن الأئمة وترتيب واختصار، منها المطبوع وغير المطبوع، وخرّج جيلًا من الأئمة والخطباء يقومون اليوم على منابر الأوقاف في العريش وبني سويف والجيزة وأسيوط، حتى سمى أحدهم ابنه «ماهرًا» حبًا في شيخه.
وأخطر ما في سيرته موقفان متقابلان يحيط بهما طرفا الغلو جميعًا: ناظر غلاة التكفير والمتوقفة في العريش في مسائل الإيمان والعذر بالجهل حتى أعيتهم حجته فهددوه بالقتل؛ ثم تصدى بعد ذلك لغلاة التبديع من الحدادية الذين جعلوا الطعن في أئمة كالنووي دينًا، فصارت قناته على يوتيوب من أقوى منابر الرد العلمي عليهم، وصار اسمه عند القوم غرضًا منصوبًا للطعن، حتى صرّح تلميذاه بأنهما جمعا ترجمته أصلًا ليعلم الطاعنون من هو الشيخ الذي يطعنون فيه.
وقد زكّاه من أهل العلم من تسمع بأسمائهم: شيخُه المحدث أبو إسحاق الحويني الذي كان يمازحه مزاح المحب، والمحدث حسن أبو الأشبال الزهيري الذي بلغت ثقته به أن أرسل إليه ولده يتعلم منه، والشيخ عدنان العرعور الذي عمل معه في مشروع جمع السنة، والشيخ المربي سيد العفاني، والفقيه مصطفى بن محمد، والمحقق هادي بن حمد المري، والدكتور منقذ السقار؛ وزكاه كثيرون لا يرغب الشيخ في ذكر أسمائهم، فحتى تزكياته يحب أن يخبئها وإنما حصلنا على هذه المعلومات من تلميذه.
ثم إن هذه الترجمة ما كادت تُكتب حتى تتابع عليها ما لم يكن في الحسبان: ففي أسبوع واحد من صفر سنة 1448 هـ (أغسطس 2026 م) كتب له المحدث المحقق ماهر بن ياسين الفحل تزكية خطية ثم إجازتين مسندتين، وأجازه الشيخ جاسم بن محمد الزامل إجازة عامة يرويها عن تسعة من كبار المسندين، وتوافدت شهادات مكتوبة ومسجلة من أهل العلم في مصر والخليج، بعضها من معايشين صحبوه ربع قرن، وبعضها ممن زاره في بيته فرأى بعينه ما يتحدث به الناس؛ وسيأتي ذلك كله مفصلًا في مواضعه.
وموضعه من ميزان أهل الحديث ستنطق به فصول هذه السيرة ثم خاتمتها؛ وحسب القارئ الآن أن يعلم أنه من طراز كادت كتب التراجم المعاصرة تنسى أخباره: محدث فقير منفق، خامل عامل، شديد في المنهج لين في العشرة.
محتويات
- 1 بيت كثير العيال في صعيد مصر
- 2 الكتاب الذي وجد ثمنه ولم يجد ثمن غيره
- 3 من العشاء إلى الفجر
- 4 منابر لا يعرفها الإعلام
- 5 صنعة المعلم
- 6 بيت جدرانه كتب
- 7 كرم يشبه أخبار الأوائل
- 8 مصنفاته
- 9 ميزانه
- 10 حربان على طرفي الغلو
- 11 تلاميذه
- 12 ما قاله فيه أهل العلم
- 13 حين اشتد الطعنُ تكلم الشهود
- 14 ما يؤخذ عليه
- 15 الخلاصة النهائية
بيت كثير العيال في صعيد مصر
في صفط الخرسا، وهي قرية من قرى مركز الفشن جنوبي محافظة بني سويف، وُلد ماهر بن محمد في بيت مستور الحال كثير العيال. فهو الثاني من إخوة خمسة وأخت: أكبرهم أحمد رحمه الله، ثم ماهر، ثم حجازي، ثم مشهور، ثم شرف، ثم أختهم الصغرى. وله في قلوب أهله وطلابه منزلة تلمحها في كلمة عابرة: فتلميذه وهو يعدد الإخوة لم يملك حين بلغ اسم شيخه إلا أن يسميه «قرة العين».
التحق الصبي بالتعليم العام كما يلتحق أبناء القرى، ثم انتقل إلى التعليم الأزهري، وكانت هذه أول انعطافة في طريقه: من مقاعد الوزارة إلى علوم الآلة والشريعة. ولم يكن البيت بيت غنى يشتري لابنه الكتب؛ فسيظل الفقر ملازمه إلى سني الجامعة، وسيصنع الفقر نفسه (كما سيأتي) محدثًا على غير الطريقة التي يُصنع بها المحدثون.
ثم رزقه الله من الولد بنتًا هي كبرى أولاده، وعبد الرحمن، وأحمد، وسعدًا، والفضل؛ ويكنى بأبي عبد الرحمن وبأبي الفضل، وبالثانية اشتهر حتى غلبت على اسمه. وكتب الله له النزول في رفح بأقصى الشمال الشرقي المصري، والمقام بالعريش مدة؛ وليست تلك الديار ديار دعة يومئذ، فقد كانت ساحة تجاذب بين أهل الدعوة وبين نابتة الغلو والتكفير، وسيكون له فيها موقف يأتي خبره في موضعه.
فهذه نشأة لا قصور فيها ولا حلقات مشيخية موروثة ولا اسم عائلة يمهد الطريق: قرية في الصعيد، وبيت مستور، وتعليم أزهري، وفقر صبور. ومن مثل هذا الطين تخرج أصلب النماذج.
الكتاب الذي وجد ثمنه ولم يجد ثمن غيره
أول الخيط كتاب واحد. قرأ الطالب الأزهري كتاب الإمام المجدد محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله «صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم»، فوقع حب الحديث في قلبه موقعًا لم يبرح بعدها. ومن يومها صار سؤاله: كيف يصل إلى السنة من أبوابها الأولى، لا من حواشي المتأخرين؟
التحق بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر بالقاهرة وتخرج فيها. وفي القاهرة انكشف له فقره على وجه موجع: طالب علم يعشق الكتب ولا يملك أثمانها. كان في السنة الثانية من الجامعة تحديدًا ينزل إلى دور النشر المحيطة بالأزهر فيقف على المعروض يتصفح ويقرأ؛ يأخذ من المطبوع ما تسمح به عينه لا يده. وطلب الكتب الستة فلم يبلغ ثمنها.
وهنا صنع الله له لطفًا قرر مساره كله: أكرمه بالحصول على كتاب «التاج الجامع للأصول» للشيخ منصور علي ناصف رحمه الله، الذي يجمع أحاديث أصول كتب السنة في مجلدات يسيرة؛ فكأنما وجد الفقيرُ فيه بغيته التي تعلق بها قلبه. فعكف عليه عامين كاملين، لا قراءة مرور، بل قراءة صنعة: يعلق بخط يده على الكتاب، ويتعقب، ويضيف. عامان على كتاب واحد؛ وهذه طريقة الأولين التي كادت تضيع: كتاب يدمن الطالب النظر فيه خير من خزانة تُمسح أغلفتها.
فلما فتح الله عليه توسع: «صحيح الجامع الصغير وضعيفه» للألباني، و«الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري، و«مجمع الزوائد» للحافظ الهيثمي، وتفسير الإمام السلفي أبي الفداء ابن كثير الدمشقي. وانظر في هذه القائمة تجدها كلها جمعًا وتمحيصًا وتصفية: فالرجل من أول يوم جامع مصفٍّ، لا متكلم ولا جدلي.
ثم شد تكوينه بالأخذ عن أربعة من مشايخ العصر، لكل واحد منهم فيه أثر بيّن:
فأولهم العلامة المحدث أبو إسحاق الحويني (حجازي بن محمد بن شريف)، حامل لواء هذا الفن في الديار المصرية في زمانه، توفي رحمه الله في رمضان 1446 هـ (مارس 2025 م). أخذ عنه الصنعة، وكان بينهما من الأنس ما كان الحويني يمازحه به فيلقبه «السمين»؛ ومزاح الشيوخ لتلاميذهم علامة قرب لا تخطئها عين من عرف مجالس أهل الحديث.
وثانيهم العلامة الفقيه مصطفى بن محمد مصطفى حفظه الله، صاحب المصنفات النافعة: «تهذيب معارج القبول» في مجلدين، و«شرح منار السبيل»، و«ضوابط تنزيل أحاديث الفتن على الواقع»، وغيرها. ومن وفاء التلميذ لشيخه أنه ما زال يقرر «تهذيب معارج القبول» على طلابه إلى اليوم.
وثالثهم العلامة المحدث حسن أبو الأشبال الزهيري، المحقق المعروف. وهذا الشيخ قلب في حق صاحبنا عادة الدنيا: فقد بلغت ثقته به أن كان يرسل ابنه وضاحًا إلى الشيخ ماهر يتعلم منه. ومحدث محقق يدفع ولده إلى رجل ليأخذ عنه: تلك تزكية تعدل مجلدًا من المدائح.
ورابعهم الشيخ المربي الدكتور سيد حسين العفاني شفاه الله وعافاه، صاحب كتب الرقائق المشهورة؛ ومن مشكاته (فيما يظهر من طريقة الرجل) أخذ نفَسَ التربية والرقائق الذي يفتتح به تعليم مبتدئيه.
وإلى هؤلاء عمل مع الشيخ عدنان العرعور في مكتب مصر لمشروع جمع السنة؛ فجمع بين التلقي والممارسة: يد في الكتب ويد في المشروعات.
فاكتمل التكوين على ثلاثة أعمدة: شهادة أزهرية، ومنهج ألباني في التصفية والتربية، وصنعة حديثية أخذها عن محدثي عصره وأدمنها بيده عامين على التاج وحده. أزهري الشهادة، ألباني المنهج، حديثي الصنعة؛ وقلّ أن تجتمع الثلاثة في رجل واحد لا يريد أن يعرفه أحد.
ثم جاء ما يختم هذا التكوين بخاتم أهل الاصطلاح: حيث كتب له المحدث المحقق أبو الحارث ماهر بن ياسين الفحل إجازتين مؤرختين مرقمتين في خزانته: إجازة عامة بجميع مروياته ومصنفاته وما صحت له روايته، كالموطأ والصحيحين والسنن الأربعة وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم وسنن البيهقي والدارقطني والدارمي ومسندي أحمد والشافعي ومختصر ابن خزيمة وتفسير الطبري، إجازة مشافهة ومكاتبة بالشروط المعتبرة عند أهل الحديث، يرويها عن مشايخه الذين سماهم: عبد الله بن عبد الرحمن السعد، وحافظ ثناء الله المدني، وهاشم جميل، وعبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي، وزهير الشاويش، وأحمد معبد عبد الكريم، وغيرهم؛ وإجازة مفصلة بالأسانيد في 20 صفحة ساق فيها أسانيده كتابًا كتابًا: إلى القرآن الكريم والمسلسلات، والكتب التسعة، ومستدرك الحاكم وصحيح ابن حبان وسنن الدارقطني والبيهقي ومسندات الشافعي وأحمد والحميدي ومختصر ابن خزيمة، وتفاسير الطبري وابن كثير والجلالين، وأمهات المصطلح من مقدمة ابن الصلاح ونخبة الفكر ونزهتها والموقظة وألفية العراقي وتدريب الراوي والكفاية للخطيب، ومتون الاعتقاد والعمل من الواسطية والطحاوية والأربعين النووية ورياض الصالحين وعمدة الأحكام وبلوغ المرام والمحرر والشمائل والأذكار والأدب المفرد، حتى تنتهي بعض أسانيده إلى المؤلفين أنفسهم، كسنده في الصحيح المختوم بقوله: أخبرنا الإمام البخاري المؤلف. وأتبع المجيزُ الإجازة وصيته للمجاز: تقوى الله في السر والعلن، والعمل بالكتاب والسنة، وجزء من كتاب الله كل يوم، ولزوم طريق السلف، وألا يخاف في الله لومة لائم.
وكتب له الشيخ جاسم بن محمد الزامل تزكية وإجازة عامة بجميع مرويات كتب الحديث والأثر والأثبات، مشافهة ومكاتبة بالشرط المعتبر عند أهل الحديث، يرويها بالسند المتصل عن تسعة من كبار المسندين سماهم في إجازته واحدًا واحدًا، منهم مسند الأحساء عبد الرحمن بن أبي بكر الأحسائي، ومسند الديار السورية أحمد بن نصيب المحاميد، والمحدث المغربي محمد بن الأمين بوخبزة، والمحدث السندي بديع الدين الراشدي، وحافظ ثناء الله المدني، وعبد الوكيل الهاشمي، رحمهم الله جميعًا. وقال في تزكيته إنه عرفه من دروسه في العقيدة وشروحه لكتب السلف وردوده المنهجية على أهل الزيغ، فألفاه ممن يتبع منهج أهل السنة والجماعة بفهم سلف الأمة، متخلقًا بأخلاق أهل العلم، ثم تورع تورع أهل الصنعة: أحسبه كذلك ولا أزكيه على الله. فتأمل: ثلاث إجازات في يوم واحد من مجيزين يلتقي سنداهما في المدني والهاشمي، فاتصل سنده من طريقين مستقلين؛ وما ازدحمت الإجازات على رجل في أسبوع إلا وقد سبقتها ثقة نضجت في سنين.
كان يعقد مجالس التحديث لإقراء كتب السنة النبوية في مسجده برفح المصرية، ومكتبته التي سماها "دار الحديث المصرية"، وتم فيها قراءة وإقراء الصحيحين مراتٍ على عدد من طلبة العلم.
وكان يعقد بعد ذلك مجالس التحديث في مسجد عباد الرحمن بالموسكي القاهرة، لإقراء كتب الحديث. وظل مدة طويلة من الزمن يشرح "سنن الترمذي" ليعلم طلابه تطبيق علوم الحديث على هذا الديوان الجامع.
وكان في ليله مع كتب السنة؛ فأتم بعد قراءة الكتب الستة وما وقع تحت يده من كتب الحديث الأمهات إلا وأتى عليه قراءةً وتدبرًا، وقد قرأ "مسند الإمام أحمد" عددًا من المرات.
من العشاء إلى الفجر
في منطقة هضبة الهرم بالجيزة كان للشيخ مجلس لقراءة صحيح البخاري. وقبل أن يبدأ المجلس صنع شيئًا يدلك على الرجل أكثر مما يدلك المجلس نفسه: أعطى كل واحد من طلابه نسخة من الصحيح؛ فالشيخ لا يقرئ الناس في كتاب يستعيرونه.
يبدأ المجلس من بعد صلاة العشاء، وتمضي الساعة والساعتان والأربع، والقراءة ماضية، حتى ينتهي المجلس إلى الفجر. ليلة كاملة في البخاري؛ لا في موسم ولا مناسبة، بل مجلسًا راتبًا.
وفي إحدى تلك الليالي جلس تلميذه أبو سفيان ونسخته بين يديه، فكان إذا غلب النوم أحد إخوانه كتب في حاشية نسخته: «هنا نام فلان»، فإذا أفاق كتب: «هنا استيقظ فلان». ورآه الشيخ وهو يكتب، فما عبس ولا وبخ، بل راجع ما كتب وأحب صنيعه.
قلتُ: هذا المشهد الصغير يختصر الرجل كله. بذل: فهو الذي وهب النسخ. وهمة: فمن يقرأ البخاري من العشاء إلى الفجر في زمن صارت فيه المحاضرة نصف ساعة؟ وصحبة لا تجهم فيها: فالشيخ الذي يهابه الغلاة يبتسم لتلميذ يمزح في الحاشية. ثم لطيفة ما أحسبها غابت عن الشيخ: تلميذه كان يؤرخ نوم إخوانه واستيقاظهم في حواشي البخاري كما كان قدماء المحدثين يقيدون السماع والفوات في طباق السماع. فمجلس هذا شأنه ليس درسًا فحسب؛ هو وراثة كاملة لهيئة أهل الحديث: نسخة، وسهر، وحاشية، ودعابة.
فمن هذا المجلس اخرج معي إلى بقية حياته؛ فكلها على هذا النسق.
منابر لا يعرفها الإعلام
الرجل خطيب مفوه؛ يشهد من سمعه أنه إذا تحدث سُمع له، وإذا سكت خيم الصمت على المكان كله، وفيه حماسة خطابية قلّ أن تجد مثلها بين أهل العلم من معاصريه. ومع هذه الملكة التي يبني بها غيره نجومية وقنوات فضائية، ظل هو يدور بها على مساجد الأحياء لا استوديوهات الفضائيات.
تنقل في دروسه وخطبه بين جل محافظات مصر. ومن منابره التي توالى عليها بالقاهرة: مسجد الهداية بالدرب الأحمر، ومسجدا عباد الرحمن والصدقة كلاهما بحارة اليهود بالموسكي، ومسجد القبيلة برمسيس، ومسجد البنداري بشارع جوهر القائد، ومسجد الصابرين بمنطقة باب الشعرية، والجامع الأثري بالأزهر. تأمل هذه الأسماء: أحياء القاهرة العتيقة الشعبية، حيث الناس لا الكاميرات.
ثم لم يكتف بأن يخطب هو، بل أدار الدعوة إدارة المحدث للرواية: كان كل خميس يتصل بطلابه واحدًا واحدًا: أنت في مسجد كذا. فإذا جاءت الجمعة الثانية بدّل مواضعهم في المساجد. توزيع ومداورة؛ حتى لا يألف الخطيب منبرًا، ولا يتعلق الناس بشخص، ويتخرج الطالب على كل صنف من الجمهور. مدرسة خطابة متنقلة بلا لافتة ولا رسوم.
ومن بقايا منابره القديمة قائمة على يوتيوب باسم «الشيخ ماهر المصرى» جمعها حساب محب يسمي نفسه «الخائف من ربه»، فيها 13 تسجيلًا لخطبه ودروسه رفعت من نحو 10 سنين إلى 14 سنة مضت: منها «إني مهاجر إلى الله»، و«سلوا التاريخ»، و«مت إن استطعت»، و«امتحان الدنيا والآخرة»، و«يا أيها المسلمون استيقظوا»، و«محمد ذو الخلق العظيم»، و«زمن الغربة الثانية»، و«سوق الجنة»، وخطبة بعنوان «كأس العالم»، وسلسلة «المكرمون يوم القيامة» في لقاءات متتابعة عن أصحاب التيجان وأصحاب المنابر يوم القيامة.
وفي هذه القائمة ثلاث دلالات: أن الخطبة عنده تمتد من ثلاثة أرباع الساعة إلى ساعة كاملة، نفَسُ خطيب لا يستعجل؛ وأن الذي رفع تسجيلاته إنما هم محبوه وقناة مسجد القبيلة برمسيس نفسه، أحد مساجده المتقدم ذكرها، لا هو؛ فالرجل لم ينشئ لخطبه صناعة، وإنما حفظها الناس عنه حفظًا، حتى إن أقدمها مرفوع بامتداد ملفات الهواتف القديمة؛ وأن محبيه ترجموا عنوانين منها إلى الإنجليزية، فبلغت خطبةُ معلم القرية من يترجمها من غير أن يطلب. فهذه شواهد خطابته قائمة منذ عقد ونصف، قبل أن يعرف الناس اسمه في الردود بدهر.
صنعة المعلم
لطريقته في التعليم نظام مطرد يحكيه من جربه عليه.
إذا جاءه الطالب المبتدئ لم يبدأه بالخلافيات ولا بالردود، بل أول ما يدفع إليه كتاب في الرقائق والتربية؛ لأن مذهبه مذهب شيخه على الكتب، الإمام الألباني: التصفية والتربية؛ يصفي القلب أولًا ثم يبني عليه. ثم كتاب مختصر في العقيدة ككتاب الحافظ حافظ بن أحمد الحكمي، ثم «الفقه الميسر»، ثم «تهذيب معارج القبول» لشيخه مصطفى بن محمد، ثم «تيسير العلام» للعلامة البسام و«توضيح الأحكام» له أيضًا و«سبل السلام» للصنعاني، ثم يقرر عليه مواضع من «فتح الباري» للحافظ ابن حجر ويكلفه تلخيصه واستخراج فوائده في كراس. سلم كامل من تليين القلب إلى صنعة الفتح، لا يقفز فيه درجة.
وله مع كل طالب طريقة محاسبة: يقرر عليه كتابًا يناسب مستواه، ثم يدفعه إليه سائلًا: كم يومًا تحتاج لمذاكرة الكتاب؟ فيقدّر الطالب ما يقدر، فيعطيه الشيخ وقته كاملًا، فإذا انقضى سأله فيما قرأ، وربما اختبره، وأجابه عن المسائل التي أشكلت عليه. وكان كاتب ترجمته أبو سفيان ممن اختبرهم الشيخ في «تهذيب معارج القبول».
فليس عنده درس يُسمع ويُنسى؛ عنده كتاب يُقرأ ويُحاسب عليه. ومن هنا فهم طلابه أن العلم عنده تحصيل لا حضور.
بيت جدرانه كتب
مكتبته حديث وحده. يقول من نقلها معه: بها آلاف مؤلفة من الكتب، وظللنا أيامًا ننقل فيها حين غيّر الشيخ مسكنه. وقد قسم حجرات بيته على فنون الكتب، وجعل الأرفف تبدأ من الأرض وتنتهي بالسقف حتى إنك لا ترى لبيته جدارًا؛ ورأى تلميذه جزءًا من المكتبة في أربع حجرات كاملة تبدأ من مدخل البيت، حتى مازح إخوانه: ما بقي سوى أن يضع الشيخ الكتب بالمطبخ؛ ثم قال: ولا أظنه إلا فعل.
ومما وقف عليه الناظر فيها: الكتب التسعة بطبعاتها المختلفة، وشروح الكتب الستة، و«تهذيب الكمال» للمزي، و«تحفة الأشراف»، و«سير أعلام النبلاء»، ومؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وجامع ابن رجب، وكتب لمحمد فؤاد عبد الباقي، وطائفة من كتب الشيخ مشهور بن حسن، وغير ذلك.
وليست مكتبة زينة تُمسح رفوفها للزوار؛ فقد دخلها تلميذه مرة فمكث فيها ساعات، قال: فما طالت يدي كتابًا في تلك الساعات إلا وجدت خط يد شيخي فيه، تعقيبًا هنا واستخراج فائدة هناك؛ وكان إذا ظفر من الكتاب بفائدة أثبتها على الورقة الأولى خلف جلدة الكتاب مباشرة، فهرسًا خاصًا بخط يده. آلاف الكتب وفي كل واحد أثر قلمه؛ وهمته في القراءة يُضرب بها المثل: فمتى كان ينام هذا الرجل؟
وهو محب للطبعات العتيقة خبير بها: رأى مرة بيد تلميذه طبعة قديمة، فنظر في الكتاب واطلع على طبعته ثم قال له: انظر لهذا الكتاب، هل هو هو؟ فنظر التلميذ فإذا الذي بيده هو بعينه إحدى الطبعات التي عند الشيخ. يعرف طبعاته معرفة الصيرفي بالنقد.
والكتب أعز ما يملك، وأعظم هدية يمكن أن تصل إليه، وأول مصارف ما يقع في يده من مال. ولام مرة زائرًا أهدى إليه حلوى؛ لا زهدًا في كرامة الضيف، بل لأنه كان يمكنه بثمنها أن يهديه كتابًا يدوم أثر الانتفاع به. فلله دره؛ ومتى سمعت بضيف يُعاتب على حلوى لأنها ليست كتابًا؟
كرم يشبه أخبار الأوائل
كل من صحبه يبدأ وصفه من هذا الباب. صحبه تلميذه أبو سفيان سنين طويلة فشهد الله على ما رأى: كرم على الطلاب وجود بما في اليدين؛ يطعمهم في بيته، ويكسوهم بالثياب، وينفق عليهم الأموال، ويدفع إليهم الهدايا من الكتب.
وجاء مرة فأعطى كل طالب من طلابه «فتح الباري» للحافظ ابن حجر العسقلاني في 14 مجلدًا، وشروح العقيدة الطحاوية في 3 مجلدات، و«الروضة الندية» في 3 مجلدات، وتفسير السعدي، و«أعلام السنة المنشورة» للعلامة حافظ الحكمي، و«إتحاف المهرة» لابن حجر، وكتبًا في الرقائق والأدب. مكتبة كاملة لكل طالب، من جيب معلم لغة عربية. وكان يقول لهم كلمة تصلح شعارًا لأهل الكتب جميعًا: «زكاة الكتاب قراءته».
وحكى أبو سفيان واقعتين تريانك فراسته مع كرمه.
الأولى: كان معتكفًا معه مرة، فلما قارب أهل المعتكف الخروج لم يكن مع التلميذ من المال ما يرجع به إلى قريته التي تبعد قرابة 120 كيلومترًا، فأخذه هم كبير ولم يخبر أحدًا. فإذا بالشيخ يناديه ويأخذه على السلم ويعطيه ما يكفيه وزيادة. قال التلميذ: لا أعلم كيف علم ما بنفسي، اللهم إلا فراسة المؤمن.
والثانية: علم الشيخ أن تلميذه هذا مدين، فاتصل به وأقسم عليه أن يقول كم الدين. ثم لم يتردد لحظة: تأتيني متى؟ فتمنع التلميذ: لا يا شيخنا، لا أريد. فأجابه الشيخ بكلمة تُكتب في أدب الصحبة بماء الذهب: «الامتثال هو الأدب». فلما جاءه دفع إليه الدين كله، وكان آلافًا، ثم لم يدعه يغادر حتى أهداه كتابًا.
وهذا كله من رجل ضيق ذات اليد؛ فقد شهد من عرفه أنه معوان للكل، يبذل وقته وجهده لخدمة طلاب العلم ولو على حساب أوقات راحته القليلة واحتياجات بيته، وأنه على ضيق حاله كريم سخي يجود بما لديه. ينفق على طلابه ويقتر على نفسه؛ وليس الكرم أن تعطي من فضلة، إنما الكرم أن تعطي من قلة.
ومن ورعه باب صار في زماننا غريبًا: مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن والسنة معروفة الخلاف بين أهل العلم، والشيخ يرى أن التورع عن الأخذ أولى بل أوجب في حقه؛ فكان لا يقبل المال مطلقًا في الدعوة مع كثرة ما كان يُعرض عليه، وكان يدعو طلابه دائمًا إلى هذا الورع، وله فيه سلف من أهل العلم. وقال من خبره: لو أراد أن يكون في زمرة المشاهير ويأكل الدنيا بالدين لما كان شيء أيسر عليه من ذلك، ولو شاء تحصيل أموال طائلة بدينه لأمكنه؛ ولكنه آثر ما عند الله.
ومن شمائله التي أطبق عليها واصفوه: عظيم التواضع، جم الأدب، يجل كل المنتسبين للعلم علماء وطلابًا، عفيف اللسان، يلتمس الأعذار لأهل العلم ما أمكنه ذلك، ما لم تكن مخالفات فجة أو مما يخدش جدار العقيدة؛ فهناك يقف اللين. وفي همته عجب يجاوز المألوف: قد يمكث أيامًا متصلة بلا نوم في بحث مسألة حتى يتمها، لا يغلبه النوم خلالها، وكأن جسده يعلم أن لا أمل في راحة حتى يبلغ صاحبه مقصوده.
وله مع هذا كله مهارات حياتية يوظفها في نصح طلابه والمقربين منه: زار يومًا مريضًا بالسرطان قد بلغ به اليأس والقنوط مبلغًا خيف منه على سلامة دينه، فما زال يحاوره بعبارات سهلة وأسلوب تفاعل معه حتى انقلب اليأس تسليمًا بقضاء الله؛ قال من عرف القصة: أنقذ واحدًا كان سيكون فريسة للشيطان. وهو قادر على حفز الناس وشحذ هممهم تنمية بشرية حقيقية، من غير دجل «التنمية البشرية» التي يتكسب بها أقوام مستعينين بجهل الناس وانخداعهم بالهالات الإعلامية التي يصنعها أكثرهم لأنفسهم.
مصنفاته
وقف تلميذاه من مصنفاته على هذه العناوين، ومنها المطبوع وغير المطبوع:
- «مسند إمام العلماء معاذ بن جبل» رضي الله عنه.
- «القول القوي في الدفاع عن الإمام النووي».
- «الصحيح المقبول من التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول وزيادات من كتب الأئمة الفحول».
- «مختصر جامع شروح العقيدة الطحاوية».
- «ترتيب صحيح الجامع الصغير».
- كتاب في الدفاع عن الإمام الناصر للدين والسنة الألباني رحمه الله.
- كتاب في الرد على بعض التكفيريين.
وقد أكرم تلميذه أبا سفيان فأشركه في مراجعة الأولين؛ وهي عادته في تخريج طلابه على العمل لا على السماع وحده.
قلتُ: وعناوين الرجل تغني عن ترجمة منهجه: مسند يخدم به صحابيًا جليلًا هو إمام العلماء يوم القيامة، وتصفية للتاج الذي بدأ به فقيرًا في دور النشر فعاد إليه محققًا مصنفًا، وترتيب لصحيح الجامع، واختصار لشروح الطحاوية، ثم ثلاثة دفاعات: عن النووي، وعن الألباني، وعن جناب التوحيد في وجه غلاة التكفير. جمع وتصفية وذب عن الأئمة: هذا هو الرجل في سبعة عناوين. واحفظ من هذه القائمة عنوان الدفاع عن النووي خاصة؛ فستراه بعد قليل يتحول من كتاب في رف إلى معركة في ميدان.
وله مع كتاب الرد على غلاة التكفير قصة تدل على تواضع غريب في زمن الدعاوى العريضة: حكى أحد جامعي ترجمته أنه شهد له لقاء مع أحد أهل الحديث المشهورين (أضرب الراوي صفحًا عن اسمه)، قصده الشيخ ماهر بأسئلة كان قد أعدها، لا لجهله بها، ولكن ليجعلها مدخلًا مناسبًا لتقديم كتابه في الرد على بعض التكفيريين؛ وتبين خلال اللقاء، وعليه شهود، مدى تمكن الشيخ ماهر من المسائل التي جاء يسأل عنها؛ وأثنى ذلك الشيخ على الكتاب، ولم يقدم له. فانظر: رجل يتقنع بالسؤال وهو أعلم بالجواب، ليصل كتابه لا اسمه.
ميزانه
عقيدته عقيدة القرون الثلاثة الأولى: الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة. ومن ألصق أوصافه بمنهجه ما حكاه تلميذه: كان لا يقول بقول ليس له فيه إمام من السلف؛ فلا اجتهاد يخرج به عن جادة القوم، ولا شذوذ يتميز به ليُذكر. وأظهر الأئمة أثرًا فيه، كما شهد من لازمه: إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله المتوفى سنة 241 هـ؛ وناهيك بمن يجعل قدوته إمام المحنة والصبر والسنة.
وله وراء الحديث، وهو مجاله الأكبر رواية ودراية، باع في العقيدة، وفي المناهج المعاصرة بسليمها وسقيمها، وباع كبير في فقه المعاملات المالية الحديثة؛ وقلّ في المحدثين من يحسن نوازل البيوع.
وفيه خصلتان قلما اجتمعتا في متصدر: كثرة الرجوع إلى الحق، فلا يمنعه كبر من الإقرار بخطأ وقع فيه أو قول تراجع عنه لثبوت صواب غيره، ولا يجد غضاضة في إعلان ذلك بل والتنويه عنه؛ وقلة المبالاة بالكثرة، فلا يخشى مخالفة الجمهور ما دام يدين لله بصواب ما يقول به، ولو كان المخالفون ممن يتصدرون الميادين العلمية. ومن يرجع إذا أخطأ ويثبت إذا أصاب فذلك الميزان المستقيم.
حربان على طرفي الغلو
كتب الله له أن يقاتل على الجبهتين المتقابلتين، وهذه من أعدل الشهادات على استقامة الوسط الذي يقف عليه؛ فالواقف في وسط الصراط تناوشه سهام الطرفين.
فالجبهة الأولى: غلاة التكفير. في سني مقامه بالعريش كان يناظر التكفيريين والمتوقفة في مسائل الإيمان والعذر بالجهل، مناظرات موصولة أفرغ عصارتها في كتابه المتقدم ذكره. وهو مناظر موهوب متمكن من فنون المناظرة، له مناظرات مع كثير من أصحاب المناهج الضالة والمنحرفة عن جادة الصواب، منّ الله عليه بقوة الحجة وسرعة البديهة وطلاقة اللسان وقوة الاستشهاد بالأدلة من القرآن والسنة وأقوال العلماء. فلما لم يجد القوم منه بدًّا ولا وجدوا لحجته دفعًا انتقلوا من الحجة إلى الوعيد: هددوه بالقتل إن لم يكف عن بيان عوار طريقتهم. وتهديد الغلاة وسام يعلقه التاريخ على صدر من أقض الحقُّ الذي معه مضاجعَ الباطل.
والجبهة الثانية: غلاة التبديع، الحدادية؛ وهم نابتة جعلت التجريح محور الدين، تُسقط الأئمة بالزلات، وتنبش سير الأموات بحثًا عن عثرة، وتمتحن الناس بالمواقف من الأشخاص، حتى بلغ بها الأمر أن جعلت الطعن في إمام كالنووي بابًا من أبواب «تصحيح العقيدة».
وموقف الشيخ من هذا الداء قديم سابق على الفتنة بدهر، وهذا أنفس ما في هذا الفصل: فقد حكى تلميذه أنه كان إذا رأى أحدًا ممن حوله انحرف وتأثر بدعاة التجريح عنّفه ونصحه بالانشغال بالعلم والتربية، وربما أطال الجلوس معه الساعات يعالجه؛ وألّف «القول القوي في الدفاع عن الإمام النووي»، وكتابًا في الدفاع عن الألباني. فلما انتشرت فتنة الحدادية وتوسعت كان جوابه جاهزًا. لم يرتجل موقفًا ولا ركب موجة، بل فتح خزانته.
أنشأ قناته على يوتيوب («قناة أبي الفضل المصري»)، فصارت من أقوى منابر الرد العلمي على هذا التيار، تشهد بذلك عناوين ما يُنشر له وعنه: «أبو الفضل المصري وردوده العلمية على محمد بن شمس الدين»، و«الشيخ أبو الفضل المصري يهدم أسئلة الخليفي ومحمد شمس».
ولم يكن وحده في الخندق، والفضل في هذا الميدان مقسوم بين رجال: فمعه أبو عمر الباحث، صاحب مدونة وحساب «مكافح الشبهات» الذي يعيد نشر ردود الشيخ، ومعه أبو الحسن الأزهري الذي نشر كلمة في حق «أبي الفضل ماهر المصري الأزهري» لما نيل منه، وغيرهما ممن نافح عن الأئمة؛ وقد سمى الدكتور حسن الحسيني هؤلاء الثلاثة في منشور له «المشايخ الفضلاء». غير أن الذي تميز به أبو الفضل بين رفاقه صنعتُه: فليس صوتًا غاضبًا يرد الغضبة للمشايخ، بل محدث قديم الدربة يحاكم القوم إلى الفن الذي يدّعونه، فيهدم الأسئلة قبل الأجوبة.
حتى خصومه شهدوا له من حيث أرادوا الغض منه: أفردوا للرد عليه قائمة تشغيل كاملة على يوتيوب، ووصفوه في عناوين مقاطعهم بأنه «ظاهرة» فرّغت وقتها للرد على ابن شمس الدين. فسبحان من جعل بعض شهود الرجل من خصومه: قوم هددوه بالقتل، وقوم سموه ظاهرة.
تلاميذه
الطبقة الأولى من طلابه يقتربون اليوم من سن الأربعين، وكل من عرفهم كاتب ترجمته من الدعاة العاملين على الساحة. منهم:
- الشيخ أشرف بن جمعة: إمام وخطيب ومدرس بالأوقاف بالعريش، وأحد جامعي ترجمة شيخه؛ قال فيه رفيقه: من جالسه رأى منه أدبًا لا يكاد يراه في كثير من طلبة العلم إلا ما رحم الله.
- الشيخ خليل بن إبراهيم الشيباني: إمام وخطيب ومدرس بالأوقاف ببني سويف؛ سمى ولده «ماهرًا» حبًا في شيخه الماهر. وقديمًا سمى الناس أبناءهم بأسماء شيوخهم وفاء؛ فما ماتت السنة بعد.
- الشيخ أحمد بن عادل محمد: إمام وخطيب بالأوقاف بالجيزة.
- الشيخ أحمد الشابوري: مدرس بالتربية والتعليم.
- الشيخ ميسرة بن عبد الله: داعية إلى الله معروف بالقوصية بأسيوط.
- الشيخ ربيع بن محمد بن عبد الرحيم: وصفه من عرفه بالداعية الخلوق الزاهد؛ إمام وخطيب ومدرس بالأوقاف ببني سويف.
- أبو سفيان عبد الحميد بن مرتضى عبد الحميد: جامع الترجمة التي هي عمدة هذه السيرة.
وغيرهم كثير ويضاف إليهم وضاح ابن الشيخ حسن أبي الأشبال، الذي كان أبوه المحدث يرسله إليه يتعلم منه.
فإذا أردت أن تزن أثر الرجل فلا تطلبه في عدادات المشاهدة؛ اطلبه يوم الجمعة في محاريب العريش وبني سويف والجيزة وأسيوط: كل خطبة يلقيها تلاميذه صدقة جارية لمعلم كان يوزعهم على المنابر كل خميس ثم يديرهم عليها إدارة الراعي الشفيق.
ثم ظهرت في تلاميذه طبقة لم تذكرها ترجمة تلميذيه الأولى: طبقة أكاديمية من أهل الحديث بالأزهر؛ منهم الدكتور أحمد مختار، دكتوراه الحديث وعلومه بجامعة الأزهر، وصاحب الشهادة الآتية التي حكى فيها سكناه في مكتبة شيخه سنتين؛ والباحث محمد خالد فرحات، الذي أنهى الماجستير في الحديث بالأزهر وهو اليوم في مرحلة الدكتوراه. فمن تلاميذ الرجل خطباءُ يملؤون المنابر، وحملةُ دكتوراه يحققون في الفن الذي أدمنه؛ والمعلم بوزارة التربية والتعليم صار يخرّج للجامعات أهلها.
ما قاله فيه أهل العلم
أثنى عليه من شيوخه وأقرانه: العلامة المحدث أبو إسحاق الحويني، والعلامة المحدث حسن أبو الأشبال الزهيري، والشيخ عدنان العرعور، والعلامة الفقيه مصطفى بن محمد، والشيخ المربي سيد العفاني، وشيخ الحنابلة الشيخ أحمد القعيمي.
قال عنه الشيخ عدنان العرعور في رسالة بخط يده، بتاريخ 12 جمادى الأولى 1420 هـ (الموافق 23 أغسطس 1999 م): "فقد عرفت الشيخ ماهر بن محمد المصري بصحة العقيدة، وسلامة المنهج، وحسن الخلق، أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً. كما أن لديه علماً بمصطلح الحديث والتحقيق الحديثي جيداً."
وقال عنه الشيخ عبد المعبود حسن رحمه الله، في رسالةٍ بخط يده منذ أكثر من 20 عامًا: «إلى الشاب النابه المجتهد، زاده الله اجتهادًا: سِرْ على بركة الله، فكأنّي أنظر إلى رتبتك بعد سنين، الله وحده يعلمها. فأتمنى أن يكثر نظراؤك. والسلام».
وقال الشيخ المحقق هادي بن حمد المري: «الشيخ أبو الفضل من أفاضل المشايخ الذين عرفتهم خلقًا وعلمًا وتواضعًا».
وقال الدكتور منقذ بن محمود السقار: «أنا من متابعي الشيخ وقد استفدت من علمه وأدبه، ولست أهلًا لأن أمدحه، وأرى أنه من المعيب بمثلي أن يُكتب عن الشيخ». وهذه من عبارات أدب العلماء بعضهم مع بعض؛ ووزنها أن قائلها باحث معروف مصنف في بابه، يتصاغر عن مدح معلم من أبناء قرى بني سويف.
وقال عنه الشيخ أبو عمر الباحث: العالم الذي جمع بين العلم والعمل والأدب.
وحسبك تزكيتان عمليتان تقدمتا في هذه السيرة: محدث محقق يرسل ولده إليه ليتعلم، وعلامة مشتغل بالسنة يشركه في مكتب مصر لمشروع جمعها. وزكاه غيرهم كثير ممن لا يرغب الشيخ في ذكر أسمائهم؛ فالرجل يخبئ تزكياته كما يخبئ نفقته.
وأما تلميذاه فقد ترجما له بقولهما: «شيخنا الوالد العلامة المحدث أبو عبد الرحمن وأبو الفضل الماهر ماهر بن محمد المصري الأثري»، وهي عبارة محبين تُوزن بميزانها؛ ومحبة التلاميذ لا تُسقط شهادتهم، غير أنا أثبتنا فوقها شهادات الأقران المسمين بأعيانهم، فاعتضد بعضها ببعض.
حين اشتد الطعنُ تكلم الشهود
ولم تكن حملة الطاعنين لتمضي بلا جواب من أهل العلم؛ فلما اشتد الطعن تداعى الشهود من مصر والخليج، فتتابعت في أيام متقاربة شهادات مكتوبة موقعة، منها المؤرخ بيومه، ومنها ما حُفظ أصله مسجلًا بصوت صاحبه وصورته؛ وكلها من جنس واحد: معرفة قديمة تشهد، لا مجاملة طارئة تجامل. وهذا عرضها، مبدوءًا بأوثقها توثيقًا وأطولها معايشة.
فأولها وثيقة خطية بتوقيع وختم: كتب المحدث المحقق الدكتور ماهر بن ياسين الفحل، صاحب دار الحديث، رسالة قال فيها:
فقد اطلعت على كثير من مواعظ الشيخ ماهر أبو الفضل المصري وفقه الله تعالى، وفيها نفع كبير، مع سعة علمه وعظيم أدبه؛ فأسأل الله أن يوفقه للخيرات والبركات والمسرات، وأن يحفظه والمسلمين أجمعين. ثم أتبع الثناء وصية شفيقة: أن يشتغل بالنافع من المواعظ وبيان الحق، وألا يكثر من الردود؛ فإن الإكثار منها يُذهب الأعمار والأعمال؛ وختم: سدده الله للخير ونفع الله به. وقد أثبتنا وصيته مع ثنائه ولم نقتطع أحدهما من الآخر؛ فالأمانة في النقل أول ما يُتعلم من سيرة محدث.
وهي وصية من مشكاة قول أهل العلم قديمًا: الرد يشغل عن التصنيف؛ والشيخ نفسه ما جعل الردود حرفة عمره، وإنما هي ثغرة سدها لما تعينت وأعطاها بعض وقته، وكتبه ومواعظه قبلها وبعدها هي الأصل الذي عاش له. ثم لم يكتف الفحل بالتزكية حتى أتبعها بعد يومين بإجازتيه المتقدم ذكرهما؛ زكّى ثم أسند، والمحدثون لا يضعون أماناتهم إلا حيث اطمأنوا.
وشهد له الشيخ محمد أحمد عبد اللطيف النوساني، الأزهري من كلية أصول الدين والدعوة، الإمام والخطيب السابق بالأوقاف، المدرس للعلوم الشرعية نحو 40 سنة، شهادة معايشة قال إنه يُسأل عنها أمام الله يوم القيامة. حكى أنه تعرف إلى الشيخ بعد تخرجه وهو في نحو السابعة والعشرين من عمره، وقال: مع أنه كان يصغرني بعدة سنوات إلا أنه كان بمنزلة الشيخ الذي تعلمت منه ما لم أتعلمه في سنوات الدراسة الجامعية وما بعدها؛ تعلمت منه كيف يكون الخطاب الدعوي مؤثرًا يجمع بين سهولة العبارة وقوة الحجة، ويحقق جناحي الخطبة: الإقناع والاستمالة؛ وتعلمت منه أبوابًا مهمة في مسائل الإيمان والكفر، وكيفية التعامل مع شبهات الغلاة في التكفير، والفرق بين كفر القائل وقول الكفر وكفر الفاعل وفعل الكفر؛ ولذلك رأيت أصحاب الغلو في هذا الباب دائمًا ما يناصبونه العداء. ثم عدد ما أعجزه اللحاق به فيه: الصبر على طلب العلم، وقد شهدته يعمل أيامًا متتابعة لا يكاد يعرف للنوم سبيلًا لتحرير مسألة سئل عنها؛ وتقديم الكتاب على كثير من متاع الدنيا بل على احتياجاته الشخصية؛ وعظيم توقيره لأهل العلم وطلابه وإن خالفوه، بل وحتى لبعض من أساء إليه أو خاصمه. ولخص شهادته نقاطًا: من أمهر من رأيت في المناظرة العلمية مع عناية بالدليل وحسن ترتيب الحجة؛ خطيب متمكن ملك ناصية المنبر يجمع التأصيل العلمي والتأثير الوجداني؛ جعل طلب العلم مشروع عمره منذ نعومة أظفاره؛ معظم للعلم وأهله منصف للعلماء؛ لم أعرف عنه حرصًا على الشهرة وقد رأيته يعرض عنها كلما تعارضت مع ما يراه حقًا أو أنفع للعلم؛ وسمعت بنفسي ثناء عدد كبير من أهل العلم عليه وعلى بعض نتاجاته؛ ولم يجعل الدعوة وسيلة للتكسب مع أنه لو شاء لفعل وما لامه أحد؛ ومن تواضعه أنه يعرض كثيرًا من أعماله، إن لم تكن كلها، على العلماء وطلاب العلم بل وعلى بعض المبتدئين، ويقبل الملاحظات متى ظهر له وجه الصواب فيها، ولا يمنعه سعة علمه من الرجوع إلى الحق؛ ولم أره يفجر في الخصومة مهما اشتد الخلاف أو الأذى، بل كان الحلم غالبًا على طبعه؛ عرفته ملتزمًا بمنهج أهل السنة والجماعة، منصفًا مع الموافق والمخالف، مستحضرًا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة]. وصرح بأن الذي دفعه إلى الكتابة حملات مسعورة من نابتة ملعونة رأى فيها ظلمًا وتجنيًا، فأدى الشهادة ممتثلًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾، وختم متمثلًا: كناطح صخرة يومًا ليوهنها؛ فما وهنت وأوهى قرنه الوعل. وانظر كيف تلاقت شهادته من غير مواطأة مع ما حكاه تلميذاه: هو يذكر سهره الأيام المتتابعة في تحرير المسألة وهما ذكراه، ويذكر إيثاره الكتاب على حاجاته وهما حكيا بيته الذي صار أرففًا، ويذكر توقيره لمن أساء إليه وهما حكيا التماسه الأعذار؛ فإذا تطابقت المعايشات المتفرقة على الصفات نفسها فتلك أمارة الصدق.
وأطول الشهادات وأغناها شهادة كتبها في 6 صفحات الدكتور أحمد مختار، دكتوراه الحديث وعلومه بجامعة الأزهر ووقعها:
تلميذكم ومحبكم. افتتحها بأن الشهادة أمانة لا يحل فيها إلا ما رئي وعوين: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾، ثم حكى أول عهده بالشيخ: جاءه في سني الجامعة طالبًا متأثرًا ببعض الأفكار الشائعة بين الطلاب، متحمسًا لها، يحمل كتابه الذي يعتمد عليه، جاء يناقش ويجادل؛ قال: فما قابلني بالصد ولا باللوم، ولم يتعامل معي على أنني مخطئ ينبغي إسكاته، وإنما قابلني بالرفق وسعة الصدر وحسن التدرج: يبدأ بنقاط الاتفاق قبل مواضع الاختلاف، ويناقشني في المسألة مسألة مسألة، وينقلني من فكرة إلى أخرى بهدوء وأناة، حتى كان للحوار أثر كبير في إعادة النظر فيما كنت متأثرًا به. ثم صارت تلك البداية ملازمة، حتى سكن الطالب في مكتبة الشيخ أكثر من سنتين أيام الدراسات العليا، يرى يومه العلمي من داخله: قراءة وبحثًا ومراجعة وتحقيقًا وتعليمًا؛ قال: فالكتاب حاضر في يومه حضورًا باهرًا، وما رأيت علمه محفوظات تستظهر أو معلومات تجمع، بل رأيت أثره في تواضعه وسعة أفقه وإنصافه وحكمته في المناقشة ورفقه بطلاب العلم. وشهد له بمعرفة مذاهب المخالفين وأقوالهم وأصول استدلالهم معرفة دقيقة: لا يكتفي بأن يقول للمخالف أنت مخطئ، وإنما يعرف أصول قوله ثم يناقشه من داخلها، ويظهر له ما يترتب على أصوله من نتائج، ويكشف مواضع التناقض والاضطراب فيها؛ وبأنه عاش في مراحل من حياته في بيئات رأى فيها انتشار بعض صور الغلو والتكفير فلم يكن موقفه موقف المتفرج، بل واجهها بالعلم والحجاج وناقش أصحابها وأقام عليهم الدليل، وأن من آثار جهوده أن هدى الله على يديه بعض من كان مخالفًا أو متأثرًا بالأفكار المنحرفة فرجعوا إلى الحق؛ وبأن له في الآونة الأخيرة جهدًا واضحًا في الرد على بعض الاتجاهات المخالفة ومن ذلك ما يتصل بالحدادية، لا يكتفي فيه بإطلاق الأحكام أو الردود الإجمالية، وإنما يحرص على التفصيل العلمي والتأصيل والتحرير: يبين محل النزاع، ويذكر الأدلة، ويتتبع الأقوال، ويكشف وجه الخطأ، ويرجع إلى كلام أهل العلم؛ قال: والردود بابها دقيق؛ فقد يرد الإنسان بغير علم فتكون المشكلة في أصل الرد، وقد يملك العلم لكنه يفتقد الحكمة والأدب فيتحول الرد إلى خصومة، وقد يجمع بين الأمرين لكنه يتجاوز في عبارته؛ أما الشيخ فيحرص على الجمع بين العلم والحجة والحكمة والأدب، فلا يتطاول على المخالف مهما اشتد خلافه معه، ولا يجعل الرد العلمي ميدانًا للتشفي، وإنما غايته بيان الحق ودفع الباطل ونصح الناس والدفاع عن السنة وأهلها. وبأن من طلابه من تابعه في رسائله العليا حتى نال الدكتوراه. وختم بكلمة تصلح عنوانًا على الرجل: لو كانت الدرجات العلمية تمنح بناء على ملكة البحث وطول النفس في المطالعة والقدرة على التحقيق وسعة الاطلاع، لكان الشيخ أهلًا لمقام علمي رفيع وجديرًا بأعلى المراتب العلمية. فهذه شهادة من عاشر وخالط لا من سمع ونقل؛ وقد جاءت من دكتور في الحديث تخرج من تحت يد معلم لم يحمل الدكتوراه، فكانت من جنس شهادة أبي الأشبال يوم أرسل إليه ولده: أهل الشهادات يعرفون أين يكون العلم.
وكتب الشيخ أبو عبد الله ياسر فوزي المصري كلمة قال فيها:
أعرفه ولله الحمد منذ قرابة خمس وعشرين سنة، فوالله ما علمته إلا ناشرًا للسنة، مشتغلًا بها تعلمًا وتعليمًا، مدافعًا عنها، رفيقًا بعباد الله من المسلمين، حريصًا عليهم؛ ما علمت عنه إلا خيرًا، وما رأيت منه إلا خيرًا؛ ما عرفناه إلا بالسنة، وما عرفناه إلا داعية إليها. ثم شهد لردوده على الغلاة شهادة من عاينها: رأيناه يتصدى لهذه النابتة السيئة، التي قال عنها الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله: بل هي نابتة ملعونة؛ هؤلاء القوم الذين لا أصل لهم في العلم ولا نسب لهم يُعرف فيه. ورأينا ردوده مليئة بالحرص عليهم أولًا: يدعوهم إلى الحق ويحاول الأخذ بأيديهم إليه، فلما قابلوا هذه الرحمة وهذه الدعوة منه ومن إخوانه بالإساءة والتطاول، لم يصده ذلك عن الدعوة إلى الحق والدفاع عن العلماء والدفاع عن حياض الإسلام؛ يرد بأدب وعلم لا يخرج عن قواعد أهل العلم ولا عن أصول أهل السنة، نصحًا لله ولكتابه ولسنة نبيه ولعموم المسلمين، يبين باطلهم ويزيف بهرجهم ويعلي منار السنة، ويؤيد ما يذهب إليه بكلام أهل العلم سلفًا وخلفًا. ثم ختم بالدعاء لأخيه الفاضل والشيخ المبارك أبي الفضل ماهر المصري أن ينفع الله به أينما حل، وأن يثبته على السنة على الوجه الذي يرضيه حتى يلقاه. وفي شهادته فائدتان وراء الثناء: أن صحبته له بلغت قرابة خمس وعشرين سنة، فهذا رجل تشهد له صُحَبُ الأعمار لا لقاءات المناسبات؛ وأن ردوده على القوم بدأت رحمة ودعوة قبل أن تكون نقضًا وتزييفًا، وتلك سمة أهل السنة في الرد: هداية المردود عليه مقدمة عندهم على إسقاط قوله.
وكتب الشيخ علي العمري كلمة قال فيها:
تابعت في السنوات الأخيرة فتنة الطعن في الأئمة والعلماء من قبل ما يسمى بالحدادية، وكانت نارهم قد خبت وصارت رمادًا، إلا أنه أتى في الآونة الأخيرة من يستوقد نارها من الرماد؛ وقد تصدى لهذه الفتنة ثلة من العلماء والدعاة وطلاب العلم، ومنهم فضيلة الشيخ ماهر المصري أبو الفضل، الذي تابعت ردوده عليهم فاتسمت بالعلم والحلم والأدب، والاحتراز في الكلام عن أشخاصهم، بل والتصريح بعدم تبديعهم كأشخاص؛ لأن مثل هذه الأحكام على الأشخاص من اختصاص الراسخين في العلم. وكان في ردوده يذب عن العلماء الذين استفادت الأمة منهم، من أمثال النووي وابن حجر رحمهما الله وغيرهما، مع التنبيه على الأخطاء التي وقعوا فيها، والتي سبقه إلى بيانها كبار علماء أهل السنة عبر القرون من غير طعن ولا تبديع لهم. ثم دعا له أن يجزيه الله خير الجزاء على ذبه عن أعراض العلماء، وأن يزيده علمًا وحلمًا وتوفيقًا وإخلاصًا. وفي هذه الشهادة ما هو فوق الثناء: توثيقٌ لميزان الرجل نفسه؛ فهو يحمل على المقالة الحدادية بلا هوادة، ويمسك عن تبديع أعيان أصحابها ويكل أمرهم إلى الراسخين، ويذب عن النووي وابن حجر من غير أن يدعي لهما عصمة، بل يقر بأخطاء نبه عليها أئمة أهل السنة قبله بقرون. وهذا هو الفرق الذي تدور عليه المعركة كلها: قوم يجعلون الزلة مقصلة، ورجل يجعلها مسألة تُبين بأدب.
وكتب الفقيه الشيخ وليد بن راشد السعيدان شهادة قال فيها:
إن أخي أبا الفضل ماهر بن محمد المصري حفظه الله من طلبة العلم الحريصين على ضبط العلم وعلى تأصيله والرسوخ فيه، وممن عرفناه بالدفاع عن الحق وبذل الغالي والنفيس في نشر العلم، وقد طلب العلم على أهل العلم الموثوق في علمهم وديانتهم، وممن عرفناه بحسن الأدب مع الموافق والمخالف. قال: وقد ابتلاه الله عز وجل بالرد على طائفة الحدادية التي حذر منها أهل العلم، وناله في سبيل ذلك من الأذى ما لا يعلمه إلا الله وحده؛ فقد اتهموه بكثير من التهم التي هم أحق بها، وأشهد الله تعالى أنها كذب ودجل وبهتان وافتراء على هذا الرجل؛ بل والله ما عرفناه إلا عالمًا مؤدبًا بأدب أهل العلم، وما علمناه إلا عفيف اللسان، محبوبًا من أهل العلم وطلابه، فلا يسيء إلى من أساء إليه، ولا تصدر منه كلمة نابية في تقرير شيء من الحق، وقد صبر وصابر وتحمل الكثير من سوء أخلاق ورعونة هذه الطائفة الضالة. ثم رفع صوته مستنصرًا: فأنا أهيب بإخواني من أهل العلم أن يقفوا مع الشيخ وأن ينصروه وأن يذبوا عنه؛ فوالله ما شهدنا إلا بما علمنا من حاله ومحبته للعلم ونشره، بل نحن نتأدب بأدبه في الحوارات، وأنا من المتابعين لحواراته وأطروحاته وما يعرضه في وسائله، وما رأيت والله إلا خيرًا. ثم دعا له أن يسدد الله قلبه ولسانه، وأن يؤيده بتأييده، وأن يكفيه شر الأشرار وكيد المعتدين الفجار. والحاصل أن هذه أثقل الشهادات في باب المعركة: فيها تسمية الطائفة باسمها، والقسم على أن التهم بهتان، وقلبها على راميها (هم أحق بها)، ثم النداء العام لأهل العلم بنصرته؛ وما استنصر عالم لرجل إلا وقد رأى فيه مظلومًا صادقًا.
ثم كتب الشيخ المحقق هادي بن حمد المري الذي تقدمت كلمته الموجزة، شهادة أوسع حكى فيها طريق معرفته بالرجل درجة درجة: تابع قناته على يوتيوب، ثم تواصل معه، ثم تشرف بزيارته في بيته؛ فقال: شيخ جليل زاهد عالم واسع الاطلاع، عف اللسان، تقي فيما أحسبه، عدل في ردوده. وفسر انبراءه للرد تفسير من عرف البواعث: انبرى للرد على من يتنقص العلماء ويبدعهم ويكفرهم لما رأى الخطر المحدق بالدعوة الإسلامية وشبابها، وخشي أن يحترق شباب الأمة في هذه الفتنة العمياء التي لم تبق لنا عالمًا، فقام بهذا الواجب الكفائي خير قيام. ثم عدد سماته في البحث والرد: عفة لسان فلا يتكلم بالخطأ وإن أُخطئ عليه؛ واطلاع واسع؛ ولا يتكلم إلا بالدليل من الكتب السلفية وكلام علماء الإسلام القدماء والمعاصرين؛ ولا يستفزه الرادون مهما حاولوا استفزازه، وإنما يرد بالكلمة الطيبة ولا يتزيد في الردود؛ أخطؤوا عليه كثيرًا فما انجرف معهم في سوء الخلق. ودعا: أسأل الله أن يذب عن عرضه كما ذب عن أعراض العلماء.
وكتب الشيخ عبد الله حيدر، أبو عبد الرحمن، أنه عرف الشيخ وزاره في بيته فأكرمه أيما إكرام، وحاوره في العلم الشرعي عن قرب، فقال:
هو من خيرة طلاب العلم الذين عرفتهم؛ له تميز في علم الحديث والمصطلح والرجال والبحث العلمي، رجل غزير المادة العلمية، وقد فتح الله عليه بمشاركاته عبر منصة يوتيوب، وكثير منها يبين حصيلته العلمية وتميزه في التحصيل؛ واختار لنفسه طريق الذب عن العلماء والدفاع عن أئمة الإسلام، فكان ممن نفع الله به في الرد على ابن شمس الدين ودمشقية ومن نحا نحوهم، وقد أحسن في هذا الباب ونفع الله به فيه؛ وأحسبه، والله حسيبه، من أهل العلم الذين يُدرس عليهم ويستفاد منهم. ولم يخف الشاهد احترازه: أحسن في الباب، بغض النظر عن كونه أغرق فيه أم لم يغرق؛ وهي لفتة تلتقي مع وصية الفحل المتقدمة، تنبئك أن القوم يحبون للرجل أن تتسع أوقاته لعلمه كما اتسعت لردوده.
وكتب الشيخ أبو أدهم منير محمد علي يزكيه فقال:
رجل نحسبه من أهل الحديث والأثر، جمع بين العلم والعمل وبين الفصاحة والبيان؛ خطيب مفوه نفع الله بكلامه، عرف بسلامة المنهج وقوة الحجة وحسن العرض؛ حديثه من الكتاب والسنة، ودليله الأثر، وزاده الأدب؛ له عناية بالسنة وبثها وتعليمها، بعيد عن الغلو والتشدد، قريب من الحق وأهله؛ وقد انتفع به كثير من الناس في الخطب والدروس، وظهر أثره في تزكية النفوس. ثم أوصى الناس بالاستماع إليه والاستفادة من علمه.
وممن أثنى عليه أيضًا الشيخ وجدان العلي.
وقيل فيه الشعر، على عادة الأمة مع من أحبت من أهل العلم؛ فنظم يعقوب بن مطر العتيبي فيه قصيدة قال فيها:
ولم يجاوز الشاعر في بيت منها شيئًا مما وثقته هذه السيرة نثرًا: الكنية طابقت الفضل، والاسم طابق المهارة، والكنانة مهد نشأته، والدرس والكتب قطّع بهما دهره، وعقيدة السلف ميزانه، والحلم والإنصاف خلقه، والشرذمة خصومه؛ فكان شعره ديوان صدق لا مبالغة مداح.
ما يؤخذ عليه
مادة هذه السيرة كلها من قلم تلميذين محبين ومن ظاهر منابر الرجل وآثاره؛ وقد بحثت فلم أقف على مأخذ محرر منقود به عليه عند غير خصومه من الغلاة الحدادية، وطعون أولئك لم أقف على تفصيلها، وليس يضير الرجل أن يطعن فيه من جعل الطعن في النووي وعلماء الأمة دينًا. ولا يعني هذا عصمته؛ فالكمال عزيز، والرجل بشر لم يدع العصمة ولا ادعاها له أحد، ومن إنصافه هو أنه كثير الرجوع إلى الحق معلن لتراجعاته كما تقدم. فمن وقف على نقد موثق بميزان عدل فليلحقه بهذه الترجمة؛ فالسيرة وثيقة مفتوحة.
الخلاصة النهائية
قلتُ: والذي تحصّل من مجموع هذه المادة أن أبا الفضل المصري داعية عالم صادق من أهل الحديث والأثر، اجتمع له ما تفرق في غيره: صنعة المحدثين في الجمع والتصفية والعناية بالأصول والطبعات والحواشي، وخلق المربين في التدرج بالطلاب والصبر عليهم، وورع المتقللين في المال والشهرة، وثبات أهل الثغور في وجه الغلاة على الطرفين: طرف كفّر الأمة وطرف بدّع أئمتها.
يؤخذ عنه الحديث وعلومه، والاعتقاد المصفى على طريقة القرون الثلاثة، وفقه التدرج في الطلب، والقدوة العملية في الورع عن مال الدعوة، والرد المؤصل على غلاة التكفير والتبديع جميعًا؛ ولم يقع لي في شيء من أبوابه ما يُحذر منه، والعبرة بالخواتيم، وهذا ما استقر عليه أمره إلى يوم كتابة هذه السيرة.
وهو حجة قائمة على صنفين من الناس: على من ظن أن السلفية تجريح وتصنيف وامتحان، فهذا سلفي أثري ما شغل مجلسًا بغيبة عالم؛ وعلى من ظن أن الدعوة لا تقوم إلا بالأضواء والأموال، فهذا معلم قرية ملأ المحاريب خطباء وما أخذ على الدعوة قرشًا. وأما منزلته فقد جرت فيه سنة الله في أمثاله: طلب الخمول فرفعه العلم، وأراد أن يكون حاشية في دفتر الدعوة فجعله الله متنًا يُشرح.
وارجع بي الآن إلى تلك الليلة في هضبة الهرم: شيخ وهب طلابه نسخ الصحيح ثم قرأ بهم من العشاء إلى الفجر، وتلميذ يؤرخ في الحاشية نوم إخوانه ويقظتهم، والشيخ يطلع عليه فيحب صنيعه. من تلك الحاشية الضاحكة خرجت هذه الترجمة كلها؛ فالتلميذ الذي كتب «هنا نام فلان» هو نفسه الذي كتب لنا: هنا قام شيخنا، وهنا أنفق، وهنا ناظر، وهنا هُدد فما لان. وهكذا يُحفظ هذا العلم: لا تحفظه الأضواء، يحفظه رجل ينفق راتبه كتبًا وليله قراءة وجاهه سترًا، ثم يمضي وهو يظن أن أحدًا لم يره؛ وقد رآه الله، ورآه طلابه، ورآه، من حيث لم يُرد، خصومُه.
اللهم فاحفظ أبا الفضل كما حفظ على طلابه دينهم ودنياهم، واجزه عن كل نسخة وهبها، ودين قضاه، وليلة أحياها في حديث نبيك صلى الله عليه وسلم، ومسألة أسهر فيها جسده حتى أتمها. اللهم بارك في عمره وولده وكتبه ومكتبته، وأتم له ما بدأ، وانشر من مصنفاته ما طبع وما لم يطبع، واكفه شر من هدده بالقتل ومن رماه بالطعن، وثبته على السنة حتى يلقاك عليها، وارحم شيخه أبا إسحاق الحويني وأخاه أحمد، واشف شيخه سيد العفاني، واجعل في تلاميذه خلفًا يحملون عنه كما حمل عن شيوخه، وارزقنا وإياه حسن الخاتمة. آمين.
كُتب أصل هذه الترجمة في أوائل صفر سنة 1448 هـ، ثم أُلحقت بها الإجازات والوثائق والشهادات التي حصلنا عليها في الشهر نفسه، وتم ضمها جميعًا يوم الخميس 13 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 13 من أغسطس 2026 م، مما وقفت عليه من ترجمة تلميذيه، ووثائق الإجازات والتزكيات، وآثار الشيخ ومنابره، وما ظهر من كلام أهل العلم فيه. وسيرة من يؤثر الخمول أوسع مما تبلغه الأقلام؛ فما لم يذكر هنا فمن قصور الجمع لا من قلة الفضل، ومن كان عنده مزيد خبر فليلحقه مشكورًا.
