سعد الدين الهلالي

سعد الدين الهلالي
الاسم الكاملسعد الدين مسعد أحمد حسن هلالي
الميلادالمنصورة، الدقهلية، مصر؛ 1373هـ / 1954م
البلدمصر
المهنةأستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر وإعلامي
التخصصالفقه المقارن
القسمباحثون
الفئاتأهل الضلال، الحداثيون

أستاذُ الفقه المقارن الذي حوّل خلافَ الفقهاء إلى معولٍ يُهدَم به المُحكَم: سعدُ الدين مسعد أحمد حسن هلالي، وُلد بالمنصورة من محافظة الدقهلية سنة 1373 هـ (1954 م)، ونشأ في التعليم الأزهري من أوله إلى آخره، وتخرّج في كلية الشريعة والقانون، ثم صار في العقد الأخير أكثرَ من يُستضاف في بلده باسم الفقه، وأكثرَ من تخرج مؤسستُه تتبرأ من كلامه.

رجلٌ من طينة الأكاديمي الصبور: هادئُ النبرة، بطيءُ الإلقاء، حاضرُ المصطلح، يحفظ أسماء المذاهب ومواضعَ الخلاف فيها، ويسوق ذلك كله بلغة أستاذٍ يقرأ من ورقة. وبهذا السَّمت بعينه أمسك جمهورَه؛ فالذي يهدم الثوابت وهو يصيح يُرَدُّ عليه، والذي يهدمها وهو يبتسم ويقول: هذا في كتب المذاهب، يُصدَّق. ومشروعُه الذي أنفق فيه ما بقي من عمره واحدٌ لا يتغير: أن يُنزع من الدين وصفُ القطع حتى لا يبقى فيه حكمٌ يُلزم أحدًا، ثم يُسلَّم الأمر إلى «المجتمع» يختار منه ما يشاء. سمّاه هو تعدديةً فقهية، وسمّاه أهلُ الصنعة تتبعًا لرخص المذاهب وشواذِّ الآراء، وسمّوه عدوانًا على الشريعة.

وموضعه من عصره موضع الثغرة في السور. فقد احتاجت السلطة في بلده إلى لسانٍ أزهري يخلع على قراراتها لباسًا شرعيًّا ويقول للناس إن ما يُنفَّذ عليهم أحدُ الوجوه الفقهية المعتبرة، فوجدته فيه على أتمّ ما تشتهي: شهادةً تُقدَّم بها الفتوى، ومنبرًا مفتوحًا، ولسانًا لا يعرف التوقف. واحتاجت الشاشةُ إلى ضيفٍ يصدم المشاهد كل أسبوع بقولٍ في فريضةٍ من الفرائض فتعلو نسبةُ المشاهدة، فوجدته كذلك. فاجتمعت عليه حاجتان: حاجةُ السلطان إلى الشرعية، وحاجةُ الاستوديو إلى الإثارة، وكان ثمنُ الصفقتين معًا ما بقي من هيبة الفتوى في بلده.

وهذا ميزانه مجملًا: رجلٌ أنفق شطر عمره في تحصيل آلة الفقه فأتقن منها ما يُتقنه أهلُ الصنعة، ثم أنفق شطره الآخر في صرف تلك الآلة إلى نقض ما أُقيمت لحفظه. مقالتُه في شهادة أن محمدًا رسولُ الله كفرٌ صريح، ومقالاتُه في حجية السنة والمواريث والحجاب هدمٌ لقطعياتٍ لا يسع مسلمًا إنكارُها، وما اطّرد على هذا الوجه عمرًا كاملًا بعد قيام الحجة لا يُسمى زلة. ولا يحلّ أن يُتلقى عنه دينٌ في بابٍ من الأبواب التي تصدّر لها؛ لا لأنه يجهل، بل لأنه يعلم ويقصد. وهو صاحبُ المكالمة الهاتفية التي سيأتي خبرُها، وقد كفت وحدها في تعريفه.


محتويات
  1. 1 الخطابُ الأحادي الذي ندم عليه بعد سبعين سنة
  2. 2 الصداقُ والغبن: عشرون سنة في كتبٍ لم تكن تُثير أحدًا
  3. 3 الكويتُ وأسوان ودمياط: بناءُ رصيدٍ قبل صرفه
  4. 4 الكتابُ الذي سمّى دولةَ الإسلام علمانية
  5. 5 529 اسمًا ومكالمةٌ هاتفية
  6. 6 موسى وهارونُ في قاعةٍ يحضرها وزيرُ الداخلية
  7. 7 من الشهادتين إلى الأقصى: سنةٌ واحدة وثلاثُ فضائح
  8. 8 شنطةٌ سوداء وريحةُ نجم
  9. 9 الحجابُ سلاحٌ سياسي، والميراثُ قرارٌ شعبي
  10. 10 تصرفاتُ النبي ليست دينًا، والقرآنُ ليس دستورًا
  11. 11 «الدولُ المطبعة لها عذرها»
  12. 12 البلاغاتُ والدعاوى: مؤسسةٌ تتبرأ ولا تعزل
  13. 13 وبعضُ الصحابة انتحروا
  14. 14 قاعدةٌ واحدة تحت كل فتوى
  15. 15 قال، فلما أُنكر عليه قال: لم أقل
  16. 16 الخلاصة النهائية
  17. 17 سجل المصادر

الخطابُ الأحادي الذي ندم عليه بعد سبعين سنة

في المنصورة كان البدء. وُلد سنة 1373 هـ (1954 م) في محافظة الدقهلية، ودخل التعليم الابتدائي سنة 1379 هـ (1960 م)، ثم التحق بالأزهر للمرحلة الإعدادية سنة 1384 هـ (1965 م)، فقضى صباه كله في المعاهد الأزهرية على قالبها المعروف: حفظٌ للمتون، ودراسةٌ على المذاهب الأربعة، وشيوخٌ يُلقّنون ولا يُناقَشون. ومصرُ يومئذ في السنة التي سبقت النكسة بعامين، والأزهر قد أُممت هيئتُه بقانون سنة 1381 هـ (1961 م) وصار موظفوه موظفي دولة، وخرج من يده استقلالُه المالي وسلطانُه على مناهجه. وهذه المقدمة ليست حاشية في سيرته؛ فالرجل الذي سيقول بعد ستين سنة إن المؤسسات الدينية «صناعة بشرية» إنما نشأ في مؤسسة رأى بعينه كيف صنعتها الدولة.

وقد حكى هو عن نفسه في هذه المرحلة ما لا يحكيه غيره عنه. ففي بودكاست «حكاوي» مع أمل الحناوي، في حلقة نُشرت يوم الجمعة 11 من محرم 1448 هـ الموافق 26 من يونيو 2026 م، أبدى ندمه على فترةٍ من أول حياته بالمنصورة انبهر فيها بما سمّاه «الخطاب الديني الأحادي للجمعية الشرعية»، وقال إنه أدرك بعد دراسته الفقه المقارن أن «الإسلام واسع» وأن الصواب متعدد. قف عند هذا الإقرار وقفة: فإن الرجل يصف طريقه كله في جملتين، أوله انبهارٌ بخطابٍ واحد وآخره فرارٌ من كل خطاب. ومن هرب من الواحد إلى اللانهاية فقد أخطأ الطريقين معًا؛ إذ ليس بين التعصب للقول الواحد وبين إسقاط القطعيات كلها منزلةٌ واحدة، بل بينهما منزلةُ العلم الذي يعرف ما يسع فيه الخلافُ وما لا يسع.

التحق بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة سنة 1393 هـ (1973 م)، وهي السنة التي عبر فيها الجيش المصري القناة في رمضان، فدخل الجامعة وبلدُه في أعلى ما بلغ من نشوة النصر. وتخرّج فيها سنة 1398 هـ (1978 م) بتقدير جيد جدًا، وله يومئذ أربعٌ وعشرون سنة. وهذا القدر من التكوين ينبغي أن يُثبَت له كاملًا لا يُنقَص منه شيء: الرجل أزهري النشأة، أزهري الدراسة، أزهري الشهادة، لم يدخل الفقه من نافذةٍ ولا تعلّمه من مقاطع. وهو الذي يجعل الحجة عليه أقوم من الحجة على أدعياء هذا الباب؛ فإن الذي لم يقرأ يُعذَر بجهله، والذي قرأ أربع سنين ثم عشرين سنة بعدها لا عذر له في ادعاء أن الميراث ليس من الدين.

الصداقُ والغبن: عشرون سنة في كتبٍ لم تكن تُثير أحدًا

عُيّن معيدًا بقسم الفقه المقارن في كلية الشريعة والقانون سنة 1399 هـ (1979 م)، وبدأ من هناك تدرجًا وظيفيًا مستقيمًا لا التواء فيه. ثم أخرج رسالتين هما أنفس ما في سجله العلمي على الإطلاق:

  • رسالة الماجستير، سنة 1402 هـ (1982 م)، وموضوعها دراسة وتحقيق كتاب الصداق من «الحاوي الكبير» للماوردي، ونالت تقدير ممتاز. وهي رسالةُ تحقيقٍ لنصٍّ شافعي كبير، من الصنعة التي لا يقوم بها إلا من ضبط الخط وقابل النسخ وعرف اصطلاح المذهب.
  • رسالة الدكتوراه، سنة 1405 هـ (1985 م)، وعنوانها «الغبن وأثره في العقود في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي»، ونالت مرتبة الشرف الأولى. وهي في باب المقارنة بين الفقه والقانون، وهو باب كليته الذي بُنيت عليه.

فهاتان الرسالتان هما كلُّ ما بينه وبين صنعة الفقه من نسب، وهما اللتان أورثتاه المصطلحَ الذي سيهدم به بعد أربعين سنة ما قامتا عليه.

وترقّى على هاتين الرسالتين درجةً درجة: مدرسًا مساعدًا سنة 1402 هـ (1982 م)، فمدرسًا سنة 1405 هـ (1985 م)، فأستاذًا مساعدًا سنة 1411 هـ (1991 م)، فأستاذًا سنة 1416 هـ (1996 م) وله يومئذ اثنتان وأربعون سنة. وأُعير في أثناء ذلك إلى كليات في السعودية والمدينة المنورة بين سنتي 1408 و1414 هـ (1988 و1993 م). فاحسب معي ما بين التاريخين: من سنة 1399 هـ (1979 م) حين دخل القسم معيدًا، إلى سنة 1416 هـ (1996 م) حين صار أستاذًا، سبعَ عشرة سنة لم يُنقل عنه فيها قولٌ واحد أثار جدلًا، ولا سُمع له في تلك السنين اسمٌ خارج أسوار الكلية.

رجلٌ يحقق «الصداق» من الحاوي ويكتب في «الغبن»، ثم يصير بعد أربعين سنة صاحب أشهر جملة قيلت في مصر عن المواريث. وهذه المسافةُ بين الرجلين هي سيرتُه كلها.

الكويتُ وأسوان ودمياط: بناءُ رصيدٍ قبل صرفه

وسّع في العقدين التاليين دائرة عمله وإنتاجه توسيعًا ظاهرًا. تولى رئاسة قسم الفقه والأصول بكلية الشريعة في جامعة الكويت بين سنتي 1422 و1424 هـ (2001 و2003 م، وقيل 2002 و2004 م)، وتولى عمادة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بأسوان، ثم بدمياط الجديدة للبنين. وأشرف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعة الأزهر وغيرها من الجامعات المصرية والعربية، ودخل عضوًا في لجان الدولة: لجنة الموسوعة الفقهية بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ولجنة المساعي الحميدة بوزارة العدل، واللجنة الدينية بالهيئة الوطنية للإعلام، ولجنة أخلاقيات البحوث بأكاديمية البحث العلمي، وعضوية المجلس القومي للمرأة. فهذه لجانُ دولةٍ لا مجالسَ علم، وبها صار الرجل معروفًا في دواوين الحكم قبل أن يُعرف على المنابر؛ ومن دخل بيت السلطان من هذا الباب لم يخرج منه سالمًا.

الكتابُ الذي سمّى دولةَ الإسلام علمانية

سنة 1433 هـ (2012 م) نشر الهلالي عن الهيئة المصرية العامة للكتاب كتابَه «الإسلام وإنسانية الدولة: دراسة تأصيلية معالجة للشبهات والتوصيات ومبادرة إلى الدولة الإنسانية الجامعة». ومصرُ يومئذ في أول سنةٍ من حكم الرئاسة الإخوانية، والمعركة على المادة الثانية من الدستور وعلى تعريف «مبادئ الشريعة» قائمةٌ على أشدها في الإعلام وفي لجان التأسيس. فكان الكتاب دخولًا في المعركة من بابٍ لم يدخل منه أحد: بابِ نزع الأداة التي يقوم عليها كلُّ مشروع يطالب بتحكيم الشريعة. فغيرُه صارع الجماعةَ في السياسة، وهو صارعها في الأصل الذي تستند إليه.

وخلاصةُ ما فيه أن الدولة دارُ أهلها، وأن الناس فيها أحرارٌ في الاعتقاد والمذهب، حتى يتحمل الإنسان مسؤوليته في الآخرة بلا وصايةٍ بشرية؛ وأن الله ترك للمسلمين «فهم نصوصه بآليات إنسانية»؛ وأن الأوجه الفقهية إنسانيةُ الاستنباط غير معصومة، فمن حق المجتمع أن يسعى دائمًا إلى تغيير كل وجهٍ قلّت مصلحته إلى وجهٍ فقهي آخر؛ وأنه إذا ضُبط المجتمع بقوانين مدنية وعقابية وإدارية فإنها ستكون انتقاءاتٍ من جملة أوجهٍ فقهية عديدة يراها المجتمع أصلحَ لزمنه.

فتأمل أين وقع المعوَل: لم يقل إن الشريعة صعبةُ التطبيق، ولم يقل إن الزمن غير مناسب كما يقول غيره. قال إن الأحكام كلَّها آراءٌ بشرية، فليس فيها ما يلزم، وليس فيها ما لا يقبل التبديل. وإذا سقط اللزوم سقط معه سؤالُ التطبيق من أصله؛ إذ لا معنى لأن تسأل: هل نطبق الشريعة؟ وأنت تقرر أن ما تسميه شريعةً ليس إلا اختياراتِ فقهاء.

فكتب علي جمعة (على ضلاله)، مفتي مصر السابق، تقريرًا في مجلة الأزهر عنوانُه «كتاب فيه عدوان على الشريعة الإسلامية»، وصف فيه ما في الكتاب بأنه «أخطاء وخطايا»، وأنه «مليء بالمغالطات في فهم الدين وطبيعة الدولة»، وأنكر عليه بالتعيين ثلاثةً: وصفَه الدولةَ الإسلامية بالعلمانية، وحثَّه المجتمعات الإسلامية على ألا تأخذ بالحدود المقررة في الشريعة، والدعوةَ إلى «إنسانيةٍ معلمنة»؛ وقرر أن دعوى الاجتهاد فيما ثبت أصلُه بنصوص قطعية لا تحتمل الشك دعوى باطلة. ونُقل عن مجمع البحوث الإسلامية أن الكتاب «طعنٌ في الدين ذاته، وليس طعنًا في تيار الإخوان فحسب».

وفي هذه الجملة الأخيرة فصلُ الخطاب في سيرة الرجل كلها. فإن أنصاره إلى اليوم يقولون: إنما تصدى للإخوان فرماه الإسلاميون؛ والذي قاله مجمعُ البحوث أدقُّ وأعدل: أنت لم تهدم على الإخوان بابهم، وإنما هدمت البيتَ الذي كنت تسكنه معهم.

ثم دخل بعد سقوط الحكم الإخواني في تشكيل «لجنة الخمسين» لتعديل دستور سنة 1433 هـ (2012 م) ممثلًا للأزهر بترشيح مجمع البحوث الإسلامية. وقال لصحيفة الشرق الأوسط يوم السبت 1 من ذي القعدة 1434 هـ الموافق 7 من سبتمبر 2013 م إن تفعيل حظر قيام الأحزاب السياسية على أساس ديني ضرورة، ووصف المادة 219 التي فسّرت «مبادئ الشريعة» بأنها «متناقضة وغير علمية وتورث العقم الفقهي وظالمة»، وقرر أن الأزهر «هيئة علمية يؤخذ منها ويُرد عليها من آراء». وفي السنة نفسها كانت ميادين مصر قد شهدت في 21 من شعبان 1434 هـ (30 من يونيو 2013 م) وما بعده ما شهدت، وكان فضُّ اعتصامَي رابعة والنهضة قد وقع في 7 من شوال 1434 هـ (14 من أغسطس 2013 م). فالرجل الذي يدعو إلى تحرير الدين من السياسة كان يجلس في اللحظة نفسها في لجنةٍ سياسية بامتياز، يكتب دستورًا لسلطةٍ خرجت لتوّها من أوسع عملية قتلٍ في تاريخ البلد الحديث. ومن دعا إلى فصل الدين عن السياسة ثم أعار الدينَ للسياسة في أخطر لحظاتها فقد أراد فصلًا في اتجاهٍ واحد.

529 اسمًا ومكالمةٌ هاتفية

يوم الاثنين 23 من جمادى الأولى 1435 هـ الموافق 24 من مارس 2014 م، أصدرت محكمة جنايات المنيا حكمًا بإحالة أوراق 529 متهمًا في أحداث مطاي إلى المفتي تمهيدًا لإعدامهم. وإحالةُ الأوراق إلى المفتي في القانون المصري إجراءٌ لازم لا تصح بدونه أحكامُ الإعدام، ورأيُ المفتي فيه استشاريٌّ لكنه إجراءٌ جوهري، والاستئنافُ بعده حقٌّ مقرر. وقد صدر الحكم في جلسةٍ واحدة، على عددٍ من المتهمين وُصف يومئذ في الصحافة المصرية والدولية بأنه غير مسبوق في حكمٍ واحد.

وفي مساء ذلك اليوم أو في اليوم الذي يليه، اتصل أستاذُ الفقه المقارن برئاسة قسمه بفضائية «صدى البلد» هاتفيًا. ونقلت عنه بوابة الشروق يوم الثلاثاء 24 من جمادى الأولى 1435 هـ الموافق 25 من مارس 2014 م أنه قال إن الحكم «يجب تنفيذه فورًا دون الحاجة إلى رأي مفتٍ أو استئناف»، وأن القضاء «أثبت بطولةً من بطولاته» في تلك المحاكمة. وأوردت عنه الجزيرة نت في ملفٍ عنه أنه وصف القاضي بأنه «قاضٍ شامخ أراح ضميره في مواجهة الإرهاب»، وأنه احتج بأن في الفقه الإسلامي آراءً أن «تُقتل الجماعة بالواحد». ونُقل عنه في موضعٍ آخر أنه استشهد بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى بمثله. وقضاءُ عمر رضي الله عنه في قتل الجماعة بالواحد إنما كان في قتيلٍ معيَّن ثبت أن سبعةً تمالؤوا على قتله، بعد تحقيقٍ وبينة؛ فأخذه الرجلُ ليجعله سندًا لحكمٍ صدر على مئات في جلسةٍ واحدة، وهذا هو الاستدلال الذي يُقام على صاحبه لا له.

وقف عند هذه المكالمة وقفة، فإنها تختصر الرجل كلَّه. أستاذُ الفقه المقارن الذي بنى ثلاثين سنة من عمره على قاعدةٍ واحدة هي أن كل مسألة فيها أوجهٌ متعددة وأن اليقين معدوم، وجد المسألةَ الوحيدة في الدنيا التي لا تحتمل عنده وجهين: مسألةَ خمسِ مئة رقبة وتسعٍ وعشرين. وهو الذي يقول في المواريث «لا قطعي»، وفي الحجاب «لا قطعي»، وفي الشهادتين «لا قطعي»، صار في الدم قاطعًا لا يقبل حتى الإجراء الذي كفله القانون الوضعي نفسُه. فأيُّ فقهٍ هذا الذي يتسع لكل شيء ويضيق عن مهلةِ استئنافٍ يملكها محكومٌ عليه بالموت؟ وأين ذهب «تعدد الأوجه» يوم كان الوجهُ الآخر أن يبقى الرجل حيًّا حتى يُنظر في قضيته؟

ولم يُنفَّذ الحكم على وجهه؛ فقد خُففت الأحكام لاحقًا وأُبطل أكثرها في مراحل التقاضي، ولم يُشنق العدد الذي طالب أستاذُ الفقه بتعجيل شنقه. فمضى الأمرُ وبقيت الجملة مكتوبةً عليه في أرشيف قناةٍ لا يملك محوَها.

موسى وهارونُ في قاعةٍ يحضرها وزيرُ الداخلية

وفي السنة نفسها، 1435 هـ (2014 م)، وقف الهلالي في محفلٍ سياسي عسكري ضم رجالًا من الجيش والشرطة، حضره وزير الداخلية محمد إبراهيم، فقال كلمةً نقلتها عنه الصحف والمواقع، ونصُّها كما تناقلته: «ابتعث الله رجلين لمصر، كما ابتعث موسى وهارون من قبل، فما كان أحد من المصريين يتخيل أن السيسي ومحمد إبراهيم من رسل الله عز وجل».

ولمّا قامت عليه القيامة، خرج ينفي المعنى ويترك اللفظ قائمًا: قال إنه لم يقصد أن الرجلين معصومان كموسى وإبراهيم، وإنما قصد التشبيه «في الأحداث والمواقف»، واحتج بأن أحمد الطيب شيخ الأزهر قال للبابا شنودة «أرى فيك حنان السيد المسيح». فتأمل صنيعه: يُقرّ بالكلمة ويردّ فهمَ السامعين لها. وهذه صيغتُه الثابتة في كل واقعة، وستمرّ بك مرارًا.

وخرج بيان الأزهر يهيب بالمنتسبين إلى العلم والفقه ألا يسترسلوا في مجالٍ «يمس نزاهة العلم والعلماء ويُدخل الأنبياء والرسل في مقارنةٍ لا تصح ولا تجوز في الجدل السياسي». ولك أن تتصور فقيهًا يُدرّس في كلية الشريعة بابَ النبوة وختمِها، ثم يقف في قاعة أمام ضباطٍ فيسمي وزير الداخلية رسولًا من رسل الله، ثم ينام قرير العين ويعود إلى قاعة الدرس صباحًا.

من الشهادتين إلى الأقصى: سنةٌ واحدة وثلاثُ فضائح

ثم جاءت سنة 1436 هـ (2014-2015 م) بأخطر ما قال في العقيدة. ففي يوم الأحد 22 من صفر 1436 هـ الموافق 14 من ديسمبر 2014 م نُقل عنه في مقطعٍ متداول قولُه إن من قال «لا إله إلا الله» فهو من المسلمين ولو لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإن الإيمان بمحمد ليس شرطًا في دخول الجنة. فخرج مجمع البحوث الإسلامية ببيانٍ تبرأ فيه من هذا القول، ووصفه بأنه «فكرٌ ضالٌّ منحرف وفهمٌ سقيم نحذّر المسلمين منه»، وقرر أن الشهادتين معًا هما الركن الأول من أركان الإسلام.

وهذا القول كفرٌ بواح لا يحتمل التأويل، ولا مدخل فيه لدعوى الخلاف الفقهي. فإن الشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة قرينةُ الشهادة بالتوحيد في نص الحديث المتواتر عملًا وقولًا، ولم يقل بها أحدٌ من أهل القبلة على اختلاف مذاهبهم، ولا يُعرف في المذاهب الأربعة ولا في الظاهرية ولا عند أحدٍ من أهل الكلام أن الرجل يدخل الإسلام بشطر الشهادة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ في آل عمران، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ في الحشر. ومن جعل الإقرار بالرسالة زائدًا على حقيقة الإسلام فقد نقض ختمَ النبوة ونقض معه الملة، وسواءٌ عليه بعد ذلك أن يُسمي قولَه اجتهادًا أو تعددية.

وفي جمادى الآخرة من السنة السابقة، يوم الخميس 24 من جمادى الآخرة 1435 هـ الموافق 24 من أبريل 2014 م، كان قد انتشر عنه مقطعٌ يقول فيه إن زواج المتعة «حلال» بشرط أن يقبله النظام العام والمجتمع، وأن مصر مجتمعٌ متصالح مع ذاته بدليل انتشار الزواج العرفي فيها، وأنه لو كان المجتمع المصري كإيران لتقبّل ذلك. والمتعةُ زنًا عند أهل السنة قاطبةً، نُسخت بعد إباحتها في أول الإسلام نسخًا مؤبدًا، ولا يقول بها إلا الإمامية؛ فالرجل لم يستحضر لتحليل الفرج المحرم مذهبًا من مذاهب أهل السنة، وإنما استحضر «قبولَ المجتمع» ثم ضرب المثل بدولةٍ مذهبها غير مذهب بلده.

فلما بلغ السيلُ الزبى اجتمعت هيئة كبار العلماء بالأزهر في جلستها الشهرية برئاسة شيخ الأزهر أحمد الطيب، يوم الأحد 5 من رجب 1435 هـ الموافق 4 من مايو 2014 م، فقررت إحالة فتاوى الهلالي وفتاوى الدكتور أحمد كريمة إلى لجنة علمية للفحص، بعد شكاوى تناولت في حق الهلالي فتاوى «الخمر وزواج المتعة». فماذا صنع؟ خرج يقول: «لا توجد لي فتوى نهائيًا»، وإنما هو «يعرّف بأقوال الفقهاء في المسائل الفقهية»، وأضاف: «أشعر أن هناك نية مبيتة للإساءة». وهذه أول مرةٍ يُستعمل فيها درعُه الذي لن يفارقه بعدها: أنا ناقلٌ لا مفتٍ. ولا يُقبل هذا الدرع منه؛ فإن الناقل يستوعب أقوال الباب كلها ويبيّن الراجح منها والمرجوح، والذي يفعله هو انتقاءُ أضعف الأقوال وأشذّها وحدَه ثم بثُّه على المشاهدين بلا بيان، ثم الاحتماء بأنه لم يُفتِ. وهذا إفتاءٌ يلبس ثوب النقل.

ثم كان الثالثُ، وهو أثقلها على الأمة. ففي يوم الثلاثاء 2 من ذي الحجة 1436 هـ الموافق 15 من سبتمبر 2015 م، اتصل ببرنامج «حضرة المواطن» على قناة «العاصمة» فقال إنه لا يجب رفع اسم المسجد الأقصى ولا أي شعار ديني في الحرب مع إسرائيل، وإن الفلسطينيين لهم أن يطالبوا بأرضهم بحق إنساني لا بأمرٍ ديني، وإن الأقصى لم يكن في يد المسلمين زمن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقال: «من يتحدث عن النخوة في الدفاع عن الأقصى يجب أن يتحدث أولًا عن النخوة نحو الإنسانية». وقد وقع هذا الكلام في الشهر الذي اشتعلت فيه القدس باقتحامات المسجد الأقصى، والذي سُمّي في فلسطين شهرَ هبّة القدس؛ فما اختار الرجل ساعةً للكلام إلا الساعة التي كان الحجر فيها يُرمى عن أبواب المسجد.

وحجتُه في نفسها باطلة: فالأقصى قبلةُ المسلمين الأولى بنص القرآن، وقد بارك الله حوله في أول سورة الإسراء، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثاني مسجدٍ وُضع في الأرض. وكونُه لم يكن تحت سلطان المسلمين يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ليس دليلًا على شيء إلا على أن الفتح جاء بعد ذلك بسنوات؛ وإلا لزم أن مكة نفسها لم تكن للمسلمين قبل عام الفتح فسقطت حرمتُها. وأما دعوى تجريد القضية من الدين لئلا تصير حربًا دينية، فقد جرّبتها الأمة سبعين سنة، فما نقص العدو من عدوانه شيئًا، وإنما نقص المسلمون من دينهم. وهذه أكبر خدمةٍ قدّمها الرجل في حياته لغير أهله.

وفي يوم الثلاثاء 19 من صفر 1437 هـ الموافق 1 من ديسمبر 2015 م، تعاقد معه راديو «9090» على برنامجٍ إذاعي باسم «أولادنا» ضمن خريطة الموسم الجديد. وبهذا التاريخ يبدأ الطورُ الأخير من حياته: أستاذٌ جامعي دخل الأستوديو ولم يخرج منه.

شنطةٌ سوداء وريحةُ نجم

وأما كيف صار الرجل نجمًا، فأصدقُ ما وقفتُ عليه فيه رواية الإعلامي تهامي منتصر في مقالٍ نشره يوم الاثنين 23 من شوال 1446 هـ الموافق 21 من أبريل 2025 م، بعنوان «"سعد" الهلالي.. أزهري أتلفه الهوى والأزهر رمى طوبته». ذكر فيه أن الهلالي جاء إلى قناة «أزهري» أول مرة حاملًا شنطةً سوداء بسوستة فيها كتابٌ وقلمٌ وساندويتش طعمية، وأنه كان يومئذ أستاذًا مساعدًا بجامعة الأزهر؛ فقال له خالد الجندي: «اسمع يا دكتور سعد، أنا شامم فيك ريحة نجم وسوف أصنع منك نجمًا يعشقه الناس»، بشرطٍ واحد: أن يبحث عن الآراء الشاذة في الفقه الصادمة للمشاهدين. ثم صار له بعد ذلك برنامجٌ يوميّ على راديو «9090»، وذكر الكاتب أنه ليس بالفقيه المعتبر علميًّا، وأن الهوى أتلفه.

وهذه شهادةُ إعلاميٍّ من داخل الوسط، لا وثيقةً ولا تسجيلًا، ولم أقف على تعليقٍ من الهلالي ولا من الجندي عليها، وقد حذف كاتبُها المقالَ من صفحته بعد نشره فتناقله الناس عنه. فتُروى بدرجتها ولا يُبنى عليها وحدها حكم. غير أنها إن صحّت فسّرت ما لا يفسره شيء: لماذا لم يُنقل عن هذا الرجل قولٌ شاذّ واحد في سبع عشرة سنة قضاها في القسم، ثم صار لا يمر عليه شهرٌ بلا واحد بعد أن دخل الاستوديو.

ثم اتسعت المنابر: برنامج «الحكاية» مع عمرو أديب على «إم بي سي مصر»، وبرنامج «لعلهم يفقهون» على «دي إم سي»، وبرامج «العربية» و«الحدث»، وبرنامج «مجلس الفقه» أسبوعيًا على الفضائية المصرية، وبرنامج «سؤال الموعظة» سنة 1446 هـ (2025 م)، وحسابٌ على منصة إكس. وبلغت حلقات «مجلس الفقه» وحده الحلقة 662 يوم الثلاثاء 14 من صفر 1448 هـ الموافق 28 من يوليو 2026 م. وهذه هي آلةُ انتشاره: ثلاث فضائيات كبرى وإذاعة قومية وقناة دولة، كلُّها تفتح له بابها الأسبوع بعد الأسبوع؛ وليس أحدٌ من أهل العلم في مصر ممن ردّوا عليه يملك عُشرَ هذا. فبهذا يُقاس ضررُه: منابرُ الدولة كلُّها تحت يده، وأكثرُ من ردّ عليه يردّ من هاتفه.

الحجابُ سلاحٌ سياسي، والميراثُ قرارٌ شعبي

وابتداءً من سنة 1439 هـ (2018 م) دخل الرجل بابَ القطعيات دخولًا مباشرًا لا مواربة فيه.

أما الحجاب، فقال إن عبارة «الحجاب فريضة» ليست في القرآن وإنما هي استنباطُ العلماء. ثم عاد إليها في «الحكاية» على «إم بي سي مصر» فقال: «الفقهاء الأمناء أكدوا أن ستر العورة فريضة، ثم تم تحريف العبارة لتتحول من ستر العورة فريضة إلى الحجاب فريضة»، ووصف الحجاب بأنه «سلاح من أسلحة الإسلام السياسي». وخرج بيان الأزهر يقرر أن حجاب المرأة «فرض عين على كل مسلمة بالغة عاقلة»، وأن القول المخالف «مخالف لما أجمع عليه المسلمون منذ 15 قرنًا». وقال الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر الأسبق: «الحجاب فريضة محكمة كالصلاة، ولا ينكر فرضيته إلا جاهل ضال». ووصف الشيخ هشام محمود الأزهري كلامَه بأنه «تدليس وكذب» وأن قائله يعلم أن الحجاب عليه إجماع الأمة.

ودعواه ساقطةٌ من وجهين: أن الأمر بالجلباب والخِمار نصٌّ قرآني صريح في سورتي الأحزاب والنور، وأن دعوى «التحريف» تقتضي أن أهل القرون الأولى كلَّهم تواطؤوا على تبديل عبارة، وهذا لا يقوله من عرف كيف تُنقل المسائل في كتب المذاهب. وأما تسميتُه الحجابَ سلاحًا سياسيًّا فهي أخطر ما في الجملة؛ إذ نقل الفريضةَ من باب التعبد إلى باب الشعارات الحزبية، فصار ترْكُها عنده تحررًا من التنظيمات لا معصيةً لله.

وههنا يقف المؤرخ ليحسب الثمن، فإنه لا يُحسب بعدد البيانات التي صدرت في الرد عليه. احسب فتاةً سمعت هذه الجملة في مقطعٍ يُعاد على المنصات ألف مرة، فاطمأنت إلى أن ما على رأسها شعارٌ حزبي فوضعته وهي تحسب أنها أخذت بقول أستاذٍ في كلية الشريعة. ثم احسب أن المقطع باقٍ يُنشر بعد أن يسكت قائلُه. فاللهم ثبّتنا، فإن الذي يُنزع من القلوب في دقيقةٍ لا يُردّ إليها في سنة.

وأما الميراث، فهو البابُ الذي انكسر عليه ظهرُه. أيّد القانونَ التونسي بالمساواة بين الذكر والأنثى، وقال في مداخلةٍ هاتفية مع عمرو أديب في «الحكاية»: «صحيح فقهيًا ولا يعارض كلام الله»، وإن تونس «تسير على طريق التحضر الذي سنصل إليه بعد 20 سنة»، وإن الميراث «حق وليس واجبًا مثل الصلاة والصوم»، والحقُّ يملك صاحبُه التصرف فيه. ثم بلغ الأمر مداه في برنامج «سؤال مباشر» على قناة «العربية»، إذ قرر أن «المطالبة بالمساواة في الميراث ليست ممنوعة بنص صريح في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية الشريفة»، خاصةً بين المتساوين في درجة القرابة كالأخ والأخت؛ واحتج بأن تركيا سوّت بينهما منذ سنة 1356 هـ (1937 م)، وأن مصر سوّت جزئيًّا في المعاشات بالقانون 148 لسنة 1440 هـ (2019 م)؛ ثم دعا إلى استفتاءٍ شعبي لتغيير قوانين الميراث بما يوافق رغبة المجتمع، وقرر أن الميراث «قرار شعبي وأهلي وليس دينيًا»، وأن «أوصياء الدين» يسعون إلى انتزاع السلطة والقرار من الناس ونسبتهما إلى أنفسهم. فبلغ بذلك آخرَ الطريق الذي بدأه في كتابه قبل ثلاث عشرة سنة: أن يُعرَض نصٌّ من القرآن على صناديق الاقتراع، وأن يُسمّى من يمنع ذلك وصيًّا مستعبِدًا.

وهذه الدعوى تُنقض من ثلاثة أوجه لا رابع لها. أما دعوى «لا نص صريح» فباطلة؛ لأن آية النساء ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ نصٌّ في محل النزاع بعينه، وقد خُتمت آياتُ المواريث بقوله تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ وبالوعيد على تعديها، وليس في كتاب الله بابٌ فُصِّلت أنصبتُه بالأرقام كهذا الباب. وأما دعوى أن الميراث «حق لا واجب» فمغالطةٌ في محل الحكم؛ فإن كون الوارث يملك التنازل عن نصيبه بعد قبضه لا يعني أن الأمة تملك تغيير قسمة الله قبل القبض، وفرقٌ بين تصرف المالك في ملكه وبين نقض القسمة التي قسمها الشارع. وأما دعوى الاستفتاء فأشنعُها؛ لأن معناها عرضُ نصٍّ قرآني قطعي على تصويت، وهذا لا يفعله من يؤمن بأن القرآن كلام الله، إذ لا معنى للتصويت على أمرٍ إلا احتمالُ رده.

وقد ردّ عليه أهلُ بلده بأقوى ما يُردّ به. وقالوا: إن نصوص القرآن الكريم واضحة وصريحة في تنظيم الميراث، ولا تقبل النقاش أو الاجتهاد، وأن الورث ليس قرارًا ديمقراطيًا يُتخذ وفق رغبات الناس، وإنما فريضة من الله وأن الانتقائية في الاستدلال والتدليس بتأويل النصوص «جرائم فكرية ومعرفية يجب محاسبة مرتكبيها». وقال الدكتور عبد المنعم فؤاد المشرف على الرواق الأزهري إنه «يختبئ خلف صفة أستاذ جامعي في الأزهر لتمرير أفكار تخالف الشريعة». ووصف الدكتور مختار مرزوق أستاذ التفسير ما يطرحه بأنه نموذجٌ واضح للأجندة العلمانية. وأصدر مجلس جامعة الأزهر بيانًا يوم الأحد 22 من جمادى الأولى 1446 هـ الموافق 24 من نوفمبر 2024 م يحذر من «الآراء الشاذة» ومن مناقشتها في وسائل الإعلام أمام من لا يميز بين المذاهب.

تصرفاتُ النبي ليست دينًا، والقرآنُ ليس دستورًا

وفي أثناء ذلك كان يهدم الأصل الثاني: حجيةَ السنة، ثم مرجعيةَ القرآن نفسه.

ففي يوم الأحد 14 من ذي القعدة 1441 هـ الموافق 5 من يوليو 2020 م، في برنامج «لعلهم يفقهون» على قناة «دي إم سي»، احتج عليه الشيخ خالد الجندي على قوله إن تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم ليست دينًا، وقال له: «كيف تكون تصرفات النبي ليست دين يا دكتور سعد؟ كلام يحتاج منك إلى توضيح»، وقرر أن تصرفات النبي من قولٍ أو فعلٍ أو إقرارٍ في المسائل الشرعية هي مصادر التشريع التي بُني عليها الدين. ومما يستوقف المؤرخ أن الذي ردّ عليه ههنا هو الرجل الذي فتح له الباب أول مرة؛ فلما بلغ الأمرُ حجية السنة لم يحتمله حتى صانع شهرته.

وقولُه هذا هدمٌ لأصلٍ من أصلي التشريع. فإن الله أمر باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في نصوصٍ لا تحتمل التأويل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، وقال ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. ومن قال إن فعله ليس دينًا فقد ألغى نصف الفقه وكلَّ الصلاة والحج، إذ لم يأت في القرآن عددُ الركعات ولا صفةُ الطواف.

ثم جاوز ذلك إلى القرآن. ففي يوم الثلاثاء 30 من ربيع الآخر 1445 هـ الموافق 14 من نوفمبر 2023 م نُقل عنه قولُه إن كتاب الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ليسا دستورًا ولا قانونًا، وإنه يأسف لمن يصف القرآن بأنه دستور، وإن القرآن «هدى لا دستور»، نصٌّ مفتوح دلالاته غير محدودة، والدستورُ محدود الدلالة. وقد ردّ عليه الشيخ عبد الله رشدي بسلسلة مقاطع عنوانُها «القرآن ليس دستور المسلم! هكذا قال الدكتور سعد الهلالي وهذا ردنا بالأدلة».

قلتُ: والجملة في ظاهرها لطيفة، وفي باطنها أخطرُ ما قاله الرجل في عمره. فإنه ترك للقرآن قداستَه وسحب منه إلزامَه؛ والدستورُ في عرف الناس اليوم هو النصُّ الملزم الذي تُعرض عليه القوانين فما وافقه صحّ وما خالفه بطل. فإذا قيل: القرآن هدًى لا دستور، فمعناه بلسان اليوم: القرآن موعظةٌ تُقرأ ولا يُحاكَم إليها. وهو المعنى نفسه الذي قصده حين قال في كتابه إن الأوجه الفقهية غير معصومة وللمجتمع أن يبدلها، وحين قال في الميراث إنه قرار شعبي، وحين قال في الحجاب إنه سلاح سياسي. رجلٌ واحد، وقاعدةٌ واحدة، وعشرون سنة من التطبيق.

«الدولُ المطبعة لها عذرها»

وفي شهر ربيع الأول 1445 هـ (أكتوبر 2023 م)، والقصفُ على غزة في أسابيعه الأولى، نشرت صفحة برنامج «الحكاية» مقطعًا له بعنوان: «الشرع استثنى المعاهدين.. الدول المطبعة مع إسرائيل لها عذرها»، قرر فيه أن الشريعة أعفت المعاهدين من قتال أعدائها، وأن الدول المطبعة معذورةٌ بعهودها.

وقد بحثتُ في كلامه عن موقفٍ من الإبادة في غزة يوازي حماسَه في الميراث والحجاب فلم أقف على شيء يُذكر. وهذا في نفسه مادةٌ من مواد الترجمة: فالسكوتُ في موضع البيان موقف، وقائمةُ ما لم يتكلم فيه هذا الرجل أكشفُ له من قائمة ما تكلم فيه. فقيهٌ لا تنقطع مداخلاتُه عن الخُلع والطلاق والبنوك والوضوء، ولا يُعرف له في أعظم نازلةٍ مرّت بالأمة في هذا القرن كلمةٌ تُروى.

البلاغاتُ والدعاوى: مؤسسةٌ تتبرأ ولا تعزل

ومنذ سنة 1440 هـ (2018 م) والرجل يعيش في محكمة. رُفعت عليه ثلاثُ دعاوى أمام مجلس الدولة تطالب بعزله من جامعة الأزهر، إحداها من المحامي هيثم هاشم سعد بشكوى قُيّدت برقم 746 بتاريخ 231 من ديسمبر 2018 م بسبب كلامه في المساواة في الميراث؛ ورفع هو في مقابلها دعوى بواسطة المحامي سمير صبري يطعن بها في قرار جامعة الأزهر رقم 1224 لسنة 1440 هـ (2018 م) الذي منع أعضاء هيئة التدريس من الظهور الإعلامي بغير إذن، ويحتج بأن القرار يمنع العلماء من «تثبيت المفاهيم الصحيحة في وعي الناس». فانظر إلى الرجل وهو يخاصم مؤسستَه في القضاء ليحفظ لنفسه الشاشة، ثم انظر إلى ما قاله على تلك الشاشة بعد سبع سنين.

ثم كانت العاصفة الكبرى في شوال 1446 هـ (أبريل 2025 م). فبعد كلامه في الميراث أعلنت جامعة الأزهر تبرؤها التام مما قاله، وأنه يعبّر عن رأيه الشخصي ولا يمثل الجامعة، وأنه يخالف القرآن والسنة وإجماع الأمة وعلمائها. وقرر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن نصوص الميراث «قطعية لا تقبل الاجتهاد أو التغيير»، وجاء في بيان الأزهر أن التشكيك في أحكام الدين لا يصدر إلا عن «طاعنٍ متغافلٍ عن الطبيعة التعبدية للشريعة»، وأن ما دعا إليه «افتئاتٌ على الشرع وولي الأمر». وقُدّم ضده بلاغان إلى النائب العام، أولهما من المحامي أحمد محمد نعيم، والثاني برقم 1185985 لسنة 1446 هـ (2025 م) من المحامي أحمد مهران بتهم ازدراء الدين الإسلامي ونشر أخبار كاذبة وإثارة الفتن وزعزعة الاستقرار الاجتماعي، استنادًا إلى المادة الثانية من الدستور والمادتين 98 و102 من قانون العقوبات. وحدّدت محكمة القضاء الإداري يوم الثلاثاء 6 من محرم 1447 هـ الموافق 1 من يوليو 2025 م لنظر دعوى عزله ومنعه من الفتوى والظهور الإعلامي، ونُقل عن مصدرٍ بجامعة الأزهر أن قرارًا بالتحقيق معه مرتقب.

فماذا كانت النتيجة؟ لا شيء. ظلّ على كرسيه، وظلّ على شاشته، وظلّ يُستضاف في القناة الرسمية للدولة أسبوعًا بعد أسبوع. ولم أقف إلى تاريخ كتابة هذه الترجمة على حكمٍ فاصل في دعوى العزل ولا على قرار تأديبي نُفّذ. وردّ هو يوم صدور البيان في لقاءٍ على قناة «الحدث» بقوله: «أرضي ضميري.. والله لا يبرأ مني»، ووصف ما يجري بأنه «جدل مفتعل».

وفي هذه الجملة الأخيرة تفسيرُ السيرة كلها. فإن مؤسسةً تتبرأ من رجلٍ في بيانٍ رسمي أربع مرات في عشر سنين، ثم تُبقيه أستاذًا فيها وتُبقي اسمها في تعريفه على كل شاشة، مؤسسةٌ اختارت أن تبرأ من قوله وتنتفع بصمته. وقد فهم هو ذلك جيدًا، فما زاده التبرؤُ إلا جرأة.

وبعضُ الصحابة انتحروا

وفي يوم الأحد 24 من شوال 1447 هـ الموافق 12 من أبريل 2026 م، وله يومئذ اثنتان وسبعون سنة، اتصل ببرنامج «الحكاية» مع عمرو أديب على «إم بي سي مصر» في سياق الحديث عن الانتحار، فقرر أن «إنهاء الحياة عمدًا» ظاهرة قديمة عُرفت حتى في زمن الصحابة، واستدل بحديثٍ رواه مسلم عن جابر بن سمرة في رجلٍ قتل نفسه بمشاقص، وبحديثٍ رواه البخاري في رجلٍ قاتل ببسالة ثم قتل نفسه لمّا كره ما به من الجراح؛ وقرر أن آراء الفقهاء في الانتحار «بشرية وليست حكمًا إلهيًّا قطعيًّا»، وأن 95% من الفقهاء يقرون أن المنتحر مسلمٌ يُصلَّى عليه ويستحق الرحمة، وأنه «قد يكون مجبرًا أو مكرهًا أو مريضًا، وربنا فتح باب الرحمة في حال الضرورة والاضطرار». والكلامُ في الرجاء لمن مات على كبيرة بابٌ معروف عند أهل السنة لا نزاع فيه، وليس هو الذي أُنكر عليه؛ وإنما أُنكر عليه أن يجعل حرمةَ النفس التي قال الله فيها ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ مسألةً «بشرية» في ميزان الفقهاء، وأن يستشهد على وقوع الفعل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فردّ عليه في اليوم التالي الدكتور عباس شومان الأمين العام لهيئة كبار العلماء ورئيس المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، فقرر أنه «لم يثبت أن صحابةً صحّت صحبتُهم انتحروا، وعلى فرض ثبوته فلا حجة فيه»، وأن «العبرة بالثابت من النصوص»، وأن دور العلماء أن يبينوا تحريم الانتحار من غير أن يحكموا على معيّنٍ بالنار. وردّ عليه الشيخ عبد الناصر بليح في مقالٍ وبيّن أن الحديثين إنما سيقا في سياق الوعيد والتحذير لا في سياق التقرير، وأن الرجل الذي في حديث البخاري إنما ذُكر ليُعلَم أنه من أهل النار، فجُعل شاهدًا على ضد ما سيق له.

وهذا العنوانُ وحده جدير أن يُحفظ في سجل الرجل: أستاذُ فقهٍ أزهري يستخرج من صحيح البخاري ومسلم دليلًا على أن الصحابة انتحروا، ليخفف عن المنتحرين في زمانه. ولم يُقصَد بالحديثين قط أن يُنسب إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلٌ توعّد الله فاعله بالخلود في النار؛ وإنما سيقا في بيان أن الخواتيم بيد الله، وأن العمل الظاهر لا يُغني عن حسن الخاتمة. فأخذ الرجل الحديث الذي فيه أشدُّ الوعيد فجعله شهادةً على الصحابة، وهذا من أشنع ما يُصنع بالنص.

فاجمع الآن التاريخين وقف بينهما: في جمادى الأولى 1435 هـ (مارس 2014 م) طالب بإعدام 529 نفسًا فورًا دون رأي مفتٍ ودون استئناف؛ وفي شوال 1447 هـ (أبريل 2026 م) طلب الرحمةَ لمن قتل نفسه بيده واحتج له بالصحابة. وبينهما اثنتا عشرة سنة، ولم يتغير في الرجل شيء إلا اتجاه الريح.

ثم مضى على وتيرته. فقال في «الحكاية» إن الخُلع فيه «فوائد كتير» وإن الناس لو عرفت فوائده لأحبته، وإنه فسخٌ لا طلاق فلا يُحسب من الثلاث، وإن المرأة تستطيع أن تخلع زوجها أكثر من ثلاث مرات ثم يرجعان؛ فردّ عليه الشيخ عبد الله رشدي ووصف صنيعه بأنه «بلطجة فقهية»، وقرر أن الخُلع ليس شيئًا جميلًا يُدعى الناس إليه.

وفي حلقة بودكاست «حكاوي مع أمل الحناوي»، جلس الرجل يراجع عمره: ندم على انبهاره في شبابه بخطاب الجمعية الشرعية؛ وقرر أن «الفتوى رأي بشري» وليست الدين؛ وقال إن مأسسة الدين بدأت مع الدولة العثمانية للسيطرة على الشعوب وإن فكرها كان «مجوسيًّا»؛ وقال إنه لولا ما جرى في 21 من شعبان 1434 هـ (30 من يونيو 2013 م) وإسقاط «هذا الكهنوت» لاختلف الوضع تمامًا، وإن الجماعة قدّمت «أكذوبة» بأنهم حماة الدين؛ وذكر أنه يختلف مع الشيخ الشعراوي في بعض آرائه. فتأمل مراجعةً لعمرٍ كامل لم يُذكر فيها حرفٌ عن شهادةٍ أسقطها، ولا عن فريضةٍ هوّنها، ولا عن مسجدٍ أمر ألا يُرفع اسمُه؛ وإنما ذُكر فيها خصمُ الدولة وحده. وهذا الاختيارُ في موضع المراجعة أكشفُ للرجل من عشرين فتوى.

فهذا آخرُ ما وقفتُ عليه من عهده إلى يوم كتابة هذه الترجمة: شيخٌ في الثانية والسبعين، على كرسيه في كلية الشريعة، وعلى شاشته الأسبوعية في قناة الدولة، يراجع حياته كلها فلا يجد فيها ما يندم عليه إلا سنواتِ استقامته الأولى. أنفق عشرين سنة في تحقيق الصداق والغبن، وثلاثين سنة في نقض الحجاب والميراث والشهادتين، ثم قال: ندمتُ على العشرين. وا أسفاه على عمرٍ هذا مآله. ونسأل الله العافية، فما نأمن على أنفسنا ما وقع فيه، ولا نملك لأنفسنا ثباتًا إلا به.


قاعدةٌ واحدة تحت كل فتوى

وقد يظن قارئُ هذه الوقائع أنه أمام رجلٍ كثير الزلات متفرقِ الأخطاء. وليس الأمر كذلك؛ فإن الذي مرّ بك في ثلاثين سنة إنما هو تطبيقاتٌ لقاعدةٍ واحدة أعلنها صاحبُها بلسانه وكتبها بقلمه، وهي التي تُفسر كل ما تفرّق من كلامه:

الأصل الأول: لا قطعيَّ في الدين. هذا هو المفتاح. فما دام كلُّ حكمٍ نتيجةَ استنباطٍ بشري، فلا يبقى في الدين نصٌّ يُلزم أحدًا. وقد قرره في كتابه بقوله إن الأوجه الفقهية «إنسانية الاستنباط وليست معصومة»، وطبّقه في حجية السنة، وفي الحجاب، وفي مرجعية القرآن، وفي المواريث، وفي حكم الانتحار. أبوابٌ خمسة في ستّ سنين، وقاعدةٌ واحدة تحتها جميعًا.

الأصل الثاني: الخلافُ إباحة. فمتى وُجد في كتب المذاهب قولٌ وإن كان مهجورًا شاذًّا لم يقل به إلا واحد، صار عنده «وجهًا معتبرًا» يُعرَض على الناس ويُخيَّرون فيه. وهذا قلبٌ لصنعة الفقه من أساسها؛ فإن كتب الخلاف إنما دُوّنت ليُعرف الراجحُ من المرجوح، لا ليُتخيَّر من الأقوال ما يوافق الهوى. وقد سماه الإمام الأكبر أحمد الطيب باسمه فقال إن بين «فقه التيسير المبني على اليسر ورفع الحرج المنضبط بضوابط المعقول والمنقول» وبين «منهج المبالغة والغلو في التساهل والتيسير واتباع الرخص وشواذ الآراء» فرقًا، وإنه لا ينبغي للمفتي تحت ضغط الواقع أن يضحي بالثوابت والمسلمات بالتماس التخريجات والتأويلات.

الأصل الثالث: نزعُ الأسماء. فقد دعا في سنة 1446 هـ (2025 م) إلى تغيير اسم «علم الشريعة» إلى «علم الفقه»، بحجة أن الشريعة ما شرعه الله وأن فهم المفسرين فقهٌ لا شريعة؛ ودعا إلى إبدال اسم «الفتوى» بـ«الرأي» لأن الفتوى «لها قداسة أما الرأي فينتسب إلى البشر»؛ واحتج بأن ما يُسمى اليوم عقيدةً كان اسمه علم الكلام ثلاثة عشر قرنًا قبل أن يُغيَّر سنة 1381 هـ (1961 م). وهذا آخرُ ما يبقى بعد إسقاط القطع: إسقاط الأسماء التي تحمله. فإذا لم يعد في المناهج شيء اسمه شريعة، ولا في المؤسسات شيء اسمه فتوى، فقد تم المشروع.

الأصل الرابع: تحويلُ الحكم إلى تصويت. وهي الثمرة العملية للأصول الثلاثة، وقد صرّح بها في الميراث حين دعا إلى استفتاء شعبي. ومعناها أن مصدر الإلزام في المجتمع هو إرادةُ الناس وقانونُ الدولة، وأن دور الفقه أن يقدم للدولة «انتقاءاتٍ» تختار منها. وهذه هي العلمانية بعينها في صورتها العملية، مصوغةً بلسان أستاذ فقهٍ مقارن وبمصطلحات المذاهب؛ لا بمعجم الفلسفة الغربية الذي يعرفه الناس فيحذرونه.

والمنهجُ المستخرج يخالف المنهج المعلن مخالفةً ظاهرة. يعلن أنه لا يفتي وإنما يعرّف بأقوال الفقهاء، وأن فهم الدين ليس حكرًا على أحد، وأنه لا يحق لبشرٍ أن ينصّب نفسه حارسًا للعقيدة، كما قال.

والذي يدل عليه فعلُه أنه ينتقي من الأقوال أشذَّها ثم يبثه بلا بيان، ويستعمل صفتَه الأزهرية في التعريف بنفسه على كل شاشة، ويطعن على مؤسسته فيقول: إن «الأزهر ولي الأمر في الأمانة العلمية وليس ولي الأمر في الدين نفسه» وإن «المؤسسات الدينية صناعة بشرية»، ثم لا يتخلى عن صفته فيها ولا عن راتبها. رجلٌ يقول: لا وصاية لأحد، ولا يقبل أن تُنزع عنه وصايتُه هو.

قال، فلما أُنكر عليه قال: لم أقل

وثمة بابٌ لا تستقيم سيرتُه بدونه، وهو أن الرجل ما استقر له قولٌ منكر إلا وله بإزائه نفيٌ أو اعتذار، ثم عودةٌ إلى المقالة أو إلى جنسها. وهذه مواضعُه مصفوفةً بتواريخها:

في الخمر: قال يوم الأحد 14 من صفر 1433 هـ الموافق 8 من يناير 2012 م: «حاشا لله أن أكون قد أصدرت فتوى بجواز شرب البيرة»، وأنه نقل حكمًا ولم يُفتِ. ثم قرر سنة 1443 هـ (2022 م) أن شرب القليل الذي لا يُسكر من البيرة والنبيذ من غير العنب حلال، محتجًّا بما ينقله عن أبي حنيفة. عشر سنين بين النفي والعود.

في تشبيه السيسي: قال ما قال في المحفل سنة 1435 هـ (2014 م)، فلما أُنكر عليه قال إنه لم يقصد تشبيههما بالأنبياء وإنما التشبيه «في الأحداث والمواقف»، ولم ينكر أنه قال اللفظ.

في الفتوى نفسها: قال يوم الأحد 5 من رجب 1435 هـ (4 من مايو 2014 م) «لا توجد لي فتوى نهائيًا»، ثم مضى اثنتي عشرة سنة بعدها يصدر عنه في كل موسمٍ قولٌ تخرج جامعتُه تتبرأ منه، ولو كان تعريفًا بأقوال الفقهاء ما تبرأت منه مؤسسةٌ تُدرّس أقوال الفقهاء.

في الطلاق: نُقل عنه يوم الخميس 26 من جمادى الآخرة 1441 هـ الموافق 20 من فبراير 2020 م أن المصريين لا يقع لهم طلاق لأنهم ينطقونه «عليا الطلاء» لا «الطلاق». فلما اشتد عليه الإنكار نفى أن يكون صاحبَ الرأي ونسبه إلى علي جمعة، وقال إن نحو واحد في المئة من أهل العلم قالوا به، وإن الفرق بين النطقين لا يعرفه إلا اللغويون.

في زواج المسلمة من غير المسلم: قال في حوارٍ منشور بمجلة «صباح الخير» إنه لا يوجد نص صريح يمنعه، وإن الآية «حمالة أوجه». فلما ثارت الدنيا، خرج يقول لعمرو أديب إن زواج المسلمة من غير المسلم ممنوع قانونًا وفقهًا وعرفًا، وإن وراء إثارة الموضوع هدفًا سياسيًّا.

وهذا كلُّه على قاعدةٍ واحدة: أن يُلقي الشبهة على ملايين المشاهدين، فإذا قامت العاصفة قال «فُهمت خطأ» أو «لست أنا صاحب الرأي» أو «أنا ناقل لا مفتٍ»، ثم يعود بعد أسابيع إلى نظيرها. والعبرةُ في قبول التراجع بتغير المنهج لا بإعلان اللفظ؛ ولو كان في نفيه صادقًا لظهر أثرُه في السنة التالية، ولانقطع عن جنس المقالة، ولتبرّأ مما بقي من حلقاته الناشرة لها. والذي وقع خلافُ ذلك كلِّه: لم يُعيّن مقالةً رجع عنها بعينها، ولم يُقرّ ببطلان قولٍ من أقواله، ولم يظهر منه ضدُّ المقالة، ولم ينقطع عن جنسها، ولم يسحب حلقةً واحدة. فنفيُه إذن بابٌ من أبواب مثالبه يُروى في سجله بتواريخه الثلاثة: قالها، ثم أنكرها والتسجيل محفوظ، ثم عاد إليها.


الخلاصة النهائية

سعد الدين الهلالي رجلٌ اتخذ نقضَ القطعيات صناعةً، وأقام على ذلك ثلاثين سنة بعد أن أُقيمت عليه الحجة مرة بعد مرة، فلا يُقال فيه إنه مجتهدٌ أخطأ ولا عالمٌ زلّ. مقالتُه في الشهادتين، وهي أن من قال «لا إله إلا الله» فهو مسلم ولو لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، كفرٌ بواح ومروقٌ من الملة، لا يُلتمس لها تأويل، وقد سمّاها مجمعُ البحوث الإسلامية باسمها: فكرٌ ضالٌّ منحرف. ومقالتُه في السنة، وهي أن تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم ليست دينًا، هدمٌ لأصلٍ من أصلي التشريع لا يقول به مسلم. ومقالتُه في المواريث، وهي أنها قرارٌ شعبي يُعرض على استفتاء، ردٌّ لنصٍّ قرآني قطعي فُصّلت أنصبتُه بالأرقام وخُتم بقوله ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. ومقالتُه في الحجاب، وهي أنه سلاحٌ سياسي حُرّفت به عبارةُ الفقهاء، إنكارٌ لمعلومٍ من الدين بالضرورة كما قرر الأزهر ومجمعه وعلماؤه.

فلا يحل لمسلمٍ أن يأخذ عنه دينَه في بابٍ من أبواب الاعتقاد ولا في بابٍ من أبواب الفروض. ولا يُتابَع في شيءٍ مما قال في الشهادتين، ولا في حجية السنة، ولا في مرجعية القرآن، ولا في الحجاب، ولا في المواريث، ولا في الخمر، ولا في المتعة والمحلل، ولا في الأقصى والتطبيع، ولا في انتحار الصحابة.

وقف عند آخر مشهدٍ في هذه السيرة وقفة. شابٌّ خرج من معهد المنصورة الأزهري سنة 1393 هـ (1973 م) وفي حقيبته متونٌ محفوظة، فأنفق عشرين سنة يقابل نسخ «الحاوي الكبير» ويكتب في «الغبن»، حتى إذا بلغ الأستاذية جاءه من قال له: أنا شامم فيك ريحة نجم. فمشى معه، وفتح باب «تعدد الأوجه» شبرًا، فدخل منه أولًا الحجاب، ثم المواريث، ثم حجيةُ السنة، ثم شهادةُ أن محمدًا رسول الله؛ حتى صار الرجل الذي حقّق كتاب الصداق يقول للناس إن قسمة الله في المواريث تُعرض على صناديق الاقتراع. ثم جلس في آخر عمره أمام مذيعةٍ في بودكاست فسُئل: أتندم على شيء؟ فقال: أندم على أني كنت أحاديَّ الخطاب في شبابي. وقد صدق في هذه وحدها؛ فإنه بدأ حيث كان الدينُ عنده واحدًا، وانتهى حيث لم يبقَ عنده منه شيءٌ واحد.

اللهم يا مقلّب القلوب، رُدّ سعد الدين الهلالي إلى ما نشأ عليه في معاهد المنصورة قبل أن يُنشئ لنفسه دينًا وسِعَ كلَّ شيء إلا الحق، واقطع عن هذه الأمة شرَّ ما أصّل، واردد إلى الصواب من غرّته صفتُه وشهادتُه وجائزتُه، ووفّق من بقي من علماء الأزهر لبيانٍ لا يُخالطه مداهنة. اللهم إنا نبرأ إليك من كل قولٍ زعزع في قلب مسلمٍ فريضةً فرضتها، أو هوّن عليه شهادةً لا يدخل الإسلام إلا بها. اللهم ثبّتنا على دينك حتى نلقاك، ولا تجعل علمًا علّمتناه حجةً علينا يوم نقف بين يديك.


سجل المصادر

من كلامه ونشره:

  • كتاب «الإسلام وإنسانية الدولة: دراسة تأصيلية معالجة للشبهات والتوصيات ومبادرة إلى الدولة الإنسانية الجامعة»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1433 هـ (2012 م). منه أُخذت أصولُ مشروعه في نفي القطعيات وتخيير المجتمع بين الأوجه الفقهية.
  • كتبه المطبوعة: البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية، والجانب الفقهي والتشريعي للاستنساخ، وموسوعة فقه الجنائز، وموسوعة فقه أحكام المخدرات، والمعاملات المالية المركبة، والأزمة المالية والحلول الإسلامية، وحقوق الإنسان في الإسلام، والجديد في الفقه السياسي المعاصر، والمهارة الأصولية وأثرها في إنضاج الفقه وتجديده، والمواجهة الدينية لظاهرة الإرهاب، والثلاثونات، والألغاز الفقهية، وموقف الإسلام من الردة. منها أُخذ جردُ إنتاجه ومقدارُ نفعه في فقه النوازل.
  • صفحته الرسمية على فيسبوك، ومنشورٌ فيها بسيرته الذاتية المختصرة بقلمه. منه أُخذت درجاتُه العلمية وعناوين رسائله وسنواتُ ترقيه وجوائزُه وحالتُه الاجتماعية.
  • حسابه على منصة إكس باسم drsaadhelaly، وفيه مقاطع برنامجه «مجلس الفقه».
  • حواره مع صحيفة الشرق الأوسط، السبت 1 من ذي القعدة 1434 هـ (7 من سبتمبر 2013 م)، عن لجنة الخمسين والمادة 219 والأحزاب الدينية.
  • حواره مع مجلة «صباح الخير»، وفيه قولُه إنه لا نص صريح يمنع زواج المسلمة من غير المسلم وإن الآية «حمالة أوجه».
  • حلقة بودكاست «حكاوي مع أمل الحناوي»، الأربعاء 9 من محرم 1448 هـ (24 من يونيو 2026 م)، نشرتها اليوم السابع يوم الجمعة 11 من محرم 1448 هـ (26 من يونيو 2026 م). منها أُخذ ندمُه على خطاب الجمعية الشرعية وكلامُه في 30 يونيو والدولة العثمانية والفتوى.
  • حلقاته في برنامج «الحكاية» مع عمرو أديب على قناة إم بي سي مصر، وفي «لعلهم يفقهون» على دي إم سي، وفي «سؤال مباشر» على العربية، وفي «أسئلة حرجة» مع مجدي الجلاد، وفي «مجلس الفقه» على الفضائية المصرية.

بيانات المؤسسات والردود العلمية:

  • بيان مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في الشهادتين، الأحد 22 من صفر 1436 هـ (14 من ديسمبر 2014 م)، ونصُّه أن ما قاله «فكر ضال منحرف وفهم سقيم نحذر المسلمين منه».
  • قرار هيئة كبار العلماء برئاسة الإمام الأكبر أحمد الطيب بإحالة فتاواه إلى لجنة فحص، الأحد 5 من رجب 1435 هـ (4 من مايو 2014 م).
  • بيان الأزهر في فرضية الحجاب سنة 1443 هـ (2022 م)، وقولُ الدكتور عباس شومان فيه.
  • بيان مجلس جامعة الأزهر في الآراء الشاذة، الأحد 22 من جمادى الأولى 1446 هـ (24 من نوفمبر 2024 م).
  • بيان جامعة الأزهر بالتبرؤ من فتاواه، وبيان مركز الأزهر العالمي للفتوى في قطعية نصوص الميراث، شوال 1446 هـ (أبريل 2025 م).
  • تقرير الدكتور علي جمعة في مجلة الأزهر بعنوان «كتاب فيه عدوان على الشريعة الإسلامية»، وحلقاتُه على قناة سي بي سي في نقد منهجه.
  • ردّ الدكتور عباس شومان في مسألة انتحار الصحابة، الاثنين 25 من شوال 1447 هـ (13 من أبريل 2026 م).
  • ردود الدكتور أحمد كريمة والدكتور عبد المنعم فؤاد والدكتور مختار مرزوق والشيخ هشام محمود الأزهري، شوال 1446 هـ (أبريل 2025 م) وما قبله.
  • ردود الشيخ عبد الله رشدي المصورة في الحجاب والميراث والقرآن والخُلع، ومنها قولُه في الخُلع «بلطجة فقهية»، ذو القعدة 1447 هـ (أبريل 2026 م).
  • مقال الشيخ عبد الناصر بليح في نقض قوله في انتحار الصحابة، الثلاثاء 26 من شوال 1447 هـ (14 من أبريل 2026 م).

الصحافة والتقارير:

  • بوابة الشروق، الثلاثاء 24 من جمادى الأولى 1435 هـ (25 من مارس 2014 م)، خبرُ مداخلته على صدى البلد في حكم إعدام 529.
  • اليوم السابع، الأحد 5 من رجب 1435 هـ (4 من مايو 2014 م)، خبرُ إحالة فتاواه إلى لجنة الفحص ورده عليها؛ والأحد 2 من ربيع الآخر 1440 هـ (9 من ديسمبر 2018 م) في دعاوى عزله؛ والثلاثاء 24 من شوال 1446 هـ (22 من أبريل 2025 م) في قرار التحقيق المرتقب؛ والأربعاء 9 من ذي القعدة 1446 هـ (7 من مايو 2025 م) في جلسة القضاء الإداري.
  • سي إن إن بالعربية، الأحد 22 من صفر 1436 هـ (14 من ديسمبر 2014 م)، تبرؤ الأزهر من تصريحه في الشهادتين.
  • فيتو، الثلاثاء 2 من ذي الحجة 1436 هـ (15 من سبتمبر 2015 م)، كلامُه في الأقصى على قناة العاصمة.
  • الجزيرة نت، ملفٌ موسّع عنه في 1440 هـ (نوفمبر 2018 م)، وفيه أكثر اقتباساته الحرفية وردودُ شيخ الأزهر وعلي جمعة وهيئة كبار العلماء؛ وتقريرٌ آخر في شوال 1446 هـ (أبريل 2025 م) في ردود علماء الأزهر عليه.
  • الجزيرة مباشر، مقال محمد عبد الشكور، الثلاثاء 24 من شوال 1446 هـ (22 من أبريل 2025 م)، في جرد فتاواه الشاذة وفي قصة صناعته إعلاميًّا.
  • مقال الإعلامي تهامي منتصر، الاثنين 23 من شوال 1446 هـ (21 من أبريل 2025 م)، وفيه رواية أول لقائه بخالد الجندي وجملةُ «ريحة نجم»؛ وقد حذفه كاتبُه بعد نشره فتناقله الناس.
  • مصراوي، تقاريرُ متتابعة: الأربعاء 27 من ذي القعدة 1443 هـ (29 من يونيو 2022 م) في خمس فتاوى مثيرة للجدل؛ والأربعاء 1 من ربيع الأول 1446 هـ (4 من سبتمبر 2024 م) في قضية «صلاة المخرج»؛ والسبت 21 من شوال 1446 هـ (19 من أبريل 2025 م) في كلامه عن الميراث؛ والثلاثاء 24 من شوال 1446 هـ (22 من أبريل 2025 م) في رده على تبرؤ الأزهر؛ والأحد 24 من شوال 1447 هـ (12 من أبريل 2026 م) في انتحار الصحابة؛ والثلاثاء 4 من ذي القعدة 1447 هـ (21 من أبريل 2026 م) في الخُلع.
  • تليجراف مصر، تقريران: أحدُهما في فتوى المحلل والأقصى، والآخر في بلاغات النائب العام ضده وأرقامها وتواريخها.
  • الأهرام والاتحاد، سنة 1433 هـ (2012 م)، في فتوى «الراقصة شهيدة».
  • الوطن المصرية وصدى البلد والدستور والبوابة نيوز، أخبارٌ متفرقة في فتاواه وردود الفعل عليها.
  • موقع الراصد، مقالٌ في سلسلة «من دعاة الفتنة والضلال في عصرنا»، وفيه جردُ سيرته العلمية وقائمةٌ بما نُسب إليه من فتاوى، وأكثرُها لم أقف له على أصلٍ مسجل.
  • المجلس القومي للمرأة، صفحة عضويته، ومنها بعضُ مناصبه ولجانه.

كُتبت هذه الترجمة يوم الأربعاء 20 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 2 من سبتمبر 2026 م، بناءً على ما وقفنا عليه من كلامه المنشور وحلقاته وكتبه وبيانات مؤسسته وردود العلماء عليه إلى هذا التاريخ. فما جدّ بعده من قولٍ أو رجوعٍ فله حكمه، ونسأل الله أن يكون أولُ تعديلٍ يلحق بهذه السيرة خبرَ عودته إلى الحق بعلاماتها لا باعتذارٍ عن عبارة؛ ومن وقف على ما يزيد في المادة أو يصحح فيها فليُتحفنا به مشكورًا.

اقترح سيرة أو تعديلًا

إرسال رسالة

شارك هذه السيرة

نُشرت هذه السيرة في ، وآخر تحديث لها في . طول السيرة نحو 7585 كلمة.