علي حسين مهدي | |
|---|---|
![]() | |
| الاسم الكامل | علي حسين مهدي مهدي |
| الميلاد | القاهرة، مصر؛ 1415-1416هـ / 1995م |
| البلد | مصر |
| المهنة | صحفي وصانع محتوى وناشط إعلامي |
| التخصص | الإعلام الرقمي والتعليق السياسي |
| القسم | إعلاميون |
| الفئات | أهل الضلال |
الرجلُ الذي صمّ الآذان ضجيجاً وصراخاً من وراء البحار، ثم أسلمته الحناجرُ ذليلاً إلى أقدام السلطة؛ المتصدّرُ المتلوّن، والطريدُ المُنقلب: علي حسين مهدي.
وُلد علي حسين مهدي مهدي بالقاهرة سنة 1415-1416 هـ (1995 م)، وتخرّج في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، وعمل في عددٍ من الصحف والمواقع الإلكترونية المصرية؛ ثم هاجر إلى تركيا، ومنها انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن يعود أخيراً إلى مصر. وكانت دراسةُ الإعلام ومزاولةُ الصحافة أولى أن تحملانه على التثبت وصيانة الكلمة؛ غير أن منبره غلب عليه الصخب والافتراء، حتى دارت به الدوائر فانتهى به المطاف بوقاً رخيصاً للنظام الذي أفنى زهرة شبابه في سبّه ولعنه والتحريض عليه!
رجلٌ اتخذ من «المعارضة الرقمية» حرفةً واسترزاقاً، ومن «التسريبات المفبركة» والإثارة بضاعةً يقتات عليها. بنى جمهوره على دغدغة عواطف المكلومين، وبيع الأوهام باقتراب انهيار الدولة وسقوط الحكم بين عشية وضحاها؛ يرفع عقيرته بالصراخ من مأمنه في فلوريدا، ويوزع صكوك الثورية والتخوين على خلق الله، حاجزاً لنفسه مقعد «الفارس الذي لا يساوم»، حتى خُيّل للرعاع أنه لا ينام إلا ودرع الثورة تحت رأسه، وما هو في الحقيقة إلا ممثلٌ فاشل يدير دكاناً لجني المشاهدات!
وفي زمنٍ كثر فيه الأدعياء وتسيّدت الكاميرات على حساب الشرف والمبادئ؛ مثّل المهدي أسوأ نماذج «المعارضة الهوائية»؛ ملأ الفضاء الرقمي ثرثرةً، واستثمر في دماء المظلومين وآلام المعتقلين، فكان ظاهرةً صوتية نفختها خوارزميات الإنترنت، وسرعان ما انثقبت عند أول وخزةٍ من وخزات الامتحان، وتهاوت مع أول احتكاكٍ حقيقي بالواقع.
ولم يقف انحداره عند حدود النجاة برأسه، بل هبط إلى دركٍ أسفل من الخسّة لا يبلغه إلا فاقدُ المروءة؛ فانقلب بين ليلةٍ وضحاها من خانقِ النظام إلى أشدّ أبراقه تملقاً وتزلفاً؛ يروّج للسلطة بأكاذيب فجة، ويبيع للناس أوهاماً مضحكة كـ «رجوع الدولار إلى عشرين جنيهاً!»، ويسلّ لسانه البذيء على رفقاء الأمس، مفبركاً لهم الصور والوقائع الزائفة، وخائضاً في الأعراض بوقاحةٍ تُسقط عدالة المرء وإنسانيته!
قلتُ: وهذا الرجل دعيٌّ ساقط لا يُؤتمن على قضية، ومغامرٌ خفيف العقل، قويٌّ في الصياح والزئير من وراء المحيطات، خائرُ العزم متهالكٌ عند نزول البلاء. غايتُه سُعار الشهرة، وقِبلتُه حيث وُجدت المصلحة، ومعيارُه النجاةُ ولو بمسح الأحذية؛ فلا يُقبل منه هجومٌ قديم، ولا يُصدَّق له تطبيلٌ جديد، ولا يُؤبه لخياناته. وسيرةُ أمثاله إنما تُسطَّر في ديوان الساقطين؛ لتكون عظةً لكل مغرور بالهتافات الجوفاء، وعبرةً لمن يغتر بانتفاخ الطبول الفارغة في أسواق الإعلام الرقمي!
محتويات
النشأةُ والتكوين: فَقيرُ البضاعةِ وصنيعةُ الشاشات
نشأ علي حسين مهدي في القاهرة، ودرس الإعلام بجامعة القاهرة حتى نال درجة البكالوريوس، ثم عمل في عددٍ من الصحف والمواقع الإلكترونية المصرية؛ فكانت له معرفةٌ بصناعة الخبر من جهة الدراسة والممارسة. قلتُ: غير أن معرفةَ الصناعة لم تهبه أمانةَ حملها ولا رصانةَ من يتصدر للشأن العام؛ إذ لم يظهر في خطابه رسوخٌ في فكر، ولا سابقةٌ في عملٍ سياسيٍّ رصين، ثم غلب عليه منطقُ المنصة، فاتخذ من «يوتيوب» وخوارزمياتها سبيلَه إلى الصعود ومقياسَه للرواج.
لم يكن يستند إلى أصولٍ شرعية مستقيمة تضبط له موازين الحق وتُلجمه بورع، ولا إلى وعيٍ سياسيٍّ متين يَعصمه من الخِفّة والزلل؛ وإنما كانت بضاعته ورأسُ ماله: اللهاثَ الأعمى خلف الرواج (الترند)، والمبالغاتِ الفجة التي تُخاطب سُذّج العقول، وتلقّفَ الشائعات لتلفيق الإثارة المصنوعة واصطياد المشاهدات.
ورحم الله امرأً عَرَفَ قَدْرَ نفسه فلزمَ حدَّه؛ فإن ركوبَ بحار السياسة، ومقارعةَ الأنظمة بلا رسوخٍ فكري ولا عاصمٍ من مبدأ، بابُ فتنٍ وآفاتٍ مهلكة؛ أوّلُها الغرورُ والادعاء، وأوسطُها التلوّنُ والانتكاس، وآخرُها السقوطُ الفاضح في حمأة التملق وذهابُ ماء الوجه.
صبيحةُ الرابعِ عشر من أغسطس
في صبيحة يوم الخميس، الرابع عشر من أغسطس سنة 2025 م، وبعد غيابٍ طويلٍ لَفَّه الغموض، وضجّت لأجله المنظماتُ الحقوقية والمتابعون؛ أضاءت شاشةُ البث المباشر فجأة، لتكشف عن مشهدٍ هو ذروةُ المهانةِ والخِذلان.
لم تكن الكاميرا تنقل صورةَ الرجل من حدائق «فلوريدا» الوادعة حيث اعتاد التبختر والجعجعة، بل من قلب القاهرة.. ولم يخرج متشنجَ الصوت يصرخ بـ «تسريبٍ مزلزل» أو «انقلابٍ وشيك» كما كان يخدع جمهوره؛ بل خرج بوجهٍ ذليلٍ مُبتسم، يتملق السجّان بعبارةٍ واحدة نسفت تاريخه كله وجعلته أثراً بعد عين:
«أنا بعتذر للرئيس السيسي.. الرئيس هو اللي وقف معايا.. وتسقط كل المنظمات وحقوق الإنسان».
قفْ عند هذا المشهد المخزي وتأمّله بميزان المروءة والديانة: رجلٌ أوسعَ الأسماعَ صراخاً لسنوات، مُدّعياً أنه الفدائيُّ الذي لا تلين له قناة في فضح النظام ومقارعة السلطة؛ فلما وُضع في ميزان المحنة الحقيقي وذاق قيدَ الحبس أشهراً معدودة؛ لم يخرج ليلزم «رخصةَ الصمتِ» التي يُعذر بها المكرَهُون وأصحابُ النفوس الضعيفة، بل تطوّع بركوب مستنقع التمجيد والتملق الفج.
تبرأ في لحظةٍ واحدة من كل هيئةٍ ومنظمة دافعت عن حريته بالأمس، وقدّم صكوك الخضوع وفروض الطاعة على الهواء مباشرة، طاعناً بخسّةٍ في ظهور آلاف المظلومين والمعتقلين الذين أكل عيشاً بدموع أمهاتهم لسنوات.
وهنا انسلخ الرجلُ من آخر قناعٍ للرجولة، وسقط كلُّ عذرٍ يمكن أن يُلتمس لمثله؛ فالمُكرَهُ قد يسكت خوفاً، أما من يتقلب راقصاً في حظيرة من كان يسبّهم، فذلك ساقطُ الهمّة، خبيثُ الطوية، لا يُرجى له فلاح.
بدايةُ الظهور وبناءُ المنبر
بعد عمله في الصحافة المصرية، خرج إلى تركيا، ومنها انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ وهناك بدأ نشاطه الإعلامي المكثف، مستغلاً بحبوحةَ الأمان ومساحةَ الحرية، وراكباً موجة الغضب والاحتقان لدى شريحةٍ واسعة من المصريين في أعقاب أحداث سنة 2013 م. أطلق قناته على منصة «يوتيوب»، واعتمد أسلوبَ الإثارة الرخيصة، والعناوينَ النارية الجوفاء، والمبالغاتِ الخيالية التي تستهوي العوام؛ من عينة: «قنبلة»، و«تسريب خطير»، و«الجيش يتمرد»، و«الغواصات النووية تصل». وكان يومئذ في نحو الخامسة والعشرين من عمره؛ وهو سنٌّ يغلب عليه الطيش والاندفاع، ويسهل فيه ركوب المبالغة وادعاء ما لا حقيقة له.
استطاع بهذه الفرقعات أن يحشد مئات الآلاف من المتابعين، وصعد اسمه سريعاً عبر إيهام جمهوره بأنه يملك شبكةً من «المصادر السيادية» التي تمده بأدق أسرار الدولة وخفايا أجهزتها.
وفي السنوات التي كانت فيها السجون تغصُّ بأصحاب المظالم الحقيقيين الذين يدفعون أثمان مواقفهم من دمائهم وحرياتهم، كان هو يقتات على مآسيهم ويتاجر بأخبارهم من مأمنه خلف المحيطات؛ وله في كل ليلةٍ جمهورٌ عريض ينتظر بثه بلهفة، يبيع لهم الأوهامَ الكاذبة، ويعدهم بسقوط السلطة وانهيار الدولة بين عشيةٍ وضحاها.
سنواتُ الصَّخَبِ والخصومةِ المفتوحة
تمادى الرجلُ في غيّه وتصعيده، وركبه طغيانُ الشهرة حتى بلغ به الصَّلَفُ مفرقةَ الصفوف؛ فأخذ يوزع صكوكَ العمالة والخيانة على رفقائه في المعارضة أنفسهم، مُسقطاً كلَّ من خالفه في نبرته الصاخبة، أو طالبه بأدنى درجات التثبت والتوثيق، منصّباً نفسه وصيّاً أوحد على الثورة والمظلومين.
وداخله هوسُ العظمة المرضي، فصار ينسج حول شخصه بطولاتٍ هوليوودية وهمية في شوارع أمريكا؛ فادعى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تتعقبه وتترصده في حله وترحاله، وزعم أن أجهزة النظام ترسل فرق الاغتيال لتصفيته على أرصفة المدن الأمريكية، في مسرحياتٍ هزلية كان يبتغي من ورائها تضخيمَ قيمته وجلبَ الشفقة والمزيد من المتابعين.
وكان في حقيقة أمره بارعاً في دغدغة المشاعر واستدرار العواطف، مفلساً فاقةً وجهلاً في التوثيق والتحقيق الذي يُعتدّ به؛ يخلط التافه من الشائعات ببعض الوقائع، ويصنع من الحبة قبة، محولاً الحدثَ العابر إلى كارثةٍ عظمى ليبقى دكانه الرقمي مشتعلاً بالزبائن.
العودةُ المريبة
في أواخر ذي القعدة سنة 1445 هـ (مايو 2024 م)، وفي خطوةٍ مريبة لفّتها علاماتُ الاستفهام والشكوك، أعلن الرجلُ عزمه العودةَ إلى مصر وتسليمَ نفسه للسلطات، ثم عاد بعد سبع سنوات من الغياب، ملقياً بنفسه في قبضة النظام الذي كان يزعم بالأمس أنه يطارده بفرق الاغتيال في شوارع واشنطن.
اختفى الرجلُ عن الأنظار فور وصوله قرابة أربعة عشر شهراً، وانقطع صراخه، وانطفأت شاشته الصاخبة. وخلال تلك الشهور الطويلة من الغياب، هبّت المنظماتُ الحقوقية والهيئاتُ الدولية -التي سيعود ليعضّ أيديها ويسبّها بأقذع الألفاظ لاحقاً- لتتبنى قضيته، وتصدر البياناتِ والمناشداتِ للمطالبة بالكشف عن مصيره وضمان سلامته، ظناً منها أنه صاحبُ قضيةٍ وموقف.
وكانت تلك الشهورُ الأربعة عشر هي الميزانَ الحقيقي الذي لا يُحابي أحداً؛ فالبطولاتُ خلف الشاشات رخيصةٌ ومجانية، والجعجعةُ في الرخاء يستطيعها كلُّ دعيّ؛ وإنما تتمايز معادنُ الرجال يومَ تُغلق عليهم أبوابُ الزنازين وتُوضع القيودُ في المعاصم؛ فكانت المحنةُ امتحاناً فاصلاً لمشروعه كله: فإما ثباتُ الأحرار وكرامةُ الصادقين، وإما انفضاحُ النمر الورقي وسقوطُه المدوّي عند أول اختبار.
الانكشافُ التام
في الثلاثين من يونيو سنة 2025 م، نُشر اسمه ضمن قوائم العفو الرئاسي؛ ليتبين للعيان ثمنُ الصفقة ومآلاتُ المساومة. وما إن تنسم هواء الحرية في شهر أغسطس حتى سارع بلهفةٍ مُخزية إلى تدشين ظهوره الإعلامي الجديد، لا بسمت الأحرار الذين صانوا كرامتهم في المحنة، بل باندفاعِ البوق المستأجر الذي يُريد إثباتَ ولائه لسادته الجدد بأسرع وقت.
فتح الرجلُ نيرانَ لسانه البذيء على الجميع؛ فهاجم المعارضةَ بكل أطيافها، وجماعةَ الإخوان، وتطاول على المنظمات الحقوقية التي كانت بالأمس صوته وسنده، مدعياً في وقاحةٍ ظاهرة أنهم «باعوه وتآمروا عليه في أمريكا»؛ متخذاً من هذه الفرية الرخيصة ذريعةً لستر خيانته وتبرير ردته عن كل ما كان ينادي به.
استحال الرجلُ إلى ظاهرةٍ عجيبة في التزلف ومسح الأعتاب؛ يُسبّح بحمد السلطة، ويبرر مظالمها، وينسف كل حرفٍ سوّده أو صرخ به في سنوات معارضته. ولم يكتفِ بالتطبيل المعتاد، بل غالى في الإسفاف؛ فروّج للأكاذيب الفجة، وباع للناس الأوهامَ الاقتصادية الساذجة كوعوده الزائفة بعودة الدولار إلى عشرين جنيهاً، وانحدر إلى مستنقع فبركة الصور والوقائع الزائفة والولوج في أعراض رفقاء الأمس؛ ليثبت للنظام أنه أشرسُ كلاب حراسته وأكثرهم فجوراً في الخصومة.
وهكذا كانت نهايةُ مشروعه الأجوف؛ صَعَدَ إلى الشهرة بضجيج الصراخ وادعاء الثورية، وسَقَطَ في قاع التاريخ بالتملق الفج وبيع المروءة بثمنٍ بخس.
ملفُّ قولِه ونقيضِه
من أعظم ما يُسقط عدالةَ الرجال ويكشف خبيئةَ نفوسهم، أن تُوضع أقوالهم في الرخاء بإزاء أقوالهم في الشدة؛ لترى كيف تنقلب المبادئ المدّعاة إلى بضاعةٍ تُباع وتُشترى بحسب المكان والزمان:
قال في سنة 2022 م وما بعدها (وهو يتبحتر في أمان فلوريدا):
«النظامُ منهارٌ متداعٍ، والسيسي مرعوبٌ يرتجف، والسجونُ المصرية مقابرُ للتعذيب والتنكيل تثبتها التسريباتُ الدامغة، وأنا نذرتُ نفسي للوقوف مع المعتقلين والمظلومين حتى آخر قطرةٍ من دمي».
ثم قال في سنة 2025 م بعينها (وهو يمسح أعتاب السلطة في القاهرة):
«الرئيسُ السيسي هو الرجلُ الشهم الذي وقف معي، وحقوقُ الإنسان مجردُ كذبةٍ ومؤامرة، وقد عُوملتُ في السجون المصرية بإنسانيةٍ وكرامة لم أحظَ بمثلها حتى في أمريكا، والذين كنا نهاجمهم بالأمس هم أصحابُ الفضل الذين أنقذونا».
تأمّل هذين النصين متجاورين بعين البصيرة والإنصاف: ليس بين القولين قرونٌ متطاولة، ولا تغيرت الحقائقُ على الأرض؛ وإنما الفارقُ بينهما بضعةُ أشهرٍ قضاها الرجلُ في الحبس الاحتياطي.
فانظر كيف يستحيل «النظامُ المرعوبُ المتوحش» بين عشيةٍ وضحاها إلى «نظامٍ شهمٍ رحيم»، وكيف تنقلب «دماءُ المظلومين» إلى مجرد ذكرى يتبرأ منها، وكيف تصبح «حقوق الإنسان» كذبةً بعد أن كانت دكانه الذي يسترزق منه لسنوات.
وهذا لعمرو الله هو الميزانُ القاطع في كشف الأدعياء؛ فمن كانت مبادئه مرهونةً بإحداثيات موقعه الجغرافي، ومعلقةً بمن يملك مفتاح زنزانته، لم يكن يوماً صاحبَ قضية، بل عبداً لبطنه وسلامة جلده، يبيع كلامَه لمن يدفع، ويشتري أمانَه بنعلِ من كان يسبّه بالأمس.
مَلفُّ المنهجِ المُستخرَج
يُستخلص من استقراء مسيرة هذا الرجل من مبتداها إلى منتهاها، أن خصومته مع النظام لم تكن وليدةَ عقيدةٍ سياسية راسخة، ولا نابعةً من مشروعٍ إصلاحيٍّ بديل، ولا دفاعاً عن مظلوميةٍ يعيش لأجلها؛ وإنما كانت منذ يومها الأول «مشروعَ استرزاقٍ وشهرةٍ رقمية»، أُدير بعقلية المقامر الذي يبحث عن أعلى عائدٍ من المشاهدات والتفاعل.
لقد اتخذ من شعارات المعارضة ومآسي المعتقلين سلّماً رخيصاً للصعود السريع وبناء الاسم؛ فلما مالت به سفينةُ الأحداث، وعاكسته الرياح، ووقع أسيراً في قبضة السلطة، لم يتردد لحظةً في استبدال أدواته؛ فخلع رداء الثورية، وارتدى مسوحَ التملق والتطبيل، متخذاً من النفاق وسيلةً للنجاة وبناء حظوةٍ ومكاسب جديدة عند من كان يلعنهم بالأمس.
وهذا هو المسلكُ المطّرد في طبائع الأدعياء وأرباب التجارة بالقضايا؛ تراهم يتخذون من دماء الشهداء وآلام المظلومين قمصاناً يفصلونها على مقاس مصالحهم، يرتدونها متى كان في ارتدائها رواجٌ وغنيمة، ويخلعونها متى صار في لبسها كلفةٌ أو خطر. فالمبدأُ عندهم كلمةٌ مطاطة لا حقيقة لها، والبوصلةُ الوحيدة الحاكمة لحركاتهم وسكناتهم هي: أين تقع المنفعة الشخصية، وحيثما دارت المصلحة العاجلة داروا معها.
ما لَه من حقٍّ
فتشتُ في صحائف الرجل وسجلات نشاطه باحثاً عن فضيلةٍ أصيلة أو منقبةٍ حقيقية تُكتب له في ميزان الإنصاف والتحقيق، فلم أجد له أثراً يُحمد عليه؛ سوى أنه كان في مبدأ أمره ناقلاً لبعض أصوات المعتقلين والمظلومين الذين غُيّبوا خلف جدران الزنازين ولا صوت لهم.
غير أن هذه الفعلة -التي ظاهرُها الخير- لم تسلم من شوائب الخبث والفساد؛ إذ سرعان ما أحالها إلى تجارةٍ رخيصة، واستعراضٍ مسرحي لجني المشاهدات والأموال؛ فكان يقتات على دموع الأمهات وصرخات المكلومين ليصنع لنفسه مجداً زائفاً من وراء البحار.
ثم إنه لما حطّ رحاله في مصر، لم يكتفِ بإسقاط تلك الحسنة اليتيمة، بل أحرقها بالكلية وذرى رمادها في الهواء؛ إذ تنكّر لأولئك المظلومين أنفسهم، وتبرأ من معاناتهم، وبصق في وجوه الهيئات والمنظمات الحقوقية التي نذرت نفسها للدفاع عن كرامتهم وحريته هو شخصياً؛ فأضحت تلك البداية حجةً عليه لا له، وشاهداً على أنه كان تاجراً يبيع بضاعةً لا يؤمن بها، فلما بارت تجارته باع المظلومين أنفسهم في سوق النخاسة السياسية لينجو بجلده.
الخلاصةُ النهائية
قلتُ: فالرجلُ ليس صاحبَ قضيةٍ شريفة زلّت به القدم، ولا مجتهداً في مقاومة الظلم أخطأ الوسيلة؛ وإنما هو دعيٌّ متلوّن، وساقطُ مروءة، جعل من المعارضة ومآسي المعتقلين مطيةً للمال وسُعار الشهرة، فلما أُسقط في يده وحُبس أشهراً معدودة، جعل المداهنةَ الرخيصة ثمنَ النجاة لجلده.
وفعلُه هذا جنايةٌ عظمى على الوعي، وهدمٌ لجسور الثقة، وتيئيسٌ للناس من نصرة الحق، وطعنةٌ نجلاء مسمومة في ظهور آلاف المعتقلين الصامدين في غياهب السجون على مبادئهم. فلا يُغتر به، ولا يُرفع له وزن، ولا تُقبل شهادته في معارضةٍ ولا في موالاة؛ فالذي باع كلامَه وعِرضَه بالأمس خوفاً وطمعاً، يبيعه غداً لكل من يملك درهماً أو يرفع سوطاً.
وفي سيرةِ هذا المفتون موعظةٌ بليغة لكل مزايدٍ ومُهوّل: يا من اغتررتَ بضجيج الصياح، وتصدّرتَ لتوزيع صكوك الخيانة والعمالة على الناس وأنت في مأمنك؛ انظر إلى عاقبة هذا المتصدر. كان بالأمس أجرأ الناس على تخوين الشرفاء، وأسرعهم إلى المزايدة على تضحيات المخلصين؛ فلما دارت عليه الدوائر وانقلب إلى حظيرة النظام، انحدر إلى دركٍ من الابتذال والتملق بات فيه أشدَّ قبحاً وإسفافاً من عتاة التطبيل المبتذلين الذين ضُرب بهم المثل في النفاق، كأحمد موسى، ونشأت الديهي، ومصطفى بكري. فصار التلميذُ الخائن يفوق أساتذةَ السوء في الفجور، يلفّق الأكاذيب، ويفبرك الصور، ويخوض في أعراض إخوانه؛ ليرضى عنه السجّان.
فاعلموا أن الشاشات تصنع أبطالاً من ورق، وأن الخوارزميات تنفخ في أشباه الرجال؛ والبطولةُ الحقيقية إنما تتجلى في الثبات يوم الزلزلة، لا في الزئير يوم الرخاء خلف الشاشات. وسيأتي على كل متصدرٍ يومٌ تُعرض فيه دعواه على ميزان الابتلاء؛ فإما ثباتُ الأحرار ونجاةٌ كريمة، وإما خزيٌ فاضح يسلب المرءَ دينه ومروءته وماء وجهه.
فنسأل الله العظيم، رب العرش الكريم أن يقيض لأمة الإسلام من يصدق في حمل قضاياها، ويخلص لوجهه في نصرة المستضعفين، ونسأله سبحانه أن يثبت المعتقلين والمظلومين، وأن يربط على قلوبهم، ويعجل بفرجهم وفكاك أسرهم، ونعوذ به من فتن الشهرة والمظاهر، ومن شر المتلونين الذين يتاجرون بآلام الناس ودماء الشهداء، ونسأله تعالى لهذا الرجل المفتون بعينه (علي حسين مهدي): أن يوقظ ضميره من غفلته، وأن يَمُنَّ عليه بـ توبةٍ نصوحٍ صادقةٍ قبل الممات؛ تُطهر قلبه من أدران النفاق والتملق، وتغسل لسانه من بهتان الخوض في الأعراض وفبركة الأكاذيب، وأن يرده إلى رشده ودينه وحفظ مروءته رداً جميلاً؛ فإن باب التوبة مفتوحٌ ما لم تغرغر الروح، وإن عذابَ الآخرة وخزيَها أشدُّ وأبقى من عار الدنيا وفضائحها، وما ذلك على الله بعزيز.
سجل المصادر
- تقرير «مصراوي» المنشور في 24 مايو 2024، وفيه بيانات ميلاده ودراسته وعمله الصحفي، ومسار خروجه من مصر إلى تركيا ثم الولايات المتحدة، وإعلانه العودة إلى مصر.
- قناة علي حسين مهدي الرسمية على يوتيوب، عناوين مقاطعه قبل سنة 2024 (التي اعتمدت التهويل والصراخ).
- بثه المباشر على فيسبوك ويوتيوب، بتاريخ 14 أغسطس 2025، إعلان شكره وتطويله الصريح للنظام بعد خروجه.
- حواره المصور مع منصة "تليجراف مصر"، سبتمبر 2025، وفيه إعلانه الاعتذار للسيسي وهجومه على معارفه السابقين.
- تغطيات صحفية متفرقة، أغسطس 2025، منها «مصراوي» وصحيفة "المصري اليوم" و"فيتو"، الناقلة لعودته وقرارات العفو الرئاسي وتصريحاته المتناقضة.
كُتبت هذه الترجمة يوم الأربعاء 20 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 2 من سبتمبر 2026 م، بناءً على ما وقفنا عليه من كلامه المنشور ومقالاته ومصادره المتاحة إلى هذا التاريخ. فما جدّ بعده من قول أو رجوع فله حكمه ونسأل الله أن يكون أول تعديل لهذه السيرة عودته إلى الحق، ومن وقف على ما يزيد في المادة أو يصحح فيها فليُتحفنا به.






