أحمد السيد

أحمد السيد
أحمد السيد
الاسم الكاملأحمد بن يوسف بن حامد السيد
الميلاد1985م / 1405–1406هـ
مكان الميلادينبع، السعودية
البلدالسعودية
الإقامةإسطنبول، تركيا
المهنةشيخ مربٍّ وباحث شرعي ومؤسس ومشرف على برامج تعليمية
التخصصالحديث وعلومه، والتأصيل الفكري، ومواجهة الشبهات، والتربية وصناعة المصلحين
شيوخه
  • يحيى بن عبد العزيز اليحيى
  • خالد المشيقح
  • يوسف الغفيص
  • تركي الغميز
  • عبد الله البسام
  • عبد العزيز عبد اللطيف
  • سليمان بن ناصر العلوان
  • عبد الله الغنيمان
  • أحمد الصقعوب
  • عبد الله بن صالح الفوزان
أبرز الأعمال
  • «المُعين على فهم تطبيقات المحدِّثين»
  • «سابغات»
  • «إلى الجيل الصاعد»
  • «بوصلة المصلح»
  • «صناعة المحاور»
  • «البناء المنهجي»
  • «أكاديمية الجيل الصاعد»
التصنيفدعاة وعلماء

الشيخُ المربِّي المؤصِّل، الباحثُ المدقِّق، حافظُ الصحيحين، صاحبُ «البناء المنهجي» ومؤسِّسُ «أكاديمية الجيل الصاعد»: أحمد بن يوسف بن حامد السيِّد. وُلد بمدينة ينبع في المملكة العربية السعودية سنة 1985 م، الموافقة لما بين سنتي 1405 و1406 هـ، ونشأ بها إلى نهاية المرحلة الثانوية، ثم انتقل إلى المدينة المنوَّرة. رجلٌ يمكن أن تُختصر سيرتُه في جملة واحدة: أخذ أثقلَ ما يُحمَل من العلم، ثم أنفقه كلَّه في بناء غيره. فقد حفظ القرآن صغيرًا بعناية والده، ثم حفظ «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم»، ثم لم يقف عندهما حتى ضمَّ إليهما زيادات الكتب الثمانية: ما زاده أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك والدارمي على الصحيحين. وهذا وحده تحصيلٌ يُنفق فيه الرجل عمره ثم يجلس على كرسيٍّ يُملي منه. غير أنه لم يجلس. ثم اعترضت الطريقَ محنةٌ لم تكن في الحسبان. فقد اعتُقل وهو في العشرين، ومكث خمس سنوات وثمانية أشهر، خرج منها وقد جاوز الخامسة والعشرين. ولم يخرج منها صفرَ اليدين؛ ففي تلك السنين نظم في الحديث مئةً وخمسين بيتًا وهو لا يملك قلمًا، أنشأها في ذهنه وحفظها، حتى إذا تيسَّر له القلم نسخها من ذاكرته إلى الورق. وفيها راجع محفوظه، واشتغل تطبيقًا على ما يقارب ألفَي حديث تخريجًا ودراسةً للأسانيد. فكان السجن عنده مرحلةً من مراحل البناء لا انقطاعًا عنه. ثم خرج سنة 2011 إلى عالمٍ غير الذي تركه: شبكاتُ تواصل لم يكن يعرفها، وموجةٌ إلحادية صاعدة، وأسماءٌ جديدة تطعن في الثوابت وتراجع المسلَّمات وتتكلم في البخاري وفي حجية السنة. فكان جوابُه عن هذه النازلة جوابَ بنَّاءٍ لا جوابَ خطيب: بدأ ببرنامج «كامل الصورة» على يوتيوب في مارس 2012، بكشَّاف سباكةٍ ثمنُه خمسة وثلاثون ريالًا وُضع فوق دولاب في غرفةٍ صغيرة، ثم أسَّس سنة 2015 برنامج «صناعة المحاور». والاسم نفسُه فيه دعوى وبرهان؛ فإن الناس يردُّون الشبهة، وهو أراد أن يصنع من يردُّها. ثم كانت الغربة. فقد انتقل سنة 2017 إلى تركيا، إلى بلدٍ لا يعرف لسان أهله ولا أكثرَ الناس فيه، وحيدًا بلا جماعةٍ تحمله ولا مؤسسةٍ تسنده. فأنشأ بعد أشهر يسيرة مركزًا فكريًّا في إسطنبول، وبدأ في مارس 2018 برنامج «السراة» فحضره نحو مئةٍ وثلاثين طالبًا، ثم بدأ في رجب 1440 هـ الموافق مارس 2019 برنامجًا تربويًّا للجيل الصاعد بثلاثةٍ وعشرين فتًى تتراوح أعمارهم بين اثنتي عشرة وستَّ عشرة سنة. ومن هذين البابين الصغيرين خرج ما خرج: «أكاديمية الحديث الإلكترونية» سنة 2018، و«البناء المنهجي» سنة 2019 وهو من أكبر البرامج الشرعية والفكرية وأوسعها انتشارًا، و«أكاديمية الجيل الصاعد الإلكترونية» في يونيو 2020 وفيها عشرات الآلاف من الطلاب من الجنسين، ثم «البناء الفكري» و«مشروع العمر للمصلحين» و«برد اليقين» و«عالم». فإذا نظرتَ في أسماء هذه المشروعات كلِّها وجدتها تدور على معنًى واحد: صناعة، وبناء، وأكاديمية، ومشروع. ليست أسماء دروسٍ تُلقى، بل أسماء مصانعَ تُدار. وثمة كلمةٌ أخرى تتردَّد في عناوين دروسه ترددًا لا يكون مصادفة: «المُصلح»؛ فله «بوصلة المصلح»، و«زاد المصلحين»، و«السيرة النبوية للمصلحين»، و«الثقافة المعيارية للمصلحين»، و«معالجة القرآن لنفوس المصلحين»، و«مشروع العمر للمصلحين»، و«المنهج الإصلاحي من سورتي الأنفال والتوبة»، و«التجارب الإصلاحية في العصر الحديث»، و«السنن الإلهية وأثرها في الإصلاح». تسعةُ عناوين تحمل الكلمة نفسها. وهذا في التراجم دليلٌ لا يحتاج إلى شاهد: أن الرجل لم يجمع دروسًا متفرقة، بل كان يبني في كل مرة ركنًا من أركان مشروعٍ واحد اسمه: تخريج مُصلح. ومع هذا كله بقي عائدًا إلى أصله الأول: صنعةِ الحديث. فله فيها نظمُه وشرحُه المطوَّل على «نزهة النظر»، وإشرافُه على «أكاديمية الحديث» و«مشروع تسهيل السنة». فهو في الفكر مؤصِّلٌ من جهة الشرع، وفي الشرع محدِّثٌ يعرف كيف يعمل المحدِّثون؛ وقلَّ أن تجتمع الاثنتان. وهذه سيرته.

محتويات
  1. 1 ينبعُ التي على البحر
  2. 2 الليلة التي اختار فيها الطريق
  3. 3 متونٌ في المتوسطة، ودوراتٌ في المدينة
  4. 4 حين حفِظ الصحيحين
  5. 5 في القصيم: على أيدي الشيوخ
  6. 6 وقضايا الأمة تطرق الباب
  7. 7 مئةٌ وخمسون بيتًا بلا قلم
  8. 8 حين لم يعد السؤال عن صحة الحديث
  9. 9 الغربة التي ليست غربة
  10. 10 أكاديميةٌ بلا جدران
  11. 11 ما كتب
  12. 12 مفرداتُ رجلٍ واحد
  13. 13 كلمةٌ تتكرَّر: المُصلح
  14. 14 ما يقوم عليه اليوم
  15. 15 ملامحه ومنهجه
  16. 16 أثره
  17. 17 الخلاصة النهائية
  18. 18 سجل المصادر

ينبعُ التي على البحر

وُلد في ينبع سنة 1985 م، وهو الابن الأكبر. وأولُ ما يُذكر في تكوينه ليس شيخًا ولا مدرسة، بل بيتُه؛ فقد ابتدأ طلبَ العلم الشرعي بعناية أبيه من صغره، ويحمل لأسرته في ذلك امتنانًا لا ينساه. وكان في البيت توزيعٌ للأدوار على ما ينبغي: الوالدُ يحمل الحزمَ والتوجيه، والوالدةُ تحمل الاحتواءَ والتطييب. وكان التوجيه بالترغيب والترهيب معًا: جوائزُ على كل جزء يحفظه من القرآن، وحرمانٌ من لهو الطفولة إن تأخَّر عن ورده أو واجبه. وكان في البيت معلِّمٌ للقرآن استُقدم من مصر، مقرئٌ تلقَّى عنه التلاوة والحفظ، ثم مدرِّسٌ آخر من موريتانيا تابع معه في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة. فحفظ القرآن الكريم مبكرًا في المرحلة الابتدائية، وحفظ معه «الأربعين النووية»، و«مختصر البخاري» للزبيدي، ومنظومة «الآجرومية» ومنظومة «عُبيد ربه» في النحو، ولاميةَ ابن الوردي. وأخذ سنة 1417 هـ الموافقة 1996 م المركزَ الأول في مسابقة الأربعين النووية، ولا يزال درعُها عنده. ويقول عن تلك المرحلة كلمةَ منصفٍ لنفسه: إنها لم تكن حرصًا ذاتيًّا بقدر ما كانت رعايةً من الأسرة ودفعًا إلى البناء. ولهذه الجملة وزنٌ ثقيل في سيرة كل عالم؛ فإن أكثر من ينبغ إنما ينبغ لأن رجلًا في البيت قرَّر مبكرًا أن ابنه لا يُترك للصدفة، فمنحه عشر سنين سابقةً على أقرانه لا يستدركها من فاتته.

الليلة التي اختار فيها الطريق

ثم جاء اليوم الذي انتقل فيه من مدفوعٍ إلى مختار. كان في الصف الثالث المتوسط، في نحو الخامسة عشرة. وقدَّم إليه أحد أصدقائه شريط كاسيت فيه موعظةٌ عن حسن الخاتمة وسوء الخاتمة. فاستمع إليه في ليلةٍ من الليالي، فوقر الكلام في القلب. ووقف عند سؤالٍ لا يُترك: إلى أين ينتهي هذا الطريق؟ فاتخذ يومَها القرار بنفسه، لا بتوجيه أحد: أن يغيِّر حياته ويسلك طريقًا يُنجيه في الآخرة. قال بعد ذلك بسنين إنه لا يذكر لتوجُّهه إلى العلم بعينه سببًا معيَّنًا؛ إنما استقام له الأمر على العلم من أول يوم، وهو يعدُّها نعمةً محضة لا يعرف لها علة. وظهر أثر ذلك في تفصيلٍ صغير يكشف عن صاحبه: كان له دفترٌ يقيِّد فيه فوائد الدروس الشرعية في المسجد، فصار يحمله معه إلى المدرسة، فيدوِّن فيه فوائد حصص التوحيد والفقه والتفسير. فهو لم يكن يعامل المدرسة على أنها مادةٌ تُؤدَّى ودرجةٌ تُنال، بل يجلس فيها كأنه في حلقة علم.

متونٌ في المتوسطة، ودوراتٌ في المدينة

وفي المرحلة المتوسطة والثانوية حضر دروسًا ودوراتٍ في ينبع والمدينة المنورة، في كثيرٍ من الكتب والمتون، على أيدي كثيرٍ من المشايخ والعلماء. فمن أوائل دوراته دورةٌ للشيخ عبد الله البسام رحمه الله في باب البيوع، حضرها في ينبع وهو ابن ست عشرة أو سبع عشرة سنة، ودورةٌ للشيخ عبد العزيز عبد اللطيف في التعليق على «كتاب العبودية» لشيخ الإسلام ابن تيمية. ثم كانت أول رحلةٍ له في طلب العلم: خرج مع جماعةٍ من زملائه من ينبع إلى المدينة المنورة لدورةٍ مكثفة صباحًا ومساءً، نحو سنة 1420 أو 1421 هـ، أي سنة 2000 م تقريبًا؛ فيها شرحُ «مقدمة التفسير» لابن تيمية، و«البيقونية»، و«كتاب البيوع»، ومنظومةُ «قواعد الفقه» للسعدي، كلُّ درسٍ يقدِّمه شيخٌ متخصص فيه. ويعدُّها إلى اليوم دورةً فارقةً استثنائية. ثم توالت الدورات، وكان أكثرها في الصيف، تمتدُّ عشرة أيام أو أسبوعين أو ثلاثة، يُوضع لها جدولٌ ويُجلب لها المشايخ من مناطق شتى. ومنها دورةٌ في ينبع عند أحد تلاميذ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، قرأ فيها «البرهانية» في الفرائض، و«كتاب البيوع» من «عمدة الأحكام»، ومنظومةَ «أصول الفقه وقواعده» لابن عثيمين. ومنها دروسٌ مستمرة في ينبع في شرح «عمدة الفقه» لابن قدامة، وتعليقٌ على «تفسير ابن كثير». وبلغ من حرصه أنه كان يتفق مع بعض مدرِّسي المدرسة ممن هم طلبةُ علم، فيأخذ عنهم في الفسحة بين الحصص، وهي خمسٌ وأربعون دقيقة، درسًا في الفرائض وآخر في «عمدة الفقه»؛ وكان يعدُّهما أكبرَ اعتبارًا من الحصص نفسها. وكان إلى جانب ذلك بناءٌ عن بُعد بأشرطة الكاسيت، من أظهره شرحُ الشيخ ابن عثيمين على «الآجرومية» في ستة عشر شريطًا، كان يجلس أمام المسجِّل يفرِّغ ويلخِّص. ثم انعكس ذلك كتابةً؛ فكتب في المرحلة الثانوية بحثين بخط يده: أحدهما في القراءة خلف الإمام، والآخر في حجاب النساء، يعرض فيهما الأقوال والأدلة ثم يرجِّح. وانظر إلى خريطة ما قرأه في هذه السنِّ: حديثٌ وفقهٌ وفرائضُ وأصولٌ وعقيدةٌ وتربيةٌ وسلوك. ستةُ أبوابٍ لا بابٌ واحد. وطالبٌ يُبنى على هذا في الثانوية يخرج منها وقد فرغ مما يبدأ به غيره في الجامعة. وأهمُّ ما فيه أن التربية والسلوك دخلا مع الأصول؛ فما كان العلم عنده يومًا مادةً تُحفظ، بل صنعةً تُهذَّب معها النفس.

حين حفِظ الصحيحين

ثم كانت المحطة التي تفصل بين طالب العلم المجتهد وبين صاحب رأس المال. انضمَّ إلى دورات حفظ السنة للشيخ يحيى بن عبد العزيز اليحيى بمكة، وكانت ثلاثَ دوراتٍ صيفية متتابعة: الأولى بين الثاني والثالث الثانوي نحو سنة 1423 هـ، حفظ فيها «الجمع بين الصحيحين» وهو ستُّ مجلدات؛ والثانية بين الثالث الثانوي والسنة الأولى الجامعية، حفظ فيها زوائد السنن على الصحيحين وهي أربع مجلدات؛ والثالثة بين الأولى والثانية الجامعية، وكانت مراجعةً وتسميعًا للطلاب. وأما نظامها فيصفه هو: الحفظ والتسميع في المسجد الحرام، والسكن في فندقٍ بجواره، والمطلوب يوميًّا عشرون صفحة، وفي آخر كل أسبوع اختبارٌ في مئةٍ وعشرين صفحة جديدة على يد الشيخ مباشرة، اختبارٌ صعبٌ ترتجف له الفرائص. لا إجازة ولا انقطاع، والطلعة الوحيدة في الشهرين يومٌ واحدٌ تُعقد فيه جلسةٌ علمية. وأنهى الدورة الأولى في نحو خمسةٍ وأربعين يومًا. وقد أنهى فيها ما أنهى وهو في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة. ولم تكن فائدتها عنده في الحفظ وحده، بل في التكوين كله: صبرٌ، وغربةٌ، ونظامٌ صارم، ومجالسةُ طلبةٍ متقدمين سمع منهم لأول مرة الكلامَ في مناهج المتقدمين والمتأخرين، وفي مسائل دقيقة كسماع أبي الزبير من جابر وتدليسه ورواية الليث عنه. ثم قال كلمةً ينبغي أن تُنقش لكل من استعجل ثمرة حفظه: إن الفائدة الحقيقية من ذلك المحفوظ لم تظهر إلا بعد عشرين سنة، حين اتسعت الدروس وكثرت حتى لم يعد يجد وقتًا للتحضير، فوجد الحديث حاضرًا عنده لا يحتاج أن يطلبه. ونبَّه مع ذلك تنبيهًا يدلُّ على إنصافه: أنه ليس من الصواب أن يحفظ الصحيحين كلُّ أحد؛ فإنه أمرٌ عظيم له تبعاته ومقتضياته.

في القصيم: على أيدي الشيوخ

ثم انتقل للدراسة الجامعية في القصيم بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فمكث نحو سنةٍ ونصف إلى سنتين، كانت من أوسع سنيه في الطلب. وكانت الإفادة من الجامعة نفسها كبيرة؛ فالمقرَّرات دسمة والمدرِّسون يدرِّسون بصيغة طلب العلم لا بصيغة تلقين الأسئلة، حتى إنهم أخذوا في نحو سنةٍ ونصف ثلاثَ مجلدات من «حاشية الروض المربع» لابن قاسم، وهو كتابٌ يهاب الطالبُ مجرَّدَ حجمه. غير أن الدروس خارج الجامعة كانت أكثر وأنفع. فمن أول ما لزم درسٌ في شرح «زاد المستقنع» بطريقة الفقه المقارن، بعد الظهر، شبهَ يوميٍّ خمسةَ أيامٍ في الأسبوع، واظب عليه نحو سنةٍ ونصف إلى سنتين. ثم درسٌ في «هداية الراغب»، ثم تعليقٌ على «المنهاج» شرح النووي على صحيح مسلم. وكان يحضر أسبوعيًّا شرحَ «العقيدة الطحاوية»، وكانت له مرحلةٌ بعد الفجر فيها تعليقاتٌ على «شرح الطحاوية» لابن أبي العز، وعلى «المصباح المنير»، وعلى «تهذيب تفسير ابن كثير». وفي القصيم توزَّع أخذُه على الفنون الثلاثة الكبرى توزُّعَ من يعرف ماذا يريد: ففي الفقه درس على الشيخ خالد المشيقح: «زاد المستقنع»، و«هداية الراغب»، و«منار السبيل»، ثم درس عليه في الأصول «قواعد الأصول ومعاقد الفصول». وفي العقيدة درس على الشيخ يوسف الغفيص: «العقيدة الطحاوية»، و«كتاب الإيمان» لأبي عبيد القاسم بن سلَّام، وهو من أقدم ما صُنِّف في بابه وأدقِّه. وفي الحديث درس على الشيخ تركي الغميز: «بلوغ المرام من أدلة الأحكام»، و«نزهة النظر شرح نخبة الفكر» للحافظ ابن حجر. فجمع بين المتن الذي تُبنى عليه أحكام الفقه، والمتن الذي تُبنى عليه صنعة المصطلح. وحضر مع ذلك مجالسَ ودروسًا علمية للشيخ سليمان بن ناصر العلوان، وللشيخ عبد الله الغنيمان، وللشيخ أحمد الصقعوب، وللشيخ عبد الله بن صالح الفوزان في «شرح بلوغ المرام»، ولغيرهم. فأنت ترى رجلًا أخذ الفقه عن فقيه، والعقيدة عن متخصِّص في الاعتقاد، والحديث عن محدِّث، ولم يأخذ الفنون كلَّها عن واحد. وهذه سنَّةُ من يريد الإتقان لا من يريد الانتساب.

وقضايا الأمة تطرق الباب

ولم تكن تلك السنوات سنواتِ علمٍ صافٍ في معزل عن الدنيا؛ فقد كانت من أسخن ما مرَّ على الأمة: دخولُ شارون المسجدَ الأقصى والانتفاضة ومقتلُ محمد الدرة، وأحداثُ الشيشان وهي في ذروتها، ثم أحداثُ سبتمبر، ثم احتلالُ أفغانستان، ثم احتلالُ العراق. أحداثٌ متلاحقة لا يدري الناظر أيُّها أكبر. وكان التفاعل معها يومئذ من المقتضى الطبيعي لا من التهم؛ حتى إن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله كان له اهتمامٌ ظاهر بقضية الشيشان ومتابعةٌ تفصيلية لها. فكانت له في تلك السنين قراءةٌ واسعة في قضايا الأمة ومتابعةٌ دقيقة عبر المنتديات، يقضي الساعات في الأخبار والإصدارات والكتابات. وكان تفاعله علميًّا لا عاطفيًّا فحسب؛ فقد وقف على كتابٍ ينتقد فيه صاحبُه تفاعلَ المسلمين مع قضايا الأمة، فردَّ عليه في حاشية الكتاب نفسه وهو في سنته الأولى أو الثانية بالجامعة. ومن ألطف ما في هذه المرحلة أنه جمع بين ما يفترق عند غيره: فبينما هو منكبٌّ على الطلب الدقيق، خاض في المدرسة تجربةً دعوية مع شريحةٍ من الشباب، منهم من ابتُلي بالمخدرات ومنهم المقصِّر في الصلاة، فيهم أصالةٌ وخيرٌ ومروءة ويحتاجون من يأخذ بأيديهم. وهو يشير إلى أن الفصام بين شباب الدعوة وشباب العلم موجودٌ بشكل كبير مع الأسف، وأن الله يسَّر له من البدايات أن يجمع بينهما.

مئةٌ وخمسون بيتًا بلا قلم

ثم كانت الخطوة التي غيَّرت مسار السنوات الست التالية. فقد دفعه ذلك الهمُّ الذي في الصدر إلى استجابةٍ فيها جرأةٌ وحزمٌ وقوة، كما يصفها هو؛ ونتج عن ذلك ما يسمِّيه تجربةً قهرية لم يخترها: تجربةَ الاعتقال. وهو يقول عن الأمر الذي دخل بسببه إنه لم يكن معصيةً ولا قبيحةً من القبائح، وإنما كان أمرًا أراد به الخير، ثم يضيف بإنصافٍ نادرٍ في حق النفس: بغضِّ النظر عن تقييمه اليوم، فليس هو أفضلَ ما يكون. مكث خمس سنوات وثمانية أشهر بالضبط، من العشرين إلى نحو السادسة والعشرين، وهي أحرج سنوات العمر. وابتُلي منذ الأيام الأولى بمرضٍ وتعبٍ كان أشدَّ عليه من الاعتقال نفسه، يقول ذلك ولا يبالغ فيه. ثم انظر ماذا صنع فيها. نظم في الحديث مئةً وخمسين بيتًا وهو لا يملك قلمًا. أنشأها في ذهنه، وحفظها في ذهنه، وظلَّت في ذهنه، حتى إذا تيسَّر له القلم نسخها من الذاكرة إلى الورق. وذلك سنة 1429 هـ الموافقة 2008 م. وهي «نظم المُعين على فهم تطبيقات المُحدِّثين»، الذي قدَّم له بعد ذلك الشيخُ سليمان بن ناصر العلوان، وشرحه صاحبُه مرارًا، وكان أولَ كتابٍ طبعه. وتأمَّل العنوان، فإنه هو الشاهد. لم يقل: المعين على حفظ اصطلاحات المحدِّثين، بل قال: على فهم تطبيقاتهم. والفرق بينهما هو الفرق بين من يحفظ تعريف الحديث الشاذ ومن يعرف كيف حكم أحمد والدارقطني على حديثٍ بعينه بالشذوذ. فالاصطلاح يُقرأ في ليلة، والتطبيق لا يُدرك إلا بإدمان النظر في صنيع القوم. ولم يقف عند النظم. فقد راجع في محبسه «الجمع بين الصحيحين» الذي كان حفظه من قبل، وعاش مع «شرح علل الترمذي» لابن رجب حتى عرف منه مدارات الأسانيد والرواة، ولازم «تهذيب التهذيب» للحافظ ابن حجر ملازمةَ الصاحب. ثم اشتغل عملًا تطبيقيًّا على ما قد يبلغ ألفَي حديث أو يزيد: خرَّج من «بلوغ المرام» نحو أربعمئة حديث تخريجًا كاملًا يبلغ به الحكمَ بجمع كلام المتقدمين والعلل، واشتغل على نحو ستمئة حديث من «المنتقى» لمجد الدين ابن تيمية بشبه تخريجٍ وتعليقاتٍ فقهية، وعلَّق على نحو ستمئة أو سبعمئة حديث من «سنن النسائي»، وعلى أبوابٍ من «سنن الترمذي»، وعلى أحاديثَ من «سنن أبي داود». حتى إنه يقول اليوم إنه يتفاجأ حين يرى بعض ذلك مكتوبًا فلا يذكر أنه كتبه. فمن هنا خرجت آلتُه كلها. وهو يقول: لولا أن سبق ذلك خمسُ سنواتٍ من التلقي على العلماء ومعرفة مناهج العلم لكان طلبًا مشوَّهًا، لأنه ذاتيٌّ، وكونه ذاتيًّا خطر؛ لكنه لما كان مسبوقًا بذلك التلقي سهُل البناء الذاتي. ويذكر من عون الله عليه في تلك الشدة الرؤى الصالحة، كما كانت ليوسف عليه السلام في سجنه، فكان لها نصيبٌ في التخفيف والاستئناس والاستبشار، ثم رأى بعد ذلك في حياته تحقُّقَ بعض ما رأى. ويقول إن أعظم ما خرج به من التجربة كلها هو التعرُّف على الله سبحانه؛ فإن العبد عند الشدة يعرف ربَّه أكثر مما يعرفه عند الرخاء. ثم كان الفرج. وأول صلاةٍ صلَّاها بعد خروجه صلاةُ المغرب خلف رجلٍ يعرفه، فقرأ الإمام قولَ الله تعالى في شأن يوسف: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف]، وبكى فيها. فأيُّ آيةٍ كان يمكن أن تُقرأ في تلك اللحظة غيرَ هذه؟

حين لم يعد السؤال عن صحة الحديث

خرج سنة 2011 إلى عالمٍ غير الذي فارقه. فقد دخل ولم يكن هناك شيءٌ اسمه شبكات التواصل، آخرُ ما عرفه المنتديات؛ فخرج وقد صار فيسبوك وما بعده. ثم ظهرت مع سنة 2012 شخصياتٌ فكرية تتبنَّى الطعن في الثوابت ومراجعةَ المسلَّمات والتشكيك فيها، وطعنًا في البخاري وفي حجية السنة النبوية. وقرأ حالهم قراءةً منصفة، فوصفهم بأنهم ناسٌ تريد الخير ولكنها ذهبت إلى هدم أصول الخير لتصل إلى الخير الذي تظنُّه؛ ثم قرَّر الأصل الذي يردُّ به عليهم: أن الإسلام قائمٌ على ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود]، لا كما أردتَ أنت، ولا كما اشتهى الغرب. فقرَّر أن يصنع برنامجًا على يوتيوب، وهو لا خبرة له بالإعلام ولا بالتصوير. واستشار جارًا له من أهل المعرفة بالواقع، فقال له: هذه الأطروحات هي نفسها أطروحات المعتزلة، وردود العلماء عليهم موجودة. فلم يقتنع بذلك، ورأى أن في الأمر فائدة. وكانت البداية على قدر الحال: كشَّافُ سباكةٍ من الذي يُعلَّق على الأسوار، ثمنُه خمسةٌ وثلاثون ريالًا، وُضع فوق دولاب في غرفةٍ صغيرة في بدروم ووُجِّه إلى الأعلى، حتى صارت تفوح منه رائحةُ الاحتراق؛ وشابٌّ من الإخوة معه كاميرا صغيرة. لا مؤسسةَ ولا شركةَ إعلام ولا داعمين. وكان أحيانًا يسافر إلى مدينةٍ أخرى ليصوِّر حلقتين ثم يعود. وسمَّى البرنامج «كامل الصورة»؛ لأن الذي لاحظه في الكتابات المتأثرة بالشبهات أنها تنظر من زاويةٍ ناقصة. وبنى الفكرة على أصلٍ محرَّر: أن أكثر الإشكالات ترجع إلى أمرين، إما الطعن فيما هو ثابت، وإما إساءة فهم الثابت بتجزئة النصوص وترك سياقها والجمع بينها والناسخ والمنسوخ؛ فالأول بابُه علم الحديث، والثاني بابُه أصول الفقه. ولذلك كانت أول حلقةٍ منشورة في قناته «علم العباقرة»، نُشرت في مارس 2012 بعد أشهر يسيرة من خروجه. ثم كانت الحلقة الثالثة، «كيف نتعامل مع الأقوال الجديدة»، هي التي فتحت الآفاق؛ انتشرت وشاركها المشايخ وطلاب العلم، ففُتح له بابُ التواصل مع الفضاء العام. وهنا وقع الذي بنى عليه ما بعده. فقد جاءته في التعليقات والرسائل أسئلةٌ ملحَّة، فيها المسترشد وفيها صاحب الشبهة وفيها المعادي. فخصَّص رقمًا للردِّ على الشبهات وحده، اشترى له شريحةً وجهازًا، وقضى سنةً كاملة في ذلك، وتعاون معه فيها مهتمون ومتخصصون. واتصلت به ملحدةٌ خرجت من بيئةٍ ملتزمة، واتصل به خريجُ كلية أصول دين صار ملحدًا. فأدرك أن الطريقة غير مجدية: لا يكفي واحدٌ يردُّ، بل تلزم مجموعةٌ ومنصةٌ تجمعها. فأُنشئ موقع «المحاورون» للحوار مع أصحاب الشبهات، وأُجريت فيه آلافُ الحوارات، واهتدى فيه كثيرون وزالت عنهم الإشكالات. ثم جاء السؤال الذي وُلد منه المشروع كله: من أين نأتي بمن يحاورون؟ فمن يملك الآلة العلمية لا يملك التفرُّغ. فكانت فكرة «صناعة المحاور»، وأُطلق البرنامج في نحو نهاية سنة 2015. وكان اسمه قبل الإعلان «صناعة المناظر» ثم غُيِّر. وكان المتوقَّع مئتَي طالبٍ يُنتقى منهم عشرون أو ثلاثون للمنصة الحوارية، فإذا بالأعداد المسجَّلة تفاجئه، وإذا بردود الطلاب تغيِّر الهدف نفسه: قالوا أتينا لنردَّ الشبهات فازددنا إيمانًا ويقينًا في أنفسنا. فاتسعت الفكرة من تخريج محاورين إلى تعزيز اليقين ولو لم يخرج المتعلم محاورًا، وإنما ليحلَّ الشبهة عن نفسه. ثم توسَّع البرنامج حتى صار كالجامعة: دفعاتٌ متتابعة، وحفلُ تخرُّجٍ للدفعة الأولى، ودخل فيه طلابًا أساتذةُ جامعاتٍ بدرجة بروفيسور في العلوم الشرعية، ودعاةٌ ومشايخُ كبار وأسماءٌ لامعة في العالم الإسلامي. ثم أُفرد له مسارٌ تخصصي في سبعة تخصصات أو ثمانية، كلُّ تخصصٍ دراستُه ستةُ أشهر إلى عشرة. قلتُ: وهذه هي العلامة الفارقة في مشروعه كله. فإن أكثر من واجه تلك الموجة واجهها بصدره، وهذا واجهها بأن بنى خلفه صفًّا. ومن أراد أن يعرف مقدار الرجل فلينظر: أيريد أن يكون الجواب، أم أن يصنع من يجيب؟

الغربة التي ليست غربة

ثم كانت الهجرة. انتقل سنة 2017 إلى تركيا، وأقام بإسطنبول، فكانت سنوات الغربة التي فُتح فيها أكثرُ ما فُتح. وجاءها على غير ما يظنُّ الظانُّون: لا يعرف لغة أهلها، ولا يعرف أكثر الناس فيها، ولا ينتمي إلى سياقٍ حاملٍ يغطِّي نقصَ احتياجاته. جاء وحيدًا. غير أنه وجد في إسطنبول بيئةً جامعةً لشباب العالم الإسلامي من بلاد الشام والعراق واليمن ومصر وغيرها، فكانت سعةً في المعرفة والدعوة معًا. وله في معنى الغربة تحريرٌ لطيف: أن الغربة الحقيقية أن يغترب الإنسان عن مراداته وآماله التي يسعى لتحقيقها؛ فأما إذا اغترب في سبيل تحقيقها فتلك غربةٌ حسِّية لا معنوية، وحيث وُجدت البيئة الأنسب للمشروع فذلك هو الوطن. فأنشأ بعد أشهر يسيرة من قدومه مركزًا فكريًّا، وأطلق فيه برنامج «السراة»، يستهدف الشباب الجامعيين الخارجين من بيئاتٍ عندهم فيها تساؤلات وجودية وفكرية، بصيغةٍ أشمل من «صناعة المحاور». وكانت البداية في مارس 2018، فحضره مباشرةً نحو مئةٍ وثلاثين طالبًا. ولم يكن للمركز يومئذ قاعةٌ تسعهم، فكان ينسِّق مع جهاتٍ أخرى ليستعير قاعاتها. ثم لما تيسَّر مكانٌ مناسب رأى ألا يُكتفى بمحاضرةٍ واحدة، فقال لأولئك الكبار: من كان عنده ولدٌ من الجيل الصاعد فعندنا مكان. فجاءه ثلاثةٌ وعشرون فتًى، أعمارهم بين الثانية عشرة والسادسة عشرة، وكان ذلك في رجب 1440 هـ الموافق مارس 2019، بعد سنةٍ بالضبط من بداية «السراة». وكان هذا البرنامج التربوي أعظمَ ما فتح عليه. فقد استمرَّ مع تلك المجموعة خمسَ سنوات، وتزوَّج بعضُهم وأثمر فيهم ما أثمر، ثم صاروا هم القائمين على البرامج والمشرفين على المجموعات التربوية بعده، حتى صار في المركز أجيالٌ بعد أجيال: جيلٌ يربِّي من بعده، ومن بعده يربِّي من بعده.

أكاديميةٌ بلا جدران

ثم انتقل بذلك كلِّه إلى الفضاء الإلكتروني، فبدأ بـ«أكاديمية الحديث الإلكترونية» سنة 2018، وهي امتدادٌ لدورات حجية السنة التي كان يعقدها من قبل في مجموعات واتساب ينزِّل فيها المواد والتسجيلات، ثم صارت موقع «تسهيل السنة»، ثم صارت أكاديمية. ولم يُرِدها تخصصًا جامدًا، بل أرادها مؤثرةً في عقلية الدارس وفي بابِ الدفاع عن السنة النبوية. ثم كان «البناء المنهجي» سنة 2019. وسرُّ هذا البرنامج في اسمه؛ فإن أكثر ما يضيع به طالب العلم اليوم ليس قلَّة المادة بل كثرتها، فيقفز من متنٍ إلى متن حتى تمضي عليه العشر وليس عنده أساس. فجاء «البناء المنهجي» ليعطيه ما ينقصه: الترتيب. وبناه على مناصفةٍ مقصودة: نصفٌ علومٌ شرعية، ونصفٌ ثقافةٌ إسلامية متصلةٌ بالواقع، فيه فكرٌ ووعيٌ وتزكية؛ إذ لم يُرِد برنامجًا شرعيًّا جامدًا. ومدَّته أربع سنوات، فُتحت فيه دفعةٌ كلَّ سنة، حتى تخرَّجت الدفعة الأولى بعد اكتمال الأربع. وصار من أكبر البرامج الشرعية والفكرية وأوسعها انتشارًا، يضمُّ طلابًا من مختلف أقطار العالم، وصارت معاهدُ في العالم الإسلامي تطلب مناهجه. ثم كانت «أكاديمية الجيل الصاعد الإلكترونية» في يونيو 2020، وسببُها رسالةٌ من أمٍّ تقول: لماذا لا ينال هذا الخيرَ إلا أولادُ الجيل الصاعد الذين حولك؟ فضمَّت الأكاديمية عشرات الآلاف من الطلاب من كلا الجنسين، وتفرَّعت إلى مساراتٍ لكلٍّ منها مشرفوها ومناهجها، وقام عليها مربُّون ومربِّيات. وتبع ذلك «البناء الفكري»، و«مشروع العمر للمصلحين»، و«صناعة المربي»، و«برد اليقين»، ثم تُوِّجت البرامج بمشروع «عالم». وا عجبًا لأمةٍ يشتكي بعض أبنائها من ضياع الجيل، وبين أيديهم من الأدوات ما فتح به رجلٌ واحد مدرسةً لعشرات الآلاف.

ما كتب

أول ما طبع «المُعين على تطبيقات المحدِّثين»، وهو النظم الذي أنشأه في محبسه مع شرحه وتعليقاته. ثم كُتيِّبٌ صغير سمَّاه «مفاتيح البصيرة». ثم «كامل الصورة» في جزأين، أخرج فيه حلقاته بصياغةٍ جديدة، فصار مقرَّرًا كنشاطٍ لبعض طلاب الجامعات. ثم «تثبيت حجية السنة»، وقد كُتب أصلًا لأجل برنامج «صناعة المحاور»، كان ينزِّله على الطلاب مفرَّقًا؛ يجلس اليومَ من التاسعة صباحًا إلى الثامنة مساءً فيكتب بالكاد خمس عشرة صفحةً أو عشرين هي مقرَّر ذلك اليوم. ثم «سابغات»، وهو أهمُّ ما ألَّف في هذا الباب. وأصله مادةٌ ألقاها بعنوان «كيف نتعامل مع الشبهات الفكرية المعاصرة»، ثم أعادها، ثم فرَّغها، ثم قدَّمها ثالثةً موسَّعةً في سبع حلقات، ثم أخرجها كتابًا. وكان الكتاب نقطةً فارقة لِما فيه من نظرةٍ شمولية للشبهات الفكرية، حتى جُعل مقدِّمةً للدخول في «صناعة المحاور» يُقرأ ويُختبر فيه، وحتى حملت مبادراتٌ في العالم الإسلامي اسمه من غير ترتيبٍ منه. والاسم نفسُه حجة: سابغاتٌ أي دروعٌ واقية، فكما أن في الحرب دروعًا فكذلك في الفكر. ثم «إلى الجيل الصاعد»، وقد فرغ منه قبيل إطلاقه البرنامج التربوي. ثم «بوصلة المصلح»، وهو الكتاب الذي جمع فيه فكرته الكبرى بعد أن شرحها في ثلاث عشرة حلقة مرئية، فبسطها فيه بتفصيلٍ واستدلال. وله «دلائل أصول الإسلام» في منهج «صناعة المحاور»، جمع فيه ما يتعلق بوجود الله ودلالة القرآن وصحته ودلائل النبوة.

مفرداتُ رجلٍ واحد

وأما دوراته ومحاضراته وسلاسله فكثيرة متنوعة، تجتمع على أربعة أبواب: باب الوحي وتدبُّره: «مقاصد السور»، و«مدارسة سورة الأنعام»، و«أنوار الأنبياء» في تدبُّر آيات الأنبياء، و«معالجة القرآن لنفوس المصلحين». باب السنة والسيرة والصحابة: «أنوار السنة المحمدية» على «رياض الصالحين»، و«شرح المنهاج من ميراث النبوة»، و«الشرح المطوَّل على نزهة النظر»، و«فضائل الصحابة» المسمَّى «غيث الساري»، و«خير القرون»، و«السيرة النبوية للمصلحين». باب الإصلاح والتاريخ والسياسة الشرعية: «بوصلة المصلح»، و«زاد المصلحين»، و«الثقافة المعيارية للمصلحين» المسمَّاة «مركزيات الإصلاح»، و«المنهج الإصلاحي من سورتي الأنفال والتوبة»، و«السنن الإلهية وأثرها في الإصلاح»، و«التجارب الإصلاحية في العصر الحديث»، و«الطريق إلى بيت المقدس» في سيرة نور الدين وصلاح الدين، و«شرح كتاب السياسة الشرعية» لشيخ الإسلام ابن تيمية. باب الفكر والتربية والشباب: «دورة كيفية التعامل مع الشبهات الفكرية المعاصرة»، و«التأصيل المنهجي لقضايا المرأة»، و«سويَّة المؤمن» في جلساتٍ شبابية، و«برنامج كامل الصورة» بمواسمه الخمسة، و«السلسلة التربوية والمعرفية والإيمانية للجيل الصاعد». وله من قبلُ دورةٌ سمَّاها «دورة تأصيل» شرح فيها «عمدة الأحكام» و«الآجرومية» و«الأصول من علم الأصول» وقدَّم فيها مادةً في العقيدة وشرح نظمه كاملًا، في ستين يومًا؛ ثم دورةٌ أخرى شرح فيها «عمدة الأحكام» كاملًا مرةً ثانية؛ ودورةٌ في تخريج سبعين حديثًا والحكم عليها. فانظر كيف تتكامل الأبواب: وحيٌ يُتدبَّر، وسنَّةٌ وسيرةٌ يُقتدى بهما، وتاريخُ إصلاحٍ يُتعلَّم منه، ثم نزولٌ بذلك كله إلى واقع الشاب وشبهاته وسويَّته. فليس عنده علمٌ بلا أثر، ولا أثرٌ بلا علم. وفي «الطريق إلى بيت المقدس» خصوصيةٌ تستحق الوقوف: أن يختار رجلٌ يعلِّم الشباب أن يقرأ عليهم سيرة نور الدين وصلاح الدين، إنما يقول لهم شيئًا لا يقوله بلسانه: أن استرداد المقدسات لم يقع في التاريخ إلا بعد بناءٍ طويلٍ للنفوس والمؤسسات، وأن الطريق إلى بيت المقدس يبدأ من حلقة العلم لا من صيحة الغضب.

كلمةٌ تتكرَّر: المُصلح

وقد تقدَّم أن كلمة «المصلح» تتردَّد في عناوينه ترددًا يجاوز حدَّ المصادفة. ويحسن أن يُقال هنا ما تدلُّ عليه. فإن أكثر برامج التعليم الشرعي تخرِّج «طالب علم»، وغايتها أن يضبط الطالب المتون ويحسن المسائل. أما هذا فجعل غايته المعلنة أن يخرِّج مُصلحًا: رجلًا لا يكتفي بأن يعرف الحق، بل يحمل همَّ تغيير الواقع به. ولهذا احتاج مشروعه إلى ما لا تحتاجه المناهج المعتادة: إلى بوصلةٍ تضبط الوجهة، وزادٍ يعين على الطريق، وثقافةٍ معيارية يُوزن بها، وتجاربَ إصلاحية سابقة يُتعلَّم منها الصواب والخطأ، وسننٍ إلهية تُفهم بها مقادير النصر والتمكين، وعلاجٍ قرآنيٍّ للنفس حين تتعب في منتصف الطريق. وقد جاءت هذه الفكرة الجامعة متأخرةً عن البرامج نفسها؛ فقد كانت البرامج في أولها متفرقةً في نفسه كما هي متفرقةٌ في نظر المتابع، حتى إذا اتضحت الفكرة الأعلى منها لمَّ بها ذلك الشتات تحت نافذةٍ واحدة. فليست دروسًا متفرقة إذًا، بل منظومةٌ متكاملةٌ لصناعة رجلٍ من نوعٍ معيَّن؛ ومن قرأ عناوينه على هذا الترتيب أدرك أنه كان يبني بيتًا، وأن كل درسٍ لبنة.

ما يقوم عليه اليوم

وهو اليوم المشرف العام على جملةٍ من المشروعات، تُقرأ فيها خريطة عمله كاملة: المشرف العام على برنامج «البناء المنهجي»، وعلى برنامج «مشروع عالم»، وعلى «أكاديمية الجيل الصاعد»، وعلى «أكاديمية الحديث الإلكترونية»، وعلى برنامج «صناعة المحاور»، وعلى برنامج «البناء الفكري»، وعلى برنامج «مشروع العمر للمصلحين»، وعلى «مشروع تسهيل السنة»، وعلى موقع «المحاورون» للرد على الشبهات. ويضاف إلى ذلك عملٌ لا يظهر في القوائم ولا تُقاس ثمرتُه بالأرقام: مناقشة المتأثرين بالشبهات العقدية والفكرية. وهذا الأخير أثقل ما في الصحيفة. فإن إلقاء الدرس على الألوف أيسر على النفس من الجلوس ساعاتٍ إلى شابٍّ واحدٍ اهتزَّ يقينه، تسمع منه ما يُغضب، وتصبر على ما لا يُصبر عليه، ثم لا يعلم بذلك أحد. والذي يفعل هذا وهو مشرفٌ على تسعة مشروعات كبرى، إنما يفعله لأنه يرى الواحد أمةً، لا لأنه يعوزه ما يملأ به وقته.

ملامحه ومنهجه

يجتمع في الرجل ما يفترق في غيره: أصلٌ في الحديث، فهو حافظٌ للصحيحين وزيادات الثمانية، ناظمٌ في تطبيقات المحدِّثين، شارحٌ لـ«نزهة النظر» شرحًا مطوَّلًا، مشرفٌ على أكاديميةٍ للحديث ومشروعٍ لتسهيل السنة. فمن جادله في نصٍّ وجده في داره. وهو يقول إن نافذته التي دخل منها إلى الميدان الفكري إنما كانت نافذةَ الصنعة الحديثية وفكرةِ التوثيق، لا نافذةَ الفلسفة. وتخصُّصٌ فقهيٌّ عقديٌّ مضبوط، أخذ كل فنٍّ فيه عن أهله، فلا يخلط بين أدوات الأبواب. واستقلالٌ في القرار؛ فهو لا ينتمي إلى جماعةٍ ولا سياقٍ توجيهي، وكل مشاريعه قراراتٌ ذاتية لا إملاءات، مع تعاونه مع كل حريصٍ على الإسلام. وبناءٌ لا يتوقف؛ وهذه من أخصِّ قواعده. يقول: لم يخرج الإنسان نفسه من مربع البناء مهما كان العطاء كبيرًا، ولا يمكن أن يتوقف عن البناء وإلا سقط. ولكلِّ مرحلةٍ من البناء طبيعتُها؛ فمرحلةٌ تصلح فيها كثرة القراءة، وأخرى يكون البناء فيها بالتحضير والبحث، ومن لم يدرك طبيعة مرحلته أخذ خطوةً ليست له وإنما هي لمن سبقه. وقاعدةٌ في مراكمة الثمرات؛ يقول: الثمرة أُنزِلها فأجعلها قاعدةً وأبني عليها، ثم آخذ الثمرة فأجعلها قاعدةً وأبني عليها ثمرة، وهكذا. وبهذه القاعدة وحدها يُفهم كيف صار برنامجٌ واحد تسعةَ مشروعات. وبذلٌ للعلم بلا احتجاب؛ فدروسه كلها مرفوعة على الشبكة، وأكاديمياته مفتوحة لعشرات الآلاف من الجنسين في مختلف الأقطار. وله كلمةٌ سارت عنه تختصر منهجه: «مشاريع العمل تغلب مشاريع التحذير»؛ فالبناءُ المثمر أبقى أثرًا من التشويش والتحذير. وله قبلها ما هو أصدق منها: أن الضمان ليس فريقَ عملٍ ولا عزيمةً ولا إصرارًا، وإنما هو التوكل على الله وحده؛ ثم يشبِّه نفسه بورقة الشجر التي تسقط في أي لحظة، ويسأل الله أن يبقيه في الشجرة.

أثره

أثرُه يُقاس بثلاثة لا بواحد: في الأفراد: عشراتُ الآلاف في «الجيل الصاعد»، وطلابٌ من مختلف أقطار العالم في «البناء المنهجي»، وآلافُ الحوارات في «المحاورون» اهتدى فيها من اهتدى، ومن ناقشهم بنفسه ممن اهتزَّ يقينهم فردًا فردًا. في البناء: أنه لم يترك خلفه محاضراتٍ متفرقة، بل ترك مسارات ومناهج ومؤسسات تعمل ولو غاب، وربَّى من يربِّي بعده حتى صارت أجيالٌ بعد أجيال. وهذا هو الفرق بين من يورِّث علمًا ومن يورِّث نظامًا يُنتج العلم. في الصنعة: أنه أعاد إلى ميدان مواجهة الإلحاد شيئًا كان قد كاد يُفقد فيه، وهو التأصيل الشرعي؛ فلم يجعل الردَّ على الشبهات بابًا من الجدل المجرَّد، بل بابًا من أبواب العلم له أصوله وأدواته.

الخلاصة النهائية

قلتُ: فالحاصل أن أحمد بن يوسف بن حامد السيِّد شيخٌ مربٍّ مؤصِّل، صادقُ العناية، متينُ الآلة، جمع بين حفظٍ للسنة قلَّ نظيره في أبناء جيله، وتلمذةٍ منضبطة على أهل كل فنٍّ في فنِّهم، وبصرٍ بواقع زمانه وما نزل به من موجات الشك؛ ثم ابتُلي فصبر، وأُخرج من ميدانه ستَّ سنين فلم يخرج من العلم، ثم أُخرج من وطنه فلم يخرج من مشروعه. وأنفق ذلك كله في بناء الناس لا في بناء اسمه. فيؤخذ عنه تأصيلُه في مواجهة القضايا الفكرية المعاصرة، وهو أنفعُ ما يُقدَّم اليوم لشابٍّ نزلت به شبهة، وفي مقدمته «سابغات». وتؤخذ عنه صنعةُ الحديث وتطبيقات المحدِّثين، فإن له فيها نظمًا وشروحًا وأكاديمية ومشروعًا. ويُقتدى به في ترتيب الطلب، ومن أراد أن يبني نفسه بناءً لا يتهدَّم فليأخذ بمنهجه في التدرُّج ومعرفةِ طبيعة كل مرحلة. ويُقتدى به في أنه لم يجعل نفسه غاية المشروع، بل جعل غايته أن يُخرِّج من يقوم بعده. وأما ما لم يتصدَّر له من دقائق التخصصات، فليس بخسًا في حقه أن يُقال إنه ليس مرجعًا فيها؛ فإن معرفة الرجل لحدِّ نفسه فضيلةٌ تُذكر لا نقيصةٌ تُلتمس، وقد أحسن حين وقف حيث يُحسن، وبنى فيه ما بنى. وأصدقُ ما يوصف به: أنه لم يُرد أن يكون الجواب، بل أراد أن يصنع من يجيب. فبينما كان غيره يعدُّ المصائب على الجيل الصاعد، كان هو يفتح له بابًا؛ وبينما كان غيره يشتكي من ضياع الشباب في الشبكة، كان هو ينزل إليهم فيها بأكاديميةٍ لا جدران لها. ومن أول متنٍ حفظه صبيًّا بعناية أبيه، إلى آخر برنامجٍ يشرف عليه اليوم، والخيط واحدٌ لم ينقطع: أنه أخذ ليعطي، وحفظ ليبني، وتعلَّم ليصنع. وأبقى ما في سيرته صورةٌ واحدة: رجلٌ في محبسه لا يملك قلمًا، فينظم في رأسه مئةً وخمسين بيتًا في علم الحديث ويحفظها، حتى إذا أُعطي قلمًا كتبها. فمن كان هذا صنيعه حين سُلبت منه الأداة، فماذا يُنتظر منه حين تُردُّ إليه؟ وأيُّ سيرةٍ أشرفُ من سيرة رجلٍ يكون أعظمُ ما فيه أنه في غيره؟ نسأل الله سبحانه أن يحفظه ويسدِّده، وأن يبارك في علمه وعمله وعمره، وأن يجعل ما حفظ من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم نورًا له يوم يلقاه، وأن يجعل ما لقي في محبسه ومرضه وغربته رفعةً في درجاته وحطًّا لخطاياه، وأن يثبِّت به من اهتزَّ يقينه، وأن يبلِّغه في الجيل الصاعد ما احتسبه، وأن يُخرِج من مدارسه مصلحين يُقيمون ما بنى ويزيدون عليه، وأن يستعمله ولا يستبدله، وأن يرزقه الإخلاص فيما ظهر من عمله وما خفي، إنه سميع مجيب.

سجل المصادر

  • سيرةٌ ذاتيةٌ منشورة عنه، فيها تفصيل مولده ونشأته وحفظه ودراسته وشيوخه ودروسه ومشروعاته، وهي أصل هذه الترجمة.
  • لقاءٌ مطوَّل تحدَّث فيه عن نفسه: عن تجربة البناء ومراحلها، وعن نشأته وأسرته، وعن دورات الشيخ يحيى اليحيى، وعن سنوات الاعتقال وما صنع فيها، وعن بداياته الإعلامية ونشأة برامجه، وعن سنوات الغربة. وهو أوثق ما في هذه الترجمة، إذ هو كلامه عن نفسه.
  • عناوين سلاسله ودوراته ومحاضراته المعلنة، وهي مرفوعة على الشبكة.
  • قائمة المشروعات التي يشرف عليها إشرافًا عامًّا، ومؤلَّفاته المطبوعة.
  • نظمه «المُعين على فهم تطبيقات المُحدِّثين» وتقديم الشيخ سليمان بن ناصر العلوان له.

كُتبت هذه الترجمة يوم الثلاثاء 11 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 25 من أغسطس 2026 م، مما وقفنا عليه من سيرته المنشورة وحديثه عن نفسه ودروسه ومشروعاته. وسيرةُ رجلٍ ما زال في وسط الطريق يبني كلَّ يوم لبنة، أوسعُ من أن يحيط بها جامعٌ في مجلس؛ فما لم يُذكر هنا فمن قصور الجمع لا من قلة الفضل، ومن كان عنده مزيدُ خبرٍ فليُلحقه مشكورًا مأجورًا.

نُشرت هذه السيرة في ، وآخر تعديل لهذه الصفحة في . طول السيرة نحو 5212 كلمة.
أرسل رابطها إلى من يهمه الأمر.

اقترح سيرة أو تعديلًا

أرسل إلينا اقتراح سيرة جديدة، أو تصحيحًا وإضافة موثقة إلى هذه السيرة.

contact@alsiyar.com
إرسال رسالة