أحمد سبيع

أحمد سبيع
الاسم الكاملأحمد السيد أحمد سبيع المصري
الميلادالجيزة، مصر؛ في حدود سنة 1405 هـ (1985 م)
البلدمصر
المهنةباحث في مقارنة الأديان ومؤسّس قناة البيّنة
التخصصمقارنة الأديان، ونقد نصّ العهد القديم ومخطوطاته، واللغة العبرية
أبرز الأعمال
القائمة…[إظهار][إخفاء]
  • «سفر التكوين: الكتاب المقدس في ضوء المخطوطات والشواهد النصية»
  • «مدخل إلى مقارنة الأديان»
  • «النص الماسوري»
  • «هل كسر الربُّ السبت: نقد تكوين 22»
  • «القمص عبد المسيح بسيط في الميزان»
القسمباحثون
الفئاتأهل السنة

الباحثُ المدقِّق في مقارنة الأديان، المُناظِرُ الصبور، مؤسِّسُ قناة «البيّنة»: أحمدُ السيدُ أحمدُ سُبَيْع المصري، المولودُ بالجيزة في حدود سنة 1405 هـ (1985 م)، من بيتٍ مسلمٍ محافظ، وبها نشأ وتعلّم، وفيها يقيم اليوم ويكتب.

أداتُه لسانٌ ليس لسانَه: عبريةٌ تعلّمها ليقرأ بها كتب مخالفيه في أصولها لا في تراجمها، ثم أضاف إليها أدواتِ نقد النصّ ودراسةَ المخطوط وتاريخَ الترجمات، حتى صار يحاجّ أهلَ الكتاب من كتبهم هم وبألسنة علمائهم هم. وما غلب عليه خصلتان: أناةٌ في الخصومة لا تنكسر، وشغفٌ بالتوثيق لا يرضى معه أن تُرسل دعوى بغير مرجعٍ يُعرض على الناس. ومشروعُه كلمةٌ واحدة: أن يُخرج المسلمَ العاميَّ من الدهشة أمام الشبهة إلى القدرة على وزنها، وأن يُري غيرَ المسلم كتابَه كما هو لا كما قيل له إنه.

وموضعُه من عصره أنه ملأ فراغًا كان أصحابُه قلّة. فقد كانت مقارنةُ الأديان في بلاد العرب إما مادةً أكاديمية محبوسةً في رسائل الجامعات لا يقرؤها إلا أهلُها، وإما حماسةً في الردّ لا يقوم تحتها توثيق؛ فجاء رجلٌ يحمل اللسانَ العبري والمنهجَ النصّي، ويخاطب بهما شابًّا في العشرين على شاشة هاتفه. باحثٌ يقابل المطبوعَ بالمخطوط، ومعلّمٌ يشرح الحرفَ العبري لمن لا يعرف أبجديته. وهو في طبقة من ورث صنعةَ المناظرة عن جيل كبار المناظرين، وزاد عليها ما استجدَّ من أدوات هذا العصر: النصَّ الماسوري، والترجمةَ السبعينية، ومخطوطاتِ قمران، ومقارنةَ القوانين بين الكنائس.

قلتُ: وهذا رجلٌ من أهل الفضل في بابه، صادقُ اللهجة، نافعُ الأثر، أدّى في ثغرٍ من ثغور الملّة ما لم تؤدّه مؤسساتٌ قائمة، ثم دفع ثمنَ ذلك من حريته حتى خرج بلا تهمةٍ ثبتت ولا حكمٍ صدر. وأنبلُ ما فيه أنه لم يبدأ بطلًا: عرف الخوف، وقال إنه عرفه على الهواء، ثم عاد إلى مكانه. وسيأتيك خبرُ الدقائق الأربع التي قال فيها ذلك.

محتويات
  1. 1 سنةُ القرار: شابٌّ عاديٌّ قرَّر أن يتغيّر
  2. 2 غرفُ المناظرة ومنتديات الفرقان
  3. 3 كاميرا كانون في غرفةٍ صغيرة
  4. 4 سنةُ المنع من السفر
  5. 5 أربع دقائق قال فيها إنه يخاف
  6. 6 فجرُ الجمعة في حدائق الأهرام
  7. 7 على باب طرة بعد صلاة الجمعة
  8. 8 كيف كان يشتغل، وما الذي يؤخذ عنه
  9. 9 الخلاصة النهائية
  10. 10 سجل المصادر
    1. 10.1 من كلامه ومن نتاجه:
    2. 10.2 المقابلات والصحافة:
    3. 10.3 مصادر ناقدة ومخالفة:
    4. 10.4 الأرشيف:

سنةُ القرار: شابٌّ عاديٌّ قرَّر أن يتغيّر

كان بيتًا مسلمًا محافظًا في الجيزة، وكان الولدُ فيه واحدًا من ملايين. وهو يصف ذلك بنفسه فيقول ما مؤدّاه: كان أغلبُ حياته شخصًا عاديًّا، والدينُ عنده مجموعةُ عباداتٍ يفعلها أوقاتًا ويتركها أوقاتًا، يحبُّ الإسلام ولا يعدُّه قضيته. وهذه شهادةٌ على النفس، وشهادةُ المرء على نفسه بما لا يزيّنه أصدقُ ما يُنقل عنه.

ثم كانت السنة الفاصلة: سنة 1425-1426 هـ (2005 م). قال: «قرَّرت أن أتغيَّر». وبدأ بالعلوم الشرعية، ثم انتقل إلى دراسة مقارنة الأديان، ثم تعلَّم بعض اللغات القديمة. وله يومئذٍ نحو عشرين سنة. شابٌّ في العشرين يدخل من بابٍ لا يطرقه إلا المتخصصون، فينتهي بعد عقدٍ ونصف إلى أن يكون أشهرَ من يتكلم فيه بالعربية على الشبكة.

وكانت تلك السنواتُ سنواتِ المدّ التنصيري في الفضائيات العربية وفي غرف الحوار على الشبكة، وسنواتِ صعودِ الخطاب الإلحادي بين الشباب العربي في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر وما تلاه؛ فوجد الشابُّ الميدانَ مفتوحًا والمدافعين قليلًا. وقيَّض الله له في اللغة ما فتح له الباب: التحق بقسم اللغة العبرية بكلية الآداب، وتخرَّج فيه بالليسانس. وهذه هي الآلةُ التي فرَّقت بينه وبين سائر المتكلمين في الباب: أن يقرأ النصَّ العبري بعينه لا بترجمةٍ عن ترجمة.

غرفُ المناظرة ومنتديات الفرقان

قبل أن تكون له قناة، كان له مقعدٌ في غرف الحوار الصوتي على الشبكة، حيث كان المسلمون والنصارى يتناظرون بالمايك ساعاتٍ متصلة، ويحكم بينهم من يستمع. ومن هناك بدأ اسمُه يُعرف.

في تفريغٍ منسوب إلى مناظرةٍ قديمة له مع شمّاسٍ نصراني عن عصمة الكتاب المقدس، عرَّف بنفسه فقال: «أنا أخوكم العبد الفقير لله أحمد سبيع»، ثم ذكر أن له كتبًا وأبحاثًا في مقارنة الأديان، وخصوصًا في نقد العهد القديم، وأن آخر ما كتب يومئذٍ «القمص عبد المسيح بسيط في الميزان»، وأن له مناظراتٍ ومحاضراتٍ صوتية، وأنه يجيد اللغة العبرية، وأنه مديرٌ بمنتديات الفرقان الإسلامي للحوار الإسلامي المسيحي. وهذا أقدمُ ما وقفتُ عليه من تعريفه بنفسه، وفيه تجد صنعتَه كاملةً قبل أن تُصوَّر بكاميرا.

ومن أدبه في تلك المناظرة أنه افتتحها بقوله ما مؤدّاه: إن هذه المناظرة من الطرف المسلم ليس الهدفُ منها تشكيكَ الناس ولا إشعالَ الفتنة، وإنما إظهارُ الحق؛ واستشهد بقوله تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ من سورة آل عمران، وبقوله ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. ثم قال لخصمه في صدر مداخلته ما معناه: ليس الهدف أن أنتصر لنفسي أو تنتصر لنفسك، والناسُ الذين يسمعون هم الحَكَم؛ فإن أثبتَّ أن الكتاب معصوم آمنتُ به، وإن أثبتُّ أنه غير معصوم فآمِن أنت بذلك. وأيُّ مناظرٍ في هذا الزمان يفتتح مجلسه بأن يعرض على خصمه استسلامَه إن قامت الحجة؟

وفي هذه المرحلة استقرَّت أدواتُه: نقدُ الاستدلال الدائري («لا يصحُّ أن تُثبت عصمةَ الكتاب بنصٍّ من الكتاب نفسه»)، وجمعُ اختلاف القوانين بين الطوائف (ستةٌ وستون سفرًا عند البروتستانت، وثلاثةٌ وسبعون عند الكاثوليك والأرثوذكس، وثمانيةٌ وثمانون عند الكنيسة الإثيوبية)، والاحتجاجُ على النصارى بكلام آبائهم وبطاركتهم أنفسهم، فينقل عن البابا شنودة الثالث من «اللاهوت المقارن»، وعن كليمندس السكندري ويوستينوس الشهيد وإيريناوس في تقديس الترجمة السبعينية. وله في ذلك مناظراتٌ محفوظة تجاوز الواحدة منها ساعتين ونصفًا وثلاثَ ساعات.

وفي هذه السنوات أيضًا كتب وعلَّم: قال إنه بعد سنين بدأ يعلّم غيره ويعقد دوراتٍ على الشبكة وخارجها، وكتب مقالاتٍ وكتبًا. وهذا جردُ ما وقفتُ عليه من مؤلَّفاته:

  • سفر التكوين: الكتاب المقدس في ضوء المخطوطات والشواهد النصية ــ أوسعُ كتبه وأشهرها، صدر عن دار تبصير بالقاهرة سنة 1440 هـ (2019 م) في نحو 175 صفحة، جمع فيه نصَّ الفانديك وقابله بالقراءات والروايات الأخرى في الحواشي.
  • مدخل إلى مقارنة الأديان ــ كتابٌ تأسيسي في مصطلحات الفنّ وأصوله، وأصلُه برنامجٌ مصوّر بالاسم نفسه.
  • النص الماسوري ــ في أصل النصّ العبري الذي تُرجم عنه العهد القديم، وهو لبُّ صنعته.
  • هل كسر الربُّ السبت: نقد تكوين 22 ــ رسالةٌ في نقد نصٍّ بعينه.
  • القمص عبد المسيح بسيط في الميزان ــ نقدٌ مباشر لأحد كبار المدافعين عن العقيدة النصرانية في مصر، وهو أقدمُ ما ذكره من كتبه.

وهو عضوٌ مؤسِّس بمدوّنة النقد النصّي للعهد القديم، على ما يذكر في تعريفه بنفسه في حسابه الرسمي. وهذه الخمسةُ قليلةٌ في العدد، ثقيلةٌ في الباب؛ فإن نقد نصّ العهد القديم بالعبرية لا يكتب فيه بالعربية إلا الأفراد، وكتابٌ واحد فيه أنفعُ من عشرين كتابًا في المكرَّر المُعاد.

كاميرا كانون في غرفةٍ صغيرة

بقي في نفسه شيء. قال: كنت أشعر أن ثمة حاجةً ناقصة، وأن فئةً كبيرة لا تقرأ ولا تتابع ما أفعل. ففكَّر سنة 1435 هـ (2014 م) أن يصنع فيديوهات. واشترى بمساندة بعض إخوانه كاميرا «كانون 700» وأدواتٍ بسيطة، وفي غرفةٍ صغيرة في البيت أنشأ «قناة البيّنة لمقارنة الأديان والرد على الشبهات». ونشر أول فيديو يوم السبت 20 من ذي القعدة 1435 هـ، الموافق 16 من أغسطس 2014 م.

واسمُ القناة مأخوذٌ من سورةٍ في القرآن مفتتحُها في أهل الكتاب: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. ولم أقف له على تصريحٍ بوجه التسمية، وإنما هي مناسبةٌ ظاهرة يعرفها من قرأ السورة.

وكان ذلك في سنةٍ ضاق فيها المجالُ العام في مصر بعد الذي جرى سنة 1434 هـ (2013 م)، وارتفع فيها صوتُ الإلحاد بين الشباب العربي على الشبكة، وانحسر فيها الخطابُ الدعوي عن الفضائيات؛ فانتقلت الدعوةُ من الشاشة الكبيرة إلى الشاشة الصغيرة في يد كل أحد. وفي هذه الفجوة بالذات وقعت قناته، فوجدت جمهورًا كان ينتظرها.

ثم انتظمت في القناة برامجُه، وهي التي بها يُعرف:

  • مشكلات الكتاب المقدس ــ سلسلةٌ مرقَّمة، أوَّلُها حلقة «ضياع الأصول وأثره على الكتاب المقدس» في نحو خمسٍ وخمسين دقيقة، ثم حلقاتٌ في التناقضات العددية والفشل العلمي واعترافات علماء المسيحية بالتحريف.
  • مدخل إلى مقارنة الأديان ــ سلسلةٌ تعليمية للمبتدئ: المصطلحات، وأسفار التوراة، والأسفار التاريخية والشعرية، وأسفار الأنبياء الكبار، والأناجيل.
  • دروس اللغة العبرية ــ حلقاتٌ قصيرة يعلّم فيها الحروفَ والضمائرَ والأرقامَ والتحيةَ والشكرَ والاعتذار، وحلقةٌ طريفة في عشر كلماتٍ عبرية تشبه العربية.
  • برامج نقد الإلحاد ــ «وهم الإلحاد»، و«سموم الإلحاد»، و«خرافة نظرية التطور»، و«فوقع الحق»، و«أوَ نعقل»؛ عدَّدها بنفسه في مقابلته المنشورة.
  • المناظرات المصوَّرة ــ منها مناظرةٌ في عصمة الكتاب المقدس بلغت ساعتين ونصفًا، ومناظرةٌ مع شمّاس بلغت قرابة ثلاث ساعات، ومناظرةٌ في «هل يسوع هو عمانوئيل».

وطريقتُه في هذه الحلقات واحدة: يأخذ نصًّا من كتابهم، ثم يأتي بجواب علمائهم عنه، ثم ينظر في الجواب. ففي حلقةٍ من «مشكلات الكتاب المقدس» عرض اختلافَ سِفر الملوك وسِفر أخبار الأيام في سنّ أخزيا حين مَلَك، ثم نقل جوابَ القس منيس عبد النور في «شبهات وهمية حول الكتاب المقدس» وجوابَ الأستاذ الدكتور وهيب جورج كامل أستاذ العهد القديم بالكلية الإكليريكية بالقاهرة في «مقدمات العهد القديم» المقدَّم بتقديم أسقفٍ من أساقفتهم، وكلاهما يردُّ الاختلافَ إلى خطأٍ من الناسخ؛ فقال ما مؤدّاه: وهذا هو الذي نريده، فأنتم بهذا الجواب تُقرّون بوقوع أخطاء النسّاخ في كتابكم، وشكرًا لكم.

ومما يدلُّ على مقصده أن جُلَّ ما بثَّ دروسٌ لا ردود. جلس في بثٍّ مباشر على قناته يشرح «الخطوة الأولى في مقارنة الأديان» شرحَ معلّمٍ لمبتدئ: ما الكتاب المقدس، وما العهدان، وما الأسفار والإصحاحات، وما الترجمات، وما المخطوطات، وما الرتب الكنسية من الشمّاس إلى البطريرك، وما عقيدة التجسد والخطيئة الأصلية. وعلَّل ذلك بأنه فوجئ بأن كثيرًا من متابعي الصفحة يسألون عن أساسيات الفنّ، فأراد أن يفهم الواحدُ منهم المنشورَ قبل أن يستعمله. وأمسك في أثناء الشرح بنسخٍ من الكتاب المقدس يعرضها على الكاميرا واحدةً واحدة: الفانديك، وترجمة الحياة، والعربية المبسطة، والملك جيمس، والألمانية؛ رجلٌ يجمع طبعات كتاب خصمه كما يجمع الهاوي طوابعه.

وفي ذلك البث نفسه تقع لقطةٌ لا تُنسى: دخل عليه ولدُه الصغير حمزة والكاميرا تعمل، فتوقَّف عن الشرح وقال: «معلش أنا وقفت البث عشان حمزة»، ثم «ربنا يهديك يا حمزة»، ثم عاد إلى الترجمة السبعينية وقوانين الكنائس. غرفةٌ في بيت، وأبٌ يشرح مخطوطات قمران وابنُه يشدُّ ثوبه.

ومن أدبه في هذه الحلقات خصلتان قلَّ من يفطن لهما: أنه يمنع سبَّ المسيح عليه السلام ويقول لجمهوره إن يسوع وعيسى شخصٌ واحد اختلفت به التسمية؛ وأنه يمتنع أن يسمّي فقرات الكتاب المقدس «آيات» ويقول إن مصطلح الآية لقبٌ إسلاميٌّ بحت لا يُطلق على غير آيات القرآن. معلّمٌ لمن أراد أن يتعلَّم، مناظرٌ لمن أراد أن يخاصم.

وقد سمّى في ذلك البثّ مثالَه الذي يريد لطلابه أن يبلغوه، فقال ما مؤدّاه: من أراد أن يدرس مقارنة الأديان ليكون كالشيخ أحمد ديدات رحمه الله أو الدكتور ذاكر نايك حفظه الله، فلا بدَّ أن يعرف أشياء أساسية عن العقيدة المسيحية لا يسعه جهلُها. ثم سمّى من يتعاون معهم من أصحاب الصفحات الدعوية في مصر وغيرها، وقال إنهم أصدقاء من قبل أن توجد هذه المواقع، وإنهم جميعًا يهدفون إلى خدمة الإسلام. رجلٌ يرى نفسه حلقةً في سلسلة، لا رأسًا لمدرسة.

وفي ذي القعدة 1438 هـ (أغسطس 2017 م) أجرت معه صحيفة «البوابة» المصرية حوارًا مطوَّلًا هو أوفى ما نُشر عنه في الصحافة. قال فيه إن «البيّنة» كيانٌ دعوي تأسَّس في نهاية سنة 2014، وإن صفحته على فيسبوك يتابعها 848 ألف شخص، وإن مشتركي قناته على يوتيوب 87 ألفًا، وإن ما أنتجوه نحو 250 فيديو، وإن مشاهدات القناة تجاوزت تسعةَ ملايين ونصفَ المليون. ثم قال كلمةً هي ثمرةُ عمره في هذا الباب: «وقد أسلم بسبب الصفحة، الحمد لله، عددٌ كبير جدًّا».

وفي سنة 1440 هـ (2019 م) صدر «سفر التكوين»، وكان أثقلَ ما أخرج، ودخل به بابًا لا يدخله إلا من يقرأ المخطوط: مقابلةَ النص المطبوع بالشواهد النصية والقراءات.

ولم يقصر النظرَ على أهل الكتاب. فقد ناقش لؤي الشريف في مقطعه عن «التفسير السرياني للحروف المقطعة»، ثم في مقطعه عن «أدلة عدم تحريف التوراة» في جزأين، ودعاه إلى المناظرة في مقطعٍ لا تبلغ مدتُه دقيقة.

سنةُ المنع من السفر

آخرُ فيديو صنعه في تلك المرحلة كان في جمادى الأولى 1441 هـ (مطلع يناير 2020 م)، وكانت القناةُ قد بلغت نحو 430 فيديو، وكان قد اشترى في أثناء ذلك كاميرا أفضل وأدواتٍ أحدث ليحسّن جودة الصورة. قال: «وكان حلمًا من أحلامي أن القناة تكبر وتزيد والدعوة توصل لكل إنسان على وجه الأرض، وأفضل مستمر في إظهار الحق وإبطال الباطل لحد لما أموت. وما كنتش متخيل إن فيه قوة على وجه الأرض هتمنعني من تحقيق الحلم ده».

ثم بعد أسبوعين، وقد عزم على السفر خارج مصر بزوجته وولديه، فوجئ عند المطار بمنعه من السفر. قال إن سبب المنع فيما يغلب على ظنه تشابهُ أسماء، وإنه خسر تذاكر بقرابة ثلاثين ألف جنيه. وفي العاشر من جمادى الآخرة 1441 هـ (الرابع من فبراير 2020 م) احتُجز للسبب نفسه تقريبًا، وأُجريت معه التحرياتُ والتحقيقات. ثم أُفرج عنه بعد تسعةٍ وعشرين يومًا. وعلَّل هو ذلك بقوله: «ولأن فيديوهاتي ومنشوراتي كانت بعيدة عن السياسة تمامًا وبعيدة عن أي أفكار متطرفة، فالحمد لله خرجت».

وقد تفاعل الناسُ مع خبر احتجازه الأول تفاعلًا واسعًا. كتبت زوجتُه حفظها الله على صفحته المعتمدة بفيسبوك سطرًا واحدًا لا يُنسى: «أسألكم الدعاء لزوجي أحمد.. محتجز من صباح الأمس وحتى الآن لا نعلم عنه شيئًا». وقالت التنسيقيةُ المصرية للحقوق والحريات إن قوات الأمن اعتقلت «صاحب أكبر قناة متخصصة في مقارنة الأديان» بلا سندٍ قانوني واقتادته إلى مكانٍ مجهول. ونقلت الجزيرةُ عن باحثٍ حقوقي قولَه إن سبيعًا «لا علاقة له بالسياسة ويحرص على عدم الدخول فيها»، وإنه معروفٌ بعدم انتمائه لأي حزبٍ أو جماعة؛ وأن اعتقاله مع ذلك لم يفاجئ العاملين في هذا الشأن، لأن السلطة في تعاملها مع أصحاب الرأي «ليس لها خطوط حمراء».

أربع دقائق قال فيها إنه يخاف

خرج من الحبس الأول، وعاد إلى الغرفة الصغيرة والكاميرا، فصوَّر مقطعًا لا يبلغ خمسَ دقائق عنوانه «مصير قناة البيّنة بعد أزمة أحمد سبيع». ولم يبدأه بشكوى ولا بتظلُّم، بل بدأه بسيرته من أولها: كنت شخصًا عاديًّا، والدينُ عندي عبادات، حتى قررت أن أتغيّر سنة 2005. ثم مضى يحكي: العلوم الشرعية، فمقارنة الأديان، فاللغات القديمة، فالتعليم، فالكتب، ثم الكاميرا والغرفة الصغيرة وأول فيديو.

ثم قال ما لا يقوله إلا صادق: «بعد لما خرجت كانت حاجات كتيرة اتغيرت في حياتي. باختصار شديد كل حاجة اتخبطت تمامًا. واكتشفت وقتها إن أنا إنسان عادي جدًّا، مش سوبرمان ولا حاجة، وإن أنا باخاف زي أي إنسان، باخاف على نفسي وعلى أهلي وأولادي. ما بقتش عارف هل هأقدر أصوّر مرة تانية ولا لأ؟ هل لو صوّرت هيحصل مشاكل تانية ولا خلاص».

ثم في النفَس نفسه أتبعها بما بعدها: «لكن ولأن أنا مسلم وبستمد قوتي من الإيمان بالله عز وجل، ومهما مريت بمراحل ضعف لازم أرجع قوي تاني. لازم أعمل كل اللي أقدر عليه في سبيل القضية اللي أنا مؤمن بها... لذلك فقراري سيكون هو استمرار قناة البيّنة».

احسب ما بين الجملتين: «باخاف زي أي إنسان» و«قراري سيكون هو استمرار قناة البيّنة». بينهما دقيقةٌ واحدة من كلامه، وثمانيةُ أشهر من عمره، ثم فجرُ جمعةٍ سيأتي خبرُه.

ثم ختم المقطع بقوله: «وأخيرًا: القناة ليست للحرب ولا للعداوة، لكن الدفاع عن الإسلام ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور»، وبقوله: «وأشهد الله أنني أحبكم حبًّا كثيرًا... رغم أني لا أستحقه».

وقد كان في وسعه أن يسكت شهرًا فينساه الناس، أو يحوّل قناته إلى بابٍ لا يُسأل عنه أحد؛ فاختار أن يعلن عودته وهو يعرف من أين جاءته الضربةُ الأولى. وفي هذه الدقائق الأربع تجد الرجلَ كلَّه: خائفٌ يقرّ بخوفه، ماضٍ لا يقف.

فجرُ الجمعة في حدائق الأهرام

عاد إلى النشر كما قال، وعاد الناسُ إليه. وفي تلك الأشهر كانت الأمةُ في نازلةٍ من نوازل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم: نُشرت الرسومُ المسيئة في فرنسا في ربيع الأول 1442 هـ (أكتوبر 2020 م)، فاشتعلت حملةُ مقاطعة البضائع الفرنسية في البلاد العربية والإسلامية. ولم يتخلَّف عنها، بل كان من الداعين إليها؛ وذكرت مصادرُ صحفية أن تأييده لهذه القضايا التي اكتسبت زخمًا شعبيًّا واسعًا، ومنها المقاطعةُ والدفاعُ عن الرسول صلى الله عليه وسلم ورفضُ التطبيع، كان مما أثار عليه أعينَ السلطة.

ثم ضُيِّق عليه من جهةٍ أخرى: أعلن بنفسه أن يوتيوب حظره من النشر أكثر من مرة بسبب الشكاوى والبلاغات ضد ما ينشره، وكان آخرُها في الأسبوع الذي سبق اعتقاله، حتى بدا حسابُه مُفرَّغًا. ونشط النصارى في الحملة عليه ودشَّنوا وسومًا تطالب بمحاكمته، حتى بلغ ببعض المشتغلين بالردّ عليه أن جعلوا في عناوين مقاطعهم وسمًا يطالب بسجنه المؤبد.

ثم نشر مقطعًا عنوانه: «حرفٌ واحد أتعبَ المسيحيين وأثبتَ تحريف الكتاب المقدس». وفي فجر يوم الجمعة 12 من ربيع الآخر 1442 هـ، الموافق 27 من نوفمبر 2020 م، أي بعد يومٍ واحد من نشره، اقتحمت قواتُ الأمن بيته بمنطقة حدائق الأهرام واقتادته. حلقةٌ في حرفٍ من نصٍّ عبري بالأمس، وسيارةُ أمنٍ إلى جهةٍ مجهولة عند الفجر.

وأفادت الجبهةُ المصرية لحقوق الإنسان في بيانها أنه اقتيد إلى مقر الأمن الوطني بالشيخ زايد وأُخفي هناك يومين، وأن رجال الأمن حقَّقوا معه وسألوه عمّا ينشره على صفحته في فيسبوك من آرائه حول الأديان، ثم ظهر في نيابة أمن الدولة العليا. ووُجِّهت إليه في القضية رقم 1111 لسنة 2020 حصر أمن دولة تُهَمُ الانضمام إلى جماعةٍ إرهابية، ونشرِ وإذاعةِ أخبارٍ كاذبة، وإساءةِ استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، وتكديرِ السلم العام. وحُبس خمسةَ عشر يومًا على ذمة التحقيق، ثم جُدِّد له وجُدِّد.

وهبَّ الناس. أطلقوا وسم «الإفراج عن أحمد سبيع» فتجاوزت التغريدات فيه أحدَ عشر ألفًا في أيام، وطالب كثيرون شيخَ الأزهر بالتدخل. وقامت منصةٌ باسم «الحرية لأحمد سبيع» تتابع جلساتِ التجديد وتنشرها. وقال الأكاديميُّ إياد قنيبي حفظه الله إن سبيعًا كان سببًا في دخول مئاتٍ من النصارى في الإسلام بعد مشاهدة إصداراته، وإنه ينشر باستمرار عبر حسابه شهاداتِ توثيق إسلام من اهتدوا.

وصنع محبّوه شيئًا لم يخطر لسجّانه على بال: في الأسابيع الأولى من حبسه رفع بعضُهم أرشيفَ مقاطعه كاملًا إلى أرشيف الإنترنت. مجموعةٌ فيها نحو مئتي مقطع بحجم أربعةٍ وعشرين جيجابايت، وأخرى فيها قرابة مئةٍ وتسعين مقطعًا بحجم واحدٍ وأربعين جيجابايت، رفعها مجهولون لا يعرفهم ولا يعرفونه، خشيةَ أن تُمحى. فانظر إلى الصورتين متجاورتين: حسابُه يُفرَّغ من يوتيوب بالبلاغات، وكلامُه يُنسخ في مستودعٍ عامٍّ لا يُغلق.

ولم يمثل أمام محكمةٍ إلا بعد أكثر من خمسة أشهر من الحبس، وكان التجديدُ قبلها كلَّ خمسةَ عشر يومًا. وفي منتصف رمضان 1442 هـ (أواخر أبريل 2021 م) عُرض على المحكمة في أول جلسةٍ له، فجدَّدت حبسه خمسةً وأربعين يومًا. صام رمضانه ذاك خلف الباب، وأفطر على قرارٍ يمدُّ حبسَه شهرًا ونصفًا.

وطالت المدةُ حتى بلغت سنةً وتسعةَ أشهر، لم تُوجَّه فيها إليه لائحةُ اتهامٍ أمام محكمةٍ موضوعية، ولم يصدر في حقه حكمٌ بإدانة. وا أسفاه على عمرٍ من عمر رجلٍ نافع أُنفق في زنزانة، وعلى قناةٍ سكتت وهي في أوج نفعها. وهنا انقطع الدرسُ عن ألوفٍ كانوا يتعلمون منه حروفَ العبرية حرفًا حرفًا. اللهم سلِّم؛ فما من بيتٍ يُغلق بابُه على أهله ليلًا وهو آمنٌ أن يُطرق عليه في فجرٍ كهذا.

على باب طرة بعد صلاة الجمعة

ثم تحرَّك في مصر ما كان ساكنًا. أُعيد تفعيلُ لجنة العفو الرئاسي في رمضان 1443 هـ (أبريل 2022 م) في أعقاب دعوة الحوار الوطني، وبدأت قوائمُ الإفراج تصدر تباعًا حتى تجاوز عددُ من أُخلي سبيلهم في قضايا الرأي والتعبير مئةً وستةً وتسعين شخصًا.

وفي يوم الجمعة 13 من صفر 1444 هـ، الموافق 9 من سبتمبر 2022 م، وبعد صلاة الجمعة، خرج أحمد سبيع من سجن طرة ضمن ثلاثةٍ وثلاثين من المحبوسين احتياطيًّا أعلنت لجنةُ العفو الرئاسي إخلاء سبيلهم. وقال المحامي طارق العوضي، وهو عضوٌ في اللجنة، في تصريحٍ لموقع «مصراوي» إن الباحث أحمد سبيع «كان متهمًا في ازدراء الدين المسيحي». وانتشرت صورُه وأهلُه يستقبلونه أمام السجن.

فأما هو، فكتب على حسابه كلمةً هي أجملُ ما قيل في هذا الباب. افتتحها بقول يعقوب عليه السلام في سورة يوسف: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾، ثم قال: «كان لا بد أن أتخرَّج من نفس المدرسة التي تخرَّج منها نبيُّ الله يوسف الصديق، كانت مدةُ الدراسة قرابة العامين، فترةٌ قاسية جدًّا، لكنها مليئة بالدروس».

فلله درُّه؛ رجلٌ يخرج من الحبس فلا يفتتح كلامه بشكوى سجّانٍ ولا بتعداد ما لقي، وإنما بآيةٍ يجعل فيها السجنَ مدرسةً والنبيَّ يوسف زميلَ الدفعة. وهذه واحدةٌ من ثمرات هذا العلم الذي أفنى فيه عمره: أن يقرأ الرجلُ حالَه في كتاب ربه فيهون عليه.

ثم عاد إلى مكانه. وسَّع دائرة عمله بعد الحبس فأنشأ قناةً شخصية ثانية على يوتيوب بجانب «البيّنة»، قال في تعريفها إنها لكواليس القناة والبثّ المباشر والتعليق على المنشورات والإجابة عن أسئلة المتابعين، وافتتح قناةً على تليجرام يجعلها دفترَ عمله اليومي، وحسابًا على إنستغرام. وانتقل ثقلُ اهتمامه من الردّ على النصارى وحدهم إلى ما هو أخصُّ بأداته: النصُّ العبري نفسه، والتلمود، والمخطوطات، والاستشراق. حتى قالت صفحاتُ خصومه من النصارى إنه «منذ خروجه من السجن أصبح مهووسًا باليهود»؛ وهي شهادةٌ منهم عليه بأنه رجع أقوى في بابه لا أضعف.

وهو إلى يوم كتابة هذه الترجمة على ذلك، لم ينقطع ولم يلن. ففي شعبان 1447 هـ (يناير 2026 م) نشر بحثًا مصوَّرًا في اسم النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة بالنص العبري، وقال لمتابعيه إن الحلَّ ليس في تفتيش الترجمات العربية وإنما في الرجوع إلى النص قبل أن يُترجم؛ ثم أتبعه بمقطعٍ في شهادات المستشرقين الذين أنصفوا القرآن. وفي رمضان 1447 هـ (فبراير 2026 م) نشر «السبعينية: الكتاب المقدس الذي نسيه المسيحيون»، وأرفق به ملفَّ مراجعه في اثني عشر ميجابايت.

وفي محرم 1448 هـ (يونيو ويوليو 2026 م) نشر «الدليل على أن اليهود يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم»، ثم ردًّا على طعن يوسف زيدان في قصة أصحاب الفيل بالأدلة الأثرية، ثم ردًّا على محمد شحرور وأتباعه، ورفع لمتابعيه الترجمةَ العربية والإنجليزية لكتاب بيتر شيفر «يسوع في التلمود». وفي ربيع الأول 1448 هـ (أغسطس 2026 م) ردَّ على فراس السواح في دعواه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بمكة وأنه كان نصرانيًّا فانشقّ بدينٍ جديد. وحلقاتُه اليوم تُترجم وتُدبلج إلى الإنجليزية، فتخطَّت العربيةَ إلى غيرها كما كان يتمنى قبل الحبس.

وآخرُ ما وقفتُ عليه له سطرٌ كتبه لمتابعيه يوم كتابة هذه السطور: «فيديو جديد غالبًا غدًا إن شاء الله، دعواتكم».

اثنتا عشرة سنة بين أول فيديو في غرفةٍ صغيرة وبين هذا السطر، وبينهما احتجازان وسنةٌ وتسعة أشهر خلف الباب. ثم هو يقول: غدًا فيديو جديد.

كيف كان يشتغل، وما الذي يؤخذ عنه

هذا جمعُ حكمٍ لما مرَّ بك من أخباره، لا رواية جديدة. ومن تأمَّل مادته وجد صنعتَه قائمةً على أصولٍ ظاهرة:

الأول: الاحتجاج على الخصم من كتابه هو. ما ناظر قسًّا إلا من كتابه. وقد مرَّ بك كيف نقض دعوى العصمة بنصوص البابا شنودة الثالث في «اللاهوت المقارن» وبآباء القرن الثاني في تقديس السبعينية، وكيف احتجَّ على النصارى بجواب علمائهم أنفسِهم في مسألة سنّ أخزيا. وهذا أصلُ صنعته كلِّها: أن يجعل الخصمَ شاهدًا على نفسه.

الثاني: التوثيق المرفق لا الموعود. يرفق بحلقاته ملفَّ مراجعها وصورَ صفحاتها ليراجعه من شاء، على ما تقدَّم في مراجع حلقة السبعينية. وهذه خصلةٌ عزيزة في هذا الباب، وهي التي تجعل مادته صالحةً للنقل والاحتجاج بعد سنين.

الثالث: التعليم قبل الجدل. جُلُّ ما بثَّ دروسٌ لا ردود: مصطلحاتٌ، وأقسامُ أسفار، وفرقٌ بين الترجمات والقوانين، وحروفُ عبرية للمبتدئين. وقد تقدَّم تصريحُه بعلّة ذلك، وأنه أراد أن يفهم متابعُه المنشورَ قبل أن يستعمله. فالرجل يبني قارئًا، والبناءُ أبقى من الجدل.

الرابع: أدبُ الخصومة. تقدَّم نهيُه عن سبّ المسيح عليه السلام، وامتناعُه أن يسمّي فقرات كتابهم «آيات»، وقولُه لخصمه في المناظرة إنه يقبل الحقَّ منه إن قامت به الحجة. وهذا ورعٌ في اللفظ لا يفطن له أكثرُ من يشتغل بهذا الباب، وهو الذي يجعل حجّته تصل قبل أن يبلغ صوتُه.

الخامس: التخصص لا التوسع. لم يتصدَّر للفتوى ولا للحكم على العلماء، ولم يخرج من بابه إلى ما ليس له فيه آلة. وهذا من أنفع ما يقال في رجل: أنه عرف حدَّ صنعته فوقف عنده.

فيؤخذ عنه في مقارنة الأديان ونقد نصّ العهد القديم وتاريخ الترجمات والقوانين الكنسية وأوَّليات العبرية، ويُنتفع بردوده على الإلحاد ونظرية التطور وعلى المنتحلين للتفسير المعاصر. وأما أبوابُ العقيدة والفقه والحديث فليست بابَه ولا ادَّعاها، ولا يُطلب من الرجل ما لم يتصدَّر له.

الخلاصة النهائية

أحمد سبيع باحثٌ مدقّق في مقارنة الأديان، وداعيةٌ صادقُ اللهجة من أهل السنة، نافعٌ في بابه نفعًا ظاهرًا لا يُنكره منصف، وظاهرُ أمره ظاهرُ من أراد بعلمه وجهَ الله لا وجهَ الناس؛ نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكّيه على الله. سدَّ ثغرًا كان مفتوحًا: نقدَ نصّ العهد القديم بالعبرية على لسانٍ يفهمه شابٌّ لم يدخل جامعة، وجمع بين آلة المتخصص وبيان المعلّم؛ فانتهت إليه في مصر صنعةُ هذا الفنّ على منابر الشبكة.

يؤخذ عنه في مقارنة الأديان، ونقد نصّ العهد القديم ومخطوطاته وتاريخ ترجماته، وفي اختلاف القوانين بين الكنائس، وفي أوَّليات العبرية، وفي الردّ على شبهات النصارى وعلى الإلحاد وخرافة التطور، وفي كشف دعاوى المستشرقين والمنتحلين للقراءة المعاصرة. وحدُّ ما يؤخذ عنه بابُه هذا؛ فليس بفقيهٍ ولا محدّثٍ ولا مفتٍ، ولم يدَّعِ شيئًا من ذلك ولم يتصدَّر له، وهذه من مناقبه لا من نقصه، فإن أكثر ما أفسد المتصدرين في هذا الزمان تجاوزُهم حدَّ صنعتهم.

وأثرُه لا يُقاس بعدد المشتركين. جيلٌ من شباب العرب صار يعرف الفرق بين الفانديك والماسوري والسبعينية، ويعرف أن الأسفار القانونية الثانية سبعةٌ يقرّها قومٌ ويردّها آخرون، ويعرف أن يطلب المرجع قبل أن يصدّق الدعوى؛ وهذا وحده مكسبٌ في وعي الأمة يبقى بعد صاحبه. ودخل في الإسلام بسبب مادته من أهل الكتاب عددٌ لم يُحصَ، أقرَّ به هو في حواره وشهد له به من أهل العلم من يوثق بشهادته. وحسبك أن رجالًا لم يعرفهم قطُّ حملوا مقاطعه إلى أرشيفٍ عامٍّ في واحدٍ وأربعين جيجابايت يومَ خافوا أن تُمحى؛ فالكلمةُ التي يحرص الناسُ على نسخها هي الكلمة التي أثَّرت.

فإذا رجعتَ إلى تلك الدقائق الأربع التي جلس فيها بعد حبسه الأول أمام كاميرته وقال لمتابعيه إنه يخاف، ثم قال إنه عائد، عرفتَ من أين جاءت هذه السيرةُ كلُّها. كان يستطيع يومَها أن ينصرف فيُعذر، وأن يصمت فيُلتمس له العذر؛ فاختار الطريقَ وهو يرى نهايته، فمشى فيه ثمانيةَ أشهر حتى أخذوه من بيته في فجر جمعة. ثم خرج بعد سنةٍ وتسعة أشهر فأعلن أنه تخرَّج من مدرسة يوسف عليه السلام، وعاد إلى الكاميرا. وأنت يا من تظنُّ أن الثبات موهبةٌ تُولد مع أصحابها: هذا رجلٌ أقرَّ بضعفه على الملأ ثم ثبت، فليس الثباتُ ألا تخاف، وإنما هو أن تمضي وأنت خائف.

اللهم يا من علَّم آدم الأسماء كلها، بارك لأحمد في لسانه الذي تعلَّمه لنصرة كتابك، واجعل ما نُسخ من كلامه ذخرًا له يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، واجزه عن كل نفسٍ اهتدت بمادته خيرَ ما جزيت داعيًا عن مدعوّه، واحفظه في بلده وأهله وولديه، ولا تُعده إلى ما أخرجته منه، واردد عنه كيدَ من كاده، واختم له بالحسنى. اللهم ومن كان في السجون من أهل الحق فرِّج عنهم كما فرَّجت عنه، إنك سميع مجيب.

سجل المصادر

من كلامه ومن نتاجه:

  • حساباته الرسمية: تعريفُه بنفسه في حسابه على منصة إكس («باحث في مقارنة الأديان، أجيد العبرية، ومؤسس قناة البيّنة»)، ومنشورُه بعد الإفراج المفتتَح بآية يوسف، وقناتُه على تليجرام ومنشوراتُها في سنة 1447-1448 هـ (2026 م)، ووصفُ قناته الشخصية الثانية على يوتيوب.
  • قناة البيّنة لمقارنة الأديان والرد على الشبهات على يوتيوب: أرشيفُ مقاطعها وبرامجُها، ومنه أُخذت عناوينُ سلاسله ومدد حلقاته.
  • مقطع «مصير قناة البيّنة بعد أزمة أحمد سبيع»: أهمُّ مادةٍ في سيرته الذاتية بلسانه، ومنه سنةُ التحول 2005، وقصةُ الكاميرا والغرفة، وتاريخُ أول فيديو، وعددُ المقاطع، وخبرُ المنع من السفر والاحتجاز الأول، وإعلانُه الخوف والعودة. (نُقل عن تفريغٍ منشور للمقطع.)
  • بثّه المباشر «أول خطوة في مقارنة الأديان»: منه منهجُه في التعليم، وأدبُه في تسمية فقرات الكتاب المقدس، ونهيُه عن سبّ المسيح، وذكرُه لأحمد ديدات وذاكر نايك، وأسماءُ من يتعاون معهم من أصحاب الصفحات.
  • مناظرته مع شمّاسٍ نصراني عن عصمة الكتاب المقدس: منه تعريفُه بنفسه، وإدارتُه لمنتديات الفرقان الإسلامي، وأدبُ افتتاحه، وأدواتُه في نقض الاستدلال الدائري واختلاف القوانين.
  • حلقة «أسهل طريقة لإثبات تحريف الكتاب المقدس» من برنامج «مشكلات الكتاب المقدس»: نموذجٌ كاملٌ لطريقته في الاحتجاج بكتب الخصم.
  • كتبه: «سفر التكوين: الكتاب المقدس في ضوء المخطوطات والشواهد النصية» (دار تبصير، القاهرة، 1440 هـ / 2019 م)، و«مدخل إلى مقارنة الأديان»، و«النص الماسوري»، و«هل كسر الربُّ السبت: نقد تكوين 22»، و«القمص عبد المسيح بسيط في الميزان».

المقابلات والصحافة:

  • صحيفة البوابة المصرية، حوارٌ مطوَّل معه بتوقيع أحمد الجدي، منشورٌ يوم الثلاثاء 9 من ذي القعدة 1438 هـ (1 من أغسطس 2017 م): أوفى ما نُشر عنه صحفيًّا، ومنه تاريخُ تأسيس الكيان الدعوي وإحصاءاتُه وبرامجُه ونفيُه للتهديد والاختراق والانتماء.
  • الجزيرة نت، خبرٌ بتوقيع عبد الرحمن محمد بتاريخ 12 من جمادى الآخرة 1441 هـ (6 من فبراير 2020 م): خبرُ الاحتجاز الأول، ونصُّ منشور زوجته، وبيانُ التنسيقية المصرية للحقوق والحريات.
  • رابطة علماء أهل السنة، خبرٌ في 15 من جمادى الآخرة 1441 هـ (9 من فبراير 2020 م) في الاحتجاز الأول.
  • الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، بيانٌ في ديسمبر 2020 م (ربيع الآخر 1442 هـ): تفاصيلُ القبض والإخفاء يومين بمقر الأمن الوطني بالشيخ زايد، وتُهَمُ القضية 1111 لسنة 2020 حصر أمن دولة.
  • موقع نافذة مصر، تقريرٌ في 19 من ربيع الآخر 1442 هـ (4 من ديسمبر 2020 م): عنوانُ آخر مقاطعه قبل الاعتقال، وحظرُ يوتيوب له، وخبرُ الوسم وتجاوزِه أحدَ عشر ألف تغريدة، وقولُه إن احتجازه الأول كان لتشابه أسماء، وحملاتُ خصومه.
  • هوية بريس، تقريران: أحدهما في 17 من ربيع الآخر 1442 هـ (2 من ديسمبر 2020 م) في حملة الإفراج، والآخر في 13 من صفر 1444 هـ (9 من سبتمبر 2022 م) في الإفراج عنه، وفيه تصريحُ المحامي طارق العوضي بأن التهمة كانت ازدراء الدين المسيحي.
  • إخوان أونلاين، خبرٌ في 16 من رمضان 1442 هـ (28 من أبريل 2021 م) في تجديد حبسه خمسةً وأربعين يومًا بعد أول عرضٍ على المحكمة، وفيه شهادةُ إياد قنيبي ونقلُه عن منصة «الحرية لأحمد سبيع».
  • الجزيرة مباشر ومصراوي، خبرا الإفراج عن ثلاثةٍ وثلاثين محبوسًا احتياطيًّا في 13 من صفر 1444 هـ (9 من سبتمبر 2022 م) بإعلان طارق العوضي وطارق الخولي عضوَي لجنة العفو الرئاسي، وسياقُ إعادة تفعيل اللجنة في رمضان 1443 هـ (أبريل 2022 م).
  • بوابة الحرية والعدالة، تقريرٌ يوم الإفراج جمع ردودَ الفعل على منصات التواصل، ومنه خبرُ الخروج من سجن طرة بعد صلاة الجمعة، وشهاداتُ المهنّئين ووصفُهم له.
  • موقعا شبابيك والمعرفة، تعريفان به، وفيهما تكذيبُ شائعة أنه كان نصرانيًّا فأسلم، واسمُه الكامل، وتفاصيلُ القضية والإفراج.
  • منتديات حراس العقيدة، قسمٌ مخصَّص لقناة البيّنة منذ سنة 1436 هـ (2015 م)، فيه برامجُه الأولى، وخبرُ اعتقاله الثاني.

مصادر ناقدة ومخالفة:

الأرشيف:

  • أرشيف الإنترنت: مجموعتان رفعهما محبّوه بعد اعتقاله مباشرةً، إحداهما «Ahmad Sebai» في 20 من ربيع الآخر 1442 هـ (5 من ديسمبر 2020 م) بحجم 24.3 جيجابايت، والأخرى «فيديوهات أحمد سبيع» في آخر ذلك الشهر بحجم 41.6 جيجابايت؛ ومجموعةٌ أقدم من صوتيات القناة ومرئياتها رُفعت سنة 1437 هـ (2015 م).
  • موقع باحث (baheth): تفريغاتٌ آلية منشورة لمقاطعه ومناظراته، منها استُخرجت النقولُ عن كلامه في هذه الترجمة، مع مراعاة أن التفريغ آليٌّ يحتاج مقابلةً بالصوت.

كُتبت هذه الترجمة يوم الجمعة 22 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 4 من سبتمبر 2026 م، مما وقفنا عليه من كلامه ونتاجه وأخبار محنته إلى هذا اليوم. وسيرةُ رجلٍ ما زال يكتب وينشر أوسعُ من أن يحيط بها جامع، فما لم يُذكر هنا فمن قصور الجمع لا من قلة الفضل؛ ومن كان عنده مزيدُ خبرٍ أو تصحيحٌ فليُتحفنا به مشكورًا، ونسأل الله أن يحفظه فلا يحتاج هذا النصُّ إلى تعديلٍ من أجل محنةٍ جديدة.

اقترح سيرة أو تعديلًا

إرسال رسالة

شارك هذه السيرة

نُشرت هذه السيرة في ، وآخر تحديث لها في . طول السيرة نحو 4753 كلمة.