سمير مصطفى
![]() | |
| الاسم الكامل | سمير بن مصطفى السيوطي |
|---|---|
| الكنية | أبو عبد الرحمن |
| النسب | السيوطي |
| الميلاد | مصر؛ نحو 1976 م |
| البلد | مصر |
| المهنة | داعية ومربٍّ وواعظ وخطيب |
| التخصص | التربية والتزكية وأعمال القلوب، والرقائق والعقيدة والسيرة |
| الانتماء | سلفي مستقل |
| المذهب | الشافعي |
| شيوخه | القائمة…[إظهار][إخفاء]
|
| أبرز الأعمال | القائمة…[إظهار][إخفاء]
|
| التصنيف | دعاة وعلماء |
الشيخُ الداعيةُ المربِّي، الواعظُ المؤثِّر، طبيبُ القلوب الذي بكى على المنابر فأبكى، وأُودع في السجون فثبت: أبو عبد الرحمن سميرُ بنُ مصطفى السيوطي، الشافعيُّ مذهبًا، من سكان مدينة حلوان بجنوب القاهرة. وُلد بمصر في نحو سنة 1976 م، وهو اليوم في العقد الخامس من عمره، قضى منه تسعَ سنين في السجن.
ومشروعه الذي أنفق فيه عمره ليس تأسيسَ جماعةٍ ولا تصنيفَ موسوعة، وإنما هو إنقاذُ الغرقى واحدًا واحدًا: أن يُمسك بيد الشاب الذي أُغلق في وجهه بابُ الرجاء فيفتحه له، وأن يعالج من الإلحاد جذرَه النفسيَّ لا فرعَه الفلسفيَّ وحده، وأن يردَّ البيوت المتصدِّعة إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم في بيته. لم يقدِّم إسلامًا مخفَّفًا يُرضي الجماهير، بل قدَّم الحلال حلالًا والحرام حرامًا، ثم فتح على مصراعيه بابَ التوبة لمن تلطَّخ.
ومنبره لم يكن كرسيًّا جامعيًّا ولا شاشةَ فضائيةٍ صنعت له هالة، وإنما كان مسجدَ الحق بحلوان، ثم مساجدَ القاهرة والجيزة، ثم محافظاتِ مصر واحدةً بعد واحدة. ألقى مئاتِ الخطب، وبنى سلاسل علميةً مبوَّبةً في العقيدة والرقائق والسيرة، حتى صار من أوسع من يُسمع صوتُه بين شباب مصر والعرب، بصعودٍ شعبيٍّ خالص لم تُنفق عليه مؤسسةٌ ولا رعته جهة.
ثم كان يومُ السادس من يونيو سنة 2017 م. خرج من بيته إلى مطار القاهرة ومعه تذكرتُه إلى مكة يريد العمرة، فأُوقف عند البوابة، ولم يركب الطائرة، ولم يعد إلى بيته. ومضت على ذلك تسعُ سنين، لم يصدر عليه فيها حكمٌ واحد، وهو اليوم واحدٌ من 312 متهمًا في قفصٍ واحد، تُؤجَّل جلستُهم مرةً بعد مرة.
وأعجبُ ما في سيرته أن السجن لم يُسكته: بقيت قناتُه تنشر وصاحبُها خلف الأسوار، وطارت مقاطعُه في هواتف جيلٍ لم يُدرك مجالسه، حتى صار يُسمع اليوم أكثر مما كان يُسمع وهو طليق. فاحسب معي ما بين التاريخين: منبرٌ صمت سنة 2017، وصوتٌ ما زال يعمل سنة 2026.
محتويات
حلوان: مدينةُ المصانع التي أخرجت واعظًا
حلوانُ في أقصى جنوب القاهرة، مدينةُ الحديد والصلب والأسمنت، يسكنها العمالُ وصغارُ الموظفين وأبناؤهم. ليست حيَّ وجاهةٍ ولا موطنَ بيوتِ علمٍ قديمة، وإنما مدينةٌ كادحة. وفي هذه البيئة نشأ ومنها خرج منبره.
وهي مفتاح الرجل كلِّه؛ فإن الذي يقرأ عن أمراض القلوب في الكتب غيرُ الذي يراها في الوجوه كلَّ يوم. عاش بين هؤلاء الشباب فعرف ما يُضحكهم وما يكسرهم، ورأى كيف تلتهم فتنُ العصر أبناءَ جيله واحدًا بعد واحد: هذا أدمن، وهذا يئس، وهذا شكَّ، وهذا انقطع عن المسجد فلم يعرف طريق الرجوع. فأعطته النشأةُ معرفةً بالداء لا تُقرأ في كتاب، ولغةً بسيطةً قويةً تصل إلى قلب الشاب المدمن كما تصل إلى قلب المثقف الحائر.
ولم يكن ابنَ شيخٍ ورث منبرًا، ولا خرِّيجَ أسرةٍ لها في الدعوة تاريخ، وإنما رجلٌ بناه مشايخُ قصدهم قصدًا. وأصلُ نسبه إلى أسيوط في الصعيد، ومذهبُه الشافعي؛ وفي إثباته مذهبَه أدبٌ مع الفقه لا يُحسنه كلُّ متصدِّر في زمنٍ صار فيه الكلامُ في المسائل بلا مذهبٍ ولا آلة.
وأما بيته الأول ووالداه وإخوته وصباه، فلا يكاد يُعرف عنه شيء، ومن عجيب أمره أن أولَ عمره مطويٌّ هكذا، وآخرَه موثَّقٌ بأرقام القضايا وتواريخ الجلسات؛ فيُعرف عن الرجل يومُ محاكمته ولا تُعرف سنةُ مولده على وجه اليقين. ولستُ أملأ هذا الفراغ بالظنِّ؛ فإن الفراغ المعلن خيرٌ من الفراغ المستور.
الشيوخ الأربعة وملازمةُ العشر سنين
مصدرُ هذا الفصل ترجمتُه الموجزة التي نُشرت على صفحته الرسمية، وهي أوثقُ ما بين يديَّ في هذا الباب.
قرأ على الشيخ حسن أبو الأشبال الزهيري الصحيحين ومصطلح الحديث، وهما متنٌ يُقرأ وآلةٌ يُقرأ بها. وقرأ على أبي إسحاق الحويني بعضَ «صحيح البخاري»، والحويني هو الذي انتهى إليه في مصر علمُ التخريج ونقدِ الأسانيد. وأخذ الفقهَ وأصولَه على محمد عبد المقصود العفيفي، وهو ممن يُفتي في النوازل ويتحمَّل ثمن فتواه؛ فلم يتعلم الرجل الفقه من كتابٍ وحده.
وأما شيخُه الأكبر كما وصفه هو، فالعلامة عطاء بن عبد اللطيف: رجلٌ زاهدٌ في الشهرة، لا تعرفه العامة وتعرفه الخاصة. وقد كتب سميرٌ في ترجمته رسالةً مفردة، وهي أولُ ما صنَّف. فمن بدأ حياته العلمية بأن يُعرِّف الناس بمن نسيه الناس، لم يكن طالبَ اسمٍ لنفسه.
ثم كان الرباط الأطول: ملازمتُه محمد حسين يعقوب عشرَ سنين قبل أسره. وأثرُ ذلك ظاهرٌ في مادته كلها؛ فمدرسة الشيخ يعقوب مدرسةُ رقائق وتربيةٍ على المحبة والخوف والرجاء، لا مدرسةَ تصنيفٍ وتجريح. والملازمةُ تنقل الحالَ لا العلمَ وحده.
فهذه خمسةُ روافد لا رافدٌ واحد؛ ولذلك خرج واعظًا لا تنقصه الآلة، لا يروي إلا ما يعرف من أين جاء. وغلب على قراءته إمامان: ابن تيمية وابن القيم، ولا سيما في السلوك وأمراض القلوب وما في «مدارج السالكين»؛ وكان يُعيد صياغة كلام ابن القيم بلغة العصر حتى يشعر السامع أن الرجل جالسٌ معه يحلُّ له ضيقَه، وهي صنعةٌ يسقط فيها أكثرُ من يحاولها.
رسالتان تُعرِّفان بصاحبهما
لم يكن مكثرًا من التصنيف ولم يدَّعِ ذلك؛ فمجاله المنبر لا المحبرة. والمذكور له رسالتان: ترجمةُ شيخه عطاء بن عبد اللطيف، و«أنين المساجد من عَبَث الساجد».
وانظر إلى العنوان الثاني وحده: مساجدُ تئنُّ، وأنينُها ليس من عبث المعتدي عليها من خارجها بل من عبث الساجد فيها. رسالةٌ في أدب بيوت الله وما يقع فيها من اللغو والغفلة ممن جاء إليها للصلاة. وأهونُ على النفس أن تُؤلِّف في جرائم الأعداء، وأثقلُ عليها أن تُؤلِّف في عبث المصلين. ولو أُريد تلخيصُ مشروعه في سطرٍ لما وُجد أدلُّ من عنوانٍ كهذا.
وله فوق ذلك مادةٌ منشورةٌ هي في حقيقتها كتبٌ مسموعة، وهي نتاجٌ في زماننا لا يقلُّ عن التصنيف وأوسعُ أثرًا؛ فالكتاب يقرؤه المئات، والدرس المسجَّل يسمعه مئاتُ الألوف.
مسجد الحق وسلاسله
كان مقرُّ دروسه الأشهر مسجد الحق بحلوان خلف المعهد الأزهري، وله فيه سلسلةُ محاضراتٍ منشورةٌ باسمه، ودروسٌ أخرى في مسجد بلال وغيره.
ولم يكن نشاطه محاضراتٍ متفرقةً تُلقى بحسب المناسبة، بل سلاسلَ مبوَّبةً على أبواب، وهذا فرقُ ما بين الواعظ العابر والمعلِّم الباني. ويضمُّ له أرشيفُ «إسلام ويب» وحده نحو 307 مواد، منها: السيرة النبوية في نحو 21 درسًا، والشكر في نحو 28، وشرح صحيح مسلم من كتاب التوبة في نحو 24، وعقيدة القضاء والقدر في نحو 13، وعقائد البلاء في نحو 12، والمعارك الكبرى في نحو 12، وسلاسلُ في الشرك ومحاسبة النفس والخشوع وإصلاح الصلاة؛ وله موسوعةُ خطبٍ منبرية تجاوزت الثمانين، منها سلسلة «معارج القلوب».
فتأمَّل ما يجمع هذه القائمة: ليس فيها بابٌ واحدٌ من أبواب التجريح والردِّ على المخالفين من أهل القبلة، ولا بابٌ من أبواب السياسة والأحزاب. كلُّها في التوحيد وأعمال القلوب والسيرة والتوبة والصبر. فالرجل عرَّف نفسه بمادته قبل أن يعرِّفه أحد.
صنعته: أن يفتح بابًا أُغلق في وجه الناس
اختار أن يشتغل بالعطب النفسي الذي تحته العطب العقدي، لا بالعكس. فأدرك أن إلحاد كثيرٍ من الشباب ليس إلحاد شبهةٍ فكرية، وإنما هو إلحاد شهوةٍ وهروبٍ من تأنيب الضمير، أو يأسٌ من الرحمة بعد تكرار الذنب حتى ظنَّ صاحبُه أن بابه أُغلق فأنكر البابَ كلَّه. فبينما انشغل قومٌ بالردود الفلسفية، مضى هو إلى الجذر فعالج اليأس؛ وهذا بابٌ لا يُحسنه أهلُ الجدل وإنما يُحسنه من عرف الناس.
ومن ذلك خطابُ البيت والأسرة، وتذكيرُه بالموت والقبر، وهو بابٌ هجره الخطابُ الديني المعاصر لثقله على السامع فأقبل عليه هو.
فبأيِّ شيءٍ وصل هذا الرجل، وليس عنده لقبٌ أكاديمي ولا قناةٌ تبنيه ولا مؤسسةٌ تُنفق عليه ولا خصومةٌ صاخبةٌ تُشهره؟ وصل بالصدق. تخرج منه الكلمة غير مرتَّبةٍ أحيانًا فتبلغ سويداء القلب، ويبكي على المنبر بكاءَ الخائف على ولده لا بكاءَ المؤدِّي لدوره فيبكي الناسُ لبكائه، وفيه خفَّةُ روحٍ ودعابةٌ محسوبة فلا يثقل مجلسُه. وأتقن الحكاية، فمن أشهر مقاطعه روايتُه قصةَ صلة بن أُشيم، يسوقها بنَفَسٍ قصصيٍّ ثم يخرج منها إلى المعنى فيقع موقعه؛ وذلك ميراثُ أهل الرقائق: أن تُعرض الصفةُ في واقعةٍ تُرى لا في نعتٍ يُقال.
ويكفي في الدلالة على خطابه عناوينُ ما انتشر له: «هو في حدٍّ أحنَّ عليك من ربنا؟»، وهي جملتُه التي صارت علامةً عليه، تُقال في ثانيتين وتُغني عن محاضرةٍ في الرجاء؛ و«القرآن يَشْتَكِينا»، وفيها قلبُ الصورة على السامع حتى يصير الكتابُ الذي نزل له شاكيًا منه؛ و«مشاعر الموت» و«القبر»، وهما في بابٍ لا يُصفَّق له؛ و«علو الهمة» و«الغزو الفكري» و«الخشوع» و«إصلاح الصلاة». وليس فيها عنوانٌ واحدٌ يَعِد بمعركةٍ أو فضيحةٍ أو ردٍّ على فلان، وهي أبوابُ الانتشار السريع اليوم. فإذا رأيتَ رجلًا بلغ الملايين بغير هذه الأبواب فاعلم أنه بلغهم بشيءٍ آخر.
ومن شمائله التي يشهد بها أثرُه: أنه لم يُعرف له خصمٌ قط. لم يُشهِّر بأحد، ولم يُصنِّف أحدًا، ولم يفتعل معركةً ليُعرف بها، ولم يُنقل عنه أنه ردَّ على معاصرٍ بسوء. وهذا في زمانٍ صار فيه الرجلُ يُعرف بمن يخاصم لا بما يُحسن، أندرُ مما يُظن.
مواقفه
الولاء والبراء والملفُّ الشيعي. له فيه مادةٌ ظاهرة: «الولاء والبراء وخطورة الشيعة الروافض»، و«بعض جرائم الشيعة»، وخطبة «تهافت الروافض». وموقفه فيه موقفُ أهل السنة المقرَّر: نقضُ المنظومة الاثني عشرية في أصولها، وبيانُ الطعن في الصحابة رضي الله عنهم، والتحذيرُ من المشروع الطائفي؛ يقرِّره في زمنٍ صار فيه هذا الباب ثقيلًا على كثيرٍ من المتصدرين.
فلسطين. كان دائم التذكير بمآسي المسلمين يربط قلوب سامعيه بقضاياهم، وقناتُه إلى اليوم تُدرج الدعاء لأهل غزة والسودان جريًا على ما كان عليه صاحبُها.
النسوية والشذوذ والعلمانية. حذَّر منها وعدَّها مناهجَ تستهدف تفكيك الأسرة، وردَّها بنصوص الوحي وثوابت الفطرة.
الأحزاب والتنظيمات. نأى بنفسه عن الهياكل الحزبية والجماعات المغلقة، ولم يدخل العمل السياسي المباشر، ولم يُعرف له خطابٌ تحريضيٌّ ولا انتماءٌ إلى جماعةٍ مسلَّحة، حتى وُصف في المصادر الحقوقية بأنه «الشيخ السلفي المستقل». رأى مجاله في إصلاح الأفراد، فتجاوز صراعات التيارات التي استنزفت الدعاة في مصر بعد سنة 2011.
قلتُ: وهذا الاستقلال هو الذي حماه من السقوط في فتنة تلك السنين، وهو نفسُه الذي لم يحمِه من السجن، بل لعلَّه أورده إياه. فإن المستبدَّ يُطيق رجلًا منضويًا تحت جماعةٍ يعرفها ويساومها، ولا يُطيق رجلًا يملك تأثيرًا مستقلًّا خارج قبضته ولو كان كلُّ كلامه في الصلاة والتوبة. فالاستقلالُ الجماهيريُّ في عُرفه جريمةٌ سياسية وإن لبس ثوب الوعظ.
تذكرةٌ إلى مكة لم تُستعمَل
في السادس من يونيو سنة 2017 م، الموافق رمضانَ سنة 1438 هـ، توجَّه إلى مطار القاهرة ومعه تذكرتُه، يريد العمرة في العشر الأواخر. فأُوقف عند المطار، ولم يسافر.
ثم انقطع خبرُه. فلم تكن أسرتُه تعلم أين هو ولا أين يُحتجز؛ وبعد شهرين من إيقافه كان لا يزال يُكتب عنه بوصفه مختفيًا، وأن أهله إلى تلك اللحظة لا يعرفون عنه شيئًا.
هذا هو المشهد كلُّه. لا محاكمةَ علنية، ولا مداهمةَ منزل، ولا خطبةَ صدع بها فأُخذ من على المنبر. رجلٌ ذاهبٌ إلى بيت الله، أُوقف عند باب المغادرة، ثم غاب.
ووُجِّهت إليه تهمُ الانضمام إلى جماعاتٍ محظورة ونشرِ أخبارٍ كاذبة. وقُدِّمت محاضراتُه ودروسُه كلُّها للمحكمة لتُفحص، ثم بُرِّئ منها؛ هكذا تقول ترجمتُه الرسمية بلفظها: أُلقي القبض عليه سنة 2017 بتهمٍ لا أساس لها، وتمَّ تبرئته منها.
فلو انتهت السيرة عند هذا الحدِّ لكانت محنةً قاسيةً ثم فرجًا. لكنها لم تنته.
الطبقةُ التي أُخليت
ولا يُفهم ما جرى له إذا قُرئ وحده؛ فالرجلُ حلقةٌ في سلسلة. فانظر إلى شيوخه أنفسِهم وما صاروا إليه:
حسن أبو الأشبال، الذي علَّمه كيف يميِّز الصحيح من الضعيف، قُبض عليه في الثاني والعشرين من مارس سنة 2019 م، ولم تُفصح الجهاتُ الأمنية عن مكان احتجازه ولم يُقدَّم إلى جهة تحقيق، على ما ذكره الدكتور محمد الصغير يومئذٍ ووصفه بأنه من المختفين قسريًّا. ومحمد حسين يعقوب، الذي لازمه عشرًا، سِيق ضبطًا وإحضارًا أمام محكمةٍ سنة 2021 م في قضية «خلية داعش إمبابة»، لأن متهمين قالوا إنهم اعتنقوا أفكاره، فشهد أنهم ليسوا من تلاميذه وأنه لم يلتقِ بهم قط. وأبو إسحاق الحويني قضى آخر عمره خارج مصر ومات بالدوحة سنة 2025 م ودُفن بها، وتلميذُه هذا في محبسه لم يُصلِّ عليه ولم يعزِّ فيه.
فاجمع الأخبار الثلاثة إلى خبر تلميذهم وانظر في القاسم بينها: ليس تنظيمًا ولا سلاحًا ولا حزبًا، وإنما أن رجلًا سمع رجلًا. فيعقوبُ يُسأل عمَّن سمعوه ولم يرهم، وسميرٌ يُحبس تسعًا لأن شابًّا سُئل عمَّن يسمع فذكر اسمه. وهذه قاعدةٌ إذا اطَّردت لم يبقَ في البلد خطيبٌ آمن؛ فالخطيب لا يملك أن يختار من يسمعه، ولا أن يُحصي من دخل مسجده يوم الجمعة.
وكم من داعيةٍ أُخذ بذنب من سمعه لا بذنب ما قال!
تسعُ سنين بلا حكم
بعد التبرئة لم يخرج إلى بيته. أُعيد اعتقاله بعد نحو ثلاثة أشهر وأُدرج على ذمة قضيةٍ أخرى بالتهم نفسها، وهو المسمَّى «التدوير»: أن يُخلى سبيلُ المحبوس فلا يُفرج عنه، بل يُنقل إلى ملفٍّ جديدٍ بالتهم القديمة، فيُستأنف الحبسُ الاحتياطي من أوله. وقد قرَّر دفاعه أنها ثلاث قضايا بالتهم نفسها بعد إخلاء سبيله في اثنتين، والقانون المصري يحدُّ الحبس الاحتياطي بسنتين.
ثم استقرَّ أمرُه في القضية 810 لسنة 2019 حصر أمن الدولة العليا، وفيها نحو ثلاثمئة متهم. وفي سبتمبر سنة 2024 م صدر قرارُ إحالته إلى المحاكمة، فجرت باعتبارها القضية 4256 لسنة 2024 جنايات مدينة نصر أول، المعروفة بقضية «خلية جبهة النصرة»، وفيها 312 متهمًا، أمام الدائرة الثانية إرهابٍ بمحكمة استئناف القاهرة. وبدأت جلساتُها في الثاني عشر من يوليو سنة 2025 م، ثم تعاقبت التأجيلاتُ كلُّها بعلةٍ واحدة: استكمالُ سماع شهود الإثبات؛ حتى كان آخرُ ما وقفتُ عليه تأجيلَ جلسة العاشر من أغسطس سنة 2026 م إلى السابع والعشرين من أكتوبر من السنة نفسها، والاحتجازُ مستمر. وقد نُقل من سجن طرة إلى سجن بدر، وذُكر أنه مثل أمام القاضي عبر الفيديو كونفرانس فأفاد بأنه بصحة جيدة.
وثلاثةُ أمورٍ في هذا الملف تكفي القارئَ عن كل تعليق.
الأول أن أمر الإحالة يؤرِّخ قيادة ذلك التنظيم من سنة 2018 إلى الثامن عشر من مارس سنة 2021، والرجلُ محتجزٌ منذ 2017. فأيُّ تنظيمٍ قاده رجلٌ في زنزانة؟ وأيُّ تطبيقٍ مشفَّرٍ تلقَّى عبره التكليفات وهو خلف الأسوار؟
والثاني أن الدفاع قرَّر خلوَّ الملف من أيِّ دليلٍ ماديٍّ بعد ستِّ سنواتٍ من التحقيق، وأنه قائمٌ على تحرياتٍ أمنيةٍ مكتبيةٍ لا تسندها مستنداتٌ ولا شهودُ رؤيةٍ ولا أحراز، وأن هذه اتهاماتٌ فضفاضةٌ مركَّبةٌ تركيبًا نمطيًّا تُستعمل في عامة القضايا ذات الطابع السياسي أو الديني.
والثالث، وهو أعجبُها، أن أحد محاميه ذكر أن الاتهام وُجِّه إليه لمجرد ذكر اسمه في أقوال متهمٍ شاب؛ سُئل عن المحاضرات التي يتابعها على الشبكة فذكر محاضراته، بلا تواصلٍ مباشر ولا انتماءٍ مشترك ولا تحريضٍ في مضمونها. فأيُّ تهمةٍ أبلغُ في فضح صاحبها من هذه؟ أن يُسأل شابٌّ ماذا تسمع، فيقول أسمع فلانًا، فيُؤخذ فلانٌ فيُحبس تسع سنين. لو أراد خصمٌ أن يقيم الحجة على أن الرجل لم يكن عنده إلا الدرسُ والمحاضرة، ما صنع أبلغ من هذا.
قلتُ: ولستُ قاضيًا لأفصل في ثبوت التهمة، ولا أملك أوراق الدعوى. لكني أقرِّر ما تقرِّره القواعد قبل أن تقرِّره العواطف: أن حبسَ رجلٍ تسعَ سنين بلا حكم مخالفةٌ لقانون بلده نفسِه، وأن تدويرَ المحبوس بعد إخلاء سبيله احتيالٌ على العدل لا إقامةٌ له، وأن تحرياتٍ لا يسندها حرزٌ ولا شاهدٌ ولا مستند ليست من البينة في شيء. والمسؤول الأول والأخير عن هذا من بيده السلطان.
الصوت الذي لم يُسجن
وأعجبُ ما في هذه السيرة أن الغياب زاده حضورًا. فقد ذُكر أن غيابه سبعَ سنين أدَّى إلى انتشار دروسه انتشارًا عجيبًا، وهو ما يراه كلُّ من يفتح هاتفه: مقاطعُ مسجَّلةٌ في مسجدٍ بحلوان قبل عشر سنين، تُقتطع اليوم ويُعاد رفعها فيسمعها من لم يولد يوم قيلت. وقناتُه الرسمية تنشر له وهو غائب، يتابعها نحو 126 ألفًا.
وقد اندفع الناس في حملةٍ واسعةٍ للمطالبة بالإفراج عنه حتى تصدَّر اسمُه منصة «إكس» تزامنًا مع جلسة محاكمته، وممن طالب بالدعاء له الشيخُ الدكتور محمد الصغير. ويشهد كثيرٌ من الشباب أنهم إنما عرفوا طريق المسجد، أو تركوا ما كانوا عليه، أو ارتدُّوا عن قرارٍ عزموا عليه، بعد أن سمعوا مقطعًا من مقاطعه؛ فالأجرُ يُكتب له وهو في محبسه لا يشعر.
ومما نُشر على صفحته دعاءٌ كُتب له في غيبته، مطلعُه: «اللهم إن هذا عبدَك سمير مصطفى، لا يخفى عليك ولا مكانُه، وهو أحوجُ ما يكون إليك». وهو دعاءُ من يعرف أن الخلق عجزوا؛ ولذلك افتُتح بأن مكانه لا يخفى على الله، وهي الجملة التي تُقال حين يُخفى المكانُ عن الأهل والمحامي والقاضي.
وقد أجمع على محبته شبابٌ من تياراتٍ مختلفة، حتى من لا يوافق المدرسة السلفية في كل شيء، لأنهم وجدوا فيه إخلاصًا مجرَّدًا وحرقةً لا تُشترى بمال. فلله درُّ رجلٍ لم يخاصم أحدًا، فخاصمه من لا يخاصم إلا من لم يخاصمه.
الخلاصة النهائية
قلتُ: فالحاصل أن أبا عبد الرحمن سمير بن مصطفى السيوطي داعيةٌ من أهل الصدق، ومربٍّ من أهل الحق، غلب صوابُه ونفعُه، وصار عَلَمًا على التربية والتزكية في زمنٍ كثر فيه الكلامُ وقلَّ فيه الأثر. سلك طريق الطلب على مشايخ معروفين، ولازم عشرًا، وأثبت مذهبه ولم يتزيَّد على نفسه لقبًا. لم يكن صاحب بدعةٍ يُحذَّر منه، ولا متصدرًا بغير آلةٍ يُردُّ عليه، ولا طالبَ منصبٍ ولا زعيمَ جماعة؛ بل طبيبًا أحسن تشخيص الداء ووصف الدواء من صيدلية الوحي.
فيُتابَع في تزكية النفس وأعمال القلوب، ويكفيه أن يضع في الشكر وحده ثمانيةً وعشرين درسًا؛ وفي السيرة والتاريخ، وفي علاج فتن الشبهات والشهوات وبناء البيوت، وفي تقريره أصلَ الولاء والبراء. ويُقتدى به في استقلاله: لم يبع منبره لجهة، ولم يُلحق دعوته بحزب. وهو ليس مرجعًا في معضلات الفتوى ودقائق الفقه ولم يدَّعِ ذلك يومًا؛ ومن أنزله غير منزلته فقد أساء إليه من حيث أراد إكرامه.
وأما ما هو فيه فظلمٌ بيِّن: تسعُ سنين بلا حكم، وتدويرٌ على ثلاث قضايا بعد إخلاء سبيلٍ في اثنتين، واتهامٌ بقيادة تنظيمٍ في سنواتٍ كان فيها محبوسًا، ومادةُ إدانةٍ أصلُها أن شابًّا سُئل عمَّن يسمع فذكر اسمه. وليست مصيبةَ رجلٍ وأسرته فحسب، بل مصيبةُ أمةٍ تُحرم من خيرة دعاتها فتُخلى الساحةُ لمن لا يُحسن إلا التفاهة أو النفاق. وأشدُّ ما فيها أنه لم يُؤخذ على خطبةٍ صدع بها ولا على موقفٍ سياسيٍّ اتخذه، وإنما أُخذ وهو ذاهبٌ إلى العمرة؛ فلم تُغنِ عنه سلامتُه، لأن الذي يُخيف المستبدَّ ليس أن تعارضه، بل أن يكون لك قلبُ الناس وليس بيده مفتاحُه.
غير أن الله يأبى إلا أن ينشر ذكر من عمل له. سجنوا الجسد فطارت الكلماتُ لتعبر البلاد، وصار مقطعُه المسجَّل في مسجدٍ بحلوان يُسمع في بيوتٍ لم يبلغها صوتُه وهو حر. وتلك التذكرةُ التي لم تُستعمَل ما زال صاحبُها ينتظر يومًا يستعملها فيه؛ وقد جلس تسع سنين على ما كان يشرحه للناس في سلسلة «عقائد البلاء»، فامتُحن بالمادة التي كان يُدرِّسها، وهذا أثقلُ امتحانٍ يُبتلى به معلِّم. ولسان حاله في محبسه يقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم].
نسأل الله العظيم ربَّ العرش الكريم أن يفكَّ أسره ويعجِّل بفرجه، ويردَّه إلى أهله ومنبره سالمًا غانمًا، وأن يجعل ما لقي من طول الحبس والغربة عن المسجد كفارةً ورفعةً لا نقصًا ولا كسرًا. اللهم كما فتح لعبادك بابَ الرجاء وهم يائسون فافتح له بابًا من عندك لا يُغلق، وكما ذكَّر الغافلين بك فلا تنسَه في وحدته، وكما بكى على منبره من خشيتك فآمنه يوم الفزع الأكبر. وأجرِ له أجرَ كلِّ كلمةٍ قالها فهدت قلبًا وهو لا يعلم، وفُكَّ أسر كلِّ مظلومٍ حُبس على كلمة حق.
سجل المصادر
- ترجمته الموجزة على صفحته الرسمية، وهي عمدةُ هذه الترجمة في النسب والكنية والمذهب والشيوخ والمؤلفات وخبرِ القبض عليه سنة 2017 وتبرئته.
- أرشيف «إسلام ويب» الصوتي (نحو 307 مواد)، ومنه أسماءُ سلاسله وأعدادُ دروسها؛ و«طريق الإسلام» و«الطريق إلى الله»، وفيهما محاضرات مسجد الحق وخطبُ الجمعة؛ و«موسوعة الخطب المنبرية» في أرشيف الإنترنت.
- تقارير صحفية وحقوقية، وفيها تاريخُ إيقافه بمطار القاهرة سنة 2017، وإعادةُ اعتقاله بعد نحو ثلاثة أشهر، وتدويرُه؛ ومنشورٌ من أغسطس 2017 يذكر اختفاءه وأن أسرته لا تعرف عنه شيئًا.
- تصريحات محاميه خالد المصري، في رقم القضية 810 لسنة 2019، وفي جلسة 23 سبتمبر 2024 وقرار الإحالة، وفي مثوله عبر الفيديو كونفرانس وإفادته بأنه بصحة جيدة.
- أقوال هيئة الدفاع المنشورة سنة 2025 في خلوِّ الملف من الأدلة المادية، وفي التدوير على ثلاث قضايا، وفي أن اسمه ورد لمجرد ذكر شابٍّ معتقلٍ أنه يتابع محاضراته.
- أخبار جلسات المحاكمة، ومنها رقمُ القضية 4256 لسنة 2024، وعددُ المتهمين 312، والدائرةُ ومدةُ الاتهام من 2018 إلى 18 مارس 2021، والتأجيلُ إلى 27 أكتوبر 2026.
- منشورُ الدكتور محمد الصغير في القبض على الشيخ حسن أبو الأشبال في 22 مارس 2019 واختفائه قسريًّا؛ وتقاريرُ صحفية في استدعاء الشيخ محمد حسين يعقوب أمام المحكمة سنة 2021 وشهادتِه.
كُتبت هذه الترجمة يوم الأربعاء 12 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 26 من أغسطس 2026 م، مما وقفنا عليه إلى هذا التاريخ. وصاحبُها يومئذٍ في محبسه، وجلستُه القادمة في السابع والعشرين من أكتوبر من هذه السنة؛ فما جدَّ بعدها من فرجٍ أو حكمٍ فله خبرُه، ونسأل الله أن يكون أولُ ما يُستدرك على هذه الترجمة خبرَ خروجه. ومن كان عنده مزيدُ خبرٍ عن مجالسه أو أخبار محبسه فليُلحقه مشكورًا مأجورًا.
