مصطفى الشرقاوي

مصطفى الشرقاوي
مصطفى الشرقاوي
مكان الميلادمحافظة الدقهلية، مصر
البلدمصر
المهنةصحفي مستقل وإعلامي، مؤسس قناة «شؤون إسلامية» ومديرها
التخصصالصحافة والإعلام وقضايا المسلمين في الغرب ونصرة المظلومين
أبرز الأعمال
  • قناة «شؤون إسلامية»
  • موقع shuounislamiya
  • «موسوعة الحدادية»
  • «مِداد الخطيب»
  • رواية «أُورِسْكَا: آخر همسات الأندلس»
التصنيفإعلاميون

الصحفيُّ المستقلُّ، الإعلاميُّ الغيور، صاحبُ المنبر الحُرّ، مؤسسُ قناة «شؤون إسلامية» ومديرُها: مصطفى الشرقاوي.

وُلد في محافظة الدقهلية بمصر في أكتوبر سنة 1982 م، الموافق لأواخر ذي الحجة 1403 هـ ومطلعِ محرم 1404 هـ، ثم انتقلت أسرته إلى محافظة الشرقية التي إليها نسبتُه وبها شبَّ، ثم شدَّ إلى القاهرة فقضى فيها معظم عمره، وفيها عرف الصحافة في عقر دارها، ومنها انطلق إلى العمل الإعلامي الأوسع.

هو الرجل الذي حوَّل عدسة الكاميرا من توثيق الدروس إلى توثيق جراح الأمة. بدأ شابًّا يحمل شغفًا بعالم الصحافة، ثم أدرك مبكرًا أن الكلمة بلا ميزان شرعي تضلُّ صاحبها، فبدأ رحلته من حيث يبدأ طلاب العلم: شدَّ الرحال إلى العلماء، وجلس في حِلَق أهل السنة، وأخذ من العلم ما يضبط به بوصلته، ثم عاد إلى صنعته التي يحسنها فوظَّف آلتها كلها في خدمة قضايا المسلمين المنسيَّة. لم يختر الإعلام الترفيهي، ولا الصحافة الرسمية المداهِنة، بل وقف في تلك المساحة الحرجة التي لا يقف فيها إلا من رضي بثمنها.

ومشروعه الذي عُرف به واحد يُقال في جملة: أن يفتح ميكروفونًا لمن أُغلقت في وجوههم كلُّ الميكروفونات. من هنا صعد إلى ذروته: قناة «شؤون إسلامية»، التي بدأت موقعًا صغيرًا سنة 2016، ثم صارت بعد عشر سنين منصةً تجاوزت المليون وسبعمئة ألف مشترك على يوتيوب وحدها، بأكثر من سبعة آلاف مقطع، فضلًا عن مئات الآلاف على فيسبوك وإكس وتيليجرام وإنستغرام. ومن هذا المنبر خاض أخطر ملفاته على الإطلاق: ملف انتزاع أطفال المسلمين من أسرهم في الغرب، وفي مقدمته ملف «السوسيال» في السويد. وكل ذلك وهو يعمل من منفًى؛ فقد هجر بلاده بعد أن ضاقت عليه، وهو اليوم يدير مشروعه من تركيا.

وقد بلغ من أثر ذلك الملف أن أفردت له مؤسسة أكاديمية تابعة للدولة السويدية دراسةً مطوَّلة: تقرير «حملة LVU» الصادر عن كلية الدفاع السويدية (Försvarshögskolan) في أبريل 2023، بتكليف من وكالة الدفاع النفسي السويدية، وإعداد الباحثَيْن ليندا آهليروب ومغنوس رانستورب.

وفي هذا التقريرِ الرسميِّ نفسه اعترافٌ لا يملك خصمُه إنكاره: أن الأسر السويدية التي فقدت أطفالها طرقت أبواب الصحف والقنوات السويدية مرارًا فلم تُفتح لها، فاتجهت إلى الخارج، وأن مصطفى الشرقاوي «كان هو الذي أراد أن يسمع». وفي التقرير نفسه أنه صار «حلقة الوصل» التي ربطت الداخل السويدي بالخارج العربي، وأنه أكثر الفاعلين الأجانب حضورًا وأطولهم نفَسًا في هذه القضية.

وخاصمه من الجهة المقابلة تيارُ المداخلة، فأخرجوا عليه المقاطع تحت عناوين: الخارجي، والسروري، والإخواني.

محتويات
  1. 1 لا يُخلط بينه وبين غيره
  2. 2 بيتٌ في الدقهلية ونسبةٌ إلى الشرقية
  3. 3 بين حلقة العلم وشغف الصحافة
  4. 4 ميدانُ 2011: الكاميرا تتعلم السياسة
  5. 5 الشام: البوابة إلى الأمة
  6. 6 مواقعُ تُغلق ومواقعُ تُفتح
  7. 7 ميلاد «شؤون إسلامية»
  8. 8 ملف السويد: حين لم يجدوا من يسمع
  9. 9 الأسرى والمعتقلون: عقيدةٌ صحفية
  10. 10 مقارعة الاستبداد وعالمية القضية
  11. 11 «المسلمون في الغرب» و«اللقاء المفتوح»
  12. 12 مواقفه من قضايا الأمة
    1. 12.1 فلسطين وغزة
    2. 12.2 التطبيع
    3. 12.3 الاستبداد والطغاة
    4. 12.4 التشيع السياسي
    5. 12.5 الإلحاد والشبهات
    6. 12.6 المرأة والأسرة والشباب
  13. 13 معركة السنوات الأخيرة: الغلو في التبديع
  14. 14 من خاصمه ولماذا
  15. 15 الغربة وثمنها
  16. 16 ما بنى: من قناة إلى منظومة
  17. 17 شمائل وملامح
  18. 18 أثره
  19. 19 الخلاصة النهائية

لا يُخلط بينه وبين غيره

من الآفات الشائعة في الفضاء المعاصر آفة «اشتباه الأسماء»، لاسيما حين تتطابق أسماء الفاعلين في الحقلين الإعلامي والفكري. ويُعد اسم «مصطفى الشرقاوي» نموذجاً بارزاً لهذا التداخل؛ إذ تحمله شخصيات متعددة إعلامية وشرعية وثقافية في مصر وخارجها. وقد أفرز هذا التشابه -عن غفلةٍ أو سوء قصد- خلطاً واسعاً حُمِّل بسببه صاحب هذه الترجمة تبعات مواقف وسجالات وكتابات لا تمتُّ لمسيرته بصلة. لذلك فإن كثيرًا من الأحكام الظالمة إنما نشأت من اشتباه الأسماء وخلط المواقف.

وصاحبُ هذه الترجمة هو المولود في أكتوبر 1982، المعروف على منصاته باسم «شؤون إسلامية»، وباسم Moustafa Journalist على حساباته الشخصية، مؤسسُ موقع shuounislamiya وقناته على يوتيوب. وهو الذي عُني به تقريرُ كلية الدفاع السويدية باسم Moustafa El-Sharqawy، فمن أراد تتبُّع خبره فليتتبعه بهذه العلامات لا بالاسم المجرد.

بيتٌ في الدقهلية ونسبةٌ إلى الشرقية

وُلد في أكتوبر 1983 لأسرة ريفية بسيطة في محافظة الدقهلية، في قلب دلتا النيل، ثم انتقلت الأسرة إلى محافظة الشرقية، فكانت هي نسبتَه التي عُرف بها، وفيها مضى شطرٌ من صباه.

وحال البلاد يومئذ مما ينبغي أن يُذكر؛ فقد وُلد بعد اغتيال السادات بسنتين، في أوائل حكم حسني مبارك، حين كانت مصر تخرج من صدمة كامب ديفيد إلى ثلاثين سنة من الطوارئ. وفي تلك السنوات نفسها كانت الصحوة الإسلامية تشقُّ طريقها في المساجد والجامعات والأشرطة المسجَّلة، وكانت قرى الدلتا ومدنها الصغيرة من أخصب أرضها؛ فالمسجد فيها هو المدرسة الثانية، والشريط المسجَّل يتنقل من يد إلى يد، والدرس بعد العصر يجمع من لا تجمعهم قاعة.

نشأ في بيئة تحترم الدين وتُجلُّ أهله. ومن ثمرة تلك النشأة: شغفٌ مزدوج، حبٌّ للصحافة والإعلام يدفعه إلى البحث والتوثيق وملاحقة الخبر، ووازعٌ دينيٌّ يدفعه إلى طلب العلم الشرعي.

ثم كان الانتقال الثالث والحاسم: القاهرة. انتقل إليها للعمل، فقضى فيها معظم حياته، ومنها انطلق إلى العمل الإعلامي الأوسع. والقاهرة يومئذ عاصمة الصحافة العربية بلا منازع: فيها دور الصحف الكبرى، وفيها نقابة الصحفيين، وفيها المقاهي التي تُصنع فيها الأخبار قبل أن تُصنع في غرف التحرير، وفيها ذلك الخليط الذي لا يجتمع في غيرها من كاتبٍ وناشرٍ وسياسيٍّ ومخبرٍ وطالبِ علم. ومن أراد أن يتعلم الصحافة في عقر دارها فليس له في المشرق العربي أفضل منها مدرسة. وهناك تعلَّمها.

بين حلقة العلم وشغف الصحافة

وهذا الفصل من أهمِّ ما يُقرأ في سيرة الشرقاوي، وهو المفتاح الذي بغيره لا تُفهم مواقفه بعد عشرين سنة.

فكثيرٌ من الإعلاميين اليوم يتصدَّرون لقضايا الأمة بخلفية علمانية أو سياسية مجردة، فيقعون في التخبط عند أول نازلة تمسُّ ثوابت الدين: يدافعون عن المسلمين بلغة لا تعرف الولاء والبراء، ويستجدون لهم حقوقًا من منظومة يعترف لها ضِمنًا بأنها صاحبة الميزان. أما هذا الرجل فقد أدرك في بداية مسيرته أن خلفيته الشرعية ليست ترفًا، فبدأ في طلب العلم قبل أن يتصدَّر.

شدَّ الرحال إلى العلماء. حضر مجالس المحدِّث الشيخ أبي إسحاق الحويني، حفظه الله، في مسجد شيخ الإسلام ابن تيمية في محافظة كفر الشيخ، وهو من أعرف أهل مصر بصنعة الحديث وعلله وتخريجه، وله في الدرس أسلوبٌ يجمع بين التحقيق والبيان، وكان قِبلةَ طلبة الحديث في الديار المصرية.

وحضر مجالس الفقيه الشيخ مصطفى العدوي، حفظه الله، في مسجد أهل السنة بقرية منية سمنود بمحافظة الدقهلية، والشيخ صاحب عناية بفقه الحديث وتخريج الأحاديث والفتوى، وله من التصانيف في أحكام النساء والتفسير وأصول الفقه ما هو معروف متداول. وأخذ عن غيرهما من علماء مصر ودعاتها.

وحرص على الدورات العلمية والمحاضرات، وطلب العلم على بعض مشايخ الإسكندرية. والإسكندرية يومئذ مدرسةٌ قائمة بذاتها في الدعوة السلفية، لها حِلَقها ومساجدها ودوراتها ومنهجها في التربية والتعليم، وقد خرَّجت في تلك العقود جيلًا كاملًا من طلبة العلم والدعاة. وكان حريصًا على حضور دروس علماء أهل السنة حيث كانوا.

ثم وقع الذي صنع حياته كلها. فقد كان في تلك المجالس يحمل معه كاميرا وميكروفون. لم يكن يجلس مستمعًا فحسب، بل كان يصوِّر المحاضرات ويوزعها على هيئة أسطوانات أو ملفات عبر الفلاشات ثم لاحقًا بدأ النشر على منصة يوتيوب. وهذه الخطوة التي تبدو صغيرة هي بوابته الأولى إلى العمل الإعلامي المستقل: فقد أدرك، وهو في آخر الحلقة يحمل آلته، أن الدرس الذي يسمعه عشرون رجلًا يمكن أن يسمعه عشرون ألفًا، وأن بينه وبين ذلك عدسةً وشبكة. ومن يومها لم يعد طالبًا يكتب، بل صار ناقلًا يبثُّ.

قلتُ: وهذا التأسيس السنيُّ هو الذي ضبط بوصلته الصحفية بعد ذلك كله. فليس كلُّ من غار على المسلمين أحسن الدفاع عنهم، ولا كلُّ من ملك آلةَ النشر ملك ميزانَ ما يُنشر. وقد جمع الرجل زادًا شرعيًّا يكفيه لضبط بوصلته العامة، ثم اكتفى به والتفت إلى عالمه الذي يتقنه. وهذا الاكتفاءُ نفسُه له وجه لا بد من ذكره، فهو من جهةٍ إنصافٌ من الرجل لنفسه، إذ لم يدَّعِ رتبةً علمية ليست له ولا نصَّب نفسه مفتيًا؛ ولم يتصدر لتدريس العلوم الشرعية أو ينسب لنفسه الإمامة في الدين.

وفي زحمة الأخبار التي تعرض الهجرة إلى الغرب على الشباب المسلم بوصفها الخلاص النهائي، وفي وقتٍ صارت فيه صورةُ الغرب في الوعي العربي جنةً موعودة يتسابق إليها الناس على قوارب الموت، جلس مصطفى الشرقاوي في إحدى حلقات برنامجه مهمومًا، يعرض وثائق ومقاطع تُدمي القلب: عائلاتٌ مسلمة في دول غربية نُزعت منها فلذاتُ أكبادها بقوة القانون، وسُلِّم الأطفال إلى مؤسسات الرعاية وإلى أسرٍ بديلة، ليُربَّوا على غير دين آبائهم، وينشؤوا وقد نُزع منهم اسمُهم ولسانُهم وصلاتُهم.

ولم يكتفِ يومئذ بنقل الخبر باردًا كما ينقله وكيلُ أنباء. بل صاغه في سياق عقدي وتاريخي، وأطلق على تلك المنظومة وصفًا لزِمه بعد ذلك ولزِمته قناتُه: «جنة الدجال».

والاسم وحده حجة. فإن الدجال، كما جاء وصفُ فتنته في السنة، يأتي ومعه ما يشبه الجنة وما يشبه النار، فجنته نار وناره جنة، ويُفتن به من نظر إلى الظاهر ولم ينظر إلى المآل. فمن سمَّى الغرب المادي الذي يَعِد بالرفاهية والأمان والرعاية «جنة الدجال»، فقد قرَّر في كلمتين ما لا يقرره غيره في مقال: أن المعروض حقيقي في مظهره، وأن ثمنه هو الدين والهوية، وأن المفتون به إنما يشتري عاجلًا بآجل.

وكانت تلك اللحظة كاشفةً عن حقيقة مشروعه كله: هو لا يمارس صحافة حقوقية تطلب من الدولة الغربية أن تنصف رعاياها بمعايير الدولة الغربية نفسها، بل يمارس ما يمكن أن يُسمى صحافةً عقائدية، ترى أن المعركة مع الاستلاب الغربي معركةُ هويةٍ ودين، لا مجرد خلافٍ قانوني على حضانة طفل. ومن لم يفهم هذا الفرق لم يفهم شيئًا من سيرة الرجل، ولا من أسباب الحملة عليه.

ولكي يُفهَم كيف وصل إلى هذه اللحظة، وكيف صار إليها بعدها، لا بد من الرجوع إلى حيث بدأ الطريق: إلى ميدانٍ في القاهرة سنة 2011.

ميدانُ 2011: الكاميرا تتعلم السياسة

كانت ثورة 25 يناير سنة 2011 منعطفًا حاسمًا في جيل كامل، وفي مسيرة الشرقاوي خاصة حيث شارك في الثورة وجميع الأحداث بعدها. وانفتح المشهد السياسي بعد ثلاثين سنة من الانغلاق، وصار في الميدان من الصحفيين والسياسيين والدعاة والشباب ما لم يجتمع في مصر منذ عقود.

في تلك المرحلة التقى بشخصيات سياسية وصحفية، واتسعت دائرته، وبدأ في إنتاج محتوى مرئي عبارة عن تقارير ولقاءات صحفية، وقام بتغطية العديد من القضايا والوقفات الحقوقية. والملحوظ في هذه المرحلة أنه ترك الكتابة واقتصر على إنتاج التقارير المرئية. ولم يكن ذلك تخلِّيًا عن القلم بقدر ما كان اختيارًا لأداةٍ تناسب إيقاع العصر وتصل إلى شرائح أوسع؛ فالمقال يقرؤه الألف، والمقطع يشاهده المليون، والصورة تصل إلى من لا يقرأ أصلًا. ثم انضم إلى مؤسسات إعلامية وشرعية وعمل فيها إعلاميًّا، فتعلَّم داخل المؤسسة ما لا يتعلمه المستقل: غرفة التحرير، والمواعيد، والمراجعة، والعمل الجماعي.

ومن هنا اتسع أفقه. فلم يقف خطابه بعد يناير عند حدود الشأن المحلي المصري، بل اتسع ليشمل قضايا الأمة قاطبة. ولم تكن مسيرتُه في هذه المرحلة تغطيةً إعلامية باردة للحدث، بل تجاوزت ذلك لتجعله مقاتلًا في خندق المظلومين.

الشام: البوابة إلى الأمة

ثم جاء الاختبار الأكبر: الثورة السورية.

انضم الشرقاوي إلى أحد المواقع المهتمة بتغطية أحداث الشام، وكان مهتمًّا بهذا الملف اهتمامًا خاصًّا. وكان هذا الملف بوابةَ العبور الحقيقية له من الشأن المحلي المصري إلى الفضاء الإسلامي الأرحب. فسوريا لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل كانت جرحًا داميًا كشف للأمة حقيقةَ النظام العالمي وتواطؤه: مدنٌ تُمحى من الخريطة بالبراميل والصواريخ، وملايينُ تُهجَّر، ومجازرُ تُنقل بالصوت والصورة، والعالم ينظر ويحصي ولا يفعل.

ومن هذا الباب انفتح له المجال للتدوين المرئي والمكتوب لقضايا الأمة الإسلامية جميعًا. فمن تابع الشام تابع بعدها العراق واليمن وبورما وتركستان وأفريقيا الوسطى وكشمير؛ إذ الملفات كلها في نظره ملفٌّ واحد.

مواقعُ تُغلق ومواقعُ تُفتح

ومن أعجب ما في سيرة هذا الرجل هذه السلسلة الطويلة من المنصات: يبني منصة فتُغلق، فيبني غيرها.

فقد قام خلال مسيرته بتأسيس بعض الصحف والمواقع الإخبارية، وقام بتدريب الصحفيين والإعلاميين، ناقلًا خبرته إلى جيل جديد. وله مدونة قديمة عرَّف فيها نفسه بأنه «الكاتب الصحفي مصطفى الشرقاوي، صحفي مستقل وباحث في الشؤون السياسية المصرية والعربية»، وهو تعريفٌ يكشف عن المرحلة التي كان يكتب فيها قبل أن يتفرغ للمرئي.

ومن الأمور التي يثيرها عنه خصومه أنه يخفي هويته وتفاصيل حياته، وهذا موضعٌ ينبغي التنبُّه له: فما يعُدُّه خصومه «تعتيمًا وتعدُّدَ هويات» يعُدُّه الصحفيُّ المطارَد «خطةَ نجاة». فمن أُغلقت مواقعُه مرارًا، وحُجبت حساباتُه، وطُوردت قنواتُه، لا يُلام أن يُبقي لنفسه بابًا ثانيًا لحماية نفسه وأسرته.

ميلاد «شؤون إسلامية»

بعد سلسلة من التجارب والمشروعات والنجاحات، أسَّس مصطفى الشرقاوي عدة قنوات انتهت بقناة «شؤون إسلامية»، فاستقر بها المقام وصارت مشروع عمره.

وقد أُنشئ الموقع سنة 2018، بينما سُجِّل حسابُه على تويتر في نوفمبر 2015 بحسب ما أثبته التقرير السويدي، وأُنشئت صفحته على فيسبوك سنة 2016. والاسم هنا ليس عبثًا، بل هو إعلان هوية: انتقالٌ من «شؤون عربية» إلى «شؤون إسلامية»، ومن دائرة العروبة إلى دائرة الملة.

ويعرِّف الموقعُ نفسَه بأنه: «قناة توعوية لنشر قضايا المسلمين وأخبارهم حول العالم ومواجهة الحملات التي تستهدف تشويه صورة الإسلام وتحريفه»، ويُتبع ذلك بقاعدةٍ في الأدب قلَّ من يكتبها في زماننا: «رأينا نعرضه ولا نفرضه، وقولنا مُعلم وليس بملزم». ويقول في تعريفه بنفسه إنه «قناة مستقلة تحمل رسالة الإعلام الحرّ»، ويلخِّص مبادئه في ثلاث: «لا للديكتاتورية، لا للفساد، لا لتشويه صورة الإسلام».

وأما شعاره الذي يضعه على قناته في تيليجرام فهو كلمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله». وأما ما وضعه في تعريف حسابه المهني فجملةٌ من كلامه تختصر حياته: «غربة النجاشي ولا جوار أبي جهل».

وتفرَّعت عن قناة شؤون إسلامية قنواتٌ ومشروعات: قناة للطفل المسلم، وقناة درع الأمة، ومكافح الحدادية، وأخرى للأناشيد، ومحتوى بالإنجليزية والفرنسية، وله بودكاست يُنشر على «ساوند كلاود» و«آبل بودكاست» منذ سنة 2021.

ملف السويد: حين لم يجدوا من يسمع

هذا هو الملف الذي صنع اسمه وأثقل كاهله معًا، وأدلُّ ما في السيرة كلها على طريقة الرجل في العمل: على قوته وعلى ثغرته في وقت واحد.

ولم يبدأ الملف سنة 2022 كما يظن الناس. فأول ما وقفتُ عليه من عنايته بالقضية منشورٌ له في 22 من نوفمبر 2017، نشر فيه مقطعًا لعملية انتزاع طفل من أسرة سورية في السويد، تظهر فيه امرأةٌ تجري خلف شرطيٍّ يحمل طفلها. وأتبعه في اليوم التالي بمنشور آخر عن معاملة الشرطة لطفل مسلم، ختمه بعبارة نقلها التقرير السويدي مترجمةً، معناها: لعنة الله على الكاذبين. فهذا يدلُّ على أن اهتمامه بالقضية سابقٌ للحملة بأربع سنين، وأنه لم يكن راكبًا موجةً صنعها غيرُه.

ثم كان المفتاح. ففي 21 من ديسمبر 2021 نشرت إذاعة السويد الرسمية تقريرًا مبنيًّا على إحصاءات هيئة الصحة والرعاية الاجتماعية السويدية ومكتب الإحصاء المركزي، يفيد أن الأطفال ذوي الأصول الأجنبية يتعرضون لخطر الانتزاع القسري من أسرهم بنحو ضعف ما يتعرض له غيرهم.

وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تُثبت قبل كل كلام في هذا الباب: أن نواةَ القضية ليست إشاعةً عربية، بل رقمٌ من أرقام الدولة السويدية نفسها، نشرته إذاعتها الرسمية.

وفي ديسمبر 2021 نفسه وقع الذي وثَّقه التقرير السويديُّ ولم يستطع إنكاره: أن حركة الاحتجاج السويدية، وهي أسرٌ فقدت أطفالها، كانت قد حاولت مرارًا الوصول إلى الصحف والقنوات السويدية لتُسمع صوتها فلم تُفلح، فاتجهت إلى الخارج، وأن الشرقاوي «كان هو الذي أراد أن يسمع». وفي 28 من ديسمبر 2021 نشر أول حلقات سلسلة «ماذا يحدث للأطفال في السويد»، وأجرى بثًّا مباشرًا استضاف فيه أحد أبرز الناشطين في المجموعة، وثبَّت في التعليقات رابط المجموعة لمن أراد الانضمام.

وتوالت الحلقات. ففي 12 من يناير 2022 استضاف أبًا في شمال شرق مدينة يوتيبوري، وفي 17 من يناير 2022 نشر الحلقة الرابعة عشرة، واستضاف فيها أبًا سوريًّا في مقاطعة نوربوتن انتُزع منه خمسة من أبنائه. وبعد يومين نشر شابٌّ سويديٌّ من أصل سرياني اسمه جورج توما مقطعًا عن الأسرة نفسها، فتجاوز المليون ونصف المليون مشاهدة، والتقطته قنواتٌ كبرى منها الجزيرة والعربية، فانفجرت القضية عربيًّا وعالميًّا.

ثم صار ما صار: مظاهرة أمام البرلمان السويدي في فبراير 2022، وحملاتٌ بوسوم عربية وإنجليزية وسويدية، ووسمُ «لا تسافر إلى السويد»، وردودٌ من الحكومة السويدية على أعلى مستوى وصفت المزاعم بأنها كاذبة ومضلِّلة ويُراد بها بثُّ الشقاق وانعدام الثقة، ثم تدخُّلُ وكالة الدفاع النفسي السويدية، ثم التقرير الأكاديمي المطوَّل سنة 2023 الذي أفرد له فصلًا كاملًا بعنوانٍ يعني «الفاعل المركزي في السياق الدولي».

ولك أن تتخيل رجلًا واحدًا، لا يملك إلا حسابًا وقناة، يفضح دولة بجميع مؤسساتها ويُعرِّف العالم بالظلم الذي يقع على الأطفال فيها وقد تسبب في هجرة عشرات الآلاف من الأسر خارج السويد ووصل صوته إلى بعض الدول الأعجمية.

الأسرى والمعتقلون: عقيدةٌ صحفية

وليس ملف الغرب وحده ما شغله. فمن أوائل ما تبنَّاه، ومن أثبت ما بقي عليه، ملفاتُ المعتقلين والمقهورين في غياهب السجون.

ولم يكن صوتًا لمن في مصر وحدها، بل امتد قلمه وعدسته لتوثيق أنين المستضعفين في شتى بقاع الأرض، فجعل من منصاته نافذةً لمن لا نافذة له، ومنابر لمن غُيِّبوا خلف القضبان.

وله في هذا سلسلةٌ قائمة باسم «سلسلة الأسرى والشهداء» تجاوزت ستًّا وعشرين حلقة، وسلسلة «صوت الناس»، وسلاسل أخرى كثيرة تهتم بقضايا الأمة.

وقد جعل نصرة المسجونين عقيدةً صحفية لا يحيد عنها؛ فلم يداهن السلطات القمعية، ووظَّف خلفيته الشرعية والإعلامية معًا في تفكيك سرديات الطغيان التي تبرِّر قهر الشعوب واعتقال المصلحين. وهذا باب من أنفع ما عمل، وهو الباب الذي يفرِّق بين الإعلامي الذي يبحث عن قصة وبين الذي يحمل قضية.

مقارعة الاستبداد وعالمية القضية

وقد أدرك مبكرًا أن قضايا المظلومين مترابطة، وأن من يُقهر في سجون أنظمة الشرق هو نفسه المظلوم المعتدى على هويته في مؤسسات الغرب. ومن هنا اتسم خطابه السياسي بالشمول والغيرة، وامتنع أن يفرِّق بين مظلومٍ ومظلوم بحسب هوية الظالم.

وهذه في ميزان أهل السنة نقطةُ قوةٍ ظاهرة. فإن من أعظم آفات الخطاب المعاصر أن يكون الرجل شديدًا على الظلم إذا صدر من خصمه، هيِّنًا عليه إذا صدر من حليفه: يصيح لضحايا الغرب ويسكت عن ضحايا الشرق، أو يصيح لضحايا الشرق ويلتمس لجلادي الغرب المعاذير. والشرقاوي في هذا الباب متسق: لا يعتذر لمستبدٍّ عربي، ولا يجامل دولةً غربية، ولا يجعل الاستقرار الزائف عذرًا للقهر.

واستخدم التدوين المرئي سلاحًا لكسر التعتيم الإعلامي الممنهج ضد القضايا العادلة، مؤمنًا بأن السكوت عن نصرة المقهورين والمطالبة بفك العاني خيانةٌ لأمانة الكلمة. وهذا هو معنى قوله عن نفسه إنه صاحب «إعلام حر»؛ فالحرية عنده ليست حياد المتفرج، بل انحيازٌ معلن إلى المظلوم.

«المسلمون في الغرب» و«اللقاء المفتوح»

وأما مشروعه المركزي الذي عُرف به فهو ملفُّ المسلمين في الغرب. وقد أدرك بثاقب نظره أن هناك جبهةً إعلامية شبه فارغة، هي معاناة المسلمين في المهجر، فركَّز جهده على ملفين في غاية الخطورة:

  1. الأول: اختطاف أطفال المسلمين، كما في قضايا «السوسيال» في السويد وغيرها، والظلم الممنهج الواقع على الأسر المسلمة هناك.
  2. الثاني: تفكيك السردية الغربية التي تفتن الشباب المسلم وتعرض عليه الهجرة خلاصًا.

وأنتج في هذا السياق سلاسل، أبرزها:

  • سلسلة «المسلمون في الغرب»: توثيقٌ متتابع لمعاناة حقيقية، وقد بلغت اثنتين وسبعين حلقة ومئات المقاطع المتفرقة، ينقل فيها قصصًا واقعية وتجارب ونصائح للأسرة المسلمة، ومنها حلقاتٌ خُصِّصت لـ«العائدين من الغرب»، وهي من أنفع ما فيها؛ إذ الشهادة من راجعٍ جرَّب أبلغُ من تحذير واعظٍ لم يجرِّب.
  • سلسلة «جنة الدجال»: وهو عنوانٌ يحمل دلالةً عقدية كما تقدم، وتحته «أخبار جنة الدجال» و«لقاءات جنة الدجال»، يعرض فيها ما ينشر في الغرب نفسه من أخبار الانحلال والجريمة وأحوال المسلمين هناك.
  • سلسلة «اللقاء المفتوح»: منصةٌ تفاعلية سمحت لمتابعيه بالمشاركة في نقل تجاربهم وآرائهم، فتحوَّلت القناة بها من مجرد ناقلٍ للخبر إلى صوتٍ للضحايا. وهذه من أذكى أدواته؛ فإنه بها حوَّل جمهوره من متلقٍّ إلى مراسل، وصار عنده من الشهود ما لا تملكه قناةٌ بميزانية.
  • وله فوق ذلك سلاسل: «اختفاء الأطفال في الغرب»، و«الطفل المسلم»، و«الهجرة إلى إسبانيا»، و«درع الأمة»، و«أسباب النصر»، و«حوارات الإيمان»، و«قصة كتاب»، و«مجالس أدبية»، و«قصة وعبرة»، و«قال الإمام»، و«أولئك آبائي».

وتكشف أرقام القناة عند إعداد هذه الترجمة عن اتساع أرشيفها؛ ففيها «اللقاء المفتوح» (570 حلقة)، و«قصص الغرب» (291)، و«الهجرة العكسية» (128)، و«جنة الدجال» (118)، و«الرد على الحدادية» (108)، و«ماذا يحدث للأطفال في السويد» (102)، و«الهجرة إلى ألمانيا» (92)، و«الكيبوب والأنمي» (73)، و«المسلمون في الغرب» (72)، و«الرد على صابر مشهور» (66)، و«الدراسة في الغرب» (43)، و«الرد على محمد الفايد» و«الزواج في الغرب» (24 حلقة لكل منهما)، و«كشف أكاذيب المتبطحين» (21)، و«الزواج في كوريا واليابان» (16).

وقد كتب في هذا الباب مقالًا محرَّرًا بعنوان «الهجرة إلى الغرب ومفاهيم يجب أن تُصحَّح لإزالة اللغط واللبس»، نشره في 4 من مايو 2023، فرَّق فيه بين من اضطرته الحرب إلى اللجوء وبين الهجرة الاقتصادية من بلادٍ آمنة، وحذَّر من فساد الدين وضياع الأجيال، وقال فيه كلمةً تلخِّص خطابه كله: «من يحذِّرك من البقاء في الغرب لا يكرهك، وربما يكون سببًا في نجاتك».

وهو في هذا الملف كله صحفيٌّ شجاع، وظَّف الإعلام في نصرة المستضعفين، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال]. ويُحسب له أنه ربط الإعلام بالهمِّ الإسلامي العام، وتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة. ويُحسب له انضباطه بالخلفية الشرعية التي اكتسبها في شبابه، والتي عصمته من الانزلاق في خطاباتٍ حقوقية علمانية تُرضي الغرب وتخالف الشريعة، فهو لا يستجدي إنصافًا بميزان خصمه، ولا يعتذر عن أحكام الشريعة أمام «قيم العصر».

مواقفه من قضايا الأمة

فلسطين وغزة

هي القضية التي لا ينقطع عنها. ولا يزال إلى اليوم يثبِّت على قناته في تيليجرام منشورًا يوميًّا عن غزة: عن الجوع والقتل والحصار، يذكِّر فيه بالدعاء والتبرع والنشر. وله سلسلة الأسرى والشهداء. وموقفه في هذا الباب موقف أهل السنة: الاحتلال احتلال، والإبادة إبادة، والتطبيع خيانة.

التطبيع

عُرف عنه في صفحاته الاعتراض على تدرُّج الأنظمة الخليجية في تطبيع العلاقات مع أمريكا وإسرائيل، وهو مما رصده عليه التقرير السويدي في معرض توصيفه لاتجاهه.

الاستبداد والطغاة

تقدم موقفه، وهو الذي بُنيت عليه خصومتُه مع التيار المدخلي. وقد رُمي بالتكفير والخروج من أجله.

التشيع السياسي

من مواده المنشورة مقالٌ بعنوان «شرح خطورة التشيع السياسي الذي يمارسه سلامة عبد القوي وأمثاله»، نُشر في أبريل 2026. وله منشورٌ مطوَّل يردُّ فيه على من ناقشه في مسألة إيران وسلمان الفارسي رضي الله عنه والولاء الإسلامي. وهذا موضعٌ يُحسب له؛ فإن التفريق بين نصرة فلسطين وبين تمرير المشروع الطائفي من أدقِّ ما يزلُّ فيه الإعلاميون.

الإلحاد والشبهات

على قناته سلسلة «الرد على عدنان إبراهيم» في إحدى عشرة حلقة، وعلى موقعه قسمٌ كامل للرد على الشبهات، ومقالاتٌ في نقد الخطاب التنويري ومنها مقالٌ حول فيلم «الملحد» لإبراهيم عيسى بعنوانٍ يلخص حجته: «لماذا تُستهدَف اللِّحى ويُترَك الفساد؟».

المرأة والأسرة والشباب

له مقالاتٌ من جنس «كوريا الجنوبية ليست دراما: فخ الزواج الذي تصطاد به بعض المراهقات المسلمات»، وهو بابٌ قلَّ من يلتفت إليه من الإعلاميين، ويدل على متابعة لصيقة لما يقع في أوساط الشباب فعلًا لا لما يُظن أنه يقع.

معركة السنوات الأخيرة: الغلو في التبديع

ثم كانت للرجل في السنوات الأخيرة وجهةٌ جديدة، هي من أنفع ما اشتغل به: التصدي لتيار الغلو في التبديع والتجريح.

فأنشأ سلسلة «الرد على المداخلة» في عشرين حلقة، ثم توسَّع فأنشأ «موسوعة الحدادية»، وهي مشروع توثيقي مستقل بموقعه الخاص، أعلن إطلاقه في بثٍّ مباشر في أغسطس 2026.

من خاصمه ولماذا

خاصمه من ثلاث جهات، ومن أعجب أمره أن كل جهة رمته بضد ما رمته به الأخرى.

  1. الجهة الأولى: الإعلام السويدي والغربي والمؤسسات البحثية التابعة له. وحاصلُ ما رموه به: التطرف، نشرُ التضليل، واستغلالُ مآسي الأسر.
  2. الجهة الثانية: تيار المداخلة وأشباهه. وقد أخرجوا عليه مقاطع متتابعة في أواخر 2022 ومطلع 2023 واتهموه بالتكفير.
  3. الجهة الثالثة: تيار الحدادية يتهمه بالإرجاء والتجهم!

فتأمَّل: تيارٌ يرميه بأنه خارجيٌّ مكفِّر، وتيار يرميه بأنه مرجئٌ جهمي، ومن اجتمع عليه هذا التناقض فالغالب أن الرامي إنما يرمي بما في يده لا بما في المرمي.

الغربة وثمنها

ولهذا الرجل من المحنة نصيبٌ لا يُغفل، وإن لم يكن سجنًا ولا محاكمة.

فقد هجر بلاده بعد أن ضاقت عليه، وهو اليوم مقيمٌ في تركيا بحسب بعض المعلومات التي نشرها خصومه، وهذا الأمر تنتشر حوله معلومات كثيرة متضاربة، ومن ذلك إقامته في إندونيسيا وماليزيا وألمانيا وبريطانيا، وهي دعاوى غير مؤكدة. لكن المؤكد أن الرجل يعمل من المنفى ولا يحب إظهار معلوماته الشخصية ويطالب خصومه بالتركيز على محتواه لا شخصه.

ومصرُ التي وُلد فيها وتعلَّم فيها الصحافة هي البلد الذي لم يعد له فيه مكان. وهذه مفارقةٌ تستحق أن تُقرأ: أن يقضي رجلٌ معظم عمره في القاهرة، فيتعلم فيها الخبر والمهنة والناس، ثم يخرج منها فلا يستطيع أن يمارس ما تعلَّمه إلا وهو بعيدٌ عنها بألفي كيلومتر. وليس هذا حاله وحده، بل حال طبقةٍ كاملة من صحفيي جيله.

ما بنى: من قناة إلى منظومة

ومن أراد أن يزن رجلًا فلينظر ما بقي بعده لا ما قيل عنه. وهذه جملة ما بناه إلى تاريخ هذه الترجمة:

  • قناة «شؤون إسلامية» على يوتيوب: أكثر من 7300 مقطع، وأكثر من مليون وسبعمئة ألف مشترك.
  • موقع shuounislamiya: قائمٌ منذ 2016، وفيه أقسام: الرد على الشبهات، ومقالات مختارة، والسير، والوسائط المتعددة.
  • موسوعة الحدادية: موقع مستقل أُطلق في أغسطس 2026، فيه أكثر من ألف وتسعمئة مقطع مفهرس، وعشرات المقالات والردود وتراجم الرموز.
  • «مِداد الخطيب»: معاون بالذكاء الاصطناعي لصياغة الخطب والكلمات الشرعية على منهج أهل السنة، ينتفع به مئات الخطباء حول العالم، وتدعمه مجموعة تضم أكثر من ألف مشترك، مع استقبال طلبات جديدة بصورة يومية.
  • منظومة «البحث والرد على الشبهات»: نماذج متخصصة لطلاب العلم والدعاة وأصحاب القنوات، ومعها بوت على تيليجرام تجاوز عدد الأسئلة المجاب عنها من خلاله ألف سؤال.
  • «أبطال الأخلاق»: موقع تفاعلي لتعليم الأطفال الأخلاق والآداب الإسلامية وتدريبهم عليها بأسلوب جميل يناسب أعمارهم.
  • «المسابقة الكبرى»: مسابقة إسلامية شاملة لمختلف الأعمار والمجالات، أُوقفت مؤقتًا بعد نشرها لمراجعة نحو عشرة آلاف سؤال مراجعة علمية دقيقة.
  • تطوير المواقع والخدمات الإسلامية: خدمة تقنية مجانية لمساعدة أصحاب المواقع الدعوية غير الربحية في تطوير مواقعهم وخدماتهم.
  • أدوات كروم نافعة وسهلة: إضافات مجانية بديلة للأدوات المدفوعة أو المزعجة، منها إضافة «نسق»، وأداة تغيير اتجاه الكتابة، وإضافة «ذكر».
  • رواية «أُورِسْكَا: آخر همسات الأندلس»: نشرها في 23 من فبراير 2026، وقنواتٌ فرعية ومحتوى للطفل المسلم، وأناشيد، ومحتوى بالإنجليزية والفرنسية، وبودكاست.
  • ومن كتبه الفكرية والنقدية: «سقط القناع: ما كشفته غزة عن زيف الحضارة وأخلاقيات الحرب المدهشة في الإسلام»، و«هناك إله عظيم: رحلة عقل من الشك إلى اليقين»، وكتابٌ في نقد الشحارير ومنكري السنة، و«لا لأمريكا وإسرائيل ولا إيران»، و«النصرة الزائفة: كيف استغلت إيران دماء غزة لخدمة مشروعها الطائفي».
  • ومن رواياته: «ليلة اليقين»، والرواية الاجتماعية «المرأة التي في رأسي»، التي تحمل العبارة: «تزوجتُها… ثم اكتشفتُ أنني كنتُ أبحث عن امرأةٍ في خيالي».
  • ومن قبل ذلك: صحفٌ ومواقع إخبارية أسَّسها، وأجيالٌ من الصحفيين والإعلاميين دربهم. ومساهماتٌ بارزة في العمل الخيري والدعوي، ومشروعات كثيرة يديرها لخدمة الإسلام وطلاب العلم.

شمائل وملامح

يُعرف الرجل من مادته أكثر مما يُعرف من وصف واصف.

فمن دأبه: أن رجلًا واحدًا أخرج أكثر من سبعة آلاف مقطع، وأدار أربعة مواقع، وأصدر موسوعة، ومشاريع إعلامية كثيرة، وبنى أدوات لخدمة طلاب العلم بالذكاء الاصطناعي، وكتب روايات كثيرة، وهو في غربة، وهذه غزارةٌ لا تُفسَّر بالطموح وحده.

ومن ذكائه في الصنعة: أنه فهم أن الجمهور مصدرٌ لا متلقٍّ، فبنى «اللقاء المفتوح» و«صوت الناس» فصار عنده شبكة مراسلين لا يدفع لهم أجرًا؛ وأنه يقتنص من الصحافة الغربية نفسها ما يستشهد به عليها.

أثره

وأثره يُقاس بثلاثة:

  • في الوعي: أدخل ملف المسلمين في الغرب إلى الوعي العربي العام إدخالًا لم يسبقه إليه أحد بهذا الحجم. وقبل سنة 2022 كان الكلام عن «السوسيال» حديثَ مجالس بين المهاجرين؛ وبعدها صار حديثَ ملايين، وموضوعَ بيانات حكومات، وعنوانَ دراسة أكاديمية. ومن استطاع أن ينقل قضيةً من مجلسٍ خاص إلى طاولة دولة فقد فعل شيئًا.
  • في الناس: فتح لأسرٍ محرومةٍ من الكلام بابًا. وسواء أصاب في التفاصيل أم أخطأ في بعضها، فقد سمع من لم يسمعهم أحد.
  • في الصنعة: أثبت أن رجلًا واحدًا بمنصة يستطيع أن يشغل مؤسسات دولة كاملة. وهذا الدرس يُقرأ من وجهين: قوةً لمن يريد أن ينصر حقًّا، وخطرًا على من لا يضبط ما ينشر.

الخلاصة النهائية

قلتُ: فالحاصل أن مصطفى الشرقاوي صحفيٌّ مسلمٌ وإعلاميٌّ صادق الغيرة، اجتمع فيه ما يتفرق في غيره: غيرةٌ شرعية على ثوابت الدين، وشجاعةٌ سياسية في وجه آلة القمع، والتزامٌ ثابت بقضايا المستضعفين. جعل من عدسته وقلمه نافذةً لآلام أمته، ولم يقتصر على التنظير المجرد بل خاض في وحل الواقع دفاعًا عن حقوق المظلومين، فهو صوتُ حقٍّ يُشكر سعيُه، ومقاتلٌ إعلامي شحذ أدواته لخدمة المستضعفين.

وليس عالمًا يُستفتى في النوازل الشرعية، ولا يدَّعي ذلك لنفسه، وهذا من إنصافه. بل هو ثغرٌ إعلاميٌّ متقدم. فيُتابَع في توثيقه لمعاناة المسلمين وفي فتح المنابر للمظلومين، ويُشكر على كشفه زيفَ «جنة الدجال» وعلى تحذيره من الاغترار بها، ويُشكر على وقوفه في وجه الغلو في التبديع بعد أن أفنى أهلُه أعمارهم في إسقاط أهل السنة باسم السنة، ويُنتفع بمشروعاته في تحصين الوعي وخدمة الخطباء وطلبة العلم. ولا يُتابَع في الفتوى فذلك بابٌ يُحال فيه إلى أهل العلم لا إلى أهل الخبر.

وهكذا انتقل الشابُّ الذي كان يجلس في آخر الحلقة يحمل كاميرا ليسجِّل درسًا لعشرين رجلًا، إلى واجهة المشهد يحمل همَّ أمة، فصارت شاشتُه مسجدًا أوسع، يصدع فيه بما يراه حقًّا، ويأوي إليه من لا مأوى لصوته. وبقيت الكاميرا هي الكاميرا، وإنما تغيَّر ما تصوِّره: كانت تنقل الدرس، فصارت تنقل الجرح. ومن عرف أول الطريق فهم آخره: فإن من تعلَّم في حلقةٍ أن الخبر أمانة، ثم صار المنبرُ بيده، فهو مأخوذٌ بالأمانتين معًا: أمانةِ أن يقول، وأمانةِ أن يتثبَّت قبل أن يقول.

نسأل الله سبحانه أن يحفظه ويسدِّده، وأن يبارك في جهده وعمله، وأن يجعل ما نصر به مظلومًا في ميزان حسناته، وأن يغفر له ما جاوز فيه القصد، وأن يرزقه من التثبُّت ما تصير به كلمتُه حجةً لا تُردُّ، وأن يثبِّته على الحق، وينفع به المسلمين، ويقيَه فتن الشبهات والشهوات، وأن يفكَّ أسر المأسورين الذين نذر قلمه لهم، ويردَّ أطفال المسلمين إلى حجور أمهاتهم وإلى دين آبائهم.

كُتبت هذه الترجمة يوم السبت 2 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 15 من أغسطس 2026 م، بناءً على ما وقفنا عليه من كلامه المنشور ومنصاته ومقالاته، ومن المصادر المؤيدة والناقدة المتاحة إلى هذا التاريخ. وسيرةُ رجلٍ ما زال يعمل كلَّ يوم أوسع من أن يحيط بها جمعٌ في مجلس واحد، فما لم يُذكر هنا فمن قصور الجمع لا من قلة المادة، ومن وقف على ما يزيد فيها أو يصحِّح منها فليُتحفنا به مشكورًا.

نُشرت هذه السيرة في ، وآخر تعديل لهذه الصفحة في . طول السيرة نحو 4559 كلمة.
أرسل رابطها إلى من يهمه الأمر.