عبد العزيز الطريفي

عبد العزيز الطريفي
عبد العزيز الطريفي
الاسم الكاملعبد العزيز بن مرزوق الطريفي
الكنية
  • أبو عمر
  • أبو يوسف
النسبالأسلمي الشمري
الميلاد7 ذو الحجة 1396هـ / 29 نوفمبر 1976م
مكان الميلادالكويت
البلدالسعودية
المهنةعالم ومحدِّث وفقيه وباحث شرعي
التخصصالحديث وعلله، والفقه، والتفسير، والفكر الإسلامي
شيوخه
  • عبد العزيز بن باز
  • محمد عبد الله الصومالي
  • صفي الرحمن المباركفوري
  • عبد الله بن عقيل
  • عبد الرحمن البراك
أبرز الأعمال
  • «التحجيل في تخريج ما لم يخرج من الأحاديث والآثار في إرواء الغليل»
  • «زوائد سنن أبي داود على الصحيحين»
  • «التفسير والبيان لأحكام القرآن»
  • «الفصل بين النفس والعقل»
  • «العقلية الليبرالية في رصف العقل ووصف النقل»
  • «تعظيم النبي وحكم التعرض»
التصنيفدعاة وعلماء

الشيخُ المحدِّثُ الفقيه، العالمُ المحقق، صاحبُ العلل والتصانيف، أبو عمر وأبو يوسف: عبد العزيز بن مرزوق الطريفي.

وُلد بدولة الكويت يوم الاثنين السابع من ذي الحجة سنة 1396 هـ، الموافق 29 من نوفمبر 1976 م. والطريفي، كما قال السيوطي في «الأنساب»، بفتح الطاء وكسرها، بطنٌ من طيء؛ وهو ينتسب إلى الأسلم من شمر.

رجلٌ ابتدأ الحفظ في الثالثة عشرة بمتن «البيقونية»، فلما بلغ السابعة عشرة كان قد اختصر بيده «تفسير ابن كثير» كاملًا و«زاد المعاد»، وفهرس «فتاوى ابن تيمية» مستخرجًا قواعدها وأعلامها وبلدانها ومذاهبها؛ ولما بلغ الثامنة عشرة كان قد فرغ من المتون إلى الأصول الستة يقرؤها واحدًا بعد واحد. ثم مضى يحفظ في اليوم ثلاثين حديثًا إلى خمسين بأسانيدها، ويقرأ عشر ساعات إلى ثلاث عشرة، تبلغ في الإجازات خمس عشرة. فلما بلغ الرابعة والعشرين أخرج «التحجيل»، فكان أفضل عمل علمي في المملكة لسنة 1422 هـ.

ولم يكن هذا كلَّه علمًا يُدَّخر في الرفوف. فقد جمع الرجل ما تفرَّق في غيره: علمَ محدِّثٍ يحفظ الطرق والعلل، وفقهَ رجلٍ استوعب مسائل الأئمة الأربعة من دواوينها لا من مختصراتها، ووعيَ رجلٍ قرأ خصومه في كتبهم هم، ففتح رسائل الفارابي وأرسطو وقسطا بن لوقا، وتابع ما تنشره «دار الساقي» في لندن و«دار رياض الريس» في بيروت، حتى صارت في مكتبته مئات الكتب والدوريات من ذلك النوع.

ثم خرج من هذا كلِّه بحكمٍ واحد: أن المدارس التي راجت على المسلمين اليوم صورٌ للمدارس الغربية، وأن الشيوعية فُتن بها الناس زمنًا ثم ماتت وكُفِّن بها أصحابها، وأن العلمانية والليبرالية تابعتان لها في المصير.

وهنا موضع الرجل من زمانه. فقد كان الزنديق ينال من الدين فيصمت الجميع إلا من رحم الله، فيتكلم هو وحده؛ حتى قيل فيه: كان أمةً وحده. لم يكن من المشايخ المنزوين جانبًا يؤثرون السلامة طلبًا لرياسة أو خوفًا من سلطان، بل كان في قلب الحدث: يتصدى للرافضة في سوريا والعراق، ويقف سدًّا أمام حملات التغريب في بلاده، ويسخِّر الفضائيات ووسائل التواصل تسخيرًا بديعًا للذبِّ عن حياض الدين. وما شرِق العلمانيون والليبراليون بأحدٍ مثل ما شرقوا بردوده وتعريته لهم.

ثم كانت مواقفه التي لا تُنسى: قال في السيسي إنه ليس حاكمًا متغلبًا بل ظالمٌ يجب أن يُنتصر منه للمظلومين، وإن ما يجري في مصر حربٌ على الإسلام. وقال في سوريا إن من نظر إليها بوصفها أزمة قُطرٍ أو عِرقٍ فقد أخطأ الداء فأخطأ الدواء، وإن مخاطبة المنظمات الإنسانية بلغة إنسانية مخاطبةُ عدوٍّ لا مخاطبةُ صديق.

وقال في ليبيا: اللهم اسمع واشهد، وكن حسيب الظالم. وقال في قناة العربية كلمةً سارت مسير المثل: لو كانت في زمن النبوة ما اجتمع المنافقون إلا فيها، ولا أُنفقت أموال بني قريظة إلا عليها. وقال وقد زار أوباما بلاده: يظن بعض الحكام أن تنازله عن بعض دينه إرضاءً للكفار سيوقف ضغوطهم، وكلما نزل درجةً دفعوه أخرى.

فمُنع من إلقاء المحاضرات سنة 2011. ثم اعتُقل يوم السبت 15 من رجب 1437 هـ، الموافق 23 من أبريل 2016 م، على أثر إنكاره تقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأُشيع يومها أنه في مكان لائق لمناقشة بعض الأمور.

فمضت على ذلك «المناقشة» عشر سنين وأربعة أشهر إلى يوم كتابة هذه الترجمة، لم يظهر فيها ولم يدرِّس ولم يبلغ طلابه منه حرف.

وهذه سيرته.

محتويات
  1. 1 بيتٌ تنقّل بين ثلاث بلدان
  2. 2 صبيٌّ في الثالثة عشرة يبدأ بالبيقونية
  3. 3 ثلاثون حديثًا في اليوم بأسانيدها
  4. 4 ما قرأ
  5. 5 في مجلس ابن باز
  6. 6 أسانيد من اليمن والمغرب والهند
  7. 7 من الوزارة إلى الشبكة
  8. 8 التصانيف
  9. 9 طريقته في العلم وأدبه في التلقي
  10. 10 التاريخ عمرُ الإنسان الحقيقي
  11. 11 دخل بيوت خصومه فعرف أثاثها
  12. 12 حقٌّ لا يملك أحدٌ إسقاطه
  13. 13 عالمٌ في قلب الحدث
  14. 14 سياطُ الإعلام
  15. 15 الحرية والعدل والمظلوم
  16. 16 سمتُه ومجلسه
  17. 17 مكانٌ لائق لمناقشة بعض الأمور
  18. 18 الخلاصة النهائية
  19. 19 سجل المصادر

بيتٌ تنقّل بين ثلاث بلدان

وُلد خارج بلاده لظروف عمل الوالد وطلبه الرزق، رحمه الله؛ فقد خرج الوالد في فتوته قبل الستينات الميلادية أو في أوائلها، فكان يتردد بين الكويت والموصل ومصر، وأقام خارج المملكة نحو عقد ونصف. وفي تلك الرحلة وُلد الشيخ وإخوته، ويقول عن نفسه: ولجتُ عدة دول ولمَّا أميِّز. ثم عاد الوالد إلى السعودية قبل أن يميِّز ابنه، فاستقرت الأسرة بالرياض.

وكان البيت محافظًا قريبًا من مجالس العلم والقرآن، وهي البيئة التي تصنع طالب العلم قبل أن يعرف أنه طالب علم.

وفي الرياض تشكَّلت ملامحه العلمية مبكرًا، ثم أنهى الدراسة الجامعية في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

صبيٌّ في الثالثة عشرة يبدأ بالبيقونية

ابتدأ حفظ المتون في سن الثالثة عشرة، وأول متن حفظه «البيقونية» في المصطلح. ويصف طريقته الأولى بأنها كانت غير منضبطة، ثم انضبطت في الخامسة عشرة، فبدأ القراءة الكثيفة والحفظ، فقرأ حينها عشرات المجلدات: «تفسير ابن كثير» و«زاد المعاد» و«سيرة ابن هشام» و«فتاوى ابن تيمية» المرة الأولى وغيرها.

ولم يكن أكثر تحصيله من الحِلَق. فقد كان حضوره للدروس قليلًا، نحو ثلاثة دروس في الأسبوع، وأغلب ساعاته في القراءة والتلخيص، من غير لزوم فنٍّ بعينه: في العقيدة والسنة والفقه والسيرة والتاريخ واللغة والشعر والأدب.

وهنا مفتاح تكوينه كله: التلخيص. فقد وجد فائدة اختصار الكتب المطوَّلة عظيمة، فاختصر في سن السادسة عشرة والسابعة عشرة «تفسير ابن كثير» كاملًا، و«زاد المعاد»، وأجزاءً من «المغني»، وأجزاءً من «فتاوى ابن تيمية»، بيده، ولا يزال يحتفظ بها في مكتبته. واختصر نحو شطر «الاستذكار» لابن عبد البر، فاعتنى بضبط مسائله وحفظ الشواهد الشعرية التي يوردها. ووضع فهرسًا مخطوطًا لفتاوى ابن تيمية استخرج منه القواعد الفقهية والحديثية وغيرها والأعلام والبلدان والمذاهب.

ولك أن تتصور صبيًّا في السابعة عشرة ينسخ بيده تفسيرًا في مجلدات، لا لينشره ولا ليُقال عنه شيء، بل ليدخل الكتاب في رأسه دخولًا لا يخرج بعده.

وحفظ في سن البلوغ وما قبله وبعده بيسير كثيرًا من المتون: «الأصول الثلاثة» و«كشف الشبهات» و«كتاب التوحيد» و«فضل الإسلام» و«المنظومة الرحبية» و«بلوغ المرام»، ومئات الأبيات الشعرية من الشواهد وغيرها، وذلك إلى سن الثامنة عشرة.

ثم في تلك السنة بدأ في «صحيح البخاري» فـ«صحيح مسلم» فـ«سنن أبي داود» فبقية الأصول. وشرع في حفظ مسائل «شرح الزركشي على مختصر الخرقي»، وهو سبع مجلدات في مذهب أحمد، حتى بلغ كتاب الصلاة ثم توقف، فبدأ بحفظ روايات المذهب منه. واعتنى بضبط مسائل «منار السبيل» لابن ضويان وأدلته. وأخذ «الرسالة» لابن أبي زيد القيرواني في فقه مالك، وقرأ من شروحها نحو خمسة.

فانظر إلى فتًى لم يبلغ العشرين وقد أحاط بمذهب أحمد رواياتٍ، وبمذهب مالك متنًا وشروحًا، وبالأصول الستة قراءةً. وهذه وحدها تفسِّر ما جاء بعدها.

ثلاثون حديثًا في اليوم بأسانيدها

أما الحديث فيحفظه بالتكرار، وهي الطريقة المعتادة؛ لكنه ينبِّه إلى أن الإشكال في المداومة لا في الطريقة، فالانقطاع يورث صعوبةً في العودة إلى الحفظ. وقدر ما كان يحفظ في اليوم من ثلاثين حديثًا إلى خمسين، قد تزيد وقد تنقص.

وأما الأسانيد فله فيها ميزان الصنعة: يحفظ ما عليه مدار الحديث إذا كان صحيحًا، فإذا كان معلولًا مشكلًا حفظ جميع طرقه في الغالب. وهذه وحدها تعريفٌ برجلٍ من أهل العلل؛ فإن حفظ الطرق كلها لا يحتاجه إلا من يريد أن يحكم، لا من يريد أن يروي.

وأما ساعاته فغير منضبطة، تتراوح بين العشر والثلاث عشرة بحسب الأيام والفصول، وقد تزيد في الإجازات إلى خمس عشرة ساعة بين قراءة وكتابة.

ما قرأ

قرأ من كتب السنة جُلَّها: «سنن البيهقي»، و«سنن سعيد بن منصور»، و«صحيحي ابن خزيمة وابن حبان»، و«مصنَّفي ابن أبي شيبة وعبد الرزاق» أكثر من مرة، و«المحلى» لابن حزم عدة مرات، و«الأوسط» لابن المنذر، و«معرفة السنن والآثار» للبيهقي، و«سنن الدارقطني»، و«المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية»، وأكثر الأجزاء الحديثية المسندة. وكان فقه السلف في هذه الكتب محلَّ عنايته.

ويلحق بهذا كتب العلل: «شرح علل الترمذي» لابن رجب، و«علل الدارقطني»، و«علل ابن أبي حاتم»، و«علل ابن المديني»، و«علل ابن معين»، و«علل الخلال»، و«علل أحمد».

وفي الفقه استوعب المذاهب من دواوينها. ففي فقه مالك: «التمهيد» و«الاستذكار» لابن عبد البر، و«المدونة»، و«المقدمات»، وجملة من شروح «الرسالة». وفي فقه أبي حنيفة: «الحجة على أهل المدينة»، و«الآثار» لأبي يوسف ومحمد بن الحسن، و«حاشية ابن عابدين». وفي فقه أحمد: جميع مسائل الإمام مما وقف عليه، برواية عبد الله وصالح وابن هانئ ومهنا والخلال وأبي داود والكوسج، وما نُقل عنه في غير المسائل كـ«طبقات الحنابلة»؛ ومن الكتب «شرح الزركشي» و«الشرح الكبير» و«كشاف القناع» و«منار السبيل» مرارًا. وفي فقه الشافعي: «الأم» و«المجموع» و«الشرح الكبير».

وفي التفسير عُني بالمسند منه: «تفسير ابن جرير»، و«ابن أبي حاتم»، و«البغوي»؛ وقرأ «تفسير ابن المنذر» مخطوطًا قبل أن يُطبع، وقرأ قطعة «تفسير عبد بن حميد» المخطوطة الموجودة في حاشيته، وقرأ «تفسير ابن كثير» بل اختصر فوائده. وله قراءات متفاوتة في «القرطبي» و«ابن عطية» و«الزمخشري» و«الثعلبي».

وفي التاريخ: كتب الطبقات، و«تاريخ الإسلام» للذهبي، وأجزاء من «شذرات الذهب»، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر، و«البداية والنهاية».

وأما تقييد الفوائد فله فيه مذهب: في كتب السنة لا يكاد يدوِّن شيئًا، لأن مثلها يصعب تدوينه، وإنما يحرص القارئ على استذكار موضع الفائدة واستحضاره. وأما غيرها فإما تلخيص الكتاب كله وهو نادر جدًّا، وإما تدوين رؤوس المسائل التي يُخشى فواتها على غلاف الكتاب، فإن احتيج إلى المزيد كُتب في ورقة ووُضعت داخل الكتاب لتراجَع عند الحاجة.

في مجلس ابن باز

شيوخه يتفاوتون في طول التلقي وقدر الاستفادة، وأجلُّهم الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، حضر دروسه نحوًا من أربع سنين تخللها فوتٌ يسير.

وأخذ عن الشيخ محمد عبد الله الصومالي المكي شيئًا يسيرًا، وهو من أهل العلم المعمَّرين الحفاظ، يُقصد من القريب والبعيد والكبير والصغير، قليل ذات اليد. وأخذ النحو والصرف عن الأستاذ حسن الأثيوبي. وأخذ عن الدكتور الأديب محمد أجمل الإصلاحي، عضو مجمع اللغة العربية بدمشق، ووصفه بأنه عالم أديب متواضع، وبقيت بينهما صلة وزيارات وثيقة. وأخذ عن الشيخ صفي الرحمن المباركفوري، وعن الشيخ محمد البرني الهندي في «فتح الباري»، وعن الشيخ عبد الله بن عقيل رئيس اللجنة الدائمة في مجلس القضاء، وعن الشيخ عبد الرحمن البراك شهورًا يسيرة في «الاعتقاد» للبيهقي، وقرأ على الشيخ عبد الكريم الخضير «الباعث الحثيث» فقط سنة 1418 هـ، وقرأ على الشيخ صالح آل الشيخ في مجالس يسيرة من «مفردات غرائب القرآن» للراغب الأصفهاني ومن «سنن أبي داود» نحو سنة 1418 هـ.

وهو يصف حاله معهم بإنصافٍ لا يزيد على نفسه: جلُّ ما تلقاه عنهم سماعًا من الدروس، وقراءتُه على العلماء قليلة، إنما قرأ على بعضهم شيئًا يسيرًا من «سنن أبي داود» و«البخاري» وبعض كتب علوم الآلة.

أسانيد من اليمن والمغرب والهند

وله إجازات في الرواية لا بأس بها عن جماعة: محمد عبد الله الصومالي، والدكتور سهيل حسن عبد الغفار، والدكتور محمد لقمان الأعظمي الندوي، ومحمد البرني الهندي، ومحمد المنتصر الكتاني المغربي، والشيخ الأديب عبد القادر كرامة الله البخاري، والعلامة الأديب محمد بو خبزة الحسيني المغربي، ومحمد إسماعيل العمراني اليمني، والعلامة عبد الله بن عقيل الحنبلي، وعبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي، وغيرهم.

ومن أطرف ما يُروى في هذا الباب أنه زار الشيخ عبد القادر كرامة الله البخاري سنة 1417 هـ، وكان الشيخ يومئذ يقول: عمري اثنان وتسعون عامًا؛ فأهدى إليه قصيدةً بخط يده، ومقطوعاتٍ أدبية، وكتاب «فهرس الفهارس» للكتاني. وكانت بينه وبين العلامة محمد بو خبزة مراسلاتٌ قديمة، عنده منها شيء بخطه.

على أن رأيه في الإجازات رأي رجلٍ لا تستهويه الزينة. يقول: فيها شرف الاتصال بالسالفين وعلى رأسهم خير الخلق صلى الله عليه وسلم، ولكن فائدتها ليست بتلك، ومع شرف الانتساب فلها فائدة حفظ الكتب من التشكيك فيها أو في نسبتها إلى مؤلفيها. ثم ينبِّه على من يبالغ فيها فيضيِّع عمره في تتبعها ومطاردتها في البلدان سفرًا وترحالًا، ويعدُّه جهدًا ضائعًا.

وله رحلات في العالم الإسلامي إلى المغرب وتونس ومصر والهند، منها ما كان لطلب العلم والجلوس إلى المشايخ، ومنها ما كان لغرض علمي آخر. وأكثرها أثرًا في نفسه رحلته إلى الهند، أقام بها مدةً طويلة يطلب العلم ويزكِّي نفسه في جوٍّ مُعين على ذلك. وله في أهل الحديث بالهند تحريرٌ يدل على دقة نظره التاريخي: هم جماعة نشأت في مواجهة التعصب للمذهب الحنفي قصدًا للدليل، ولم يكونوا في أول أمرهم على عقيدة صافية، بل كان فيهم النقشبندي والديوبندي والماتريدي؛ فأصل المسمى ليس سلامة المعتقد بل التحرر من التقليد الفقهي، ثم صُحِّحت عقائدهم بعد اتصالهم ببلاد أهل السنة والجماعة.

من الوزارة إلى الشبكة

عمل باحثًا علميًّا في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ثم مديرًا لإدارة البحوث والدراسات في مركز البحوث والدراسات، ثم باحثًا علميًّا فيه.

وكانت له إلى جانب عمله دروسٌ متتابعة في الرياض تُنقل مباشرةً عبر الشبكة، فبلغت مجالسه من لم تبلغهم القاعة. وقد شرح أو علَّق على أكثر من عشرين كتابًا، بعضها مرارًا: «شرح العلل» لابن رجب، و«علل ابن المديني»، و«المنتخب من علل الخلال»، و«سنن الترمذي» وأنهى ثلثيها، و«المحرر» لابن عبد الهادي وانتهى من قريب ثلثيه، و«كتاب التوحيد» لابن عبد الوهاب مرارًا، و«التمييز» لمسلم، و«نخبة الفكر» مرارًا، و«الموقظة» للذهبي مرارًا، و«الأربعين النووية» مرارًا، و«صحيح البخاري» إلى كتاب الصلاة، و«زاد المستقنع». وله دروس في «أحاديث الأحكام الصغرى» للإشبيلي، و«لمعة الاعتقاد»، وغيرها.

وتأمَّل في هذه القائمة: أكثرها كتب علل ومصطلح ونقد. فهذا رجلٌ اختار أن يعلِّم الناس كيف يميِّزون الصحيح من السقيم، لا أن يعطيهم النتائج جاهزة. ومن علَّم الناس الميزان فقد أعطاهم ما ينفعهم بعده.

التصانيف

أول ما نشر «التحجيل في تخريج ما لم يخرج من الأحاديث والآثار في إرواء الغليل»، فرغ منه سنة 1420 هـ وهو في الرابعة والعشرين تقريبًا، ونُشر سنة 1999 م. جمع فيه المرفوع والموقوف على الأصحاب مما أورده ابن ضويان في «منار السبيل» ولم يخرِّجه العلامة الألباني رحمه الله في «إرواء الغليل». وقد اختير أفضل عمل علمي في المملكة لسنة 1422 هـ، كما نشرت ذلك مجلة «الدعوة» في عددها 1856 في مسابقتها السنوية. طُبع في مجلدين بدار الرشد بالرياض.

ثم «زوائد سنن أبي داود على الصحيحين والكلام على علل بعض حديثه»، في مجلدين، بمكتبة الرشد بالرياض وملتقى أهل الحديث بمكة.

و«شرح حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم»، أصله دروس في بيان ما تضمنه الحديث من أحكام وفوائد في صفة حجة الوداع؛ طُبع سنة 1424 هـ الموافق 2003 م بدار الرشد.

و«الإعلام بتوضيح نواقض الإسلام»، أصله دروس في شرح نواقض الإسلام؛ طُبع سنة 1425 هـ الموافق 2004 م بدار الرشد.

و«توحيد الكلمة على كلمة التوحيد»، رسالةٌ إلى أصحاب الدعاوى الباطلة الذين يقولون بتوحيد الكلمة ولو على حساب التوحيد الخالص؛ طُبعت سنة 1426 هـ الموافق 2005 م.

ثم أربع محاضرات ألقاها بالرياض سنة 1427 هـ الموافق 2006 م فكُتبت وطُبعت: «العلماء والميثاق»، و«الغناء في الميزان»، و«المعتزلة في القديم والحديث»، و«أسانيد التفسير».

و«صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم»، مجموعة محاضرات اعتنى بإخراجها وتوثيق نصوصها الدكتور ماهر الفحل، وخرجت من دار المنهاج بالرياض.

و«الأربعين النووية المسندة والتعليق على المعلول منها» مذكرةً، و«المسائل المهمة في الأذان والإقامة» مطبوعًا في جزء بمكتبة الرشد، و«المراجعة لطبعة الكتب الستة» بطبعة دار السلام.

وله في الاعتقاد والفقه والفكر: «المغربية في شرح العقيدة القيروانية»، و«الخراسانية في شرح عقيدة الرازيين»، و«التفسير والبيان لأحكام القرآن»، و«الحجاب في الشرع والفطرة»، و«الاختلاط: تحرير وتقرير وتعقيب» سنة 2010 م، و«تعظيم الله تعالى وحكم شاتمه»، و«تعظيم النبي وحكم التعرض»، و«العقلية الليبرالية في رصف العقل ووصف النقل»، و«واجبنا تجاه هجوم العلمانية والليبرالية».

وأشهر ما انتشر له بين الشباب وطلبة العلم «الفصل بين النفس والعقل»، لما جمع فيه من معقول ومنقول بطريقة عجيبة فريدة.

وله رسالة في بعض التيارات سماها «الحرية بين الفكر والكفر»، لم يؤذن لها بالنشر. وله من الكتابات ما لم يُخرجه، قال إن منها ما لم ينضج، ومنها ما لم يناسب وقتُ إخراجه.

طريقته في العلم وأدبه في التلقي

له في الجواب طريقة فريدة: يؤصِّل المسألة، ثم يأتي بكافة الأقوال المشتملة عليها، ثم يبني بعد ذلك قوله. ولهذا كان الإقبال عليه في الفتوى أكبر من غيره؛ فإن السائل يخرج وقد عرف المسألة لا الجواب فقط.

وهو يأتي بالنقولات كما هي في الكتب، ويفهم ما يقول فهمًا متقنًا، وقد خبر مسائل الفقه والحديث. ومع ذلك سمتٌ وأدبٌ وأخلاق واحترامٌ لمن يجالسه.

وأما ما يُثار حول ترجيحاته فجوابه فيه: ما أذكر أني رجَّحت قولًا وليس لي فيه سابقٌ وسلفٌ معتبر؛ ولكن ربما استشكل الإنسان قولًا لأنه لم يسمع به في بلده أو عند علمائه وهو قولٌ معروف له دليله. ثم يحرِّر أصل الإشكال تحريرًا بديعًا: قد يُطبِق أهل بلدٍ على عمل ضعيف فيظن بعض الناس أن عملهم إجماع وما خالفهم شذوذ، وهذا واقعٌ في العصور الأولى؛ فقد يعمل البصريون قاطبةً بما يخالف أهل المدينة أو مكة أو العكس، ولو أفتى بصريٌّ بقول المكيين عُورض وشُدِّد عليه. ثم يقول: لا اعتراض على الاعتراض، وإنما الاعتراض على التشنيع والتجهيل.

وقاعدته في الفتوى: حال الفتوى راقب من يعلم السر والعلن لا غيره، وزِن الأمور بميزان القسط؛ فما كلُّ حقٍّ يُقال، ومن الحق ما يجب أن يُقال ولا بد.

وأما أدبه في التلقي فيصدِّر به حديثه عن نفسه، فيقول: على متلقي العلم إن رام الفائدة أن يقصدها ولا يهتم بقائلها ما دام على معتقد صحيح؛ والناس في هذا بين طرفي نقيض: إما واردٌ على كل منبع، وإما حارمٌ نفسه من الفائدة لأنه لا يأخذ إلا ممن يهواه ويوافقه. ثم ينشد لابن رشيق القيرواني:

خذ العلوم ولا تحفل بناقلها واطلب بذاك وجه الخالق الباري

أهل الروايات كالأشجار يانعةً كل الثمار وخلِّ العود للنار

ويستحسن قول الخليل: أعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي، ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري.

ومن أدبه أيضًا قوله في مخالفيه: حينما يخالفك غيرك لا يعني أنه عدو لك، بل يرى نفسه في سفينةٍ أنت فيها، فإن لم يأخذ على يديك غرقتَ وغرِق ومعكما المجتمع كله؛ فلا بد أن نأخذ على أيدي بعض، فلا أحد معصوم. ثم يقول: نحن في هذا البلد في مركب واحد يجب أن نتدارك فيه أخطاءنا بالحسنى واللين، بعيدًا عن الظنون وقلب المصطلحات والمعاني. ويحذِّر من داءٍ سماه مستفحلًا: انشغال بعضهم عن الواضحات إلى لَيِّ عنق الألفاظ والمعاني حتى يشكِّل منها أفكارًا وعقائدَ لأشخاص؛ وإن وجد أمثالُ هؤلاء آذانًا صاغية فذلك نذير خطرٍ وشؤم. ويختم بأن أصحاب التيارات التغريبية تمكَّنوا في ظل هذا الصراع من رمي شباكهم، ووقع في شراكهم شيءٌ مما يريدون، ونحن نفتِّش عن النوايا والمقاصد.

وحين قيل له إن كلامه يُساء فهمه قال ما يكشف قلبه: كم تمنيتُ أن يُعلم أني من أشد الناس تألمًا لما يحدث في هذا البلد في كل فتنة، وأني ربما لا ألتذُّ بنومٍ لأجل فتنةٍ نزلت، أو دمٍ سُفك، أو مالٍ هُدر بغير حق، أو قالةٍ تروج بين الناس، أو تجرؤ ناشئةٍ حدثاء في أمور مصيرية. ثم قال: ولكن هناك من لا يريد إلا شيئًا واحدًا منك، ولو تحدثت بكل خيرٍ وفضل لاقتنص المشتبه من بين حديثك ليكون له ما يريد. ثم قرَّر: لم يُفرض على العقلاء على مر العصور ألا يقولوا شيئًا حتى يعرضوه على غيرهم ليُجاز، بل يقولون ما يرونه حقًّا ما داموا مستحضرين نظر الرقيب سبحانه. ورضى الناس غايةٌ لا تُدرك.

قلتُ: ومن قرأ هذه الفقرة عرف لماذا سُجن الرجل. فإن السلطان يحتمل العالم الذي يخطئ، ولا يحتمل العالم الذي لا يستأذن.

التاريخ عمرُ الإنسان الحقيقي

وله في التاريخ كلامٌ قلَّ أن يقوله محدِّث. يقول: التاريخ ومعرفته هي عمر الإنسان الحقيقي وخبرته، فينبغي أن يُكثر من قراءته؛ فكم من هو كهلٌ في معرفته وهو صغير السن في عمره، بسبب معرفته بالتاريخ والحوادث والوقائع والفتن، وكيف آلت، وحال أصحابها قبلُ وبعدُ، وكيف تعامل معها العقلاء.

ثم يقول: ولا يكاد يوجد واقعة إلا ولها نظير في التاريخ، ومن المؤسف حقًّا أن نرى أخطاء التاريخ تتكرر بسبب الجهل به. ويختم بحكمةٍ هي خلاصة قراءته في الطبقات والدول: والإعجاب بالعقل والرأي والتدبير في الأمور العظام داءٌ خطير جرَّ على الأفراد والشعوب والحكام الويلات والنكبات.

دخل بيوت خصومه فعرف أثاثها

وله قراءات متفاوتة في الأدب: «العقد الفريد»، و«زهرة الآداب»، و«المقامات»، وكتب الجاحظ بالأخص، وإن كان لا يعدُّ نفسه مكثرًا.

وأما الفكر فقد نزل ميدانه نزول العارف. قرأ في العلمانية والليبرالية والرأسمالية والاشتراكية والشيوعية، وفي التيارات المنتسبة إلى الإسلام، وتابع المجلات والدوريات في هذا الشأن، وقرأ المقالات في الصحف اليومية لخطوطها العريضة؛ ثم حكم على متابعة الصحف بوضعها الراهن بأنها إهدارٌ للوقت والجهد، غثٌّ وغثاء وعبث. وتابع ما تنشره دور النشر المعنية بالأفكار الغربية بالعربية، كـ«دار الساقي» بلندن و«دار رياض الريس» ببيروت، حتى صار في مكتبته مئات الكتب والدوريات من هذا النوع، قرأ منها شيئًا واطلع على الجميع مرورًا.

وقرأ في الفلسفة: «رسائل الفارابي» و«السياسة المدنية» له، وبعض رسائل أرسطو، وقسطا بن لوقا، وأرطميدورس الإفسي، وبعض المنتسبين إلى الإسلام كابن سينا وابن ملكا وابن رشد. ثم أفتى في هذا الباب بما يخرج من تجربة لا من تخوُّف: بعد قراءتي لها ولنظائرها لا أنصح بقراءتها إطلاقًا.

فهذه القراءات عنده أداة فهمٍ للواقع لا باب تبنٍّ. وخلاصته فيها حكمٌ تاريخيٌّ كامل: كل المدارس الفكرية التي راجت عند بعض المسلمين والعرب ما هي إلا صور للمدارس الغربية، من آثار الانفتاح على الأمم الأخرى كما حصل في القرن الثالث والرابع وما بعدها؛ وكل حضارة قوية لها أتباعٌ ومقلِّدة، فإذا تلاشت تلاشوا معها. فالشيوعية فُتن بها الناس زمنًا، ثم ماتت وكُفِّن بها أصحابها، وهكذا ستتبعها العلمانية والليبرالية، والتاريخ مليء بذلك ولكننا لا نقرأ.

حقٌّ لا يملك أحدٌ إسقاطه

ومن أوضح مواقفه وأشدها تحريرًا موقفه في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم. قرَّر أن من استهزأ برسول الله، أو وقع في عرضه، أو تنقَّصه، أو لمزه في نسبه أو هيئته أو قوله أو مطعمه ومشربه، فذلك كله داخلٌ في دائرة الاستهزاء وحكمه واحد: الكفر والقتل على قول عامة العلماء؛ بل حكى بعض المتقدمين الإجماع على قتل من استهزأ به، وأنه لا يُستتاب.

ثم قرَّر الأصل الذي يُبنى عليه هذا كله: أن الله عز وجل لم يجعل مقام النبي صلى الله عليه وسلم لأحد، وإنما هو حقٌّ مشاعٌ لهذه الأمة عليها أن تحفظه، ولا يملك أحدٌ منها إسقاط الحق. ومن كفر بالله فليس لأحدٍ أن يسقط حق الله في ذلك. وحقُّ رسول الله لا يملكه أحدٌ من ذريته ممن يرجع إلى آل البيت، ولا يملكه سلطان، ولا عالم، ولا أحدٌ من المسلمين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الله حقه في زمنه لأمة الإسلام، وليس له أن يسقط حقه في الوقيعة فيه، فمن بعده من باب أولى.

ثم يرتِّب على ذلك واجبًا على الحاكم قبل المحكوم: أن من أعظم مهام الولاية ومن أعظم أسباب البقاء حفظَ مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنكارَ ما يُستهزأ به من ذوات أو معانٍ، وصيانةَ ذلك وحمايته، وبيانَ فضله ومقامه لمن يجهل منزلته من عامة الناس ومن المنافقين، وإظهارَ ذلك في وسائل الإعلام.

عالمٌ في قلب الحدث

مزج الرجل العلم بالعمل، فلم يكن ممن يؤثر السلامة، بل كان يعيش عصره لحظةً بلحظة؛ فما من حدثٍ أو هجمةٍ على الدين إلا وتجده حاضرًا يصدُّها ويجلِّيها بحجته ومنطقه.

ففي مصر، سُئل عن السيسي فقال: ليس حاكمًا متغلبًا، بل ظالمٌ يجب أن يُنتصر منه للمظلومين، وما يحدث في مصر حربٌ على الإسلام. ثم زاد بيانًا: من عرف الفريقين بمصر، القالبَ والمقلوب، ومسافةَ كلٍّ منهما من الحق والباطل، عرف أن ما حدث صراعٌ بين إسلامٍ وكفرٍ ونفاق.

وفي ليبيا، رسم للنصرة وجهين: أولهما إظهار حق المظلوم بالتظلم والانتصار ودفع الأذى عن نفسه بما لا يُفسد معه دمًا ولا مالًا ولا ينتهك عرضًا. وثانيهما بيان ظلم الظالم وصنوفه، ليعلم العالم البعيد عن الساحة حالهم مع الظلم وطول أمده، وجرأة الظالم على الخالق والمخلوق، وصبرهم عليه عقودًا؛ فإن اتضاح ذلك للناس دعوةٌ للعذر، وتثبيتٌ للمظلوم أن ينتصر ويصبر ويثبت، وأنه على الحق حيًّا وعلى الشهادة ميتًا إن صدق في نيته، ودعوةٌ للمخذِّل أن يقف عن خذلانه. ثم قال قولةً لا تُقال إلا من قلبٍ محترق: وإن المشاهِد للدماء التي تُراق بلا تمييز في ليبيا لا يملك إلا أن يقول: اللهم اسمع واشهد، وكن حسيب الظالم، واحكم بينه وبين المظلوم يا خير حاكم.

وفي سوريا حرَّر أصل النظر: إذا نظرنا إلى أزمات المسلمين، أو إلى الأزمة السورية خاصة، على أنها أزمة قُطرٍ أو بلدٍ أو عِرق، فهذه النظرة جزءٌ من الخلل في القضية وفي معالجاتها؛ فإذا لم نعرف الداء لم نعرف الدواء. ثم قرَّر: هذه القضية حربٌ على الإسلام، والتآمر فيها عالميٌّ دولي، ومخاطبة المنظمات والهيئات والجمعيات الإنسانية بلغةٍ إنسانية مخاطبةُ عدوٍّ من جهة الحقيقة لا مخاطبةُ صديق.

ثم أقام الحجة بالمقارنة، وهي أبلغ من كل تعليق: لما حوصر اليزيديون أُسقط عليهم الطعام بالطائرات، ولما وُجدت كوارث لغير المسلمين بادروا بإغاثتهم وإنقاذهم؛ ولكن ما يتعلق بالمسلمين، لا في سوريا ولا العراق ولا اليمن ولا بورما وغيرها، فكأن هؤلاء ليسوا من الجنس البشري. ثم خلص إلى الواجب: يجب أن نعلم أن القضية قضية حربٍ على الإسلام، لا قضية إنسانية بحتة ولا قضية قُطر؛ فليتكاتف المسلمون وليعرفوا العدو وإن اختلفت الأيدي.

وكان مع هذا يتصدى للرافضة في سوريا والعراق، ويقف سدًّا منيعًا أمام حملات التغريب في بلاده، صادعًا بالحجة والبرهان، لا يخاف ولا يكلُّ ولا يملُّ.

سياطُ الإعلام

وله في الإعلام كلامٌ من أدق ما قيل فيه. قال في قناة العربية: لو كانت في زمن النبوة ما اجتمع المنافقون إلا فيها، ولا أُنفقت أموال بني قريظة إلا عليها.

وقال: العقل يتأثر بكثرة نقده كما يتأثر الجسد بكثرة ضربه فيستسلم؛ تُضرب العقول بسياط الإعلام، فإذا خضعت قالوا: هذا اختياره وحريته، وهذه الديمقراطية.

وقال: الغرب أشغل العالم بحرب الاستبداد على الأبدان، وتسلَّل من تحته لاستبداد العقول وجَلْدها بالإعلام لتذعن لفكره؛ وهل الأبدان إلا جثثٌ تسوقها العقول.

وقال: ما تفعله كثيرٌ من وسائل الإعلام من عرض المنكرات وسوسةٌ وتشجيعٌ للنفوس بالمنكر، كوسوسة إبليس لآدم بأكل الشجرة، ولو تركه ما فكَّر بها.

الحرية والعدل والمظلوم

ومن جوامع كلمه التي سارت بين الناس:

دستور الأمة القرآن، وحامله رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعلماء ورثة الأنبياء، والعلماء باقون ما بقي الإسلام إلى قيام الساعة؛ فالأمة ظاهرةٌ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ويظن بعض الحكام أن تنازله عن بعض دينه إرضاءً للكفار سيوقف ضغوطهم، وكلما نزل درجةً دفعوه أخرى؛ فالثبات واحد والضغط واحد، وغايتهم ﴿حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة].

والحرية أكثر معاني اليوم تشويهًا؛ أناسٌ تسمي عبودية الهوى حرية، وأناسٌ تجعل عبودية البشر خيرًا من الحرية. ومن عبَد الله حق العبودية صحَّ له ميزان الحرية.

ولا يُعفى أحدٌ من العلماء من بيان المظالم للناس وخطرها، ووجوب رفعها عن المظلوم، وعاقبة الظالم في العاجل أو الآجل.

وأخطر أعداء الأمة منافقوها؛ ينشغلون بتشويه مصلحيها ليضعفوهم، ويسكتون عن مفسديها ليقووهم، كانوا يسخرون من الصحابة ويسكتون عن يهود المدينة.

ومن قرأ كلام اليهود بالعبرية وجده يشابه كلام المنافقين بالعربية، والفرق اختلاف اللغة؛ وخفايا القلوب تُخرجها الشدائد والمحن.

قلتُ: وهذه الأخيرة كأنها كُتبت عنه هو. فقد جاءت الشدة فأخرجت ما في القلوب، فثبت هو، وسكت من سكت.

سمتُه ومجلسه

هو بحرٌ في العلم، متَّقد الذهن، ذكيٌّ نبيه، عقله أكبر منه بكثير. يحفظ عشرات المتون وآلاف الأبيات، بل يحفظ من الكتب ما يحفظه كاملًا. ومع ذلك أدبٌ وسمتٌ واحترامٌ لمن يجالسه.

ولم يكن له قناة رسمية ولا جهازٌ يصنع له حضورًا؛ وإنما انتشرت مقاطعه ومنشوراته على منصات التواصل فبلغت ملايين المشاهدات والمشاركات، بحبِّ الناس له وتعلقهم به. وهذا من أصدق ما يُعرف به الرجل: أن يبلغ هذا المبلغ بلا آلة تصنعه.

وهو من القلة النادرة التي لم تنفصل عن الواقع ولم تتقوقع في برجٍ عاجي، بل كان دائم التفاعل مع قضايا أمته، يتطرق إليها ناصحًا من غير مبالغة ولا إسفاف. وذلك حين فضحت مأساةُ المسلمين في الشام والعراق ومصر وغيرها عوارَ كثيرٍ من الرموز الدينية والسياسية والإعلامية وجبنَهم وتخاذلهم.

مكانٌ لائق لمناقشة بعض الأمور

في سنة 2011 مُنع من إلقاء المحاضرات. فما تغيَّر لسانه.

ثم كان يوم السبت 15 من رجب 1437 هـ، الموافق 23 من أبريل 2016 م. اعتُقل الشيخ عبد العزيز الطريفي على أثر إنكاره تقليصَ صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقبل ذلك بقليل كان قد كتب في زيارة أوباما لبلاده تلك الكلمة عن الحاكم الذي يتنازل عن بعض دينه فلا يزداد إلا ضغطًا.

وفي اليوم نفسه نُشرت رسالةٌ ذُكر أنها وردت من جوَّاله: أنه ليس بمعتقلٍ ولا موقوف، بل في مكانٍ لائقٍ لمناقشة بعض الأمور.

فمضت هذه «المناقشة» عشر سنين وأربعة أشهر إلى يوم كتابة هذه الترجمة. لم يُسمح له بظهور، ولا تدريس، ولا تواصلٍ مع طلابه. وتشير شهادات متداولة من مقربين وحقوقيين إلى أنه تعرَّض خلال سجنه لانتهاكات ومعاملة قاسية، شأنه شأن عددٍ من العلماء والدعاة الذين طالتهم حملة الاعتقالات في تلك الأعوام، فوُضع بعضهم في ظروف احتجاز صعبة، ومُنعوا من الزيارة ومن التواصل مع أسرهم ومن الحصول على حقوقهم النظامية.

ولم يُعرف عن وضعه الصحي ولا عن ظروفه شيءٌ مؤكد، في صمتٍ رسميٍّ تام وتكتُّمٍ شديد على ملفه. وأما التهم فمعلَّبة جاهزة للاستعمال في كل وقت: الخارجية والتحريض على ولاة الأمر، أو التطرف والتكفير. وليس في كلامه في التكفير وما شابهه ما يخالف أقوال علماء أهل السنة والجماعة، فرميُه بذلك محضُ افتراء.

وا أسفاه على أمةٍ تعرف عالمها بالغياب أكثر مما عرفته بالحضور. وقد كان يوم اعتُقل في ذروة عطائه: حاضرًا بعلمه، قويًّا بحجته، قريبًا من الشباب، مؤثرًا في أوساط طلاب العلم؛ فترك غيابُه في الساحة العلمية فراغًا لم يُسدَّ إلى اليوم.

ولا يزال محبوه ينتظرون خروجه، يتداولون كلماته ومؤلفاته ومحاضراته، ويستشعرون غياب عالمٍ كان أثره ظاهرًا وصوته مسموعًا، قبل أن يغيِّبه الاعتقال عن الناس وعن منابر عرفته ثابتًا ناصحًا صريحًا.

الخلاصة النهائية

قلتُ: فالحاصل أن عبد العزيز بن مرزوق الطريفي عالمٌ محدِّثٌ فقيه، من أهل السنة والجماعة، جمع بين آلة المحدِّث وسعة الفقيه ووعي المؤرخ ونفاذ الناقد. وقد بلغ من التحصيل في العشرين ما لا يبلغه أكثر الناس في الخمسين، وحفظ من الحديث وأسانيده وعلله ما جعله من أهل الصنعة لا من أهل الحكاية، واستوعب مذاهب الأئمة الأربعة من دواوينها الأصلية، وصنَّف فأجاد حتى قُدِّم عملُه على أعمال أهل زمانه.

فيُؤخذ عنه علمُ الحديث وعللُه وتخريجُه، وتُقرأ شروحه على «شرح العلل» و«الموقظة» و«نخبة الفكر» و«التمييز» فإنها من أنفس ما يبني آلةَ طالب العلم. ويُنتفع بفقهه ومنهجه في تحرير المسائل، فإنه يؤصِّل ثم يستوعب الأقوال ثم يبني. ويُتابَع في تقريره لحق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه حقٌّ مشاعٌ للأمة لا يملك سلطانٌ ولا عالمٌ إسقاطه. ويُتابَع في تحريره لقضايا الأمة: أن ما جرى في الشام والعراق ومصر حربٌ على الإسلام لا نزاعُ أقطار، وأن نصرة المظلوم واجبٌ لا يُعفى منه عالم. ويُتابَع في نقده للإعلام وكشفه أن استبداد العقول أخطر من استبداد الأبدان. ويُقتدى به في أدبه: أن تُقصد الفائدة ولا يُحفل بناقلها ما دام على معتقدٍ صحيح، وأن المخالف ليس عدوًّا، وأن رضى الناس غايةٌ لا تُدرك فلا يُطلب على حساب الحق. وأما ما رُمي به من التكفير والخروج فبهتانٌ لا يقوم عليه من كلامه دليل، ولا يحلُّ ترديده.

وأعظم ما يُذكر له أنه لم يفصل بين ما يعلم وما يقول. فكم من عالمٍ حفظ الأصول الستة ثم لم يجد في نفسه ما يقول به كلمةً واحدة حين احتيج إلى الكلمة. أما هذا فقد قرأ في التاريخ حتى صار التاريخ عمره الثاني، وقرأ في الفلسفة والليبرالية حتى عرف من أين تؤكل الكتف، ثم لم يستعمل ذلك كله في الترخُّص، بل استعمله في الثبات. وهذا هو الفرق بين من يجمع العلم ليُقال، ومن يجمعه ليُقاوم.

ولقد صدق حين قال إن خفايا القلوب تُخرجها الشدائد والمحن؛ فقد جاءت الشدة فأخرجت ما عنده. رجلٌ كتب أن الحاكم كلما نزل درجةً دُفع أخرى، ثم سُئل أن ينزل درجةً فأبى، فدخل السجن ولم يخرج.

ومن قرأ سطره ذاك ثم قرأ تاريخ اعتقاله علم أنه كتب حكم نفسه بيده وهو يعلم، وأن الكلمة إذا صدرت عن يقينٍ لم تعد ملكًا لصاحبها. فمضى إلى ما مضى إليه وهو يقول ما قاله في ليبيا: اللهم اسمع واشهد.

وها هي عشر سنين وأربعة أشهر، والصمت مطبق، والرفوف مليئة بكتبه، والمنصات تعيد نشر كلماته على من لم يولد يوم سُجن. فيا لله، كم أرادوا أن يُسكتوه فأسمعوه من لم يكن ليسمعه.

اللهم يا من لا يعجزه شيء، فُكَّ أسر الشيخ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي، وارفع عنه ما نزل به، وعجِّل بخروجه سالمًا معافًى إلى أهله وطلابه ومحرابه. اللهم كما حفظ سنة نبيك صلى الله عليه وسلم بأسانيدها وعللها فاحفظه، وكما صان مقام نبيك أن يُنتقص فصُنْه، وكما لم يسكت عن مظلومٍ فلا تكِله إلى من لا يرحمه، واجعل ما مضى عليه في محبسه رفعةً في درجاته وحطًّا لخطاياه، وردَّ إلى الأمة علمه غضًّا كما كان، وفُكَّ أسر إخوانه من العلماء والدعاة المحبوسين على كلمة حق، إنك سميع مجيب.

سجل المصادر

  • حوارٌ مطوَّل أجراه معه أحد طلابه، وفيه تفصيل نشأته وطريقته في الحفظ والقراءة والتلخيص، وذكرُ شيوخه وإجازاته ومقروءاته ومشروحاته، وجوابُه عما يُثار حول ترجيحاته. وهو أوثق ما في هذه الترجمة، إذ هو كلامه عن نفسه.
  • محاضراته ورسائله المطبوعة، ومنها «العلماء والميثاق» و«المعتزلة في القديم والحديث» و«الغناء في الميزان» و«أسانيد التفسير».
  • منشوراته وكلماته المتداولة في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مصر وليبيا وسوريا، وفي الإعلام والحرية والعدل.
  • تراجم منشورة له عند طلابه ومحبيه، وتعريفٌ صحفيٌّ بسيرته ومؤلفاته وتاريخ اعتقاله.
  • مجلة «الدعوة»، العدد 1856، في إعلان «التحجيل» أفضل عمل علمي في المملكة لسنة 1422 هـ.

كُتبت هذه الترجمة يوم الاثنين 10 من ربيع الأول 1448 هـ، الموافق 24 من أغسطس 2026 م، مما وقفنا عليه من كلامه عن نفسه ومن مصنفاته ودروسه ومواقفه المنشورة. وسيرةُ رجلٍ في مثل حاله أوسع مما يبلغه جامع، وما لم يُذكر هنا فمن قصور الجمع لا من قلة الفضل، ومن كان عنده مزيدُ خبرٍ عنه أو عن حاله اليوم فليُلحقه مشكورًا مأجورًا.

نُشرت هذه السيرة في ، وآخر تعديل لهذه الصفحة في . طول السيرة نحو 5024 كلمة.
أرسل رابطها إلى من يهمه الأمر.